الفصل الثاني (*)
تغذينا والشمس تأخذ في الهبوط صعودا الى ليل ستخفيه . آثرنا العودة الى ديارنا قبل أن يداهمنا المساء . تشاغلت عن كل من حولى وما حولى . وفى الواقع ، كنت فى ذاك الحين مشغولا بشخص يهمنى. التقيت بها مغرب الشمس فى مطمئن من الارض. كانت تحمل في يد : قرطل عنب ، وفي أخرى : قرطل تين ، وتحت الأبط : حضنا من العليق علفا للارنب .
رية لا تقرمز شفتيها. رية فتاة حصان ورزان ، تدلك لغبها بالسواك حتى يحمر. رية بدوية فى كل ما فطرت عليه.
وضعت القرطلين أرضا. تلفتت يمينا وشمالا وصافحتنى. كان في عينيها خوف من مفاجأة قد تحدث ، ورغبة ملحاحة فى المكوث معى. وكانت - وهذا هو المهم - رائعة فى نظري وهي تحمل المعجر والقرط والخلخال والوشم بين الناظرين. سألتني تأجيل اللقاء.
فسألتها تحديدا للقاء ثان. فاتفقنا وافترقنا. وظلت نظراتى تلاحقها وأفكارى ، حتى اختفى وجهها فى الظلام. فى تلك اللحظات بالذات ، سمعت خرفشة فى الحصيدة. استدرت بوجهى.
كان خالى مسعود يتقدم نحوى . فى يديه : عنقود ثقيل من فخاخ الارانب ، ومخلاة معبأة بروث البهائم . ابتسمت فى وجهه بعفوية تامة. لم يعبأ بوجودى منفردا فى مكان خال . أشار على أن أرافقه. حدثني ونحن نسير جنبا الى جنب عن مسارب هامة تمر بها الارانب ليلا. وحدثني بالتفصيل عن معالف فى هذا الحقل أو ذاك ، بناها على شكل صفائح ، بفلاق من طوب طينى هش ، عمر بعضها بالحروب ، وبعضها الآخر بالخوخ أو التفاح.
وقال : ان معالف كثيرة استأنست بها الارانب واستخلص ان الارانب متى رأت فى المعالف وكرا يدوم ، فانها تكون قد ضربت موعدا مؤكدا مع الموت. توقف خالى ثم انحنى. وزع نظره فى كل اتجاه . لا أحد . اذن فليطمئن أعمل اصابعه العشرة فى التراب وحفر حفرة فى مدخل المعلف لها حجم الفخ تماما. اخرج من المخلاة روثا جافا ، طحنه بين كفيه حتى صار مسحوقا ناعما . وبأنامل حذرة : أخذ يصبه صبا متأنيا على وفاض الفخ المنقبض ثم ، ، بأنامل حذرة أيضا ، ذر عليه التراب حتى توارى .
فى هذا الظلام المثقل بالروائح المختلفة ، تملكني رجوع مفاجئ الى المدينة المغروسة فى ذاكرتى ظلت تزعجني حين تحضرني أضواء مظلمة ، جافة كقلب يهودى امتصت ماء وجهه براغيث الحقد والكراهية
أرصفة تنتعلها فى اليوم الواحد : كم قهرمانة وكم سيارة غرباء ، وكم بشر تقوس ظهره من حمل القفة لترجيح الكفة . نوافذ مضاءة تطل منها رؤوس تلمع كالفرنيز ، محشوة تبنا وظلاما حالكا الخ ، الخ ، الخ ... تلك المدينة حملتني زمنا طويلا وطرحتنى على جليد الارصفة رجلا جنينا : مخسوء النظرات عرفتني داية ، ردىء القسمات ، أدخل البيوت من أبوابها لعنتني في أول لقاء
كنت بدويا ، معوجا ، يعسر تثقيفي وهضمي . ولكنى بشيطنتى الخاصة ، اقتلعت وجهى المغطى بالتضاريس وزرعت مكانه وجها يليق بالمقام ضحك مني أبناء عشيرتى ضحكا زلزالا . اعتبروني قافزا على حجمي . هم على حق . واني لمشاطرهم الرأى غير أنى لخصت لهم وجهى فى ثلاث كلمات : نفاق + نفاق = اتفاق ومن يومها ، مكنتني المدينة من نفسها ، وأرضعتني حليبها الملوث
- عبد الحميد ، سابقى عند هذه الحمادة . اذهب أنت . تعش ثم جئ احمل حصيرا ومخدة وبرنسى الصوفى ولا تنس ماعون الشاى.
