الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

الاسلام في افريقية

Share

انطلق ذلك المارد الاسمر من عزلته واختفائه عن مسرح الحياة وميدان السباق محطما أسوار الحديد الكثيفة والحواجز الثقيلة فى غير خوف او استكانة باذلا كل ما يملك فى سبيل الحصول على غايته فى نيل الحياة الحرة الكريمة التى فقدها مئات السنين على يد الدخيل الغاصب فى بلاده ، الذى أبقاه ردحا من الزمن محجوب العين معقول اللسان مقفل القلب لا يدرى  ماذا يدور فى الكون ولا ما يحدث فى وطنه من اضطهاد وابتزاز وذل وعبودية .

ومرت مئات السنين وهو يعاني من الالم والشقاء والفقر المدقع الشئ الكثير والعبء الثقيل الذى أضعف قواه وأوهن اعصابه حتى تفتقت مسام تفكيره وتسرب اليه الاحساس والشعور وتوافرت لديه قوة العزم والارادة . فانطلق من مخبئه ماردا جهورى الصوت لا يبالي بشئ غير الحرية والكرامة والاستقلال غير عابيء بما انفق من تضحيات وجهاد كبير لأنه اعتبر حياته  حياة الذل والعبودية والخضوع لا ترضاه النفس ولا تستسيغه . فكر في هذا كله وبدأ يعد العدة ويدرك الادراك التام والاحساس العميق حتى توافرت له اساليب التقدم والانطلاق إلى الهدف الذي يصبو اليه فى حياته . وطبق ذلك عمليا باقامة الحصون والتغلغل في الحياة وتعبئة القوى والجهود لاخراج " الرجل الابيض " من قارته  بالحديد والنار من أجل  

هذا صوبت له الانظار وتحدثت عنه الصحف والأذاعات وكانه حدث جليل في هذا الكون لانه باغت المستعمر الابيض على حين غرة واخذ يجمع كل ما يملك ليرحل الى غير رجعة ليصبح الاسمر هو الذي يحكم بلاده ويدير شؤونها السياسية والاقتصادية  والاجتماعية وبتلك الانطلاقة حصلت تلك البلاد على أهدافها واتجاهاتها وانحسر لون المستعمر عن خريطة القارة السوداء وبرز سكانها الاصليون على مسرح الحياة الدولية وحسب لهم الف حساب . وقدر لهم اشد التقدير وصاروا الحلقة المفقودة التى ينشدها

الغرب حين افلت منه الزمام والشرق في طوره الجديد . واصبحت القارة السوداء مخطوبة الود والصداقة بين الحزبين الشرقي والغربي .  

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه معنويات افريقيا باستقلالها وبروزها على الصعيد السياسي الدولي نرى شيئا ياخذ شكل الاهتمام لدى العلماء والباحثين وهو مدى الارتباطات والدوافع لتلك الحركة الثورية وعلاقتها بالاديان وقد الف بعض العلماء الاوروبيين عن دوافع الحركات الثورية في أفريقيا وعلاقة الاديان بالتطور السياسي وهو العالم جورج كارنتر السكرتير للمجلس الوطني لكنائس الولايات المتحدة الامريكية والف ايضا الدكتور جلورا احد اعضاء مجلس الكنائس العالمية . وكلا البحثين  يدوران حول الدور الاسلامي والمسيحي في افريقية سياسيا . وقد تصدى الكاتبان للبحث والمقارنة واظهرا تشاؤمهما من الاسلام في افريقية ومستقبل المسيحية .

واذا رجعنا الى التاريخ الواقعي عرفنا أن الإسلام قديما قد اثر تأثيرا كليا في أفريقية ورسخ فيها . فقد عاشت افريقية فى الحياة الاسلامية واستقبلت الاسلام ايام ابتداء امتداده وتغلغله فى انحاء المعمورة . . فشمل بلاد افريقية من الشمال من سيناء إلى سواحل المحيط الاطلسي متجها شرقا حتى المحيط الهندى والبحر الاحمر وجنوبا شاملا الصحراء الكبرى الى السودان وسالكا طريقا آخر مع مضيق باب المندب وبحر العرب الى شاطيء افريقية الشرقية من موزمبيق جنوبا واريتريا شمالا مشتملا على الصومال وموزمبيق وتنجانيقا وكينيا  وتقابل الامتدادان في الوسط في افريقيا ونياسا لاند واوغندا وجزء من الكونغو .

هذا هو مد الاسلام في افريقية وتغلغله

بهذا الشكل لم يكن عضليا ولا مع الدولارات والجنيهات ولا مع غزو وحرب . انه خال  من هذه كلها اذ هو عقيدة اجتماعية وتطوير حضارى واجتماعي واحساس قومي بما انطوى عليه من سماحة وعدالة اجتماعية لا تعرف فوارق ولا امتيازات بين الاجناس والطوائف .

واذا اردنا ان نعرف العوامل التى جعلت تلك القارة  تستقبل الدين الاسلامي وتحتضنه وجدنا ان ذلك ينحصر في :

١ - الاحساس العقائدى والتطوير الاجتماعى .

