( * ) - 4 -
مع انقشاع الصيف ، حملت حقيبتى وتأهبت للسفير ، وكان لا بد ان انتظر عيس تمر احدى الشاحنات الصغيرة ، المخصصة عادة لنقل البضائع أو الدواجن
وتجنيا للانتظار ، رأى أخواى الشاذلى والمولدى تشييعى الى محطة " سيدى علوان " . امتطي ثلاثتنا الكاليس وانطلق بنا الحصان ، يركض ركضا محموما ، متزنا ، تكاد من الركض يحن والناقوس فى رقبته يرن : شرن ، شرن ونحن صامتون . يقوم بيننا حائط لكأنه الغربة . وتتفجر فى اغوارنا زوابع وزوابع من الأخوة اللينة الأصابع
حدث أحيانا أن تبكى وجوهنا فى لحظات الفراق ، كما يحدث ان نتصافح بالأيدى ، فتنهمر الدموع ونحن نحاول حبسها ، أو نخرس لتستقر فى حلوقنا ساخ الملح وغصة بحجم المسافات الطويلة
قريتي تبتعد عن جسدى ويدى ، وهذه سبع كيلو مترات تضمحل ، وتسكيني في محطة " سيدى علوان " وجها كالحا
استحضرت نزقي وشخصيتي المرحة وسلمت على أخوى . أسديت لهما وكما تفق - نصائح عامة ، ووقفت أشيعهما بنظراتى الساهمة حتى ذابا فى آخر الأفق .
أتوجه إلى ) تونس العاصمة ) وعلى وجهى غبار الأرض المحروقة وكبت البدوى .
وجسدى زيتونة يصهد أغصانها الشهيلى ويتمكن بجذاذاتها جوع الى السماد قديم وحرمان هائل ، فعروقها بارزة ، جافة ، تكاد تنطق من شدة العطش
كنت فيما مضى مولعا الى درجة الافراط ، بالشعر . وكنت ككل المكبوتين فى تلك القرية أكتب شعرا ركيكا ، أعترف بعد هذه السنين التى مضت ، أني كتبت شعرا غزليا سمجا الى أبعد الحدود ، وانه بات كريها وبت كارها له لكن ، هذا الشعور ، ما كان ليمنعني من أن أحب الشعراء حبا ظل يتنامى مع الزمن
ربما لأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون وأنهم فى كل واد يهيمون . أو ربما لأنهم تعساء ، يعيشون الحيرة والقلق والحزن مثلى ، أو ربما لأني أحمل داخلى مشروع شاعر كيسول يحلم بالاشياء المستحيلة ، ويكون مريدا - فى كل يوم - لقصيدة شامخة ، لكن ، مع تأجيل التنفيذ
أنا بليد التفكير كالحمار . فعلا ، إني بليد التفكير كالحمار . والكل يعجب كيف أفلحت ونجحت * قال النعناعي ذلك البدوى النئ : أراهن على رجولتى ، إذا نجحت أنت أنا احلق شاربي هذا ، وانتف اللحية
- قلت بكل برودة دم : بل لا تزوجني بنتك اذا أنا خبت . وتأكدت بعد أن نجحت أن الكسالى يفلحون ، والنجباء يفشلون انها لعبة الحظ ، أو قل إنه التكتيك والذكاء فى احرج اللحظات
اذكر أني لما نجحت في الباكالوريا ، أحدثت ضجة فى القرية . وفي واقع لأمر ، ما من أحد كان يظن أن عبد الحميد ، ذلك الصعلوك المشاكس يمكن أن بنجح . بمشيئة من ؟ الله أعلم ، لا أنا أدرى بالضبط ولاهم يدرون . المهم ، أني نجحت بملاحظة : متوسط ، وخيبت الظن ، فما ذنبى إذن ؟ .
- قالت أمي : نذبح كبشا تكريما لعبد الحميد - فقال أبى : لا ، بل نذبح ذلك الديك المعلول - فقال أخي الصغير : لا ، بل نذبح الكبش يا أبى . من زمن ، لم تدخل انفي ريحة الزهومة . إنى قرمت والله العظيم ، إنى قرمت .
وانتهى أبى بالموافقة على القرار مرغما أو هكذا خيل الى فى تلك الايام ، عجت دارنا بالوفود المهنئة
وضاق المخزن بالمشروبات الغازية وصنادق السكر ، وقراطس الشاى وأحسست أني عضو صالح فى المجتمع . وان لى جذورا رفيعة تربطني بقريتي وتقول بأنى حي فى إطار حي . واني بالتأكيد ، أستحق الذكر . وهذا ، بطبيعة الحال ، يثير فى مجاهل نفسي النخوة والشموخ ومشاعر كثيرة .
