الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

الاسلام والتنمية في الاقتصاد العصري, المحاضرة القيمة، التى ألقاها الزعيم، الاسلامى المعروف، الاستاذ علال، الفاسى في الملتقى، الاسلامى بوهران

Share

( تابع لما نشر في العدد السابق )

-٢-

لقد اقتصرت على هذا الجانب المهم من الازدهار الاقتصادى الذى كان أثرا واضحا لتعاليم الاسلام ومذهبه الاقتصادى وأرانى لست بحاجة لأن أفضل ما هو معروف من ازدهار الحضارة الاسلامية في ميدان العلوم والفنون والفكر ، وفي ميدان التقنية .

ولقد صدق الاستاذ جلال كشك حين قال : ونستطيع القول بأن البشرية قد امتلكت في القرن الحادى عشر وعلى أرض المسلمين كل الأسس الضرورية لبدء المسيرة الحاسمة نحو الثورة الصناعية . ان دخول العالم الاسلامى مرحلة اللامركزية وتعدد الدول الاسلامية قد صاحبه ازدهار الحضارة الاسلامية .

بدأت عملية التفاعل بين القيم الاسلامية والتراث الحضارى للاتسانية وظف الفلاسفة المسلمون والعلماء المسلمون وتطورت العلوم والفنون والآداب .

انتهت مرحلة الدرس والترجمة والتمثل وتلتها مرحلة الخلق وسرعان ما ازدهرت مؤكدة العبقرية الخلافة للفكر الاسلامى (٦).

ثم يزيد قائلا : أما من ناحية النظام الاقتصادى فقد كان الانتاج الصناعي يسود العالم الاسلامي أى الانتاج للسوق وليس للاستهلاك أو الاكتفاء الذاتي وكان فى الوطن الاسلامي أضخم مؤسسات تجارية في العالم كله بل كان التاجر الوحيد الذى يستحق ..هذا الاسم هو التاجر المسلم

ويقرر مكسيم رودنسون أن المجتمع الاسلامى كان بوسعه أن ينتقل الى المرحلة الرأسمالية لانه كان يمتلك السوق الموحدة والانتاج الصناعى والمعدنى ، وكان في مدينة واحدة فى مصر ٥ آلاف نول نسج

ويقول انجلز في مؤلفه ( جدلية الطبيعة):  العرب تركوا لنا الترقيم العشرى وبذور الجبر ، أما القرون المسيحية فلم تترك لنا شيئا (٧)

ولكن القرن الحادى عشر هذا شهد تدهورا تدريجيا في قوة المسلمين في بحر الروم الغربى أمام تقدم المسيحيين ، ولم يبق فى قبضة العرب فى ختام القرن الحادى عشر سوى جنوبى أسبانيا وشمالى أفريقيا ، وفي خلال القرن الثاني عشر استطاع النورمانديون في صقلية أن يهاجموا العرب فى معاقلهم الافريقية ذاتها .

وتلك كانت حالة الغرب حينما دعا الداعى الى الحروب الصليبية .

كانت الحرب الصليبية الاول تحالفا بين النظام الفيودالي الفرنسى وأساطيل المدن الايطالية ، وبمجئ القرن القرن الثالث عشر تحول النظام الفيودالي الفرنسى الى اليونان وأقام البنادقة والجنوبيون محطات تجارية جديدة لتجارة الشرق في القرم وبحر آزوف (٨)

وقد استمرت التجارة التى كانت ازدهرت منذ القرن الثاني عشر في نموها على الرغم من الحروب الصليبية ولم تقتصر على منتجات

سوريا وبضائعها ، بل شملت منتجات الهند والصين وجزائر البهار

ولكن شيوع الصناعات والأزياء القديمة الشرقية ازداد عند اتصال الغرب بالشرق فى تلك الحروب . فالملابس القطنية وأقمشة الموصل (الموسلين ) والبلوكان من بغداد والدمقس والاقمشة الدمشقية DAMASIENES من دمشق والبضائع والاقمشة الحريرية الثقيلة التى تعرف باسم SAMITES والاقمشة القطنية المتينة البيضاء التى تسمى DIRMITES وأقمشة الكتان التى تسمى DIAPERS والأطلس العربى وهو صنف من الحرير الاسود يصنع في الشرق والسجاجيد والأبسطة والمغلفات من الشرق الادنى ووسط آسيا ودهن الصقل وألوان جديدة مثل القرمزى LAQERS والليلق ، والاصباغ والعقاقير والتوابل والعطور مثل حجر الشب والعود والقرنفل والزينة كالكاملت وهو ثوب يصنع من الوبر وكالجوب ( من الجبة العربية ) والمساحيق والمرايا والقطع الفنية المصنوعة من الفخار والزجاج والذهب والفضة والمينا (٩)

يقول السيد جاستون ويث في الخلاصة التى كتبها في آخر مؤلفه ( عظمة الاسلام ) (١٠):

"قليلا ما يوجد فى تاريخ الانسانية عهد ممتد جغرافيا تتحد فيه جميعه اللغة والثقافة هذه الحالة المعبرة للغاية لتبادل الافكار وتقدم العلوم ، افادته العظيمة الأهمية للنمو الاقتصادى . وهكذا رأينا تفتح حضارة مادية بوثبة عجيبة فى الحياة الحضرية وتنظيم القوافل لكبار التجار

ان العالم الذى عرفه المسلمون فسيح متفتح للجميع بفضل سهولة السفر الذى

تدعي له الحجاج الأتقياء إلى مكة ومنظمات أغنياء التجار .

