كان فى الحسبان ) * ( أن لا يفسح لى مجال الكلام ، في هذه العشية الزاهرة . اذ تقرر أن يكون دورى عشية الغد ، لأتحدث عن " الوزير الاديب " معالى الاستاذ محمد مزالى مؤسس وصاحب مجلة " الفكر " الذائعة الصيت ، والتى نحتفل بيوبيلها الفضى هذه الايام
ولكن مفاجأة الاخ الاستاذ محمد فرج الشاذلى ، وزير التربية القومية ، ورئيس لجنة مهرجان الاحتفال ، باحالة الكلمة الى ، كانت مفاجأة سارة من جهة ، ومحرجة من جهة اخرى .. سارة لانني سأتحدث عن بعض ذكرياتى مع صاحب ومحرجة لاننى لست من فرسان الكلام ،
ومهما يكن الامر ، فانه لا مفر من النزول ، عند رغبة الاخ الشاذلى ، واذن ، لا بد مما ليس منه بد !
وأود قبل كل شئ ، ان اعرب بسرور واغتباط . اننى اشعر بفرحة عارمة . عن نجاح مهرجان تكريم " الفكر " من جميع الوجوه ، هذا المهرجان الذى تنادينا الى اقامته بدافع التقدير والأكبار لأديبنا الكبير الاستاذ محمد مزالى والاشادة بالدور الذى لعبته ولا تزال مجلة سدد الله خطاها . ووقاها العثرات
ولست بسبيل تعداد مآثر " الفكر " وما اسهمت به في خدمة ادبنا التونسى ، والادب المغربي ، والادب العربى عامة . فلذلك مجال ، غير هذا المجال
ولكنى ، سأرجع لذاكرتى ان لم تخني ، وأفتش فى زواياها عما تحتفظ به من معلومات عن الاستاذ محمد مزالى ، رجل الفكر ، وكيف عرفته
وحتى لا اطيل ، اذكر ان اسم الاستاذ محمد مزالى رن في أذنى ، لاول مرة ، سنة 1950 ، وقرأت له أول ما قرأت ، مقالا في جريدة - الصباح - التونسية بعددها الرابع تحت عنوان " فى الثقافة " ومن خلال مطالعتى لذلك المقال ، احسست بانجذاب نحو كاتبه ، وشعرت كأنني تربطني به رابطة قديمة ، وهذا يقع لى كثيرا ، مع اسماء حبيبة الى قلبى ، أثيرة لدى
ولطالما ساءلت نفسى عن ذلك ، فلم أجد لديها الجواب المطمئن ، ولكن يقول أهل الذكر أن مواليد " البرج " المشترك ، تربطهم آصرة مودة ، برغم تباعد الزمان والمكان
وفعلا ، فانى والاستاذ محمد مزال من واحد ، هو " برج الجدى " ومن مواليد شهر واحد هو شهر ديسمبر . وعلى وجه التحديد ، كان ميلاده يوم الثلاثاء 23 ديسمبر 1925 وانا من مواليد 29 ديسمبر من سنة لا أذكرها حتى لا يتحدد عمرى ، وحتى لا أحسب فى عداد الكهول .
اذن ، قرأت لمحمد مزالى ، وظللت اتابع ما اكتب ، الى ان صدرت " الفكر " وكنت أعمل فى سلك التعليم ، خارج العاصمة ، فكانت الفكر من جملة المجلات التى أتابع ما ينشر فيها بشغف واهتمام
ومر عام او اكثر ، وانا وثيق الصلة بما يكتبه اديبنا الكبير ، لا غير ، ولم أره بعد ، ولم يسعفنى الحظ بمعرفة شئ عن شخصيته ، وعن سلوكه ، وعن علاقاته البشرية الى غير ذلك ، من المعلومات التى يتلهف عليها امثالى ممن ابتلوا بالادب ، وفطروا على تقصى جزئيات حياة كل اديب ، وكل صحفى ، وكل من له صلة بعالم الالهام والابتكار
وتشاء الاقدار ، أن انتقل بالعمل الى باجة . فأتعرف فيها على الاخ الاستاذ محمد فرج الشاذلى . اذ كان يدعو للاشتراك فى مجلة ويحمل مقتطعاتها فى جيبه ، وبالرغم من اننى أحب شراء المجلات والجرائد مباشرة . ولا اميل الى الاشتراك فيها ، رغم ما فى الاشتراك من فوائد احيانا ، فانى نزلت عن رغبة أخي الاستاذ الشاذلى ، واشتركت في " الفكر " لعدة اعوام .
