الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

الاسلام ، بين انصاره واعدائه

Share

ان دين الاسلام هو اعظم دين شرعه الله لعباده لتكميل اصلاحهم في انفسهم واخلاقهم وأعمالهم ومجتمعهم ، ويمكن للناظر المتبصر فهم ذلك اذا استعرض عقائد الاسلام وتربيتة الاخلاقية وما شرع فيه من الاعمال والاحكام وما اشتملت عليه من الحكم العالية والاسرار اللطيفة ، وأظهر من ذلك وأقرب ان ينظر الى تأثيره من قبل فى أمم الشرق التى كانت راسفة في اغلال الاستعباد والذل غارقة في لجى العقائد الخرافية الوثنية ، والاخلاق المرذولة فانتشلها من ذلك كله وزكى نفوسها وطهر اخلاقها وجمع كلمتها ، ولا يزال الاختبار الى اليوم يشهد بأن المسلمين اطهر الامم خلقا واصحهم نسبا وابعدهم عن

الفحشاء والعهر مما بقى لهم من حياتهم : الاولى . وضع الدين الحق فى يدهم باجتماعهم عليه ودفاعهم عنه صولجان العزة والسلطان في العالمين الشرقي والغربي ما يناهز ألف سنة ، مدة لم تنلها أمة من الأمم السابقة ولا الحاضرة فيما نعلم .

ولا يحفظ التاريخ ان دينا غير الاسلام انتشر من حدود فرنسا غربا الى جدار الصين شرقا فى مدة لا تزيد على مائة وخمس وعشرين سنة مقرونا بالعدل والاحسان والرحمة والصيانة والعفة ، مطهر للمجامع الانسانية من قاذورات الشيطان وقسوته واثمه ، وهذا هو الامر الذى اختص به دين المسلمين وملكهم - السرعة والطهارة والعدل والثبات مدة طويلة فى احسن بقاع المعمور ، وقع ذلك مع فقد المواصلات الموجودة اليوم ، وما كان لهم من اسبابها الا الاقدام وظهور الدواب برا . والمراكب الشراعية بحرا

فها هنا دليلان عظيمان على مكان دين الاسلام من حيث هو دين بعث الله به

نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لاصلاح البشر ، احدهما : علمي وهي عقائده وأخلاقه وأعماله واحكامه الموجودة بين أيدينا ، ومن السهل ان نستقريها من القرآن والسنة ، وثانيهما حسى تاريخي نقل الينا تواترا لا يمترى فيه احد وهو الحياة الطاهرة التى بثها فى الأمم حين أخذت به .

وموضوع الكلام في موقفي هذا هو الشق الاول . . .

ان المركز الذي تصدر عنه الاخلاق والاعمال التى ينبني عليها صلاح الفرد او فساده ، ثم

صلاح المجموع المؤلف من الافراد او فساده ، هو النفس وما رسخ فيها من العقائد والاخلاق وما تثمره تلك العقائد والاخلاق من الرغائب والمطالب وما يصدر عنها من اعمال ، فاذا كانت العقائد باطلة ، والاخلاق فاسدة كان ما يصدر عنها من الاخلاق والاعمال شرا وشقاء على الفرد ثم المجموع .

واذا كانت العقائد صحيحة والاخلاق صالحة كان ما يصدر عنها خيرا وسعادة للفرد ثم المجموع فهذا اصل عظيم فى صلاح المجتمع البشرى وهو صلاح نفوسهم اولا التى هى الاصل ، ولاصلاح بدونه فهذا هو أساس الاصلاح الاسلامى ، وفرض العين اللازم الذي لا بد من تقديمه ، والذي لا بد من انجازه اولا ، لكون ما سواه من الفروض الكفائية فى الرتبة الثانية ، ومنها الصناعات والحرف الدنيوية ، وما شاكلها فتاثم الأمة اذا أجمعت على تركها ، وقد ثبت الآن ان التوسع فيها على غير أساس الاصلاح الاسلامى من تقديم اصلاح النفس الانسانية قبل آلاتها انما هو شر محض على البشر ، وعن ذلك نتجت الحرب العالمية والمجزرة الانسانية التى لم يسمع فى التاريخ بما يدانيها ، فضلا عما يماثلها . والمطلعون على الشؤون العالمية ينذرون بوقوع ما هو أعظم منها واسوا في القريب العاجل . وأي مانع يمنع عن ذلك ما دام ظلام النفوس يحول بين البشر والنور الساطع الطاهر نور هداية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما دام ضجيج الاهوية يحول بينهم وبين سماع صوت دعوة القرآن صوت الرحمة والمحبة والسلام والسعادة والحياة الطيبة والعدل