وقد تحدث الحريرى في مقامته أن عنفوان الشباب والرغبة في الكسب حملانى على التجول في العالم من فرغانة إلى غانة ، وكان التجار منظمين تنظيما قويا .

وأهم ما وقع هو تفكك الخلافة شاسعة الأطراف وقيام امارات متنافسة ما بين المغرب وأسبانيا والشرق ، حينئذ ازدهرت بساطات الأمراء على الرغم مما احتوته من مؤامرات ، محاولين تقليد الخلفاء في نشر الحضارة وحماية الثقافة الاسلامية واتخذت الوطنية في ايران والقومية في الشمال الافريقي طابعا دينيا ، ولكن مختلف الاقاليم المتنافسة انسجمت في الفكر الاسلامي مؤكدة بذلك متانة وحدتها التى تنتهى دائما بالتغلب على الفوضى السياسية وبذلك وعلى الرغم من تعدد الفرق والمذاهب التى تشكل عمق أزمان تتجلى واجهتان للوحدة : واجهة الدين بمصدريه القرآن والسنة ، والواجهة الادبية في هذه المعاني العميقة للشعر والنثر ، التى تمثل نبلا عظيما في التعبير

المجتمع الاوروبي

لقد كان اتصال الغرب بالعالم الاسلامى مفيدا في نشر ثقافة الاسلام وتعاليمه وحضارته ، فقد حمل الفتح الاسلامى لأوروبا ضروبا من المعرفة ونماذج من الحياة دفعتها منذ القرن الحادي عشر الى الاخذ بأسباب النهوض والتقدم . ويقول الاستاذ جارودى في محاضرته عن أثر الحضارة العربية على الثقافة العالمية ان الفاتحين العرب كانوا يحملون معهم الى عالم اقطاعي تقطعت أوصاله أشكالا راقية من التنظيم الاقتصادى

والاجتماعى فنجد مثلا نظام النقابات المهنية الذي عرفته أوروبا بعد أن عرفته العرب بعدة قرون كان قد ظهر لدى العرب في القرن التاسع ، وفي أسبانيا حيث كان تأثير العرب أعمق نشأت نماذج من المجالس البلدية بميزانيات مستقلة وبقضاء منتخب . ويقول جان بيرن : ( ان الفتح العربي سبب انتعاشا (حقيقيا للاقتصاد العالمي

ويقول جارودى : " اننا أمام ترات سام عظيم من القيم الاسلامية التى تستطيع أن تساهم مساهمة كبيرة في التقدم الانساني .

فاذا طرحنا جانبا مسألة تأثير الشرق الاسلامي في أوروبا الغربية عن طريق الحروب الصليبية أو عن طريق مملكة بيت المقدس ، بقيت لنا المسألة الكبرى التى تليها وهى التأثير الكلى العام للحروب الصليبية على موطنها ومصدر انتشارها وهو أوروبا الغربية التى اختصت بهذه الحروب

لقد أثرت الحروب الصليبية فى مسيحيي أوروبا الغربية من نواح أربع ، فهى أولا قد أثرت في الكنيسة وعلى الاخص في البابوية ،

وثانيا في الحياة الداخلية والاقتصادية عند جميع الممالك ، ويمكننا أن نتتبع هذا التأثير حيث نراه في سير أعمال الحكومة ( أى الدولة بمعنى الكلمة ) وبعضه كما يظهر في مركز الطبقتين المدنيتين : طبقة النبلاء ، وطبقة الشعب وعلى الاخص طبقة الشعب من سكان المدن . وثالثا فى العلاقات الخارجية بين الدول المختلفة ، وهذا التأثير يمكن تتبعه في كلا التغييرات التى طرأت على مركزها وأهميتها والتوازن بينها ، والتطور العام لخلق مجموعة من دول أوروبية ، وأخيرا فقد أثرت هذه الحروب في علاقات أوربا بالقارة الآسيوية وتوسيع دائرة استكشاف الاراضى

الجديدة من القرن الثالث عشر الى نهاية القرن الخامس عشر (١١)