ومن خلال احاديثي الادبية المتكررة مع الاستاذ محمد فرج الشاذلى ، تردد اسم الاستاذ محمد مزالى مرارا وتكرارا ، وكنت أصغى باهتمام لما يقصه الاخ
الشاذلى من اخبار وحياة ونشأة الاستاذ محمد مزالى ، فأكبرت الرجل وازددت اعجابا له ومحبة :
وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى
واذ وصلت في كلمتي الى هذا الحد ، فلا بد من الوقوف هنيهة . عند الظروف التى اتاحت لى رؤية وسماع الاستاذ محمد مزالى . أول مرة ، وانى أذكرها كأنها وقعت أمس
فقد كنت عضوا فى هيئة جمعية " الهلال الرياضى التونسي " بعد ان كنت لاعب كرة قدم فيها سنوات ، وصادف أن سمى الاستاذ محمد مزالى " مدير الشباب والرياضة " اوائل سنة 1959 اثر عودته من مؤتمر الادباء المنعقد بالكويت حيث ترأس الوفد التونسى ، وكان لكلمته الصدى المطلوب والتأثير المرغوب
وللحقيقة والتاريخ أقول : ان الاستاذ محمد مزالى سمى على رأس ادارة الشاب والرباضة ، وهى خاوية الوفاض ، وبادية الانقاض ، فنفخ فيها من روحه وأعطاها من فكره وجهده الكثير
ولم يقتصر عمله فى تلك الادارة على مجرد تسيير الامور الادارية فحسب ، بل كانت له مواقف فى تونسة الرياضة وتعريب مصطلحاتها ، وتشجيع النوادى والجمعيات على اكتساح معاقل بقايا الرياضة المتفرنسة ، والتى كان بتشبث بأذيالها كبار بعض الجمعيات التى تحسب انها على شئ من السمعة الشعبية وذيوعة الصيت .
ولنرجع الى ما كنا بصدده من الحديث ، عن الظروف التى أتاحت لى سماع الاستاذ محمد مزالى عن كثب ، لاول مرة ، عقب تنصيبه مديرا للشباب والرياضة ، فقد أعان جمعية " الهلال الرياضى التونسى " اعانة لا تنسى فى الحصول على مقر " الاتحاد الرياضى الفرنسى " وكان يوم الظفر بهذا المقر يوما مشهودا ، حيث تم تدشينه بحضور الاستاذ مزالى
وألقى يومئذ كلمة بليغة فى التعريف بالرياضة وأهدافها التى تداعب أفكاره ، ورسم الخطة المثلى التى يجب على كل الجمعيات ان لا تحيد عنها أبدا ووعد في خاتمة كلمته بانه ان قدر له يوما مغادرة ادارة الشباب والرياضة فانه لن ينتسب الا الى جمعية الهلال ..
وما هى الا ايام قلائل ، حتى توطدت العلاقة بين مدير الشباب والرياضة المتحمس ، وبين مسؤول هيأة الهلال
وبعث " الميثاق الرياضى " للوجود ، ونقش على رخامة فى مدخل النادى ، لا تزال قائمة الى اليوم ، تشهد بما قدمه محمد مزالى للرياضة من خدمات حمد أثرها يوم وصلت تونس الى الارجنتين للتبارى حول كأس العالم
ولكي لا يتطوح بى الحديث طويلا ، فى متاهات الرياضة التى أصابت عدواها كل الناس ، أذكر - للتاريخ أيضا - ان الجمعية التونسية الاولى التى تسلمت جائزة الميثاق الرياضى ببورصة الشغل فى يوم مشهود كانت جمعية ( الهلال ) المتحدث عنها ، وكان مقدارها 50 د تسلمناها بيد الشكران والامتنان
وليس من المبالغة فى شئ . إذا قلت ان ما سمعته من الاستاذ محمد مزالى فى موكبى تدشين النادى ، وتسلم الجائزة ، فهمه غيرى كما شاء . وفهمته أنا بمعنيين اثنين : معنى الحروف والكلمات التى تربط جملة بأختها . وموضوعا بآخر ، ومعنى يستشفه السامع المنتبه من هوامش الكلام ، وهو يدل على أن قائله من ذوى الافكار الصحيحة الصريحة . والرؤية الصادقة للأشياء ، رؤية نم عن صدق تجربة ، وعمق احساس . وايمان لا حد له بالشباب المتطلع للغد الافضل
ويجرنى هذا الحديث الى حديث آخر . عن لقاء آخر يوم سمى الاستاذ مزالى مديرا عاما للاذاعة التونسية ، وجاء مساء 12 نوفمبر 1964 لزيارة مقر عمله الجديد . والتعرف على المنتجين والعاملين فى دار - الاذاعة - وصادف ان كنت فى المكتب الثانى من طابق الدار الاول المشرف على شارع الحرية ، وهو مكتب بجمع بين الاستاذين الكبيرين الشاعرين المرحومين : حسين الجزيرى وأحمد خير الدين .
