الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الازمة الاخلاقية فى عالم اليوم، مظاهرها ، اسبابها ، علاجها

Share

مقدمة :

قبل الخوض فى الموضوع يجدر بنا تعريف الاخلاق . ففي نظرنا : الاخلاق هى السلوك الارادى الذى تقره المجتمعات البشرية لضمان بقائها وازدهارها . وهذا السلوك يكون فرديا وجماعيا فى الوقت نفسه . فكل سلوك يضمن سلامة الفرد والمجتمع بل والانسانية عامة هو سلوك اخلاقي وكل سلوك يضعف ويضر الفرد والمجتمع بل والانسانية عامة هو سلوك لا اخلاقي . فكل من الصدق والامانة والتعاون والخدمة العامة والغيرة والوفاء سلوك أخلاقى لانه يقوى الفرد والمجتمع بل والانسانية عامة أما الكذب والخيانة والسرقة والزنا والسكر والقمار فانه سلوك لا اخلاقي لانه يضر بصحة الفرد والمجتمع ويضعف العلاقات الانسانية .

هذا وإن القيم الاخلاقية التى تأخذ بها المجتمعات البشرية اليوم قد تطورت وتقدمت منذ حياة الانسان البدائية حين كان الانسان يأكل لحم أخيه الانسان وكانت القبائل تتعاطى الغزو والسلب وكان البعض يمارس السفاح ووأد البنات . فقد تقدمت البشرية وارتقت فى سلم القيم الاخلاقية بفضل الاديان السماوية وآخرها الدين الاسلامي الحنيف إذ وضع للانسان قيما أخلاقية متصاعدة نحو المثل الاعلى لا حد ولا قيد للرقى فيها .

هذا وإن على العلماء والحكماء والمفكرين ان يساعدوا البشرية على تطبيق المثل العليا فى الاخلاق إذ تلك مهمتهم الاولى

وما لائحة إعلان حقوق الانسان التى أقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة فى باريس فى 10 ديسمبر 1948 إلا ثمرة من ثمار هذا المجهود الانساني الذي

ساهمت فيه الاديان والعلوم والفلسفة الانسانية . ففي العالم المتمدن اليوم في أخلاقية معترف بها تقاس بها درجة الرقي أو التخلف للافراد والمجتمعات . ومن هذه القيم احترام حق الانسان بالحياة وبالحرية المسؤولة والكرامه والملك الجلال . ومنها العدالة والانصاف والرحمة . ومنها البحث عن الحقيقة والصدق والاستقامة . ومنها الاجتهاد والعمل الدائب والتعاون من أجل ضمان المستوى المعاشى الكريم للجميع . ومنها التواضع والادب واللين فى معامله الآخرين . ومنها نظام الشورى واحترام الرأى المخالف والالتجاء الى الاقنا بالحوار الحر والمنطق السليم . ومنها التضحية والغيرية والكرم . ومنها العقد والحباء والشرف . ومنها الاعتدال فى الحياة وعدم التبذير أو التقتير فى اشباع رغبات الانسان المشروعة وسد احتياجاته الاساسية . ومنها الغاء الرق والعبودية والقضاء على التفرقة العنصرية والطائفية والجنسية واحترام حق المرأة وكرامتها فى الحياة وفي المجتمع . ومنها الاعتزاز بالامة وبالوطن ورفع شعار الحرية والاخاء والقضاء على رواسب الاستعمار . ومنها المساهمه الفعالة فى المنظمات الاجتماعية والوطنية التى تستهدف بناء الخير " الدولة التى ترعى صحة أبنائها وتغذى عقولهم وارواحهم وتعمل على اسعادهم وازدهارهم هذا وإن التقدم في المضمار السياسي او الاقتصادى أو الاجتماعى لا يتحقق ولا يكتب له البقاء ما لم تتوفر الاسس الاخلاقية السليمة للمجتمع . فالمجتمعات الانسانية تكون واهية وسريعة الانهيار مهما عظمت الثروة أو القوة العسكرية أو التقدم التقني ما لم تبن على أسس اخلاقية متينة .

