شخصيات المسرحية
1 ) - الغريب : بطل مجهول يظهر فى أول المسرحية ولا يعرف إلا فى آخرها .
2 ) - الرجل : والد عادل ووالد الفتاة وهو رجل أرمل غرق فى العبادة والانطواء على النفس .
3 ) - عادل : هو ابن " الرجل " وأخ الفتاة ، مطرود من المدرسة
4 ) - الخالة : زوجة يوسف إمام الحارة ذات طبع عنيف وجرأة واضحة كان لها تاريخ فى السحر
5 ) - الفتاة : هي ابنة " الرجل " وأخت عادل ذات طبع حزين
8 ) - محمود : رجل ثرى يهوى الأسفار ، وصاحب الشقة التى تسكنها عائلة يوسف .
7 ) - رضوان : ابن الخالة ، وهو بائع جرائد
8 ) - يوسف : امام فى جامع الحارة ، متعبد عازف عن الدنيا .
9 ) - العرافة : امرأة تتعاطى السحر وتقرأ الغيب وتدوى الناس " بماء الحياة " .
10 ) - الأصوات : صوت 1 ، صوت 2 ، صوت 3 ، صوت 4 ، صوت 5 صوت 6 .
11 ) - حسان : هو ابن الخالة وتلميذ بالمدرسة .
12 ) - برغوث : معتوه البلدة ، لم ينل مطامحه فغرق فى السكر .
الفصل الأول
المنظر : فسيحة تحوي أثاثا بسيطا جلس فيها رجل بمفرده ، وقد وضع رأسه بين يديه وعلى وجهه مسحة من التفكير العميق وعلى هيأته بساطة وملام فقر يدخل عليه مخلوق غريب الشكل ذو أنف طويل ولحية كثة وقامة قصيرة وشئ بارز من صدره وآخر من ظهره يجر وراءه ثوبا أحمر طويلا شبيها بالذيل يقف الرجل مضطربا من ذلك المنظر الغريب يتقدم نحوه خطوة أو خطوتين متهيبا ثم يتراجع الى الوراء وقد لفحته رائحة كريهة ) .
الرجل : من أنت ومن . ( يصمت ) ؟
الغريب : ( صمت يحملق في أرجاء الغرفة في غير مبالاة )
الرجل : ( يعيد نفس السؤال ) من أنت ومن تكون ؟ .
الغريب : ( صمت ينظر الى احدى نواحي الغرفة )
الرجل : قل لي من أين دخلت والباب موصد ؟ .
الغريب : ( يمسح على لحيته ناظرا الى الرجل فى صمت )
الرجل : لقد مللت صمتك تكلم ألا تقول لي شيئا . . من أى الاماكن أتيت ؟
الغريب : ( فى تؤدة وكبرياء ) من هنا من قريب
الرجل : لعلك من هذا الحي ؟
الغريب : أجهل الامر .
الرجل : ( فى شبه سخرية ) ربما تجهل حتى نفسك .
الغريب : قد أكون من المريخ أو من الزهراء أو من الشمس .
الرجل : غريب أنت وأغرب من ذلك أننى لم أشاهد مخلوقا مثلك قط
الغريب : أنا بعيد عن الغرابة . أنا متعب
الرجل : لعلك أتيت من سفر طويل ؟
الغريب : إن أسفارى لا تنتهى . ذلك أن طريقي طويل أغبر ووجودى سيف مسلط على رأسى
الرجل : ( فى سذاجة وسخربة ) كل شئ يجوز لامثالك
الغريب : كل شئ جائز بالنسبة لكم أنتم بنى الانسان . حتى الذل والخنوع والهوان والدأب على اللاشئ تتقبلونه بارتياح كل يوم تذبحون أنفسكم قربانا لشهواتكم وتظنون أنكم غانمون
الرجل : قلت لك : إنك تستحق أن تصفع وتداس لأنك تدخل بيوت الناس بلا استئذان .
الغريب : من قال لك إنى دخلت من غير استئذان ؟
الرجل : دخولك المفاجئ
الغريب : لقد استأذنت نفسى
الرجل : متى جعل الانسان من نفسه حاجبا عليه .
الغريب : ( يضحك فتبدو أسنانه متفرقة موحشة ، ثم يتكلم وكأنه لم يسمع قول صاحبه . ) لقد دخلت جل منازل هذه المدينة لــــــ .
الرجل ( يقاطعه ) لكى تسرق .
الغريب : لكى أقوم بواجبي .
الرجل : قلت لكى تسرق .