ليس غرضنا أن نورخ للحضارة الاسلامية ولا لتأثيرها في الفكر والأنظمة الاوروبية ، ولكن تلك النماذج التى أومأنا اليها لهذا التأثير تؤكد ما هو المقصود من حديثنا ، أى أن التعاليم الاسلامية فيما يرجع للمال والعمل هي التى كونت الانطلاقة الاسلامية فى ميدان التنمية الاقتصادية ، واتصال أوربا بالمسلمين فى عهد انطلاقتهم الكبرى هو الذي أفادهم فى التحرر من هيمنة الكنيسة واحتكاراتها الربوية ومن مقاومة الفيودالية حليفتها ، الامر الذي سمح لهم بادراك قيمة العمل والمغامرة في سبيل الكسب وخرج بهم الى هذه الثورة الصناعية التى حدثت كما يقول روبرت لويز بالتعاون والتباين مع الشرق قبل أن يكون في امكان الغرب أن يتممها وحده ( ١٢ ) ، ولماذا كان الغرب هو الذي جنى ثمار التعاليم الاسلامية ؟ لماذا ازدهرت الصناعة فى الغرب بدل أن يستمر الشرق الاسلامي فى نمو ازدهاره ؟ ولماذا لم تؤد الوسائل العلمية والتقنية التى تهيأت للدول الكبرى في آسيا وأفريقيا في العصور الوسطى الى وضع تسلسل للنمو الاقتصادى شبه بما عرفته أوربا فى القرن التاسع عشر ؟

لندع الذين يتعجلون الجواب بالحكم على التعاليم الاسلامية ، أو الذين يستغلون

بعض الفوارق الطبيعية بين تعاليم الاسلام كعقيدة ومذهب وبين ممارسة المسلمين لها ، الامر الذي يقع لجميع المعتنقين للديانات أو المذاهب ؟

ولنتذكر أن العالم الاسلامي منى بمصيبتين عظيمتين هما الحرب الصليبية التى أشرنا الى آثارها والهجوم التترى الذى كاد يقضى على معظم المسلمين ، ولكن التصفية النهائية كانت لفائدة الاسلام والمسلمين اذ انهزم الصليبيون وانتصرت السنة ودخل التتر في الاسلام ، فكان ذلك مخففا للوطأة موجها لاستمرار النمو في اطاره التقليدى . ولكن أثره العظيم كان فى حماية أوربا نفسها من الاعصار التترى الذى لو لحقها لما أمكنها أن تدفعه ولا أن تدخل في ثورتها الصناعية التى تعتز بها .

فاذا أضفنا لهذا الفتح الاوربى لأمريكا والحصول على مواردها وذهبها وفضتها ووصل أوربا بها عرفنا أسباب التقدم الأوربي الذي أصبح ضروريا للمحافظة على المكتسبات المادية والمعنوية . ولكن أين اتجه هذا التقدم ؟

اتجه نحو الرأسمالية الربوية ، وخلق طبقة البورجوازية التى استولت على الحكم وعلى موارد الثروة فى البلاد ، فهل كانت تعاليم الاسلام تسمح للمسلمين بأن يتجهوا نفس الاتجاه وهم يعلمون ما فيه من ظلم واستعباد للمواطنين ؟

يقول أف لاكوست لكى يتحقق المظهر الاقتصادى والاجتماعى كثير التعقيد الذى نسميه الثورة الصناعية يجب ليس فقط أن توجد حالات قوات منتجة بل لا سيما وجود طبقة واعية ، أى البورجوازية وأن يكون فى يدها تنسيق وسائل الانتاج منجزة لحسابها تحويل البنيانات الاساس حتى

يصبح من صالحها أن تجدد وتمول ، ولأسباب تاريخية عديدة ، لم يكن للبورجوازية عامل النمو الاقتصادى الاوربى تاريخيا كطبقة أوروبية خالصة . والبلدان المتخلفة حاليا كانت مناطق لا بورجوازية فيها (١٣)

وعدم الاخذ بالثورة الصناعية في هذا الوقت لا يعني أن المسلمين دخلوا منذ الساعة فى عهد التخلف لأن أوربا بعيدة عن أن تكون محصلة دائما على تقدم اقتصادى واجتماعى ازاء بقية العالم . ونشاطها التقنى كان على الخصوص متأخرا نسبيا ( العصر ١٨ والعصر ١٩ ) ، وهنالك أمم كثيرة عرفت حضارات لامعة قبل أوروبا بقرون ( كالصين والهند والبلاد العربية ) فقد كان لهم مستوى تقني في العصر الوسيط ليس فقط مماثلابل متفوقا من عدة جهات على أوروبا قبل الثورة الصناعية .

لقد تحدثت عن موارد الثروة التى فتحها الاسلام للدولة عن طريق الذهب الاسلامى ، وينبغى ، الآن أن أشير الى أن ذلك كان يغنى الرؤساء عن محاولة الاستيلاء على وسائل محاولة الاستيلاء على وسائل الانتاج ، وقد أوضح ابن خلدون ذلك بالنسبة للشمال الافريقي معترفا مع ذلك بأن كبار التجار في المدن يملكون فيما حواليها بعض الاراضى ولكنها ليست مهمة لأن امتلاك الارض يؤدى الى دفع خراج للدولة ولحقوق الجماعة المعروفة للقبيلة ، الأمر الذى يدل على ضعف أهمية هذه الاملاك وضعف الرغبة فى امتلاك أدوات الانتاج ، ولا سيما ولم تجر العادة باستثناء بعض الواحات الصحراوية باستخدام العبيد في زرع الاراضى ، وأعظم العبيد لا يشغلون من أجل الانتاج ولكنهم دائما في خدمة البيوت أو جنود