من مظاهر الازمة الاخلاقية :

إن الانسانية فى عصرنا هذا مبتلاة بعلل اخلاقية خطيرة تهدد وجود الانسان على هذه الكرة الارضية وذلك بالرغم من كل ما تحقق من تقدم فى حقل العلوم والفلسفة والتقنية . وها نحن فيما يلى نشير الى بعض مظاهرا هذه الازمة :

1 ( فرعنة الانسان : بالرغم من قيام حربين عالميتين طاحنتين فى هذا القرن فان الدول العظمى ما تزال تعتمد على القوة اكثر من اعتمادها على الحق أحيانا وتسحق الحق بالقوة اذا اقتضت مصالحها ذلك . وفي الحقيقة ان البشرية ولم تتخلص من الاستعمار القديم تماما بعد أصبحت معرضة لسيطرة استعمار جديد مبعثه الطمع والاستغلال والغرور وحب السيطرة والاستعلاء . وكلها

أمراض أخلاقية . وهذا مما يشكل ازمة اخلاقية فى عالم اليوم . فلو أشعلت الحرب النووية بين الدولتين العملاقتين لاصبح مصير البشرية كلها مهددا بالفناء . وان التاريخ يعلمنا بأن قوة الدول العظمى وثرواتها الطائلة ليست بذات دوام ولا استقرار ما لم تؤسس على أسس اخلاقية سليمة . وما نتيجة العدوان الصريح والظلم الصارخ سوى ازمات سياسية واقتصادية وتهديد للسلم العالمي حتى يعود الحق الى نصابه وينصف المظلومون

2 ( الصراع الطائفى والعنصرى : من أسباب الحروب الدامية فى كل من ايرلندا ولبنان حيث يتقاتل الاخوة ابناء الوطن الواحد لمجرد انتمائهم الى مذاهب أو اديان متعددة . وإهانة لكرامة الانسان فى كل من جنوب افريقيا واندونيسيا واسرائيل حيث يهان الانسان وتهضم حقوقه لمجرد انتمائه الى لون آخر ليس بالابيض أو دين آخر ليس باليهودية . وكل هذا الصراع مبعث خوف وانانية وحب السيطرة والاستغلال وهى أمراض أخلاقية حقا .

3 ( حدوث انقلابات فجائية فى بلاد لا تمارس الدمقراطية اذ تقوم فيها حكومات ديكتاتورية مستبدة تفتك بخصومها وتحجر الحريات وتحبس الانفاس مستخدمة وسائل الارهاب والقمع . وفي الحقيقة ان الدمقراطية هي أخلاق قبل كل شئ والديكتاتورية والاستبداد رفض لهذه الاخلاق . ولذلك فالعديد من بلاد العالم اليوم مبتلاة بازمة اخلاقية فى الحكم .

4 ( الصراع الطبقى الناجم عن استغلال الانسان لأخيه الانسان حيث ينقسم الشعب الى فئة مستغلة تملأ بطونها بالأكل وجيوبها بالمال تبذره كيف تشاء وفئة كادحة لا تحصل على ما يسد الرمق لها ولا بنائها ، فانعدام العدالة الاجتماعية فى العديد من المجتمعات المعاصرة يسبب القلق والاضطراب فى العلاقات الانسانية وتنفصم الوحدة القومية . ومشكلة الصراع الطبقى هذه هى فى جوهرها مسألة اخلاقية . فلو تجرد الناس من الانانية والطمع وساد الاخاء والانصاف فيما بينهم لتخلصت البشرية من أعظم ازمة أخلاقية منى بها عصرنا هذا .