وبمجرد أن علمنا بقدوم المدير الجديد ، وشروعه فى زيارة المكاتب ، كتبت على البديهة فى ورقة أمامى هذا البيت الشعرى :
على الرحب ، أهلا بالمدير ، ومرحبا
وعاش ( مزالى ( للقلوب محببا
وأحلت الورقة لخير الدين ، فتأملها وأضاف :
أتانا الى دار ) الاذاعة ( بعدما أشع على دنيا الرياضة كوكبا
ومن بيت لبيت ، امكن تسوية قصيد فى الترحيب والاشادة بمدير الاذاعة الجديد ، ولربما تساعد الظروف على نشر هذا القصيد وغيره فى مناسبة قادمة
وفى دار الاذاعة - عرفنا محمد مزالى في خصال أخرى اكتشفناها فيه ، وهي : لتفاني فى المل ، والسعى للتعرف بوجه تونس الثقافى ، وتحسين وضعية العاملين فى المؤسسة ، وارساء قواعد التلفزة التونسية رغم قد الامكانيات والاطارات
والحق ان تلك الفترة تعتبر من ازهى فترات الاذاعة انتاجا وتشجيعا وادارة ولا تزال ذكراها المحمودة . تتعطر بحمد جميع الالسنه . وفيها كلقت من طرفه فيه باذاعة سلسلة من الاحاديث القيمة بعنوان " مشاهير أدبائنا " قصد المبادلة مع إذاعتي الجزائر والمغرب الشقيقتين . كما انتجت باشارة منه ومشاركة احمد خير الدين سلسلة من المنوعات الاسبوعية بعنوان " عش معنا " واصطفانى بعد وفاة الاخير للحلول محله فى برنامج " زيارة ونيارة " الشهير
وهذا الحديث - عن فترة الاذاعة - يجرنى بدوره الى حديث ثالث ، عن لقاء ثالث ، وهذا اللقاء بالطبع فى وزارة التربية القومية التى تولى امرها ثلاث مرات كانت ثرية بالتجارب ، والتحابب ، واكتشاف جوانب فى الرجل لم اعرفها من قبل ، واشهد صادقا ان الاستاذ محمد مزالى برغم تعدد مسؤوليات وحسامتها ، لم تبطره النعمة . ولم يبدله المنصب ، ولم يشغله بريق الشهرة أو بغير من شمائله قيد أنملة ، بل ، ظل هو هو ، كما كان . بدون زيادة ونقصان ، على عكس الكثيرين ممن عرفناهم . قبل أن يوكل اليهم تسيير بعض الامور ، فقدد داخلهم الغرور ، وأمسوا فى طرفة عين ، متنكرين لاصدقاء الامس ، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، أن عصم المولى سبحانه صاحب ) الفكر ( من ذلك كله ، وقد كفرنا في وقت من الاوقات بكل القيم والاعتبارات لما أصبحنا نشاهد ونسمع من نفاق ، واستعلاء ، وتمرغ بالاعتاب ، ووقوف بالابواب . ولكن صاحب ) الفكر ( انفرد الى جانب ما ذكرنا ، بخصلتين نادرتين يجب التنصيص عليهما ، والاشادة بهما ، ليتخذا قدوة حسنة ، ومثالا يحتذى
والحصلتان هما : الوفاء النادر الذى لا يعد ولا يحد ، وحسن الاستماع ، وهذه الخصلة الثانية مفقودة - للاسف - فى اغلب المسؤولين ، واعنى بحسن الاستماع ، الاهتمام بمن يحادثه ، ويحاوره ، وبمن يعرض عليه مشكلة ما . مع ان المشار اليهم آنفا تحس عندما تحادثهم بأنك فى واد . وهم فى واد آخر ، وانهم بعيدون كل البعد عما تحس به وتشعر .
وفي هذا السياق لا بد من التنويه بيد لا تنسى للاستاذ محمد مزالى ، اذكرها واكشف النقاب عنها - لاول مرة - وهى تتعلق بكيفية حصول رجال التعليم
الملحقين بالادارة المركزية والتفقديات ، والمنظمات القومية على منحة التكاليف البيداغوجية التى اتصل بها زملاؤهم المباشرون للتعليم فى المدارس والمعاهد بداية من غرة جانفى 1977
ولهذا الحصول قصة لا بد من ايرادها ، حتى يعلم من لم يكن يعلم أى فضل لهذا الرجل ، على هذا الصنف من رجال التعليم ، اذ خذلنا يومها رؤساؤنا المباشرون وبعض اطراف أخرى ، يعف اللسان عن ذكرنا لها ، وسدت فى وجوهنا ، كل الابواب ، وضاقت علينا الارض بما رحبت وكدنا نيأس أو ننتحر ..