٢ - حينما اتصل الاسلام بآسية انتقل الى افريقية بوساطة التجارة والمسافرين من  آسية إلى افريقية وازدهر الاسلام في القارتين ونمت فيهما روح الاخوة والعدالة والارتباط  الديني والعقائدى وتكونت من القارتين حلقات اسلامية متواصلة ظهرت على صعيد التاريخ باسم العالم الاسلامي . . ومنذ ابتدات اوروبا المسيحية استعمارا افريقية نرى الجهد منها الكبير الذي قامت به في  محاربة الاسلام ومحاولة القضاء عليه بشكل سافر وبعداء مستديم فاعلة جميع الامكانيات والاساليب في طمس معالمه وازالة تأثيره المترسخ في النفوس . فجمعيات التبشير وأعضاء الكنائس لم يكفوا عن الدعوة الى المسيحية ولا يوما واحدا  متذرعين بالاساليب  الكاذبة التى تطعن في الدين الاسلامي ومن ورائهم الاستعمار يحارب كل ما يمت الى العربية بصلة ويهدم المساجد ويصف المسلمين بالتأخر والرجعية . فرنسا حينما  احست بقوة الدفع الاسلامي وتأثيره التام دعت الى انشاء اتحاد لاتيني في وسط وفي غرب افريقية لتشد من ازر الحصار على الاسلام  خشية ان يتغلغل من جديد ولا زالت فرنسا

تعمل كل الجهد وتسعى بشتي الطرق لمحاربة الاسلام في افريقية . فقد دخلت الجزائر وفيها ما يقارب من مائتى مسجد فقامت على تهديمها وتحويلها الى كنائس الى ان انكمشت في عشرة مساجد ولكنها مع ذلك التحدي السافر للاسلام لم تستطع ان تخمد ثورة الجزائر العربية المسلمة او ان تفرنسها بل لاقت صفعات الحديد والنار من ابناء  الجزائر . وهي تستعد الآن للركوع أمام النضال الجزائري كما ركعت على قدميها امام هتلر النازي

وثمة مؤامرة استعمارية كبيرة تزعم حركتها البرتغاليون ففي المفترق من  الكشوف الجغرافية التى قام بها هنرى الملاح واعوانه - تطويق العالم الاسلامي وحصر لدعوة افريقية ودليل ذلك انهم عملوا كل الجهد على اضعاف المسلمين الذين يرتادون افريقية ، وقد شهد بذلك السردار بانيكار احد المؤرخين الاوروبيين وابدى ان المقصود من كشوف الجغرافية البحرية هو تطويق للعالم الاسلامي وحصره عن اوروبا وافريقية وقد بذلوا كل الجهد في تحطيم السلطات الاسلامية في آسية وافريقية وقد اثبت الواقع ان كل الامكانيات والجهود التى قاموا بها ويقوم بها المبشرون على قدم  لا تزال فاشلة بالرغم من القوة المادية التى ينفقونها على المسيحيين ويستمدونها من دولارات امريكا وجنيهات بريطانيا وفرنكات فرنسا ولا زالت نسبة المسيحيين فى افريقيا ضئيلة بالنسبة لسكانها وبالنسبة  للمسلمين فالاحصاءات الرسمية لهيئة الامم المتحدة تؤكد ان عدد سكان افريقية مائتان وعشرون مليونا من الانفس وعدد المسلمين فيها حوالى ستين مليون نسمة حالما ان المسيحيين لا يزيدون على عشرين مليونا والباقون لهم ديانات اخرى ما بين وثنية وغيرها . . هذه نسبة المسلمين بالرغم من الستار الذي

ضربه الاستعمار ليحول بين افريقية والاسلام لتعيش تحت ذلته وعبوديته وسيطرته الاستعمارية . .

ونعرف ان قوة الدفع التى انطلقت من ادغال القارة السوداء هي قوة الاسلام في اغلب الدول المستقلة حديثا فالمسلمون في معظم البلاد الافريقية بمعدل ٩٠ % من  السكان وبعضها ٦٠ % واغلب رؤساء الاحزاب ورؤساء الهيئات السياسية يدينون بالاسلام ويسعون لتركيزه فى  حياتهم  الاجتماعية بكل ما امكن ولا شك ان الاعوام القادمة ستكون محفوفة بالتقدم  الاسلامي في ادغال القارة السوداء لان الدين الاسلامي لم يدخل القارة الافريقية بدولارات ولا عضل وانما ازدهر عن عقيدة واقبال . وما دام بهذا الشكل فان الافريقين سيقبلون  الاسلام كدين لهم حينما تتوافر لهم الحرية من قيود الاستعمار والتبعية الاوروبية .  وما علاقة هذا التطور الافريقي بالعالم العربى ؟ فالمعلوم ان الامة العربية لها ارتباط ووشائج بالامة الاسلامية . وهذا الارتباط له مفهومه الصحيح وله معناه القويم : ارتباط روحي وعقائدى تجتمع فيه القلوب وتتلاقى الاهداف حول نقطة معينة هى التزام المبادئ الاسلامية واقتفاء لنهج واحد رسمه وخططه الرسول الكريم وارتباط الامة العربية بالامة الاسلامية يحتم على الاولى تقوية هذا الارتباط وتعزيزه بحيث يكون من الصعب وجود ثغرات فى الصف تجعل للعدو المشترك طريقا يحاول النفاذ منه لكي يقطع الصف لتحصل له الالعوبة على الصفين . فمسؤولية العرب تجاه الدول المستقلة حديثا مسؤولية كبيرة ، وهي مسؤولية تحتاج إلى تنظيم تاديتها والقيام بها علي القدرة المستطاعة والجهد الممكن لنتمكن من تحقيق الرغبة للافريقيين فى اهدافهم وما يصبون اليه فالبلاد التى  