5 ) ثورة الشباب وصراع الاجيال : فالشاب المعاصر قد لا يصغى الى ما يسديه له أبوه أو استاذه من نصح وارشاد . إنه قد لا يوقر الكبير و يستفيد مما لديه من خبرة ودراية تهديه الى سبل الخير والرشاد . فالتباعد بين الاجيال وشعور الجيل الصاعد بالعزلة وفقدان الهدف الاسمى فى الحياة

الادلة الناصعة عل افلاس التربية وعلى اعتلال المدنيه . إنها مأساه أخلاقية عظمى

6 ، إختطاف الاشخاص واختطاف الطائرات وجرائم القتل والسلب والنهب في العديد من اقطار العالم بما فى ذلك البلاد التى تعتبر متقدمة فى الحضارة . الامر الذي استعص حله على اقوى الدول وأعظمها ثروة وتقنيه . . فما يدعى بالارهاب اليوم يشغل بال كبار رجال الامن والسياسة فى البلاد الغربية وهو بشكل ازمة أخلاقية من الدرجة الاولى فى عالم اليوم

7 ( الادمان على الكحول والمخدرات والتدخين : مما يسبب امراض الجسم والعقل ناهبك عما يرافق الكحول من علل اجتماعية وخراب بيوت . فعشرات الالوف من البشر يموتون سنويا فى حوادث السيارات التى يقودها السكارى المستعحلون في سياقتهم المستهترون بحياة الانسان . أما التدخين فانه يتسبب في عدة امراض جسدية ولا سيما فى القلب والجهاز التنفسى ذلك الى جانب ما يسببه من حريق في المعامل والمنازل . وما يقال عن الكحول والتدخين يصدق على المخدرات وكلها تمثل أزمة اخلاقية فى عصرنا هذا تعود الى ضعف الارادة وضعف سيطرة الانسان على نفسه

8( ( الاباحية الجنسية والاختلاط الحيواني غير المشروع بين الجنسين ) الذكر والانثى ( أو فى داخل الجنس الواحد . وقد أدت الاباحية هذه الى تكاثر الامراض الزهرية حتى فى البلاد التى تدعى أنها متمدنة وتسمى راقية . يقابل ذلك كبت وحرمان واستهانة بكرامة الفتاة فى بلاد تسودها تقاليد بالية تضع العراقيل المالية والاجتماعية فى طريق الزواج المشروع . أضف الى ذلك إهمال للتنظيم العائلي فاما انجاب اولاد بلا عد مع اهمال تربيتهم والعناية بهم ، أو عزوف عن انجاب الاولاد وعدم تحمل المسؤولية القومية إزاء مستقبل الامة والانسانية . كل هذه تمثل أزمة اخلاقية فى عصرنا هذا مردها الى الانانية والتسيب وضعف المسؤولية الاجتماعية

9 ( تشويه المحيط الطبيعى والعمرانى : فمن تبذير للخيرات التى تحويها الطبيعة الى تشويه مناظرها وتلويث مائها وهوائها بالمواد السامة التى تقضى على الحياة نباتية كانت أم حيوانية كما تسبب أمراضا انسانية . فبينما نسمع ونقرأ عن حدوث المجاعات بسبب تزايد السكان وشحة الانتاج فى الحبوب والمواد الغذائية فى بعض أصقاع العالم نسمع ونقرأ من جهة اخرى عن إتلاف

كميات هائلة فى المواد الغذائية فى اصقاع اخرى فى العالم وذلك لضمان سعر مرتفع لتلك المواد . هذا فيما يتعلق بالمحيط الطبيعى أما فى المحيط العمرانى فقد منى البشر بمدن مكتظة بالسكان وبعمارات متلاصقة مزدحمة لا تعرف ولا تعترف بحق الطفل فى الحياة واللعب بين الاشجار ووسط المروج ، ناهيك عن الشرائط الصحية الضرورية للنظافة وهدوء الاعصاب ، إن سيطرة الانسان على الطبيعة تتطلب سيطرته على نفسه أولا بحيث يحصل توازن وانسجام بين تكاثر الانسان وازدياد الخيرات الناتجة عن استثمار الموارد الطبيعية والام يتطلب علما وخلقا فى الوقت نفسه .