ومع أن الملك يأخذ الى جانب الفوائد التجارية التى يجيها من ذوى الثراء بإرادتهم أو بطريقة الزامية ، فانه يقطع أحيانا بعض مخلصيه اقطاع خراج بعض القرى ، وذلك لا يمكن أن يؤخذ على أنه مماثل للنظام الفيودالي في أوروبا ، فثمت فرق كبير بين النظامين ، ففي أوروبا يحوز المستفيد من اقطاع السيادة النهائية على مساحة معلومة ، مع بعض السلط السياسية على كل فلاح وجزء من حقوق الملكية المفروضة على الارض وفي البلاد العربية لا يقبض المستفيد من الاقطاع الا نيابة موقتة فى جباية الضرائب من جماعة معينة ، ولكن لا سيادة له على الارض التى تظل مملوكة للعاهل ويظل انتفاعها للقبيلة التى تملك المنفعة ، ولا يعطي أية سلطة فى ادارة سكان القبيلة .

والسيد الاوربى يتمتع ببعض الحقوق العقارية والسياسية والعدلية والادارية والاقتصادية على مساحة يسكنها عديد من الاشخاص ، أما الاقطاع فلا يعطى الا بعض الحقوق الضريبية .

والسيد الاوربى صلته بالملك صلة الرجل بالرجل ( أو التابع للمتبوع ) وتحت يده كل الفلاحين القاطنين فى أرضه . . أما السيد في المغرب فهو واحد من القبيلة كسائر الآخرين والقبيلة كلها تحت نظر الرئيس الذى كلف بمهمة الجباية ، وكل فلاح أو كساب يجد من قبيلته كامل الحماية .

ويقول أف لاكوست ان استمرار الرابطة القبلية في المغرب عاقت تطور الاقطاع الى نظام السيادة .

ان الجماعة في الشمال الافريقي ليست فقط جماعة قبلية دور الارستوقراطية التجارية والعسكرية فيها مهم ، انها ليست جماعة فنية . . العبيد كثيرون ولكنهم لا

يشتركون في الانتاج ، والجماعة المغربية ليست فيودالية علاقة الانتاج الضرورى فيها لا يشبه النوع الفيودالي على الرغم من وجود روابط معقدة بين رجل ورجل ، والواقع أن هذا الرباط إذا وجد ليس الا في أقلية وفي القبيلة علاقة المشغل بالعامل لم يصبح بنيانا وانما بقى في شكل غامض ، وليس في أفريقيا الشمالية ملكيات كبيرة حتى حوالى المدن وليس هنالك نظام لسيادة ولا نبالة حقيقية ولا جنود مرتزقة ( باستثناء العبد ) وليس هنالك بورجوازية حقيقية (١٣) . الجماعات المغربية لم تسر حسب التطور السقوى ، حقا فى الحالين معا تبقى علاقة الانتاج هى هى . أعضاء الارستوقراطية التى تحكم الجماعة ذات الاساس العمومي ، يمكنها أن تحصل على مكاسب مهمة دون أن يكون لها حق التملك الشخصى لوسائل الانتاج التى ظلت منظمة فى اطار الجماعة القبلية أو القروية (١٤)

وبعدما نبه الى معنى الجماعة السقوية بين أن الظروف فى أفريقية الشمالية تختلف عنها لأن الدين لا يحترم الاقلية المحظوظة التى هى فى الغالب مندمجة في القبيلة ، وفي الغالب يكون الرئيس الحربى هو رئيس القبيلة كما نبه على ذلك ابن خلدون ، وقوته العسكرية مستمدة من تأييد القبيلة له ،

والملك نفسه ليس الا رئيس قبيلة ، ترأس رفاقية جماعات قبلية ، وجيشه وجنوده من العبيد يواجهون شعبا مسلحا يمثل فيه فرسان الرعاة قوة عسكرية مخيفة ، والفوارق الطبقية قليلة جدا والاستغلال غير قوى ، كما هو فى الجماعة السقوية ، وهكذا فان أخذ

اليد العاملة بالقوة التى تقع فى الجماعات السقوية غير ممكنة فى شمال أفريقيا ، الامر الذي يوضح غيبة الاشغال السقوية الكبرى فى هذه البلاد (١٥)  

هذه البيانات التى فصلها بدقة السيد لاكوست في تحليله الهائل لمقدمة ابن خلدون تضاف الى الاسباب التى منعت المسلمين فى المغرب على الاقل عن تكوين نظام سادة فيوداليين وطبعا لا يمكن والحالة ما ذكر أن تتكون بورجوازية رأسمالية ربوية تستطيع استبعاد الجماهير الشعبية بينما هذه مسلحة ومتمتعة باستقلالها الشخصى ضمن القبيلة فالأمة .

ان الانحرافات التى وقع فيها بعض المحظوظين حصرت في اطار ضيق بفضل الوجود الذاتى للفرد ضمن مجتمع اسلامي لا تحترم ديانته الذين يحاولون الكسب غير المشروع والحظوة المغشوشة التى لا يعترف بها المؤمنون .