الغريب : لكى أزرع مبادئى بينكم !
الرجل : هل أتيت لتبشر بمذهب جديد . ( فى حماس ) ؟
الغريب : ( يضحك ) لا تتحمس أنا اقوم بواجبي
الرجل : أنت سارق أخرج . ما هذا الثوب الذي فوق ظهرك ؟
الغريب : هو ثوب أخذته منك
الرجل : أنت سارق سارق سارق
الغريب : ( فى إعادة مملة ) لا تندفع انا انفذ مبادئى .
الرجل : ( بصوت مرتفع ) مرددا كلمات قالها مخاطبه ثم يندفع اليه ليخرجه . . مبادئى . . مبادئى . . نحن هنا باسم المبادىء نموت . وباسم المبادىء نذبح وباسم المبادئ نفنى . . عليك بالخروج ، بيتي لا يدخله السراق لا يدخله السراق .
الغريب : ( يصق ضاحكا ببشاعة ) انسيت نفسك ( يعيد التصفيق فتسمع أصوات من بعيد . )
الأصوات : ( الأصوات تنشد معا ، ثم تسمع موسيقى صاخبة )
كلنا سراق كلنا سراق
نقتل الزهور ونجمع القشور
ونزرع الشرور ونرتدى النفاق
كلنا سرراق كلنا سراق
الرجل : ( يرتجف ويعود الى مكانه فى شبه استسلام . ويسأله من جديد . ) أين تسكن ؟ .
الغريب : حيث تسكن أنت أحيانا .
الرجل : ولكنى لم أرك قط .
الغريب : لانك أعمى .
الرجل : عيناي سليمتان .
الغريب : بل يغشيهما الضباب .
الرجل : ألم أقل لك قبل حين : إنك غريب . لا تعرف الواقع
الغريب : ( يتضاحك ساخرا ) الواقع والواقعية والتوقع أحبولات منطقية تضعونها فى الطريق . ( يضع قبعته على لحيته وينظر الى السقف ويضرب برجله الارض فتسمع الأصوات منشدة من جديد ) :
الأصوات : ( منشدة فى صوت واحد ) :
كلنا غرباء كلنا غرباء
نحرث الوجود ونبذر الورود
لنحصد الشقاء
كلنا غرباء كلنا غرباء
الرجل : ( يرتجف ثانية ويجلس على الارض ثم يقول في تعجب ) : لكأن شكلك من كوكب آخر !
الغريب : كل أهل المدينة يعرفوننى
الرجل : أنت موارب
الغريب : ( وكأنه لم يسمع قول الرجل ) لقد خبرت هذه التربة وماءها وسماء وأديمها منذ ألف ألف عام .
الرجل : أنت مجنون الناس لا يعيشون الا أمدا قصيرا .
الغريب : ( يقول في تفلسف وهو ينظر إلى فوق الافكار من مكان بعيد ) : الحياة مهما طالت هى خيال عابر في رأس مثمول . والساعات والسنون ما هى الا أعلام منتصبة ببرود على طريق قفر طويل موحش .
الرجل : أنت الآن تخطب أم تتفلسف ؟
الغريب : سم هذا ما شئت خطبة أو فلسفة أو هذيان .
الرجل : ( متوجها بحزم الى الغريب ) إن كانت خطبة فلقد ملت اسماعنا من الخطب وان كانت فلسفة فلا شأن لنا بها الآن . فلقد ذهب عهد الفلاسفة الحالم وحل محله الواقع القاحل أما إن كان هذيانا ( يصمت ثم يصفقق بيديه ثم يكرر كلمة ) هذيان هذيان هذيان يمكن أن يجوز .
الغريب : ( يتضاحك كل شئ جائز . جائز ) .
الرجل : فى عرفك أنت ؟
الغريب : لا بل فى عرف هذه المدينة ( مشيرا باصبعه الى الارض . . ) ( يدخل في هذه الآونة ابن الرجل الفقير مناديا اباه وواضعا يده على بطنه ) الابن : أبى استطع أن أقاوم إنى أكاد أموت جوعا أيجوز أن أموت جوعا أنا ايضا ؟
الغريبة : ( في سخرية ) كل شئ جائز في عالم تموت فيه أقلية بالتخمة وأغلبية بالجوع
الرجل : ( لابنه ) كما يموت الآخرون . وكما نموت جميعا .
الابن : ( لأبيه ) هل انقطع كل شئ من المدينة ؟
الرجل : ( لابنه ) لقد زرعوا مدخراتنا من القمح في الوحل وسرقوا البقية .