10 ( ازدياد الامراض العصبية والموت بالسكتة القلبية ويرجع ذلك الى كثرة الهموم وقوة المؤثرات الخارجية على الاعصاب والخضوع للسرعة المفرطة فى الحياة بحيث لا يتوفر الوقت الكافي للهدوء وللراحة والاستجمام . وربما كان البعض من هؤلاء محرومين من نعمة العبادة والطمأنينة النفسية التى يولدها الايمان بالله تعالى وهذه ايضا من مظاهر الازمة الاخلاقية فى عالمنا المعاصر

يتضح مما مر أعلاه ان الانسان المعاصر بالرغم من تقدمه العلمى والتقنى وبالرغم من ظهور الفلسفة الانسانية ما يزال منقسما على نفسه مجزءا مقطعا الى قبائل وأمم متنافرة والى طوائف دينية متباعدة كما انه ما يزال يلجأ الى العنف والحروب ويستخدم منطق القوة اكثر من استخدامه منطق العقل والحق ومن الانسان المعاصر من هو متكالب متزاحم على المعيشة مستعجل طماع خائف قلق . ومنهم من هو محروم من الحرية والعدالة الاجتماعية . ومنهم من هو مغرور مدع مبذر إباحي جاحد للنعم إنه قد يكون ميالا الى الفوضى تائها لا هدف له فى الحياة فاقدا للقيم الانسانية يستولى عليه البؤس والظلام النفسي . هذه هي حقيقة الازمة الاخلاقية فى عالم اليوم . فما أسبابها ؟

أسباب الأمة الاخلاقية :

من أهم اسباب الازمة الاخلاقية فى نظرنا النقاط التالية : 1 ) جهل الانسان أو تجاهله بأن هذا الكون وما فيه من مخلوقات طبيعية وحياتية إنما يخضع لنواميس طبيعية واجتماعية ينبغى التعرف عليها والانسياق معها فى حياة الانسان وسلوكه الفردى والجمعي . فالظلم والكسل والتبذير والانغماس المفرط بالملذات والفرعنة والعبث كلها افعال لا اخلاقية

لانها تخالف النوام الالهية التى سنها الله للطبيعة وللانسان . فلو علم الانسان ان هذا الكون لم يخلق عبثا بل انما وجد بقصد كوني يدمغ فيه الحق الباطل فاذا هو زاهق إن هذا القصد الكونى الذى يفترض فى الانسان ان يعرفه هو القاعدة الاخلاقية للسلوك البشرى الذى يقود الانسان الى السعادة ، الى الخير فيما إذا انساق معه والى الدمار والهلاك فيما إذا تجاهله

2 جهل الانسان او تجاهله ذاته . فقد يحسب الكثيرون فى عصرنا هذا ان الانسان هو مجرد حيوان متقدم فى حيوانيته أى انه أرقى من سائر الحيوانات وليس اكثر ، أما ان الانسان يشارك سائر الحيوانات فى العديد من الغرائز والاحتياجات والوظائف الفسيولوجية فهو أمر صحيح ولا غبار عليه فهو يأكل ويشرب ويتنفس ويفرز ويتناسل وينمو ويتكاثر ثم يموت جسديا وهو فى هذا كله يشارك الحيوان فى طبيعته الحيوانية ولكن الانسان لو عرف نفسه لعلم انه أكبر من ذلك بكثير . إنه كائن أخلاقى روحى وانه يمتاز بالايمان والاخلاق وبالفن والابداع وباستعمال الفكر وباستخدام الآلة . فهو لا يعيش لبطنه ولشهواته فحسب بل إنه يسعى لتحقيق مثل عليا أخلاقية وبذلك تتحقق انسانيته . أما إذا تغلبت الناحية المادية فى السلوك وأهملت النواحي الروحية والاخلاقية فقد يختل التوازن فى حياة الفرد والمجتمع فتطغى حيوانية الفرد على انسانيته وأخلاقياته . ونتيجة ذلك طمع وانانية وتكالب وغش وحروب طبقية وقلق واضطراب نفسي . فلنتذكر قول سقراط إعرف نفسك " !