الاستعمار وأثره في التخلف

ازدهر الادخار فى يد الاوربيين نتيجة الامتلاك الفيودالى لوسائل الانتاج ، وتكون رأس المال الذي يبحث له عن مصرف ، فثارت البورجوازية من أجل مشاركة الارستقراطية في مكاسبها ، وأدى ذلك طبعا الى ما يسمى بالثورة الصناعية التى لا تضمن انها شىء واحد مع الرأسمالية . ولكن الواقع كان على ذلك النهج . ومن الطبيعى أن تحتاج :الصناعة الصاعدة الى

١- مواد أولية . ويد عاملة وسوق تصريف البضاعة وأدوات نقل سريعة .

فاتجهت أنظار البورجوازية إلى مواقع المواد الأولية واليد العاملة والأسواق المستهلكة وكان الشرق الاقصى المرمى الاول لهذا الغرض ، وبما أن العالم الاسلام وقف حاجزا بخطه العملاق الفاصل بين أوربا وبين أمريكا فقد هب الاعصار الاستعمارى لفتح بلاد الاسلام ، وأصبحت الحروب الصليبية التى كانت ترمي لدرء الخطر الاسلامى على الغرب حروب استيلاء على البلاد الاسلامية لنهب خيراتها واستغلال مواردها ، والهيمنة على أبنائها وموادها وأسواقها

وذلك هو الاستعمار الغربي في أبشع صوره

وهل أنا بحاجة لأتحدث عن الخسارات التى أحدثها الاستعمار الغربى في بلادنا والعبث الذى قام به في لغتنا وأفكارنا وتعليمنا وفلاحتنا واقتصادنا ومظاهر سيادتنا القومية ؟ !

لقد شغل العالم الاسلامى بهذا الاعصار الجديد ، فقاوم بقدر ما عنده من قوة وشجاعة وايمان ، ولكنه خرج من معاركه مفتت الأوصال ضعيف القوى مع قوة الجهاز الاستعمارى الذى ظل يعمل على اضعاف معنوياته وافساد تقديراته .

وكانت أهم الاسس التى انبنى عليها الاستعمار الغربي هو العقد الاستعمارى ، أى الاتفاق الذي أقره المستعمرون حين اجتمعوا لتوزيع مناطق النفوذ ، اتفقوا على أن يأخذوا المواد الأولية من المستعمرات خامة ، ينقلونها على بواخرهم التجارية الى وطنهم الاصلى حيث يصنعونها فى معاملهم بيد عاملة محلية وأخرى منقولة من المستعمرة ، ثم اعادة نقل هذه المواد المصنعة على نفس البواخر لترويجها فى الاسواق الاهلية ، ومعنى ذلك عرقلة كل محاولة لتصنيع أهلى فى المستعمرة .

وذلك هو نصيب المسؤولية التى يتحملها الاستعمار في عدم تصنيع المسلمين

جاء الاعصار الاستعمارى لنقل أنظمة المستعمر المالية والاقتصادية ، أى لهدم النظام الاقتصادى الاسلامى واحلال الأنظمة الرأسمالية الربوية التى تعتبر المال غاية وتجعله دولة بين الأغنياء وفرض هيمنة البورجوازية الاجنبية على أدوات انتاجنا واستعباد الفلاح والعامل والاحترافى الصغير .

وبذلك جعلت اقتصادنا متمما للاقتصاد الاستعمارى وربطت مجتمعنا بمصير البورجوازية ارتباط التابع بالمتبوع في النظام الفيودالى .

وقد تمطت هذه الفلسفة الاستعمارية على كل النظريات والمذهبيات اليمينية واليسارية فى أوروبا فلم يكن اليساريون ومنهم الاشتراكيون والشيوعيون أقل حماسا للاستعمار من اليمينيين والسلاليين وان كانوا أكثر نفاقا وغرغرة لعبارات الحرية والمساواة وهل أدل على ذلك من موقف دولنير ومشروع الاستعمار الاشتراكى الذى كادالاشتراكيون أن يقدموه لمجلس النواب الفرنسى في آذار سنة ١٩١٢ م مستندا على الكتاب الذى ألفه لوسيان دولينير DELINIERS المعنون بالمغرب الاشتراكى الذى صدر في الشهر . نفسه . .

كانت أفكار دولينير العامة خلاصة كاريكاتورية للعنيدية ( ماركسية ) من الدرجة الثالثة أو لنقل نزعة وضعية مهذبة اشتراكيا ببعض جمل الماركسية لبدء كتاب المغرب الاشتراكي وهو كتاب يقع في ٣٥٨ صفحة بالجملة الاتية : المغرب لنا ( لم تكن فرنسا قد فرضت بعد معاهدة الحماية على المملكة المغربية ولكن ذلك بات شيئا أكيدا ، " المغرب لنا " ثم بعد الافكار العامة ، معطيات

التاريخ والجغرافية ماضي البشرية  ومستقبلها الخ .. يعرض الكاتب مشروع  اقامة مستعمرة اشتراكية في المغرب والمنطقة  المطلوبة هى وادى نهر سبو بما فيه مكناس  والرباط على مساحة كبيرة نسبيا تعادل  محافظتين نسبيا. ان فشل تجارب فورية  والاشتراكيين الخياليين يعود الى ضيق  الرقعة ، فالاشتراكية تحتاج الى رقعة  كبيرة نسبيا : هذا النموذج الاشتراكي  يكفى لاقناع الناس بقوة المال ويمجد الكاتب  فتوحات الثورة الفرنسية (على حد قوله ،  لم يكن ثوار ذلك العصر يستسلمون لروادع  مثالية كخياليى اليوم) وبالطبع يجب أن  يكون المستوطنون في المستعمرة الاشتراكية  مسلحين ، ذلك لان العرب فساة اراذل وهم  غير مسؤولين عن هذه العيوب فالبيئة هي  التي صنعتهم (ماركسية).