الغريب : ( للرجل ) وأنت ألم تسرق مثلهم ؟
الرجل : فى تردد : . . لا . . لا .
الغريب : ( للرجل ) : لا أظن
الرجل : ( للغريب ) فى الحقيقة اختلست كيسا واحدا لا يكفي مؤونة شهر
الابن : ( لأبيه ) كان علينا أن نفعل مثلما فعلوا حتى لا نموت جوعا وحتى نستعد لما سيكون
الرجل : ( لابنه ) ولكنني خائف
الابن : من ماذا ؟
الرجل : من الجحيم .
الغريب : ( يضحك عاليا ويردد كلمة الجحيم مرات ) : الجحيم الجحيم الجحيم أتريدون أن تبقوا في الظل والوحل بلا مبرر ؟
الغريب : وبلا منطق
الرجل : ( للغريب ) وبلا منطق ؟
الغريب : ( للابن ) كن كالرعد .
الابن : لكن الرعد يستحيل مطرا لطيفا ، وليس فيه القوة التى أريد
الرجل : ( للابن ) كن ما تشاء المهم أن لا تستسلم .
الخالة : ( تخاطب الجماعة ) الناس يكونون كما يحبون
الغريب : ( فى غير اكتراث ) كن كالصاعقة انقضاضا
الابن : ( يردد لفظة الصاعقة ويفسرها تفسيرا مدرسيا على مهل ) الصاعقة آتية من لفظة صعق الرعد اشتد صوته ( يقول محدثا نفسه بحماس ظاهر . ) لا بد أن تصعق أصوات الفقراء كل صوت متنمر فى الارض حتى لا يموتوا جوعا . . وحتى لا يعيشوا حياة الضباب والحلم الخاوى . . ( ثم يزداد حدة وهو يحدث نفسه ) أو ربما يكون أحسن أن نصعق صعقا من يسرق خبزنا الذى أخرجناه من مقاطع الحجارة ، فنخدم بذلك العدالة والعدل والعادلين والتعادليين ومن ينتسبون الى العدالة .
الرجل : ( لابنه في ضعف ظاهر ) ربما يكون هذا إجحافا في حق الغير وظلما للآخرين وبذرا للشر فى هذه الارض .
الغريب : ( ينظر الى السقف فى تخابث ويقهقه عالية ) هه هه اجحاف . . اجحاف . . ظلم كلام لا معنى له فى عالم يصنع الظلم
أصوات : ( تنشد معا فى جلبة يسمع لها أزيز مخيف وقرع قوى تخالطه موسيقى غاضبة ) :
كلنا مجحفون كلنا ظالمون
نهتك السلام ونشرب المدام
لنقتل الشجون
( يخيم على القاعة جو حزين تزيد من ثقله اضواء مختلفة حزينة . يدخل الشرطى فى هذه الآونة وعلى ملامحه قوة وحزم والفتاة تسير وراءه . . ينتبه الجماعة فى الغرفة وكأنهم عائدون من غيبوبة طويلة )
الشرطي : ( مخاطبا الأب ومشيرا للابن . ) هذا ابنك عادل أليس كذلك ؟
الأب : نعم هو بعينه .
الشرطى : لقد ضرب بالامس ابن السيد رؤوف واعتدى على ابنته وغازلها . وعلمت بذلك فرقة تحسين الاخلاق فأردنا جميعا أن نتتبعة بالقانون والقانون يقول : كل من اعتدى بالعنف يعاقب ، وكل من أفسد أخلاق الناس يعاقب .
الابن : لقد اختلست منذ ثلاثة أيام قطعة خبز من محفظة ابن جارنا رؤوف وأكلتها سرا . . ولما علم بأنني أنا الفاعل سبنى وعيرنى . . فضربته بشدة فشكا ذلك الى الشرطة ولعلهم الآن قادمون إلى .
الغريب : ( إلى الابن ) تمرد تمرد حطم قيودك حلق فى الفضاء
الرجل : ( إلى الغريب بلهجة المجرب المحنك ) إننا لا نستطيع التمرد لاننا عزل ولا نستطيع الطيران لاننا بلا أجنحة .