3 ( القطيعة والانشطار بين نواحي الحياة الفردية والاجتماعية - فعزل العلم عن الدين وعن الاخلاق . وفصل الدولة عن الدين وعن الاخلاق . وفصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية عن الدين وعن الاخلاق كل ذلك مما يسبب الازمة الاخلاقية فى حياة الانسان المعاصر . فالانسانية اليوم تقاسى المآسى من نشوء علماء غير متدينين وغير ملتزمين بالقيم الاخلاقية

أما فصل الدين عن الدولة وهو لاما يدعى بالعلمانية أو " اللائيكية " ففيه أكبر الخطر على مصير الانسانية ذلك لان الدولة المتدينة تعمل دوما للخير وتنشر الفضيلة . إنها تمارس العدل والرحمة وتنشرهما بين الناس . أما الدولة العلمانية " اللائيك " فيمكن ان تكون خيرا أو شرا وليس من ضامن أو وازع لاتجاهها نحو الخير دائما . فالشرطة والمحاكم والصحافة الحرة قد تسوق الدولة العلمانية نحو الخير ولكن ذلك غير مضمون .

وما يقال عن الانشطار بين العلم والخلق وبين الدولة والدين يصدق على الانشطار بين الحياة الاجتماعية والاقتصادية من جهة والقيم الدينية والاخلاقية من الجهة الاخرى . فالبيت الذى لا يسوده الصفاء والمحبة والرحمة لا يمكن ان يصبح خلية صحيحة من خلايا المجتمع . إنه بيت معتل فى مجتمع معتل والمعمل الذي لا تسيطر على اعمال كل فرد فيه الاهداف الانسانية العليا وما لم يزدهر فيه الصدق فى القول والاخلاص فى العمل فبشره بالافلاس والفشل الذريع . ولما كانت الاخلاق هى الصورة التى تتخذها حياتنا واعمالنا فى جميع نواحيها واختصاصاتها فى العلم وفي جهاز الدولة وفى البيت وفي المصنع وفى الحقل وفي ساحة الحرب وفي ساحة اللعب ، فانها لا يمكن ان تفصل عن كيان الانسان فى كل حين . فكما أن الانسان لا يستطيع ان يستغنى عن المادة أو أن يهملها فانه لا يستطيع اذا شاء البقاء والهناء ان يستغنى عن الحياة الروحية والاخلاقية ويهملها . ولا يجوز الفصل بين الحياة المادية والحياة الاخلاقية فكلاهما وجهان لكيان واحد موحد .

3 ( التفكك الاجتماعى الذى نشأ كنتيجة لقيام المصانع الكبرى وإهمال المرأة لشؤونها وواجبتها البيتية والعائلية وانتشار وسائل النقل السريعة التى نسهل ابتعاد أفراد العائلة عن بعضهم وتضعف الضوابط الاجتماعية والاخلاقية . ومن ذلك نزوح ابناء الريف الى المدن حيث تنشأ مشاكل أخلاقية واجتماعية للعديد من البسطاء والمعوزين منهم

4 ) الغزو الثقافي اللا أخلاقى : إن المنشورات الرخيصة التى تثير الشهوات الحيوانية والافلام السنمائية والروايات البوليسية قد تكون من النوع الذى يعلم الفساد والاجرام . فكم من المجرمين اقتبسوا قواعد الاجرام من الافلام السنمائية أو الروايات البوليسية . ثم إن العديد من الاطفال اليوم قد يضيعون الساعات من أوقاتهم في مشاهدة التلفاز وهم قد يشاهدون مناظر تضرهم ولا تنفعهم . فالراديو والتلفاز قد يصبحان عامل تثقيف وتوجيه الى الخير وقد يؤديان الى العكس

ومن مظاهر الغزو الثقافي انتشار الحانات التى تروج المسكرات والاعلان عن المسكرات وانتشار القمار وتسكع بنات الهوى مع أبناء الهوى فى الشوارع باسم الحرية والمدنية والرقى !