لكن الأهم من كل هذا ، أني تمكنت من لقاء ) رية ( فى بيتنا المغلق على رائحة ذكية ، تشبه رائحة السكوم المهمل فى البرارى أحسست يومها أني إنسان جديد ، تهزنى أحاسيس جديدة وأن الاشياء كل الأشياء تتجدد من خلالى
أنستني لذة الرحيل الى الماضى ملل السفر الطويل . أخذت حقيبتى واتجهت فورا الى البيت الذى كنت أكثريته فى مستهل الصيف فى هذه المدينة ، نمت لى مخالب . وكنت مثل كل الغرباء ، أحمل في العينين : أفقا رحبا ، وفي اليدين : صحراء خصبة بالجفاف
غرفتى عورة لا يعرف أسرارها أحد . واطئة ، قذرة ، تقع فى حي مظلم من الاحياء العتيقة . كل البناءات تقريبا مجللة بالسواد ، تصدعت سطوحها وتخلل شقوقها الكلأ المتروك
سألتني صديقة دعوتها ذات حرمان الى بيتي - كيف تطيق الاقامة فى مثل هذا المكان ؟ كانت مغفلة لا تدري أني طالب جامعي فقير . واني على قدر فقى ، أمد رجلي . أحيانا ، تمسخ الحقائق حين ننظر الى الزيتونة على أساس أنها نخلة التمست مرة من والدى أن يمنحنى عشرين دينارا ، فكان أن لاذ بالسطح كالقط وهو يقول : - أنت خرجت من ذمتى . تكفيك المنحة التى تحصل عليها كل شهر . لى صغار مازالوا فى كفاتى .
هكذا يعتذر . ويتركني مفلسا ويدى مغلولة الى عنقى ، قابضة على السراب .
استلقيت على الفراش وكنت وأنا أفكر كجرادة تغرز ذنبها فى التراب ، كي تبيض . تذكرت انى منذ زمن طويل لم اذق طعم امرأة ، اللهم ، القاسمية ، تلك الزنجية اللائذة بالمنفي
فى جيبى دنانير معدودة . لكن ، لا يهم . أنا محتاج ، بل في منتهى الحاجة الى امرأة تقاسمني فراشى هذه الليلة ظللت بين لا ونعم . وفي ختام التفكير . قررت أن أقصد نهج " سيدى عبد الله فش " ذلك الماخور القذر ، وأطفئ غلى
فأنا لا استطيع أن أنتظر محي الليل ، لأنعم بالدفء رفقة مومس لا تعرف أصول الكيف الجنسي ، ولا تبادلني نفس التوحش والشهوة العنيفة إني أرفض أحيانا ، أن أفعل الفحشاء مع مومس . لا لشئ ، سوى لأنها نبدو لى ، باردة العاطفة ، كريهة الرائحة ، منطفئة ، تماما كالحثة
أنا ابحث عن الضرورة فى امرأة تمتاز بالعفة والتوهج والذوق الفنى الرفيع ، لا فى مهبل أتان موبوء تغزوه الحيوانات المنوية بين اللحظة واللحظة كالسرطان
بصراحة ، بت اعاف مثل هذه الأمور التافهة . وبت أتقزز ممن يتلفظ بالكلام البذئ ويتهافت على اللذة والمستنقعات الموحلة . وبت أعجب كيف يضمحل حجم الانسان ، فلا يرى الأفق إلا من خلال فخذى امرأة . ان وجهي يصفر خجلا بحمر سخطا عندما أصغى الى رجل طويل وفخم كننزل إفريقيا أو الهلتون يتفوه بكلام ، يقشعر من كراهته الجاد أو يضرب وتده فى العفن كالخنزير
بكل تأكيد ، أنا تغيرت . وبت أناهض الوجه المتمومس في الانسان . وها أني أبدأ برأسي لأحرره من الوحل وأنا أتسكع فى نهج ) أبن خلدون ( ، اعترضني صديقى مصطفى المدائني كان لوجهه لون الزعفران ولعينيه اتساع الأشياء المندهشة
وصديقي هذا ، يكتب القصة القصيرة ، ويكتب الرواية ايضا . واحر مرة ، طلعني على روايته الجديدة : الرحيل الى الزمن الدامى " واذكر أني نقدتها وعبت عليه تأثره بمحمود المسعدى فى "السد" والطيب صالح فى " موسم الهجرة الى الشمال " كنت كالحلزونة أتحرك في دائرتى الضيقة . وعندما عرفت مصطفى ، عرفت أصدقاء جددا ، بينهم الشاعر والناقد والقصاص . وكان فرحي شديدا بهذه الصداقات المختلفة . لكن ، ما أدهشني فعلا ، ان يكون سويلمي موجودا في هذه المدينة شاعرا عنيفا وبشرا لطيفا وأنا غارق في التفكير ، سألنى مصطفى : ما هى أخبار سويلمي ؟ قلت : لا أدري . ترك القرية منذ أيام بعيدة . وأظن ، مجرد ظن ، انه يوجد خارح الحدود ، وربما يعود قريبا . هاجس خفي يقول لى ، بان سويلمي سيعود .
