نتشرف فى هذا العدد الاول من سنة " الفكر " السابعة بنشر الاجوبة التى تفضل الاستاذ الكبير ميخاييل نعيمة بارسال نصها من لبنان بعد الرسالة التى سلمناها له يوم 19 جوان المنصرم قبيل مغادرته الجمهورية التونسية حيث اقام بين اهله هنا اسبوعا القى اثناءه ثلاث محاضرات قيمة كنا اشرنا اليها فى عددنا الاخير . وترى اسرة الفكر لزاما عليها ان تجدد باسم قراء الفكر للاستاذ نعيمة شكرها .
اسئلة الفكر
- كيف بدأتم حياتكم الادبية وما هى العوامل التى دفعتكم الى الاشتغال بالادب ؟
- نعلم انكم تاثرتم خصوصا بالكتاب الروسيين . فما هو الوجه الخاص الذى تاثرتتم به من الروح الروسية ، وهل هناك ذكرى بينة - من قراءة كتاب او التقاء باديب او باحد ابطال قصة ؟
- هل ظهر التاثر فى تئاليفكم وما هو احب كتبكم اليكم ؟ - كيف ترون رسالتكم فى الادب العربى ؟ وهل ترون لكم رسالة انسانية ؟ - ما رايكم فى الادب الملتزم ؟ وهل انتم ملتزمون لمذهب فكرى ؟
- هل تنتسبون الى الفلسفة المادية او المثالية ولماذا ؟ وما هى خصائص تفكيركم فى المذهب الذى تنتمون اليه ؟
- ما هى المكانة التى ترونها لادبكم فى الادب العربى ؟ ومكانة الادب العربى بين الاداب العالمية
- هل بلغت القصة العربية . فى نظركم المستوى الانسانى العالمى ومن هم فى نظركم اعلام القصة العربية الذين يمكن ان يحصلوا على جائزة نوبل ؟ - ما هى اسباب عدم حصول اى كاتب عربى الى اليوم على هذه الجائزة ؟ - ما هو رايكم فى المسرح العربى ؟
- هل توجد آداب عربية محلية ام ان الآداب العربية تعبر كلها عن النفس العربية اجمالا ؟
- ما هو رايكم فى ادب المغرب العربى عامة والادب التونسى خاصة ومن تعرفون من كتابه وشعرائه ومفكريه ؟ - يقولون ان الشرق بدأ يفقد روحه ويعتنق فلسفات اجنبية عنه . فهل هذا صحيح ؟ وما هى نتائج ذلك ؟
- كيف ترون الوصول الى العدالة الاجتماعية والسياسية فى الشرق العربى وبين البشر عامة ؟
- وما هى طرق الوصول الى هذه العدالة - هل هى الثورة المسلحة وما يتبعها ( الثورة الماركسية ) - ام هى الاصلاح السياسى على مراحل ؟ - ماذا تعرفون عن المذهب البورقيبى ؟
- هل تنوون القيام بنشاط ادبى فى مستقبل قريب : من نشر كتب او قيام بمحاضرات ؟ وهل تنوون تقديم انتاج شعرى فى المستقبل ؟
- ما هى انطباعاتكم عن اقامتكم بتونس وما هى وجوه الشبه فى نظركم بين تونس ولبنان ؟
- هل لكم ما تتفضلون بخص قراء الفكر به من انتاج شعرى او نثرى لم ينشر من قبل ؟
ردود الاستاذ ميخاييل نعيمة
س. - كيف بدأتم حياتكم الادبية وما هى العوامل التى دفعتكم على الاشتغال بالادب ؟
ج. - في كتابي " سبعون " الذى صدر المجلد الثالث والاخير منه في العام الماضى أحكي حكاية عمري منذ أن وعيت نفسي وحتى بلوغي السبعين . ومن مطالعة ذلك الكتاب يتضح للقارىء أن النزعة الى الكتابة تملكتني في سن مبكرة جدا ثم طغت على جميع نزعاتي أيام دراستى في روسيا ما بين 1906 و 1911 فما إن اتقنت لغة البلاد حتى رحت أنظم الشعر وأقوم ببعض المحاولات في كتابة القصة والمقالة . ومن منظوماتي في تلك الفترة باللغة الروسية قصيدة " النهر المتجمد " التي نقلتها بعد سنوات الى العربية فلاقت انتشارا واسعا . وهي مدرجة في مجموعتي الشعرية " همس الجفون " .