( انتشار فلسفات معتلة قد تدعو الى الالحاد أو الرفض أو الهدم والعنف أو الفوضى أو الاباحية . ان العديد من شباب العالم اليوم يلتهم الماركسية أو

السارترية أو المركوزية أو الفرويدية بشكل فج وغير ناضج وبدون رؤية العلاقات بين المقدمات والنتائج احيانا . والنتيجة فوضى فى القيم الاخلاقية والاجتماعية تؤدى الى الصراع والتذمر والبغضاء واليأس

يضاف الى كل ما مر اعلاه ضعف عام فى التربية الاخلاقية . فقد أصبحت التربية الاخلاقية رخوة فى معظم الاحوال . فالبيت قد تخلى الى حد كسر عن سلطته التربوية أو انه قد يكون هو منبع الضعف فى التربية الاخلاقية . والمدرسة قد تعنى بحشو الادمغة بالمعلومات اكثر من عنايتها بالآداب والاخلاق . والبيئة قد لا تخلو من الموبقات . النتيجة اننا قد نسمع ونقرأ ونرى بعض الاطفال يدخنون وهم فى سن الدراسة الابتدائية كما ان البعض وهم في سن المراهقة قد يتعاطون الكحول والمخدرات وقد يكون بينهم من يعتدى على عفاف الفتيات . هذا وإن التراخى فى التربية الاخلاقية يشمل الجنسين البنين والبنات معا وضعف التربية الاخلاقية هو من أهم عوامل الازمة الاخلاقية فى عصرنا هذا .

العلاج ؟

بعد ان استعرضنا بايجاز كل مظاهر الازمة الاخلاقية فى عالم اليوم للمرء أن يتساءل وما العلاج ؟ إن الاطباء قد لا يتفقون على تشخيص المرض ولا على علاجه . أما نحن وإن لم ندع الاختصاص فى الطب الاجتماعى فقد تجرأنا على التشخيص وها نحن نقدم الوصفة المكونة من العناصر التالية :

1 ( توعية الرأى العام فى كل مكان بأن الاخلاق عنصر أساسى فى حياة الانسان بها يضمن سعادته وطمأنينته فى كل عمل يقوم به وكل سلوك يصدر عنه . فكل عمل يؤدى الى الخير والصحة الشخصية والاجتماعية هو عمل اخلاقي وكل عمل ضار بالصحة الشخصية والاجتماعية فهو عمل لا اخلاقي اذا اكلت فاسرفت فى الاكل فتكون قد قمت بعمل لا أخلاقى لانك تكون قد الحقت الضرر بصحتك وبذلك يتضرر المجتمع فيخسر نشاطك وانتاجك وكذلك اذا اعتدت تناول المسكر او الدخان فانك تضر بصحتك الجسدية كما تسئ الى عائلتك ومجتمعك . وما يقال عن الاكل والشرب يقال عن الصدق أو الكذب فالصدق سلوك أخلاقى إذ فيه سلامة المجتمع والكذب سلوك لا اخلاقي إذ فيه فساد المجتمع . وهلم جرا .

المسؤولية الاخلاقية عامة ولا تقبل التجزئة . فالدولة مسؤولة عن الأخلاق والافراد مسؤولون والمجتمع كله مسؤول ولا بد من قيام تضامن أخلاقي

بن أفراد المجتمع . ولا بد من التأكيد على خطر عدوى الامراض الاخلاقية . فالفرد الفاسد قد ينتشر فساده ، فهو كما يقول المثل الفارسي : " كالتفاحة الفاسدة التى تفسد سلة التفاح كلها ولذلك فقد أكد الدين الاسلامي على أهمية الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وجاء فى القرآن الكريم : " ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " ) آل عمران 104 ( . وجاء فى الحديث الشريف : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "

3 ( انشاء هيئة عليا فى الدولة تتكون من أساتذة وعلماء دين وممثلين عن وزارات التربية القومية والثقافة والشؤون الاجتماعية والصحة والشباب والرياضة والداخلية والعدلية ومنظمات الشباب والعمال والاتحاد النسائى تجتمع مرة فى الشهر مثلا فتستعرض الوضع الاخلاقي فى البلاد وتخطط لما يجب القيام به في حقل صيانة الاخلاق ورفع المستوى الاخلاقي فى البلاد . إن التخطيط الاخلاقي في نظرنا ضرورى فى مجتمع سريع التطور تتلاقي في حضارات قديمة وحديثة اسلامية وغربية . فلا الجمود والتحجر الاخلاقي جائز ولا تقليد الغرب تقليدا سطحيا مقبول . المهم هو تحقيق النمو والتطور الاخلاقي فى الاتجاه السليم الذى يضمن صحة الشعب وقوته .