استقلت حديثا وتعتنق غالبيتها الاسلام لم  يكن هذا الاعتناق بطريق دعاية منا او بطرق اخرى وانما بطريق عقيدة يتوارثها البعض من الآخر . وما اشد اقباله - اى الافريقي - اذا شرحت له مبادئ الاسلام ، فانه يرى فيه العدالة و المساواة واليسر وحينئذ  يتكامل لديه الاحساس الداخلى ومن ثم يلتزم الاسلام .

وهاك مثلا من قطر من أقطار العالم  العربى عمل الاستعمار وجمعيات التبشير على اضعاف الاسلام فيه ونشر المسيحية وكانت الطريقة الاولى هي فصل الاقليم الجنوبي عن الشمالي بغية اعلانه دولة تحتفظ لها بالقواعد فى الشرق الاوسط وقد عزلته بصفة مباشرة ووضعت الحواجز بين الاقليمين حتى لا يتسرب النشاط الاجتماعى اليه عن طريق الاقليم الشمالي الذي هو على جانب كبير من الرقي والتقدم ولكن بالرغم من تلك الاساليب الاستعمارية اخفقت بريطانيا فى مساعيها ، اذ استطاع ابناء السودان ان يجعلوا من الاقليمين جزء واحدا لا يتجزأ بعضه عن الآخر ومنذ استقل السودان والمسؤولون هناك يعملون  الكثير لتغيير الحالة التى ركزها الاستعمار في الاقليم الجنوبي ويفتحون المدارس ويدرسون فيها اللغة العربية بشكل تدريجي حتى يقضوا على اللغة الاستعمارية والسواحلية وهم يدعون السكان الى الاسلام ويشرحون لهم تعاليمه واهدافه وقد استطاعوا ان يحققوا الكثير ، ويقلبوا النظام القديم رأسا على عقب . وقد سمعنا في الأشهر الفائتة ان  خمسة من زعماء الاقليم الجنوبي اعتنقوا الدين الاسلامي وتحللوا من المسيحية ، ولا شك ان هذه خطوة جبارة لها اثرها الفعال وقيمتها الملموسة وهناك بلاد افريقية ناشئة  تدين الأغلبية الساحقة منها بالاسلام وتحاول تطبيقه كدستور لها فى حياتها

السياسية والاجتماعية . وبعد الجهد الجهيد الذي قامت به الدول الاستعمارية للحيولة دون انتشار الاسلام في تلك البلاد وعلمت بفشلها الذريع الذي تحدث عنه الركبان قامت بمحاولة اخرى ، ترمي من ورائها الى  تشويه الاسلام وتغيير وجهه الحقيقي لدى تلك البلاد الناشئة . وقد تجسدت هذه المحاولة في قيام اسرائيل بترجمة للقرآن الكريم مشوهة محرفة لتغطي ما قاله الله  فى حقها . . وهل نعتقد ان سرائيل تحرص على ترجمة القرآن تعزيزا للاسلام ؟ ! كلا ! ان هى الا محاولة لتغطية واقعها المفضوح  ولتضفى عليه ستار لتستتر من ورائه لكيلا   ينكشف واقعها المؤلم منذ خلقت حتى يومنا هذا .  

وقد هتفت فرنسا لذلك العمل الاسرائيلي وظهرت صحفها تحمل العناوين الكبيرة عن مصحف اسرائيل ، وعلاوة على القرآن المحرف قامت بفتح جامعة اسمتها الجامعة الآسيوية الافريقية . تهدف منها الى محاربة الاسلام فى افريقية . . وواقع الحال يدلنا على ان دول  الغرب بأسرها تحارب الاسلام وتسعى لتشويهه عن طريق الصحف والاذاعات وقد قالت احدى الصحف فى مدينة غربية كبيرة ان الاسلام يشبه الشيوعية لانه قام على القوة والشيوعية تقوم على القوة . . ومما يؤسف له ان هذه الصحيفة هي صحيفة الجيش لذلك القطر الذي تربطه روابط وثيقة بالبلاد العربية . ثم ظهرت صحيفة اخرى واهابت بمن تهمهم محاربة الاسلام ان يسعوا بجهودهم وامكانياتهم المادية والدعائية للحيلولة دون انتشار الاسلام في افريقية . وقالت تلك الصحيفة : ان الاسلام اخطر من الشيوعية وهذا دليل واضح ومرآة تعكس لنا مدى العداء الشديد  للاسلام من تلك الدول ) يريدون ان يطفئوا

اشترك في نشرتنا البريدية