الخالة : ( كأنها تحدث نفسها ) الأجل قطعة خبز يسبك ولأجل قطعة خبز يشكوك الى الشرطة ؟
الابن : ( لخالته ) نعم يا خالتى لأجل هذا لا غير
الخالة : ( حنق ) هو لم يقدم شكوى الى الشرطة يوم ان سطا خالد على أخته فحرثها حرثا ، وبذر فيها بذرا حراما انتج طفلا ميتا وجده عمال البلد ذات ليلة على الرصيف
الغريب : ( مخاطبا الخالة ) كنت في لحظة اشتغاله بحرثها انظر اليه واضحك
الخالة : من أنت ومن تكون ؟
الغريب : ( وكأنه لم يسمع قول المرأة ) ، وكنت عندئذ ألهب ظهره سياطا من الشهوة واللذة الجائعة فيعمق الخط فى الطين .
الرجلل : ( للجماعة ) لقد حرثت الطين وأغدقت عليه الماء دفقا فلم أجن الا وهنا وشوكا أدمى يدي .
الغريب : ( مخاطبا الجماعة ) الطين والوحل والغبار والضياع كلها مناخ لمن لا يتمرد على قيوده . . وعلى وضعه المحدود . . وعلى نفسه
الابن : التمرد له مناخ ملائم يشتعل فيه اللهيب وينطلق فيه الدخان . وتحترق فيه الخرائب القديمة . ونحن في مناخ مختنق . . وغرفة منغلقة لا ينفذ اليها الهواء الصافى ولا الحرارة اللافحة ( ينظر الى جو الغرفة )
الغريب : ( للجماعة ) ليتفس أحدكم بقوة أو لتتنفسوا جميعا بقوة يا سادة !
الرجل : ( للغريب ) نحن لم نتعود قوة النفخ على الأشياء
الغريب : ( للرجل ) تعلم من الريح
الابن : إذا كنا كالريح فسوف لا نزيح الغبار لان الريح ليس لها العنف الذي نريد فلنكن كالعاصفة .
الغريب : ( للرجل فى حزم ) وبلا شجاعة
الرجل : ( للغريب فى بلاهة ) وبلا شجاعة ؟ ( يتكلم الابن فيقاطعهما ) .
( بتأوهاته ) الابن أبى أبى أحس بألم في بطني .
الرجل ( لابنه ) أصبرها . أنا صابر مثلك لقد دمرت يدى مقاطع الحجارة وأعشت عينى أشعة الشمس ومع الجوع فأنا صابر
الغريب : ( للرجل ) الصبر بضاعة قديمة بضاعة العاجزين
الرجل : لكنها متجددة
الابن : ( يقاطعهما ) مثل الجوع
الغريب : ( وكأنه يحدث نفسه ) كان كل شئ متجددا ولكن ( يصمت )
الرجل : لكن ماذا ؟
الابن : ( يقاطع أباه بسرعة . ) لكن الجوع يضفى عليها القدم .
الغريب : ( يخاطب الابن ) يبدو أن بطنك واسعة بشكل غريب .
الابن : ( فى سذاجة ) لقد أصابتني عدوى الآخرين
الرجل : دعونا من ذكر الآخرين فالنميمة والنمام والنمامون كلهم فى الجحيم ( تدخل فى هذه الآونة ابنة الرجل منادية )
الابنة : أبى الباب ( مشيرة بأصبعها )
الرجل ( لابنته ) ماذا وقع للباب ؟؟
الابنة : طرق على الباب
الرجل : من الطارق ؟
الابنة : ( مبهورة الانفاس ) اظنه هو هو
الرجل ( فى ضيق ) من هذا الهو ؟ ؟
الابنة : الشرطى .
الرجل : ( سائلا ابنته ) وما شأننا معه ؟؟
الابنة : لقد سألنى عنك من أول أمس وكان يتقد غيظا .
الرجل : ( لابنته ) افتحى له الباب .
الابن : ( لأبيه ) إنى أحس بخوف
الرجل : من ماذا ؟
الابن : ( مخاطبا الشرطى ) لم اعتد عليها ولا على اخيها
الشرطى : تكذب أنت كاذب .
الابن : ( يتكلم اليها يقف البقية في وجوم ) قلت لك لم اعتد عليها ( يتوجه الى الجمهور ليقول ) : نحن البسطاء لا نعتدى على أحد ولكنا فى شريعة الأقوياء دائما ظالمون ، فنحن الذين نداس بالنعال ونحن الذين نصفع بالحديد لاننا مستضعفون .
الشرطى : ( للابن ) كفى هراء لقد كذبتم وما زلتم تكذبون
الأب : ( للشرطى فى ضراعه ) دعه من فضلك سأعاقبه
الشرطى : ( في صاف رافعا عصاه البيضاء ) اصمت وإلا لقد انتهت مهمتك الآن . . كان عليك أن تربيه وتهذبه وتعلمه آداب اللياقة مع الآخرين
الأب : ( للشرطى ) أنا لم أر له ذنبا يستحق عليه العقاب .