واثار مشروع (المستعمرة الاشتراكية)  مناقشات حادة داخل هيئة النواب  الاشتراكيين التي عقدت اجتماعين متواليين  لبحث القضية وقف فايان ليعلن انه اذا ما  تقدمت الهيئة بهذا المشروع فانه سيصعد  إلى منبر المجلس ليحاربه ، واشار جوريس  إلى خطر قيام صراع بين المعمرين والسكان  العرب مؤكدا ان المسؤولية كلها ستقع على  الحزب . وأخيرا صرف النظر عن المشروع  واتخذ القرار الاتى : «ان الهيئة هيئة  النواب الاشتراكيين أمام الخلافات التي  ظهرت في صفوفها لا ترى واجبها في الزام  الحزب على قضية بهذه الخطورة (١٦)

ويعلق السيد الياس مرقص على هذا القرار بقوله :

يبقى ان الالتزام كاد يقع ، وقد لعبت

الصلات القائمة داخل الحزب دورها  لصالح دولينير بصورة شبه آلية ، أولا  كان صاحب المشروع ماسونيا ونال تأييد  الماسونيين في الهيئة البرلمانية الاشتراكية  غرابية ، سامبا وآخرون ثانيا كان عنيديا  ونال تشجيع غالبية الجناح العنيدي  اليساری ، بل ان جول غيسه نفسه تكلم  مؤيدا المشروع في اجتماعي الهيئة ، ولم  يصدر أي رد على المقالات التي نشرها  دولينير في صحيفة الحزب (لومانتيه)  محافظتين نسبيا ان فشل تجارب فورية  والاشتراكيين الخياليين يعود الى وكتب  مارسيل كاشن مسؤول الجريدة وكان  عنيديا ، تعليقا قدم فيه كتاب دولينير على  انه استمر مشروع ايجابي لاستثمار  واستخدام الارض المغربية بفضل (تعاون)  يضم شغيلة من السكان الاصليين وشغيلة  فرنسيين ونسى أن على الاخيرين أن يتسلحوا بغير قلمه المتفائل.

ومع ان الحماية المغربية تمت بشكل اجماعي في البرلمان ، فان هذه السياسة (الاشتراكية) قد نفذها المقيم العام ستيغ الاشتراكى سنة ۱۹۲۷ اذ انتزع اراضی الفلاحين المغاربة وأوطن فيها معمرين فرنسيين ، ووصل الاستعمار الفلاحي الاستيطاني في المغرب الى امتلاك مليون ومائتي ألف هكتار من الأراضي النافعة ، وطبعا فان الملاكين والجماعات اصبحت مخيرة بين العمل كخدم مهانين عند المعمر في ارضهم التي كانت لهم وبين أن يتشردوا ليخلقوا في العواصم هذه المدن الصفيحية البائسة.

ان اليسارية في أوربا غربية وشرقية  اعترفت في معظمها - الا ما كان من حفنة من  الاحرار الغرباء بقيمة الاستعماء وعدم وجوب  ادانته كله ، وقد جاء في تصريح فان كول في

المؤتمر السادس للاممية الثانية المنعقد في  امستردام في آب سنة ١٩٠٤ ان الاتجاه الى  التوسع الاستعمارى اتجاه عالمي ، انه نتيجة  نمو المجتمع الرأسمالي ، فالرأسمالية تقود  نحو الامبريالية والامبريالية حتما تدفع الى  العسكرية التي تدفع الشعوب الى الدمار  و تمتص نخاع عظامهم . . ومع ذلك لا يجب  أن ندين كل تملك للمستعمرات في كل  الحالات وفي كل زمان ومكان ؟ وجاء في القرار  الذي تقدم بمشروعه : «ان الحجات الجديدة  ستظهر نفسها بعد انتصار الطبقة العاملة  وانعتاقها الاقتصادى. وستجعل من الضرورى  حتى في ظل النظام الاشتراكي المقبل امتلاك المستعمرات .

فالاقطار العصرية الحديثة لا يمكنها ان  تستغنى عن الاقطار التي تقدم بعض المواد  الأولية وبعض المنتجات المدارية التي لا غنى  عنها للصناعة ولحاجات البشرية ما دام من  غير الممكن الحصول عليها بتبادل منتجات  الصناعة والتجارة المحلية ، ومضى يقول :

حتى المجتمع الاشتراكي المقبل يجب أن  يكون له سياسة الكولونيالية (الاستعمارية)  التي ستضبط علاقات الاقطار التي بلغت في  سلم التطور مرتبة أعلى من المرتبة التي بلغتها الاجناس المختلفة .