( الأخلاق القويمة تتبع من تربة الايمان وينبغى ان تؤسس على الايمان . وبذلك وحبت العناية في إحياء التربية الدينية . فالانسان ينبغى أن يدرك بأن هذا الكون لم يخلق عبثا وان له نظاما كونيا يسير بموجبه وان الانسان إنما وجد ليقوم بدوره فى تنفيذ ارادة خالق الكون فى تحقيق الخير والعدل والرحم والعمل الصالح إذ فى ذلك ضمان للسلام والحرية لكل بني الانسان . هذا وإن العلاقة بين الدين والاخلاق هي فى نظرنا علاقة عضوية فالاخلاق هى الثمرة والدين هو الشجرة التى تنتج الثمرة .

5 ) تجديد التأكيد على ضرورة قيام " البيت " أى " الأسرة " بالعناية بأخلاق الابناء وآدابهم . ولذلك نقترح تنظيم دورات دراسية للآباء والأمهات تقوم بتوعيتهم وتعريفهم بطرق العناية باخلاق اطفالهم الى جانب العناية بصحتهم الجسدية وتوسيع مداركهم الفكرية . ولا بد من التعاون الجدى بين البيت والمدرسة من أجل توجيه الطفل الى الحياة الطيبة النقية خارج أوقات المدرسة . ولا بد من العناية باخلاق الاطفال من ذوى العائلات المنكوبة بفقدان الأب أو الأم بالموت أو الطلاق أو الاجرام

6 ( إعتبار التربية الاخلاقية أمرا ذا أهمية أساسية فى كل مراحل التعليم الابتدائى والثانوى والجامعي . فهى تسبق الدروس النظرية والعلمية في الاهمية . إذ ما قيمة الشهادة المدرسية اذا كان حاملها غير متحل بالاخلاق الفاضلة ؟ إن التأكيد في الحياة الدراسية فى الوقت الحاضر موجه على الناحية الفكرية النظرية . وحتى دروس الاخلاق فانها قد تعطى بصورة حفظية ولفظية . بينما الاخلاق هي سلوك وأفعال . وبناء الاخلاق إنما يكون بتوفر فرص يقوم فيها الطالب بمشاريع خدمة اجتماعية وتنظيم فرص للعبادة وللرياضة وللعمل المنتج في المصنع أو الحقل أو الحانوت أو فى المنزل أو فى ناد حيث يمارس الطلاب تحمل المسؤولية مع التأكيد على ممارسة الامانة والنظام والدقة والكد والمحافظة على المواعيد . وذلك يتطلب إعادة النظر فى برامج الدراسة واعطاء الافعال التى تنمى الاخلاق المكان الذي تستحقه فى حياة الطالب البيتية والمدرسية .

7 ) تنقية البيئة : وذلك بمنع المنشورات التى تفسد الاخلاق وكذلك الافلام التى تغذى الانحلال الخلقي والاجرام . واستبدال الاغاني التى تشجع على التخنث والميوعة بأغان تمجد البطولة والتضحية والجهاد . وأخيرا القضاء على مراكز السكر والقمار والدعارة . وتهيئة الحدائق والملاعب والنوادى الثقافية والرياضية ودور الشعب والمكتبات العامة .