وفى عشية من عشايا افريق 1977 . ذهبت - على غير سابق ميعاد - الى مكتب الوزير ، الوزير الاديب ، الوزير الانسان ، محمد مزالى ، فاقتبلنى بثغر باسم ، وترحاب بالغ ، رغم ما عليه من ارهاق واعياء ، فقصصت عليه قصة ) الحرمان ( بتفاصيلها ، وذكرت دقائقها ، واسماء الذين خذلونا فى مطلبنا العادل ، قصد الحصول على المنحة اسوة برفاقنا المباشرين ، وطال الحديث وتشعب ، ولم أخرج من مكتبه الا بوعد حازم للتدخل لدى من له النظر ، حتى تسوى وضعيتنا كما نحب ونشتهى . وفى أقل من شهر ، فض المشكل على الوجه المرضى .
ومن الغريب . ان الذين خذلونا بالامس ، رحوا يهمسون لمن لا يعرف حقيقتهم ، بان الفضل الأكبر لانهاء الموضوع ، كان بواسطتهم ، ألا لعنة الله على الكاذبين
وللاستاذ مزالى ، يد على ، أشيد بها ، وأعطر اجواء المجالس ، وهى ان دلت على شئ فانما تدل على كياسته ، ومعالجته للامور بالحسنى ، وتمقويمه لاعوجاج أى كان ، لا بالعصا ، والضغط ، والقسوة التى لا رحمة فيها ، ولكن بالاشارة العابرة ، واللمحة الذكية ، والتنبيه المستتر
وللتدليل على ما اقول : اشير الى اننى من طبعي لا أجيء مكتب عملى مبكرا - وارجو أن لا يسمع ولا يقرأ هذه الجملة الاستاذ وزير التربية الحالى - وعلم بطريقة ما - الاستاذ محمد مزالى خلال اشرافه على حظوظ تلك الوزارة . اننى لا احضر الى مكتب فى الوقت المعين - وان كنت أؤدى واجباتى كما ينبغى ، فأهدانى ساعة منبهة جميلة الشكل ، فتقبلت الهدية شاكرا ، ورفعت اليه - آية الشكر - المتمثلة ، فى الابيات التالية :
أنا ما حببت ، فلست أنسى ) ساعة ( دقاتها تشدو بنبل ( مزالى )
قد أهديت منه الى تكرما حتى أبكر منجزا أشغالى
والكل يشهد أن شغلى ( منجز ) في حينه دوما بلا امهال
لكن أرى ان الهدية لفتة من أريحى سيد مقوا
هو من علمت مكانة و ( مواقفا ) تروى من الاجيال للاجيال
وتبتلا ) للفكر ) فى محرابه والصدق فى الافعال والاقوال
وأنا لسان ناطق بمكارم غير له ، لا تمنمحى من بالى
سلمت يداه ، وعاش مأمون الخطى والله يحرسه من الاهوال
وليس هذا فقط ، بل لى مع الاستاذ محمد مزالى ، ذكريات كثيرة ، يضيق الوقت عن تعدادها ، وذكر بعض القصائد والمقاطيع التى رفعت الى سيادته شيئا منها ، ولم يتح لى أن أطلعه على ما تختزنه ذاكرتى ، وتحويه مخبأتى الكثيرة ، وخاصة قصيدى فى تهنئتى اياه بمنصب الوزير الاول ، وكان فى الحسبان أن يلقى فى حفل تنظمه على شرفه شعبة وزارة التربية ، ولكن لم ينظم هذا الحفل ، وبما انى آليت على نفسي ان لا أنشده الا فى ذلك الحفل الذى لم ينظم ، فانى اسمعكم منه ما يلى :
قز بالمعنى والامل الباسم سلمت ) للفكر ) أبا ( حاتم )
وصانك الرحمان من حاسد ديدنه الكيد ، ومن ظالم
الخ ..
ولعلى - أيها السادة - أطلت بدون افادة . وانا رجل لا احسن الكلام ولكن المقادير أتاحت ان اكتشف فى صاحب ) الفكر ( شمائل وخصالا لم يظفر باكتشافها الا الاقلون ، وهو ما يجعلنى أزعم لنفسى أننى مستطيع الحديث عنه حديث العارف الواثق ..
وعلى كل ، بحسبى أننى أجملت وما فصلت ، واوجزت وما اطلت ، ولكنى اعتذر للجميع إذا نسيت أو ضيعت فيما ذكرت من أمثلة سقتها على عجل - للتدليل على المكانة التى يحتلها صاحب ) الفكر ( فى نفوس أحبائه ومقدرى نبوغه - كفاية ، فسلام عليه وعليكم ، والدعاء ) للفكر ( بطول العمر ودوام الازدهار .