فى المساء ، وككل المساءات القديمة من يوم الجمعة ، اجتمعنا فى " نادى لشعر " بدار الثقافة : ابن خلدون حدثتنا الشاعرة والناقدة الفلسطينية الزائرة : سلمى خضراء الجيوسى عن قضايا الشعر العربي المعاصر وقرأ بعض الشعراء الشبان نماذج من شعرهم . وبعد النقاش انسحبنا لنلتقى من جديد في احدى مقاهى المدينة
تحدثنا عن الالتزام في الأدب ، عن الغموض فى الشعر الشبابى ، عن الثقافة السائدة والثقافة البديل ، عن الشاعر الفلانى كيف يزوغ وينفعل ويفتعل التشنج في القاء قصائده ، فنشفق عليه أو تدعو له بالشفاء ) العاجل من لوياته العصبية . وفي صلب الحديث ، تردد ذكر سويلمي اكثر من مرة يبدو أنه شاعر أنموذج يحبه زملاؤه حبا جما . * قال آدم فتحى ، ) ناقد ادبى وعاشق المسافات الوعرة ( سويلمي إشكالية وكفى * وقال المنصف وناس ) ناقد ادبي أيضا ( : إن سويلمي لشجاع ، يتوغل فى النار ولا يحترق .
* وقال يوسف سلامة ، ) قصاص يبدو أنه يكابد قلقا دائما ( : إن سويلمي شفاف الى حد الغموض أحيانا * وقال عبد الحميد خريف ، ( الشاعر المبتلى بالسفر ( : لا تسألوني عن سويلمي ، إنه أعز الأحباب عندى ، ولكن ، على الرغم من وشائج الأخوة والحب التى بيننا ، ظل غامضا كأشد ما يكون الغموض
* وقال الصادق شرف ) الشاعر بطفولة في حديثه ، بطفولة في أشعاره ، وهو يتوجه الى هذه المرة وقد لاحظ اهتماما من طرفى بالموضوع ( : إذا كنت نبحث في سويلمي ، إقرأ هذه الأشعار التى كان يمدنى بها بين الحين والحين مشى معى خطوتين . سلمني ملفا ضخما ، وانصرف ، يتخلل المارة الصدى البعد وعدت أنا الى البيت ، مثقلا بالصمت كحمار أسفارا . أخذت أفلي الملف وأنا ممدود على الفراش . عملية ممتعة للغاية أن أتواصل مع سويلمي من خلال الكلمات
- كم أنت مغفل يا سويلمي ! تختفى وتترك بصماتك على الورق . أنت الان ضفدعة قيد التشريح أول قصيدة طالعتنى تحمل عنوان ) الكفن (
كان الصهيل يدق جمجمتى
صرخت ،
فكان أن وقعت مهاجممتى .
إذن !
سأكون من هذا الوطن :
وجها غنيا بالغضب .
) ملاحظة : الوطن ، أن نتعرى كما يجب ، وان نموت من أجل الحب كما يحب ، وان نشابك بين أيدينا ، دون اللجوء الى الكذب . وبخط فارسي أنيق ) يبدو أن سويلمي خطاط ممتاز ايضا ( قرأت ما يلى : * ) المواء الجديد ) :
تقف المسافات المضيئة فى دمي .
واكون هذا العام ممتلئا الى حد الشطط ،
بمواء قط لم يعش مثل القطط
ملاحظة : أنا شرس فى بعض الأحيان . أخرج من انسانيتى لأزرع الانسانية فى الانسان . ( * ( التعرى ) :
انا لست مجنونا ولكنني
إذا كنت مظلوما فانى أجن
ارى فى مسافاتى شباب امراه
ويحمر فى رأسى الهوى والوطن .
ملاحظة : يخيل الى أنى مضطهد . وأن البسمات ، كل البسمات التى بكيلها لى الأحباب المزيفون تتآمر على شنقي . لهذا السبب ، أنا سأفكر في السفر ) .