نصب خالى مسعود الفخاخ ، كل الفخاخ ، كان الصرد الليلى يهبط على رأسينا لينا ، رخوا ، كالعهن المنفوش ، فنحس حلولا تاما بكل ما يحيط بنا من كلأ وجماد وعناصر ...
خطواتى وأنا فى طريق الرجوع تتهاوى ببطء لكأني على سطح القمر.
فى هذا الظلام الدامس ، يختبل المبتلى بفرط الحساسية ويتفجر الشعر تفجرا ، من صلب الاركان المنسية.
قبل ان يطالعنى ضوء البريميس من رحبة المنزل الرحبة ، استقر في ذاكرتى صديق قديم أبعدتني عنه المسافات الضوئية زمنا. كنت اختلف اليه ومعي أصدقاء ، فنقضي معه ، تزجية للوقت ، زمنا مرتبكا غرابة ، فى بيت له متخم غربة.
ظل يقحز كالجرادة فى مساكب ذاكرتى المظلمة . سلطت عليه الضوء . اختفى . تقهقرت بالذاكرة سنوات الى الوراء ، حتى انتهيت الى مسكبة شبه مضاءة رأيته فيها شامخا كالنخلة يتحدى ، ويرسم نصف ابتسامة ملجومة على شفتين سيجهما الملح والظمأ.
وأنا أتعشى ، سمعت كلاما لاقى فى نفسى هوى قال أبى وهو يترشف شايا لكأنه " المربى " الخاثر : - سويلمى ، بشر يستحق كل الخير وقفت انتباهى على ما سيضيفه أبى ولكنه لم يضف أى شئ قبل لحظة ، كان سويلمي في ذاكرتى . والآن ، أبى يذكره أمامى . يا له من توافق فى الفكرة والزمن.
لست أدرى كيف بدأ الحديث بين أبى وجدى وعمى الساقجى حول سويلمى .. لكنى لاحظت انهم يكبرونه ، ولاحظت ايضا ، احترازا ضمنيا فى حديثهم عنه . - بعد سويلمى ، كل الرجال أشباه رجال . كان رجلا صمدا ، يرهبه الصغير والكبير ، وكان الى جانب هذا ، طيبا إلى أبعد الحدود توقف عمى الساقجى عن الحديث.
الى هذا الحد ، لا جديد . تكلم جدى . قال نفس الكلام وسكت.
اذن ، وراءك ما وراءك يا سويلمي . فى البدء ، عهدتك شفافا وها أني أعود فألقاك خبرا لغزا . أضرمت في القرية المطمئنة حريقا ولم نعد نعرف لك مكانا أو أثرا . لا شك أنك من طينة تختلف . أو أنك اختبلت فى غيبتى.
رددت الباب ورائي وطفقت أتمشى ، مشتملا ببرنس صوفي وأحمل حصيرا على كتفي ومخدة تحت ابطي وقرطلا فى يدى يحوى ماعون الشاى كانت خطواتي رخفة كالعجين . وكان ذهنى سارحا لا يشكله شكال ونظراتي طائشة لا تردعها شكيمة.
لاحظ خالى سهومى فزجرنى : - يكفي يا عبد الحميد ، تهويك يذكرني بسويلمى . حتى انت يا خالى مسعود ، مسكون بسويلمي ؟ تركت خالي في مزبرة من الارضين ، يكسر بعض الفحمات الغليظة بمرزبة يصطحبها دائما سيسهر الليلة هذه ، حتى انبثاق الفجر. قد يصطاد أرانب كشرة وسيفاجئنا بها صباحا وهو يترنح تعبا ، فرحا تيها .