أما حياتى الادبية كما يعرفها العالم العربى فقد ابتدأت بمقال نقدى كتبته عام 1912 إذ كنت طالبا في جامعة واشنطن بالولايات المتحدة . وذلك المقال كان النواة لمقالات نقدية أخرى دخلت فيما بعد في كتابي " الغربال " .
س. - نعلم أنكم تأثرتم بالكتاب الروسيين . فما هو الوجه الخاص الذي تأثرتم به من الروح الروسية ؟
ج. - إن ما يعرف اليوم بالأدب الواقعي بلغ ذروته على أيدى الكتاب الروس أمثال غوغول وتورغينيف ودوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغوركي وهؤلاء فتحوا لي الباب الى الادب الانساني الرحب . فنهجت نهجهم في ما صنفت من قصص . أما في النقد فقد وجدت في بيلينكي - إمام النقاد الروس - مثلا رائعا للنقد الرفيع . وأما في الشعر فقد أعجبت كثيرا ببوشكين ولرمنتوف ونكراسوف .
س. - ما رايكم في الادب الملتزم ؟ وهل أنتم ملتزمون لمذهب فكري ؟
ج . - الالتزام في طبيعة الادب . فليس لاي أديب يحترم نفسه ويقيم وزنا لادبه الا أن يلتزم ما تمليه عليه أحاسيسه وأفكاره ، وتخيلاته وتأملاته فى الحياة التى يحياها . أما أن يكره الاديب على التزام حياة غير حياته فأمر يتنافى وطبيعة الادب .
وأما المذهب الفكري الذى التزمه فهو مذهبي . وهو يقوم على اعتبار الانسان كائنا تتمثل فيه القدرة التى ندعوها الله كما تتمثل الشجرة في البذرة . فحياته في تطور مستمر من الناسوت الى اللاهوت . وتطوره يكون بطيئا او سريعا بنسبة ادراكه لحقيقة كيانه ، وبنسبة ما يبذله من جهد لبلوغ تلك الحقيقة .
س . - هل تنتمون الى الفلسفة المادية أو المثالية ، ولماذا ؟ ج . - إذا كان ما يعنيه السؤال بالمادية والمثالية هو أن الاولى تنفي وجود الروح ، وان الثانية تؤمن به فأنا مثالي . فالذى يبدو ى هو أن في الكون قوة أزلية أبدية هي منه بمثابة المحور . وهذه القوة لا تنفك تشع وتنبض بغير انقطاع دون ان تزيد او تنقص فهي أبدا هي . ولكن ما يصدر عنها من إشعاع ونبض يتكاثف ويتباطأ بنسبة ابتعاده عن المحور . فيتكون منه ما ندعوه " مادة " بمختلف أشكالها والوانها : على حدا ما يتكون الضباب والسحاب من الابخرة الشفافة التى لا تبصرها العين . فالمادة لاوجود لها فى ذاتها . وإنما تستمد وجودها من القوة التي في المحور ، والتي لا ندركها بحواسنا . وهي عرضة للتغير المستمر ما بين ولادة ونمو وانحلال وموت إلا متى عادت الى مصدرها .
ولان الانسان ، بالاضافة الى جسده المادي ، يملك القدرة على التفكير والتمييز وعلى التخيل والارادة ، فقد بات لا يهنا له عيش في دنيا لا تستقر على حال ، وجميع ما فيها الى الزوال . وبات يشويه الشوق إلى كينونة لا تولد ولا تنمو . فلا تنحل ولا تموت . وهي كينونة القدرة التي في المحور . وبكلمة اخرى ، لقد بات الانسان يشتاق العودة الى مصدره الذى انفصل عنه غير واع ما هو ليعود اليه وهو يعي ما هو وهذا الشوق يختلف في الناس حرارة ومدى باختلاف المستوى الذي بلغه كل منهم في تفتحه الفكري والروحي . فلا عجب أن تجد بينهم من ليس يبصر من الحياة غير جانبها المادي ، ومن هو على نقيض ذلك ، فلا يهمه من الحياة غير جانبها الروحي .