ان دين الاسلام هو دين الفطرة اى ان الله خلق فطرة الانسان على مقتضى هذا الدين الحق فكما انه هو الحق في الخارج والواقع

فهو الملائم والمناسب للفطرة الانسانية لأنها مجبولة على وفقه ولا يستطيع احد ان يبدلها بفطرة اخرى ( لا تبديل لخلق الله ) قال الله تعالى : ( فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الذين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون ) - سورة الروم ٣٠ - وقال الله تعالى : ( وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) - الجاثية ٢٢ - ذكر الله في هذه الآية فى أصل الخلق وحكمته . . الحق والجزاء بالعدل ، ودين الاسلام هو الذي يصدق ذلك ويطابقه .

وعن موافقة دين الاسلام للفطرة الانسانية والعقل الانسانى ينشأ ذلك الثبات المعروف من المسلم الصحيح الاسلام على دينه وعدم استطاعته التحول عنه الى غيره ، ولان دينه قد أقامه شاهدا على من سواه وحاكما عليه بالبرهان والفرقان بما عرفه اياه من تاريخ الدين وما عرف منه وما على اصله من لدن نوح الى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو كمن يعرف الدعاوى المعروفة وبيناتها ويميز حقها من باطلها ، ولذلك قال مسيو جول سيكار الفرنسى فى كتابه الحديث ( العالم الاسلامي في الممتلكات الافرنسية ): " ان المسلم يتعذر ان يتحول عن الاسلام الى النصرانية ، فالطريقة المثلى لتنصير المسلمين ايقاعهم فى الالحاد والتعطيل اولا ، حتى اذا اصبحوا بغير دين وزال ما للقرآن من السلطان على عقولهم سهل حينئذ تنصيرهم لأن البشر لا يستطيعون ان يعيشوا بغير دين )

ان المسلم يعتقد ان دين الاسلام هو دين الله على السن جميع انبيائه فكلهم انما جاؤوا يدعون الى عبادة آله واحد متفرد

بالربوبية الشامل معناها للخلق والرزق والتدبير والتصريف والايجاد والامداد والانعام على الخليفة والاحسان اليها والملك لها والتولى لشؤونها لا شريك له فى ذلك فهو متفرد بالألوهية الجامع معناها لاتصافه عز وجل بصفات الكمال والجلال والاكرام من القدرة التى لا يعجزها شئ والارادة التى لا يؤثر فيها مؤثر ، وهو فى ذاته منزه عن مشابهة المخلوقات لم يلده شئ ولم يلد شيئا ولا يكافئه غيره ، فهو الاحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ، فكل ما سواه مخلوق له ذليل بين يديه فهو عز وجل وحده المستحق للعبادة والاجلال والخضوع والمحبة ، وهو وحده الذي يرغب الراغبون اليه ، ويجتهد الداعون في سؤال حاجاتهم منه .

فله الحمد ، كما ان بيده الملك كله . فخلصت محبة المسلمين وعبوديته واجلاله ورغبته ورهبته للاله الحق الواحد الذي بيده ملكوت كل شئ . ومهما أحب المسلم أحدا من عباد الله من نبى مرسل او ملك مقرب فانما احبه بحبه فلم يتفرق قلبه ولم تشتت اهواؤه ولم يتذبذب عمله . فمحيت من قلب المسلم اوهام الوثنية ووساوسها كل المحو . ثم ان للمسلم وازعا فلبيا يزعه عما لا يحل له ، ورقيبا منه يذكره اذا غفل ، ففي الصلاة المتكررة كل يوم يرفع همته عن مواقعة الفحشاء والمنكر ، وتذكره بربه وبرحمته وعدله ، وما اوجبه عليه ووعده به من المجازاة على كبير عمله وصغيره ، وفي الزكاة والصوم المتكررين كل عام ما يشعر قلبه بمحبته اخوانه والاحسان اليهم ويزكى نفسه من رذيلة البخل ويوثق رابطته بأمته ، ويورثه القوة على كبح جماح الشهوة ويعده للتقوى