هل نترك نصف الكرة الارضية لعبث  شعوب لا تزال في مرحلة الطفولة ؟ شعوب  تترك ثروة الارض دون استثمار وتترك  الخصب اراضي كوكبنا دون زراعة ؟ أم يجب  علينا أن نتدخل لصالح البشرية جمعاء حتى  يعطى كوكبنا الارضى الذي هو ملك للنوع  البشرى وسائل العيش لكل ابنائه ؟ ألا يجب  أن نفهم من عبارة التحول الاشتراكي لوسائل  الانتاج ان تكون ملكا للجميع جميع وسائل العيش والعمل ؟

ويرد على ماركس قائلا: ان فرضية ماركس  القائلة بأن بعض الاقطار تستطيع جزئيا على  الاقل أن تستغنى عن المرحلة الرأسمالية في  تطورها الاقتصادى ، هذه الفرصية لم تتحقق  والشعوب البدائية لن تصل الى الحضارة الا  بدرب الآلام هذا ، فمن واجبنا ان لا نعرقل  نمو الرأسمالية هذه السلاسل التي لا مفر  منها في تاريخ البشرية بل يمكن أن نسهل  هذا التفتح وأن نحاول في الوقت نفسه أن نخفف آلام الولادة .

وخلال فترة طويلة يجب علينا ان ندافع  عن أنفسنا ضد اشكال انتاج مختلفة ، ومنذ  الان يجب على عمال البلدان المتمدنة أن  يؤمنوا انفسهم ضد مزاحمة اليد العاملة في  المستعمرات هذه المزاحمة الفتاكة (۱۷) .

ولكن الاستعمار عرقل احداث ثورة  استعمارية في المستعمرات لفائدة رأس المال  الوطنى ابقاء على العقد الاستعماري الذي  ذكرناه ، فالمعاهدات التي فرضتها اوربا على  الدولة العثمانية قطعت الطريق على أية محاولة  تحملها لبناء صناعة عثمانية ، هذه المعاهدات  التي فرضها بالمرستون والاسطول البريطاني  على مصر واضطر محمد علي أن يعلن امام معبد  حرية التجارة ندامته وتوبته النصوح على  محاولة التصنيع . ويقول رادسون ان مثل  تلك الظروف تجعل أي جهد للتصنيع المستقل  أمرا مستحيلا اذا كانت قوة الامبريالية  الغربية اقتصاديا وعسكريا تجعل من العسير  جدا عليهم ، اذا لم نقل من المستحيل أن يحققوا التصنيع ؟

ان العالم المسيحي كله اتخذ ضدا على

الدولة العثمانية حينما ارادت ان تستخدم  اسلوبا اسلاميا لبناء سكة حديد الحجاز  وقفا من العالم الاسلامى كله، والى هذه الساعة  فان النفوذ والدسائس الاستعمارية حالت  دون انجاز ذلك المشروع ولو بعد استقلال الدول العربية قانونيا .

ان الغرب لم يسمح بقيام ثورة صناعية مستقلة ولو على اساس الرأسمالية المنافية للاسلام في بلاد المسلمين ، والشرق الاوربي غير سياسته ولكن على أساس تخطيط مشترك بين الدول الاشتراكية الممولة أو المدة بالآلات والدول التى تريد التصنيع ،

فالعقد الاستعماري انمحى ليحل محله في  اوربا الاشتراكية عقد اخر من نوع جديد ...  هو وجوب المسامتة للاقتصاد الروسي مثلا  ليكون التخطيط المحلى جزء من التخطيط  الروسى ويكون الاقتصاد في البلد المتعاون  متمما للاستراتيجية الاقتصادية في البلد  الموجه . وكانت القروض الربوية وقطع  الغيار عائقين مهمين للاستقلال الاقتصادي  في البلد المحتاج للمعاونة والسلف سواء في  كتلة الشرق أم في كتلة الغرب .

تلك هي آثار الاستعمار في التخلف الحالى في العالم الاسلامي .

ولكن للمسلمين نصيبهم في المسؤولية .

حقا ان الاسلام ما كان ليرضى أن يخرجوا  عن تعاليمه ليقوموا بثورة صناعية رأسمالية  ربوية . وليس صحيحا ما يقوله رودنسون  من ان الاسلام لا يمنع من اتباع أي نظام  يميني أو يسارى ، فالحق ان للاسلام مذهبه  الاقتصادى المستهدف لتحقيق عدالة اجتماعية  وهو الذي ذكرنا اصوله من قبل . واذا كانت  اصول المذهب لا تقبل البديل فان تقنيات  التطبيق والممارسة والانظمة اللازمة لها

تستبدل بحسب تقدم العلم والتقنية ،  فالاسلام يمنع من الرأسمالية الربوية ومن  كل نظام غير خلقي ، ولكنه يفرض التطور  باستعمال وسائل التقدم والتقنية الجديدة ، والبحث عن الابتكار والمبادرة.

وذنب المسلمين انهم ركنوا في عصورهم الاخيرة الى الراحة وقصروا في الفيام بواجبين لا بد منهما لاستمرار القافلة الاسلامية فى سيرها .

أولا - الاجتهاد في فهم الشريعة واستنباط احكامها من الكتاب والسنة ومناط المصلحة المرسلة والاستحسان.