ولكننا ، ما دمنا من لحم ودم ، فمن الاثم أن نتجاهل البريء والصالح من حاجات اللحم والدم . أما الاثم الاكبر فهو أن نتجاهل حاجات الروح ، فنحصر همنا في المادة كما لو كانت هي البداية والنهاية والغاية التي منها تتبع واليها تعود كل غاية .
س. - هل بلغت القصة العربية في نظركم المستوى الانساني العالمي الذي يؤهلها لجائزة نوبل ؟
ج. - القصة العربية ، على حداثة عهدنا بها ، في تقدم مستمر . وعندنا منها ما لو ترجم الى لغات اجنبية للقي من يقرأه . الا أننا لم نخلق حتى اليوم روايات عربية تستحق أن تقف بجانب الروايات الغربية الشهيرة . وأن تحظى بجائزة نوبل .
س. - هل توجد آداب عربية محلية أم أن الآداب العربية تعبر كلها عن النفس العربية إجمالا ؟
ج . - للأدب في كل قطر عربي لونه الخاص تضفيه عليه طبيعة ذلك القطر من حيث تكوينه الجغرافي والسياسي والاجتماعي ، ومن حيث مستواه الثقافي ، ونزعاته وعاداته ، رمزاجه ومشكلاته . إلا أنه أدب يكتبه عرب بلغة عربية ويقرأه العرب في شتى ديارهم فهو أدب عربي وللعرب أجمعين ، وهو بالتالى يعبر عن بعض الصفات المشتركة بين العرب التي يمكن أن ندعوها " النفس العربية "
س. - يقولون أن الشرق بدا يفقد روحه ويعتنق فلسفات أجنبية عنه . فهل هذا صحيح ؟ وما هي نتائج ذلك ؟
ج . - بين الشرق والغرب فوارق كثيرة ، وأهمها ، في اعتقادي ، هي الطريقة التى يتبعها كل منهما في مواجهة عقدة الوجود ، وفي كيفية حلها حلا يرضى عنه الفكر والوجدان . وعقدة الوجود تتمثل لنا فى أسئلة ثلاثة : من أين ؟ والى اين ؟ ولماذا ؟
أما الشرق الذي هو أعتق من الغرب بكثير فقد واجه تلك العقدة بالتأمل الباطنى . فوجد المفتاح الى حلها في القوى الهاجعة في أعماق كيانه . وأبرزها قوة البصيرة أو ما يمكن أن ندعوه " العين الثالثة " فهذه ، إذا انفتحت كان في إمكانها أن تنفذ من خلال أكسية الاشياء المتغيرة الى جوهرها الذى لا يتغير - الى الله . ولا تنفتح البصيرة إلا في الذين يكرسون جل قواهم لفتحها . فيوجهون اليها أشواقهم ، ويطهرون قلوبهم وأفكارهم من الشهوات التى تنسدل ستارا كثيفا بينها وبين الحقيقة كما ينسدل الضباب ستارا بين العين والشمس . ولان الشرق في تاريخه الطويل قد عرف أكثر من واحد انفتحت بصيرته فلا عجب أن يكون منبتا خصبا للأديان .
وأما الغرب فقد آثر أن يعالج عقدة الوجود بالعمل المنظم لا بالتأمل المضني ، وأن يهتم ببصره قبل اهتمامه ببصيرته . واذا هو اتخذ له دينا من اديان الشرق فلكي يخدر به أشواقه الى معرفة مصدره ومآبه والغاية من وجوده كيما ينصرف بكل قواه الى تنظيم حياته المادية دون التلفت كثيرا الى ابعد مما يتناوله بالخبرة الحسية . ومن هنا كان اعتماده الاكبر على العلم . ولعل العلم ، متى بلغ أشده ، انتهى باهله الى حيث انتهى من قبله اهل الديانات الشرقية .