الشرطى : ( للأب ) كل مفسد يعاقب
الخالة : ( للجماعة ) لم يفقه الحياة بعد حتى يعرف الفساد .
الابنة : ( وكأنها تحدث نفسها ) نحن دائما مذنبون .
الشرطي : ( للجماعة فى قسوة ظاهرة ) كفى كلاما ليس الوقت وقت جدال ( يأخذ الابن من يده ويخرجه من القاعة بقوة فتصيح الخالة وتحاول المسك بأذياله ويعترض الأب على ذلك فيدفعه الشرطى حتى يقع على الارض تبقى على الركح الخالة وابنة أختها والرجل الغريب أما الأب فانه يخرج مع الشرطى متبعا ابنه )
الخالة : ( تحدث نفسها فى سخرية ) يقول : إنه اعتدى على ابن السيد المحترم قد اعتدوا علينا وصمتنا لان أفواهنا مسدودة بالطين ( فى حنق وغيظ تقول ) : هه اعتدى عليه . أو اعتدى عليها يريدوننا أن نجوع وان نموت بالوباء ومع ذلك نخلد للسكون هم يبتغون أن نمكث مسجونين فى زنزانة الحياة ونبقى بلا حركة لنصفع على الاقل من يصفعنا ( تقول فى حسرة وألم محدثة نفسها ) ماتت اختي كالكلبة عندما كانت تقطع الطريق العام ذات مساء ( وتقول مشيرة الى ابنة اختها ) وتركت لى هذه الطفلة في المهد . . وتركت أخاها يحبو ولما شكونا ذلك الى العدالة قالوا : إن كل من يموت أمام سيارات الجيش أو سيارات الأعيان يضيع حقه لان هؤلاء هم كل شئ ولم تعطه الادارة التى كان يعمل فيها تقاعده ( تقصد اخاها ) بدعوة أن الخزينة منهارة وان البلاد فى ازمة فجاع أبناؤه ووصلت به الحالة الى
أن باع مصوغ المرحومة أختى وبعضا من أثاث المنزل القليل وتحت دافع الجوع وقع لابن أختى ما وقع
الغريب : ( يخاطب الخالة ماسحا على لحيته ومحملقا بقساوة ) أنتم لا تستطيعون الخروج من واقعكم لانكم بلا تصميم وبلا شجاعة ، ولانكم تنظرون إلى الحياة نظرة المتهيب منها ، لذلك كنتم من الذل لا تخرجون .
الابنة : ( مشدوهة لمنظر لحيته البيضاء الطويلة وقامته القصيرة الدميمة وشعر رأسه المشعث ) ما أشبه هذا الرجل ببرغوث الحي لم يقل لنا من أين جاء ولا الى أين يقصد لنعرفه ؟
الغريب : ( وهو ينظر إلى فوق ) عندما تعرفون أنفسكم وتعرفون منزلتكم فى هذه الارض ستعرفون هويتي لان منطلقي الأزل ومقصدى الأبد . .
الخالة : " تقول لابنة اختها فى تخابث " : لكأنه زوجى الاول . .
الابنة : ( مخاطبة خالتها ) لعله بعث من جديد يا خالتى
الخالة : لم تحن ساعة البعث بعد . .
الابنة : ( لخالتها ) وما البعث ألا تعرفون عنه شيئا ؟
الخالة : قالوا : هو يوم نقوم من تخلفنا لنسعى فوق الارض من جديد ارض الحضارة . .
الابنة : ( فى استفسار ) أتقصدين عندما نقوم من الموت .
الخالة : هذا ما سمعته من زوجي قبل أن يصلى بالناس فى جامع الحارة ذات يوم
الغريب : ( مرددا كلمة البعث وقد بدا الاضطراب فى لحيته الطويلة الكثة وفي أعضائه )
البعث : كلمة رهيبة تحمل الحساب كما تحمل الاقتصاص لكن التغيير والتبديل حسن على الدوام خاصة فى هذا العالم . . فليأت البعث وليحن النشور . ( يصفق فتسمع الاصوات تنشد من جديد ) :
الأصوات : ( تنشد معا بصوت كأنه الرعد مع موسيقى صاخبة )
لنبعث من جديد بقوة الحديد
ولنحترق بالنار فى هذه الديار
بقوة الاصرار
لنبعث من جديد بقوة الحديد
ستار
( يتبع )