* ( الطريق ) :
أمهلينى لحظات
هذه الأفكار ليست مخلصه .
أمهلينى لحظات
فالأحاديث خرافات موات
أمهليني لحظات
وصديقى موحل ، ما أعوصه
أمهليني لحظات .
أمهليني لحظات .
هامش هام : يهمنى أن أهمل هذا الرأس . رأسى مثقل بالكراهية إني أكره هذه الطبقات التافهة من البشر ( .
* ( مكابدة ) :
شامخ باللظى والشذي
شامخ باحتمال الأذى ،
من لدن
ذلك البشر المضمحل
شامخ بالأمل . الى حمالة اللهب : أنا مستطيع بسلبياتى ، أتوقع نقصا فى شخصيتى فأعمل على كشفه حتى ينكشف ، فأبادر بالتقويض والتعويض بعد أن أجهزت على كامل الملف ، نمت نوما عميقا وفي الصباح ، حملت محفظتى وخرجت . التقيت صديقا يعمل فى حظيرة بناء . وضعته فى عينى حتى تعرى ، فرأيت فيه جمجمة تتعالى على عظامها : عمارة وحضارة صافحته بحرارة . ناولته سيفارو . وقال لى كلاما ، وقلت له كلاما وابتسمنا كما اتفق . كان طيبا حتى السذاجة ، وبسيطا حتى الشموخ . ضربت له موعدا وافترقنا
كانت الأرصفة زرقاء ، كزند فتاة طرية انحصر فيها السم . وكانت الوجوه مبثوثة هنا وهناك تتقاطع وتتخطف وتذوب ضحكت ضحكا لا معنى له . اشتريت جريدة وتخذت مكانا فى مقهى . وضعت ساقا على ساق وبدأت أقرأ أخبار السياسة والأدب والفن
فاجأني صديق كنت أحببته ذات يوم . قلت له : صباح الخير . ترجم تحيتي الصباحية الى الفرنسية وردها على . كان جاهلا أو هكذا خيل إلى غادرنا المقهى معا وكأنا لسنا معا فى طريقنا الى الكلية ، حدثني عن كل شئ ، ولم أفهم أى شئ . كان مزعاما ويجد لذة بالغة فى أن يكذب على
قال : في الصيف الفائت ، ذهبت الى هولندا وتعرفت الى شقراء حلوة شيعتنى حتى المطار وكلها دموع كان يكذب ولا شك . فهو فقير حتى أخر ذبذبة فى الآه وهو لن يذهب الى هولندا أو غيرها ، اللهم إذا .
توقف قليلا . توقفت بدورى . أخرج من جيبه صورة له مع احدى السائحات * اخزر ، إنها صورتى مع صديقتي الهولندية : ) تينا ( فى احواز هولندا - ولكنى ، أرى فى الصورة : نزل " حنبعل " ، وجملا خلفكها يمتطيه سائح وسائحة
* أنت لا تصدق ، كعهدى بك دائما - إن كنت تحملني على التصديق ، فانني صدقت يا صديقى ماذا يخبئ لي يومي هذا ؟ الى متفائل الى درجة التشاؤم و نزق الى أبعد حد . سأثرثر اليوم مع من ضمن لي الكراهية أو الحب وسأفتح قوسين أو أغلق قوسين
عند مدخل الكلية ، تحاوزني زميلي ليتركني مع زميل آخر مولع بالتواجد مع ظليلات الأجفان ضحكت معه عليه ، فلم يعبأ . كان حمارا بطئ الفهم . هناني بنجاحى فى دورة سبتمبر وفارقني إلى حيث لا أدرى . دخلت أتمطي كالقط وفى مشرب الكلية ، هتف بي زميل . شربنا على نخب اللقاء قهوة ودخنا السواقر حتى دخنا .
سألني عن سويلمي . قلت : لا أدري قال : ذلك مخلوق غريب ، وغامض يثير فينا الصمت والأسئلة . عرفته فى الكلية ، كنت وقتها فى سنتى الأولى وكان هو فى عامه الأخير وللمزيد من التفاصيل ، سأحيلك ، ان كنت ترغب فى ذلك ، على زميلة ، كان سويلمي يسكن اليها وكانت هى على ما يبدو تبادله نفس الشعور
انها فتاة سمراء منحدرة من الجنوب . وكان ينوى أن ينكحها ويستقر . وأذكر انه كان دائما يردد : نحن مقتننعان بهذا الارتباط . سنبني أنفسنا لكى لا يتهدم على رأسينا البيت فى مستقبل الزمن
احتلني صمت مفاجئ . ووجدتني غارقا فى تفكير ذي أنياب حادة
- يتبع -