إلا أن الناس فى الشرق ليسوا كلهم انبياء انفتحت بصائرهم على حقيقة الوجود . لذلك تمسكوا من دياناتهم بالقشور فخسروا الارض ولم يظفروا بالسماء . ولا الناس في الغرب كلهم علماء . ولكنهم اقبلوا بنهم على ما حققه لهم العلم من منجزات . فربحوا الارض وافلتت منهم السماء
والذي يبدو لي فى هذه الفترة من حياة الناس ان الموجة التي أطلقها العلم ستطغى على العالم شرقا وغربا الى ان تتكسر على صخور الاسئلة الثلاثة : من أين ؟ والى اين ؟ ولماذا ؟ واذ ذاك تنكفئ لتحل محلها الموجة التي أطلقها الشرق من زمان ، والتي لاخلاص للعالم الا بها . أما الآن فلا مفر للشرق من موجة المادية التي أخذت تجتاحه من الغرب . ولا قدرة له على محاربتها قبل ان تستنفذ قوتها . وهذه الموجة لا تخلو من الخير للشرق ، وعلى الاخص فيما يتعلق بتنظيم حياته الاقتصادية والاجتماعية ، وبالتخلص من رواسب كثيرة ورثها من الماضي فحدت من تطوره المادي والروحي بالسواء .
س. - كيف ترون الوصول الى العدالة الاجتماعية والسياسية فى الشرق العربي وبين البشر عامة ؟
ج.- ليس يعرف العدالة الاجتماعية والسياسية الا من ساوى الناس بنفسه في الحقوق والواجبات . فما شبع وجاره جائع . ولا تنمرد وجاره ذليل وهؤلاء قلة ضئيلة فى الارض . أما التباين فى حظوظ الناس من حيث مواهبهم ومؤهلاتهم للعيش فسيبقى قائما ما دام التفاوت قائما بين ما يبذله الواحد من الجهد في تفهم الكون ، وبين الهدف الذي يقيمه هذا وذاك لنفسه من حياته والوسائل التى يلجأ كل منهما اليها في تحقيق ذلك الهدف
والعدالة الاجتماعية والسياسية ، كما أفهمها ، لا تحققها الثورات المسلحة . وتحققها ثورة فكرية ، روحية تبني الانسان من الداخل لا من
الخارج فتحرره ، من جميع الترهات التي أصبحت أغلالا لفكره وروحه على مدى العصور .
س. - ما هي انطباعاتكم عن اقامتكم بتونس ، وما هى وجوه الشبه فى نظركم بين تونس ولبنان ؟
ج . - لم تكن الايام العشرة التى أمضيتها في تونس بكافية لتعطيني صورة كاملة عن الحياة التونسية في مختلف مجاريها . إلا أن ما أبصرته بعيني وسمعته باذني أثار إعجابي بل أكاد أقول - دهشتي ، فالبلاد ، على حداثة عهدها بالاستقلال ، تغلي وتفور بالحركة . وحركتها كلها بركة . لانها بدت لي موجهة بعقل واع وعين نيرة ووجدان لا يستهدف غير الخير والمصلحة العامة ، والفضل في تلك الحركة المباركة انما يعود في الدرجة الاولى الى فطنة الرئيس بورقيبة ، وحماسته المتوقدة ، وتفانيه في سبيل النهوض بشعبه وبلاده . ويعود من بعده الى الاعوان الذين اختارهم لتنفيذ خطته العمرانية ، وروح الخدمة الصادقة الذى نفثه فيهم . مثلما يعود الى الفطرة التونسية الطيبة التي تابى الجمود ، والذي لولاها لما كان ذلك التجاوب العفوي بين الحكام والشعب .
ولقد سرني بنوع خاص إقبال الاجيال التونسية الطالعة على اللغة العربية و آدابها . حتى لتحسبهم ركبا برح به العطش في الصحراء وبغتة وقع على واحة ومما لفت نظري أن التونسيين في طموحهم وأخلاقهم وحتى في تكوينهم الجسداني ، يشبهون اخوانهم اللبنانيين الى حد بعيد ولا عجب فالصلة بين لبنان وتونس تعود الى ما قبل المسيح بمئات السنين .