خمس سنوات لم ألتق بسويلمي . فى آخر لقاء ، صافحنى بحرارة . غرس عينيه فى وجهى . وزنني بنظرات ذات صمت صائت . مرر على شفتيه ابتسامة ركنية أحسست تجاهها انى أتضاءل كفص الملح . نظر إلى أسفل قدميه . تقل على الارض ، ثم ودعني ، وانقلب يتمشى متزنا ، مستقيما ، حزينا . وقبل خمس سنوت أيضا ، تناهى الى علمي خبر مقتضب يقول بأن سويلمي مريض أشعرت أصدقائى . لكنهم واجهوني بالصمت ، فقررت أن أعوده وحدى
ذبحت فروجا ، وطلبت من أمي أن تعد لى عشائى مع سويلمي توجهت الى اقرب حانوت وشريت دبوزة من " ماء الزهر " وشايا ، وسكرا وسارعت بالرجوع كانت أمي قد فرغت توا من رش الابزار على العشاء
بين قوسين : أمي لها باع وذراع فى فن الطبخ . وأبى يحلف أنه ما تزوجها الا لمرونة فى يديها فى يوم عجاج ، صادف أن تغذى عند ثقة من الحجاج ، ولما انتهى ، اثنى على اليدين اللتين طبختا الغذاء ، فأفاده الشيخ بانه من اعداد ابنة له تسمى لويزة . فعاد الى البيت . وظل مسكونا بها حتى تزوجها
وأنا امد الخطى ، تصورت سويلمي يصهل كالحصان من فرط الالم المسافة بيني وبينه تتقلص لحظة فلحظة بدأت اتشمم بيته الموحش وهو يتعجج دخانا جافلا من شبح نسمة او هبة ريح كان بيتا غارقا فى صمت قاتم وظلام رصاصي ثقيل وكانت دوالي الكرمة تتشابك ، تعترش الاوتاد والحائط الامامي للبيت ، لتكون عريشا يستظل به حين الظهيرة الكلاب تتنابح على سكة زمنية موحدة ، واحيانا بالتناوب اقتحمت الزريبة فاعترضت انفي ريحة للزبل والروث معتقة هبهب كلب فبسبست عليه ، فانقلب يؤرجح ذيله يمينا وشمالا مرحبا بى جفلت من شبح ناقة مشدودة الى رزة فى الحائط وفى قفا البيت ، تداخل فوق الدجاج فوق السدرة
خبطت على الباب بجمع يدى سمعت وأنا في الانتظار ، مقطعا حزينا من أغنية ، لست ادرى فى اى شريط سينمائى هندى ، سمعتها بالضبط ؟ خفتت الموسيقى ، وانفتح الباب على هيكل عظمى ، جاحظ العينين وهو يصافحنى ، هالني جسده المتوهج حرارة . كان ساخنا كمشيمة جنين هابط لتوه من الرحم
تغمدته بأسئلتي لاطمئن عليه . فتغمدني بالشكر الجزيل ورجانى أن اتخذ مكانا حذوه على الدكه بيت متواضع جدا : جدران مترهلة من الحمأ المسنون . سقف من اخشاب تربة ، مسودة ، تتوغل فيها العثة حتى الصميم وفي الركن جرار ملوطة بالزيت ، متكئة على الحائط ، تتكدس فوقها معاجن وبعض الصوانى والطناجير المعبأة دقيقا أو قديدا أو تينا مجففا أو فلفلا مملحا او شيئا آخر ..
وفي الجدران : مسامير مدقوقة ، اخشوشنت صدأ ، علقت بها سراويل متسخة وأقمصة خرى عليها الذبان والبرغوث ، وغرابيل ، ودلو يبدو انه مشروم ، ومظلة حال سعفها لقدامة العرق المتبقى فيها من كل صيف مجلات ، كتب مبعثرة ، وثلاث مجلدات وجرائد صفراء بدأت الفئران في قرضها ، تشغل حيزا كبيرا من الدكة تطلعت اليها كالمنبهر
ركزت نظري على القنديل . كان عتيقا نوعا ما ، ينبعث منه ضوء باهت مشوب بشئ من الظلام .
تعشينا وثالثنا الصمت . احتل سويلي مطرحا لصق الحائط ، غارسا مرفقه في مخدة الكرينو الحرشاء ، فى حين تربعت أنا قدامه على جلد كبش صوفه يتآكل سأعد الشاي ، وأغنية ذات نكهة مميزة وأجنحة مسافرة ، تغمرنا خدرا مدمرا وسفرا بعيدا .
قلت أشياء كثيرة وسويلمي صامت صمت ربع ساعة تقريبا تقريبا وسويلمي صامت تلهيت بتوريق الكتب والمجلات وسويلمى صامت قدمت له كأس الشاى الاول وهو صامت قدمت له كأس الشاى الثاني وهو صامت تعفن الصمت وهو صامت تجمعت فى عينى الدموع وهو صامت
لست أدرى كيف طاوعتنى الدموع فى ذلك المكان المشبع بروائح الصمت المبهم . ساءلته بنظراتى فبكى كعانس خلفها القطار فى المحطة .. ما كنت أتصور سويلمي حساسا الى هذه الدرجة.