وفي الحج ما يملأ قلبه تعظيما لشعائر

الله ومعرفة باخوانه المسلمين وارتباطا على وجه المساواة في اداء شرائع الحج وتربية النفس على احتمال مشاق السفر النافع ،

وهكذا كل اعمال العبادة التى شرعت في دين الاسلام ، فانها تذكر بما يجب من تعظيم الخالق وشكره وبالاحسان الى المخلوق ومعاونته ، مع ما فيها من تربية النفس وتكميلها وتعودها النظام والمحافظة على الواجب والمكافلة مع الأمة .

فترى المسلم يحمل في قلبه الرحمة للعبادة ، لعلمه بأن ربه رحيم يحب الرحماء من عباده ويأمرهم برحمة الخاصة والعامة . ممتلئا قلبه بالمحبة لاخوانه المؤمنين ، لأن ربه يحبهم وقد أمره بمحبتهم . مطالبا نفسه بالعدل لانه مأمور باقامته والشهادة به على القريب البعيد أيا كان ، متنزها عن القاذورات من الفحشاء والبغى والمنكر ، لأن ربه القدوس الطاهر يكرهها وينهاه عنها ويعاقبه عليها ، قال تعالى : ( ان الله يأمر بالعدل والاحسان ) النحل ٩٠ -

يرى المسلم انه هو الحر كل الحر فانه لا يعتقد ان احدا ما غير الله يقدر على خلق ولا رزق - ولا احياء ولا اماتة ولا ضر ولا نفع مع اعتقاده انه ليس فى الحوادث الكونية شئ من الفوضى او الخروج عن ارادته عز وجل ، بل هى مدبرة بأمره مقدرة بعلمه تجرى اسبابها بحكمته عز وجل الى مسبباتها .

فالمسلم لا يخشى وهما ولا خيالا ، ولا يتعلق بأحد سوى مولاه ولا يرجو النفع ولا الضر الا منه فلا تخنع نفسه امام مظاهر هذه الحياة ولا تذل

هذه حرية المسلم في عقيدته ، أما حريته فى خلقه وعمله فانه يفهمها على خلاف ما يفهمها عبيد الشهوات ومأمورو الشياطين ،

فهو يعتقد ان الرق اللازب هو ان يصير الشخص مستعبدا للشهوات المحرمة ، وان الحرية هي ان يملك زمام اهوائه ونزعاتها فيخضعها لسلطان الدين والاعتدال والعقل ، وبذلك يصير مؤمنا كاملا .

يحرص المسلم على الكيس والأخذ بالاسباب بحزم ونشاط فيها ، لعلمه بان ربه يحب الكبس ويلوم على العجز ، فاذا غلب على امره عاد على نفسه باللوم فيما قصرت فيه والى ربه بالاستغفار من ذنبه ، ثم لم تهن نفسه ولم ينقطع أهله ، ولم ييأس من روح الله فلا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون ، ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون ، ثم كان ما وقع له واعظا له فى مستقبل أمره ، لأن ( المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ) .

يقع المسلم في الخطيئة فلا يصر عليها خوفا من عاقبة الاصرار ومعالجة الموت

وانطباع النفس بطابع الدنس ، ولا يرجع في طلب محوها وغفرانها الى المخلوق مثله ولكنه يعود الى ربه ومالك أمره فيستغفره ومن يغفر الذنوب الا الله ؟ !

العقائد والاعمال من تهذيب النفس وتزكيتها ورفعتها مما لا خفاء به . . ففي هذه فوائد اجتماعية نافعة للأمة ومكملة لاتحادها ومذكرة به ، وشرح ذلك في كل عمل شرعى مما يطول ولا يتسع له الوقت فلنضرب له مثلا بفرض الصلاة التى هى عبادة محضة من حيث كونها مغذية للأيمان ونتيجة له فانها مع ذلك لم تخل من الفوائد الاجتماعية .

(مالانغ) - الجمهورية الاندونيسية الدكتور السيد عبد الله بن عبد القادر بلفقيه العلوى المدير العام لمعهد دار الحديث الفقيهية ومستشار وزير العلماء الديني بالجمهورية الاندونيسية .

اشترك في نشرتنا البريدية