الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الاستعمار التهجيري

Share

ليس أقسى على الإنسان عندما يستقرئ التاريخ ويقارنه بحاضره أن يثبت لديه إمعان البشرية في عدوان بعضها على بعض ، واسترسالها في بث الرعب ونشر الألم والحرص على الإبادة ؛ وقضية فلسطين من هذه القضايا التي يتألم منها كل من تحركت فيه أبسط العواطف الإنسانية خيرًا ؛ ولكنها أيضًا من تلك القضايا المأساوية التي تحتاج إلى التدليل على فظاعتها واتسامها بالظلم أمام الرأي العام العالمي.

ولقد اعتاد الناس أن يتصوروا العدوان - عدوان الشعوب بعضها على بعض - في مظاهر معروفة مثل الحرب والإبادة والعنصرية والاستعمار الذي كان لا يدعو في أوائل القرن العشرين إلى النفرة منه لدى الأمم الأوروبية بل كان على حد قولها بابًا من أبواب تمدين الشعوب والرفع من شأنها ، ولم يظهر الاستعمار بشعًا لدى الجميع الا بعد الحرب العالمية الثانية ، ويكفي أن يقتنع الرأي العام العالمي بوجود مظهر من مظاهره في بلد ما حتى يستنكره وينادي بمقاومته .

غير أن انتصاب دولة إسرائيل في فلسطين ، وطرد جزء من سكانها العرب ، والاعتداء على البلدان العربية المجاورة لم يظهر عند أمم العالم جميعها في مظهر الاستعمار البشع . لهذا فإن جهد العرب جميعًا اليوم ، ومعهم الرجال الأحرار من بلاد العالم كلها ، منصرف إلى إقامة الحجة على أن دولة إسرائيل إنما تجسم الاستعمار في أبشع مظاهره.

وإن أهم ما يدل على أن إسرائيل دولة استعمارية بأتم معنى الكلمة انبعاثها من الحركة الصهيونية التي تطورت ونجحت في أوروبا ، ولكنها ترعرعت ضمن توسع أوروبا نحو البلدان التي سُميت بالعالم الثالث فيما بعد ، ذلك أنه " عندما تنصرف الإرادة إلى تأسيس دولة يهودية صِرْف ، أو أغلب سكانها يهود ، في فلسطين العربية وفي القرن العشرين ، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى وضع شبيه بالوضع الاستعماري مع جنوح إلى العنصرية ، وكل هذا يفضي

في آخر الأمر إلى تطاحن الجنسين ) 1 ( ، وليس أدل على ذلك مما صرحت به " جولدا ما يبير " سنة 1946  لعضو أمريكى في اللجنة الأنفليزية الأمريكية . وكانت تُدعى آنذاك " جولدا ميرسن " - عندما سألها : " إذا وُجد اليهود وهم اليوم أقلية نفس ما تعدين به العرب عندما يصبحون أقلية هل يرضيك ذلك ؟ " أجابت : " لا يا سيدي ، لأنه يجب أن يوجد مكان ما في الدنيا لا يكون فيه اليهود أقلية " .

وليس الغرض من هذا المقال الإفاضة في هذا المعنى وقد سبقني إلى بيانه من أفاد وأقنع ، بل أردت أن أميز هذا النوع من الاستعمار من بين ما أصاب البشرية منه خلال العصور الخوالى من ويلات وتقلبات ، ذلك أن تحوّل الاستعمار وتغيّره من يوم أن عرفته البشرية يُشبه تقلب " الفيروس " كلما واجهته بدواءٍ ما إلا وظهر لك بعد ذلك في غشاء لا ينال منه دواؤك ولا يقهره، فتحتاج إلى غيره من الأدوية ليكون أقطع لدائه وأنفع للمبتلى به . إنما الذي أردته هو أن أُبرز نوع الاستعمار الذي ابتليت به فلسطين وهو مرحلة أخيرة وقصوى من الهيمنة التى تروم التوسع على حساب أرض الغير.

لقد عرفت البشرية الاستعمار التوطينى أيام الرومان في عهودهم الغابرة ، وتألمت منه وقاست ويلاته وما تزال من القرن الثامن عشر إلى اليوم . وابتز نوع آخر من الاستعمار خيرات بلدان العالم الثالث بالتوسع ومباشرة شؤون البلاد التابعة له من دون صدمات ظاهرة إلا بين الفينة والفينة . ولكن قل أن عرفت الانسانية ما أسميه بالاستعمار التهجيري(2 ) الذي يضطر أهل الأرض المستحقين ، إلى الهجرة لتستقر في تلك الأرض أقوام أخرى.

وإن هذا الطور من الاستعمار الذى رضيه العالم ، أو بالأحرى الدول العظمى

بعد الحرب العالمية الثانية بينما كانت تعتزم التخلص من ألوانه الأخرى ، ليعد أقسى وأشد من كل الأطوار التى سبقت . فكأن البذرة الأولى التى زُرعت يوم أن تاه اليهود في الصحراء وغرست في أنفسهم فكرة الرجوع الى الارض الموعودة - وكم من أقوام قبلهم وبعدهم أُجلوا عن بلادهم - كأن تلك البذرة الأولى نمت وترعرعت لتؤتي أكلها في هذا الاستعمار التهجيري الذي لا يتوسع على حساب الأرض ليبتز خيراتها ويتوطن بها ويستغل أهلها ، بل هو يجمع بين الآفتين : يستأثر بالأرض ويطرد ساكنيها .

وليس من الغريب أن يلقى التشجيع والمساندة من الدول التى ابتكرت نوعًا آخر من الهيمنة يُسميها بعضهم الإمبريالية وهو أقل بروزًا وأخف تكاليف ولكنه يستشري كالسرطان وينخر الأمم كالسوس.

وهكذا يصح القول: إن البشرية التى عُرفت بصمودها وتضحياتها كيف تكشف وتقضي في أجزاء من العالم كثيرة على أغلب أنواع الاستعمار ، بقي عليها أن تجابه بكل حزم هذا الاستعمار التهجيري ، وأن تجند لمقاومته كل العزائم الصادقة ، لأنه ركيزة من ركائز الهيمنة الجديدة ، والنار الكامنة التي تنتظر قدح قادح .

وإن واجبنا كعرب يقتضي - إلى جانب مواجهة العدوان وإعانة الحركة التحريرية الفلسطينية بكل ما لدينا من قوة - أن نكسب ود العالم ، وأن نعرفه أكثر فأكثر بهذا اللون من الاستعمار ، وهي خطة هامة في سبيل استئصال هذا الداء الذى انكشف لنا في النصف الثاني من هذا القرن .

ومهما يكن الأمر فإن تضافر الجهود في هذا الباب ، لتصبح قضية فلسطين لا قضية عربية صرفًا بل قضية إنسانية تهم الإنسان أينما كان ، إنما هو الكسب العظيم الذي به تخطو هذه القضية خطوات كبيرة نحو الحل .

اشترك في نشرتنا البريدية