زرفت من احدى الثغرات فى الجدار وزغة ، زئبقية النظرات التقطت بسرعة خفا بنية سحقها سحقا ، لكنها أفلتت فى هذه الاثناء ، سمعنا صوتا أجش نعرفه . فتحت الباب ، فدخل النعناعي : بدويا فى كل ما يحمل ، بدويا فى كل ما يسأل ، بدويا فى كل ما شب عليه .
دخلت معهما فى حديث سيطول ، ثم استأذنت وانسحبت كان الليل ظلاما يكتنز فراغا هائلا وكانت القرية جثة مهملة يخربها نباح الكلاب ويعفنها الموت الخرافى الدائم . طويت صفحة سويلمي طيا يقتضيه عادة ، تباعد المسافة بيني وبين الحدث ومن ذلك اللقاء ، ظل سويلمي خارج ذاكرتى ، خمس سنوات بأكلمها وها هو يعود : جزيرة غامضة ، متناقضة مع السير العادي للفصول الاربعة
الندى . وأنا جاف أحمل قميصا مشجرا ، وسروال دجين متفسخ اللون ، وحذاء رياضيا قديما ، ورأسا مغلقا تتطاحن بين أسواره زقزقات مهشمة لعصافير مكبلة الاجنحة واحمل قليا يضخ دما ساخنا وانقباضا قاتما يفرز كما الاخطبوط زيتا درديا .
الزنايبر تشرخ جسدا للصمت وتفتح خندقا للنشاز موحشا ، والكروان يغمس جناحيه ونعيقه فى الظلام
تراءى لي أبى فى ضوء البريميس ، يراقب عمى الساقجى وهو يركب الجاروشة بدرس سنابل الشعير ، ويميل حيث تميل الفرسان الجوادان رآنى .
أشار على بيده أن تعال . أمرني أن أنحنى وأحضن التبن فأنقله الى تربيعة متاخمة للبيدر . ذعنت له كارها
أبي اقطاعي ومتزمت . كز الى حد الشط وسخى الى حد الشطط . طيب جدا وسيئ جدا وجاد جدا . يحب المطر البدرى ويكره القحط . يضع المليم فوق المليم ويكون أبدا منضبطا يتعامل بالارقام ولا يعمد اطلاقا الى التعميم
أبى يكرهنى ، لانى فى نظره : غاض النظر عن كل ما من شأنه أن ينمي ثروتنا .
يأخذني على أنى ولد خامل ، مخيب للظن ، وحياتي حياة الخروع : يطاول الاشجار المثمرة ، ويمتص على حسابها الماء والاسمدة
أبى يشكوني دائما الى أمي ويحلف جازما أنى بيضة بائرة ، أعمل على شد العجلة الى الوراء
ابى ينهال على أمي أحيانا سبا وتبكيتا ، لانها - حسب رأيه - أفسدتني وألقمتني مع المصاصة الدلال . فانتهيت عاقا ، آكل الغلة وأسب الملة أبى قاسى طويلا والمكابدة خلقت منه رجلا قاسيا
أخي الصغير يجرى متعثرا خلف الجاروشة ، فيخطفه عمى الساقجى من ذراعه ويردفه وراءه وأنا وابن عمى نحضن التبن المندى . نرصفه على خيشة قديمة ويمسك كلانا بطرفين منها ونهرول بها على نحو عشوائى . فينهرنا أبى - ما هكذا يكون العمل . هيا ، كفا عن هذا العبث ، لستما من صنف الذرارى
يكربس ابن عمى على كومة التبن حتى يغوص كامل جسده . ما ألذ الاستلقاء على التبن المندى رغم وخز السفا والغبار يطلع القمر وتنعكس الزياتين ظلالا مستطيلة تأخذ فى التقلص شيئا فشيئا . أمرنا عمى الساقجى أن نكف ونترك التبن يتخلص من كل حبة أشعل ابن عمى سيفارو وتوجهت أنا الى المنزل ، وكلى جذاذات من احتراق وقلق .
كان جدى فى السقيفة مضطجعا على ظهره ويبدو كأنه يحلم دنوت منه جلست اليه . وبصوت كله رجاء ، قلت : - جدى ، ماذا تعلم عن سويلمي ؟ خزر فى وجهى خزرة تحتية وكمن لا يكترث ، أشار بيد مرتعشة أن دعني من هذا الموضوع لكنى أصررت ، وكنت على دراية بما يرضى جدى ، فمنحته حقة نفة ، كنت جلبتها معى لهذا الغرض ضحكت عيناه واعتدل فى جلسته وبدأ بالحديث - يتبع -