8 ( تسهيل الزواج وذلك بإزالة العراقيل المالية والاجتماعية التى تعمل على عزوف الكثيرين عن الزواج . فالزواج يصون أخلاق الشاب والشابة باطفاء الشهوة الجنسية العارمة وينمى فى الانسان الذى نشأ على الفضيلة الشعور بالغيرة والغيرية والاستعداد لتحمل المسؤولية . لقد تصفحت أخيرا أطروحة للدكتوراه أعدتها استاذة سعودية فوجدت انها توصلت في بحثها الى ان الطلاب المتزوجين فى جامعة الرياض هم فى مستوى دراسي أعلى من مستوى غير المتزوجين ونحن نعزو ذلك الى ان المتزوجين يتمتعون باستقرار نفسي وعصبي متأت من إطفاء الشهوة الجنسية بالطرق الشرعية . ذلك الى جانب شعورهم بالمسؤولية . هذا وإن الزواج المبكر لا يستلزم حتما الاسراع بانجاب النسل لا سيما وقد توفرت وسائل التنظيم العائلي في عصرنا هذا

9 ( حاجة عالمنا الى ثورة اخلاقية يقوم بها كل فرد منا مبتدئا بنفسه . فكل منا يحتاج الى ان يبدأ بفحص نفسه اخلاقيا فيسعى لتعديل ما اعوج في سلوكه الاخلاقي عملا بقوله تعالى : " . . . . إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما .

بأنفسهم " . فالفرد منا يستطيع فى ساعات التأمل ولا سيما فى شهر رمضان ان يقرر السيطرة على أخلاقه الشخصية فيتخلص من الغش والخداع أو من السكر والاعتداء أو التقصير في أداء الواجب أو دفع الديون والضرائب المستحقة . طالبا الهداية من الله تعالى أن يعينه على التغلب على نفسه الامارة بالسوء . فالدين الاسلامى قد هيأ فرصا ذهبية للانسان لطلب الرحمة والهداية من الله تعالى لاصلاح حاله بعد صلاة الصبح أو صلاة العشاء او فى شهر الصيام أو بمناسبة حج بيت الله الحرام فهو يستطيع فى كل هذه المناسبات أن يستغفر ربه ويغسل ذنوبه طالبا التوبة والغفران من الله تعالى . ومما يساعد على تحقيق الثورة الاخلاقية واصلاح النفس درس القرآن الكريم وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وسير الصحابة والابطال الذين كرسوا حياتهم لخدمة الحق والفضيلة فكانوا نبراسا لأمتهم وللانسانية جمعاء .

10 ( حاجة الانسانية إلى قيم اخلاقية موحدة : ان السلام العالمي والتعاون من الامم يتطلبان الاتفاق على قيم اخلاقية موحدة معترف بها من قبل جميع الشعوب . فالترابط بين الشعوب بفضل وسائل النقل الحديثة والمنظمات العالمية سجعل الانسانية كلها جسما واحدا تقريبا . الا ان اجزاء هذا الجسم ما تزال غير مترابطة مع الاسف الشديد . وما لم يحدث هذا الترابط والانسحام بين أجزاء الجسم الواحد فالانسانية تبقى مهددة بالفناء . فما يحدث من خطر أو عدوان في أية بقعة من بقاع الارض تشعر به الانسانية فى بقاع الارض كافة . وقضية فلسطين أكبر شاهد على ما نقول فالظلم الواقع على عرب فلسطين يهدد الامن والسلام والاقتصاد العالمى فى كل مكان . ولم يكن ليقع هذا الظلم لو سادت العالم قيم اخلاقية موحدة تطبق على جميع الشعوب بالعدل والمساواة .

نحن نعتقد ان ميثاق الامم المتحدة ولائحة اعلان حقوق الانسان ينبغى ان يعاد النظر فيهما ليتضمنا القيم والمعايير الاخلاقية الموحدة والضامنة للانسان الفرد حقه وكرامته وللشعوب الامن والطمأنينة والرفاه . هذا وإن هدف البشرية كافة يجب ان يكون رب واحد فوق الجميع وانسانية واحدة يسودها الصفاء والاخاء وعلم واحد ينير السبيل للجميع وقيم اخلاقية واحدة يسلك على ضوئها الجميع .

وأخيرا نقول : " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله " .

اشترك في نشرتنا البريدية