ثانيا - الجهاد في سبيل حماية الدعوة الاسلامية ومقاومة كل رجعة الى الجاهلية وتقاليدها .

واذا أراد المسلمون التنمية بمقتضى الاقتصاد العصرى ( كعلم وتقنية) فعليهم أن يرجعوا للاجتهاد والجهاد.

التخلف الاقتصادى

واذن فقد وقع العالم الاسلامي في التخلف الاقتصادى ، فما هو المفصود بالتخلف الاقتصادى ؟

يقف الاقتصاديون المعاصرون موقف  الاستصعاب للحكم على دولة ما بأنها متخلفة  أو وضع تعريف جامع مانع لما هو معنى  التخلف . ولذلك فكر بعضهم في وضع مقياس  يميز فيه بالمقارنة البلد المتقدم والبلد  المتخلف ، والواقع أن هذا الرأى مغر ، لأن  البلدان المتخلفة اعتبرت كذلك بالنظر الى  البلدان المتفوقة عليها . ويری هازلود ان  اسباب الفقر تكمن في طبيعة البلدان المتخلفة  نفسها ولكن هذه ناحية تتعلق بخصائص التخلف لا بحقيقته .

وبناء على مبدأ المقارنة يرى نورمان بو كانان ان الدول المتخلفة هى التى تهيئ في المتوسط حاجات السكان واسباب رفاهيتهم بنسبة اقل لما تؤمنه لامثالهم اقتصاديات الدول المتقدمة .

ويرى روبرت الكسندر ان التخلف الاقتصادى يجب أن يشمل المعايير الآتية :

١ - انخفاض الدخل الحقيقى للفرد . ٢ - عدم استغلال الثروات الطبيعية لصالح الفرد .

٣ - اقتصاد غير متوازن . ٤ - اعتماد الانتاج على قوة العمل اكثر من اعتماده على رأس المال المستثمر.

٥ - انتشار البطالة وانخفاض مستوى الاستخدام . ٦ - اقتصاد تسيره التقاليد لا حركة السوق .

٧ - العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية تقف مانعا دون تطور المجتمع ( ١٨) .

أما التفسير الماركسي للتخلف الاقتصادي  فیستند على وضع وشكل علاقات الانتاج  السائدة في المجتمع ومستوى تلك العلاقات ،  لذلك يرون ان علاقات الانتاج والمستوى الذي  وصلت اليه هى المقياس الوحيد الذي يميز  البلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة  ويستندون في رأيهم على التفسير المادي  للتاريخ ، وقد سبق ان تعرضنا للمراحل  التاريخية الاربع عند الماركسيين. والاساس  الذي تحدد فيه اشكال علاقات الانتاج يعتمد  على ملكية وسائل الانتاج . وعلى هذا يمكن  اعتبار فرنسا وأمريكا وانكلترا بلدانا

متخلفة ، أما اسبانيا وبلغاريا وكوبا ومنغوليا فهى بلدان متطورة .

وقد حاول بعض الاقتصاديين الجمع بين  عدد من التعاريف السابقة لوضع تعريفات  اکثر شمولا وتحديدا للبلدان المتخلفة ينص  على ما يلى : بالنسبة لما وصلت اليه الحضارة  البشرية ككل في عصر ما يعتبر البلد متخلفا  في حالة بقائه على مستوى واطئ من التعبئة  المادية والبشرية للثروات الوطنية ولم يهييء  الجميع سكانه الا قدرا من حاجاتهم الضرورية  وأسباب رفاهيتهم مقارنة بما تقدمه لامثالهم اقتصاديات البلدان المتقدمة.

ومع ان هذا التعريف يبدو اقرب لتجلية معنى التخلف فينبغى ان يضاف اليه الاطار الذى تقع فيه التعبئة ليكون مقبولا من الناحية الاسلامية ، واذن فيصبح هكذا :

 ( يعتبر البلد متخلفا في حالة بقائه على مستوى واطئ من التعبئة المادية والبشرية للثروات الوطنية في حدود اصول الاقتصاد الاسلامى).

وعلى هذا فالبلد المتقدم اقتصاديا عن طريق استعمار الاراضى الاجنبية أو اغتصاب حقوق الفلاح والعامل بغير حق ، أو أكل أموال الناس بالباطل يعتبر متخلف ولو كان انتاجه كبيرا ( *)  .

اما البلد المتقدم اقتصاديا والمعطى للعمل قيمته الحقيقية والذى يعمل على توزيع ما قبل الانتاج وما بعده على اساس العدل والاحسان فهو البلد المتقدم حقا اقتصاديا وخلقيا .

قد يقال ان في هذا ادماجا للخلق في الاقتصاد ، والغرض هو معرفة الشعوب المتخلفة والمتقدمة من الوجهة الصناعية ، ونجيب بأن ادماج التعبئة العامة مثلا نوع من

اخلاقية المجتمع العصرى ومع ذلك فلا يعترض عليه بأنه ليس موضوعيا من لوازم التعريف .

اننا نعترف بأن الامم الاسلامية اليوم من  الشعوب المتخلفة مع ان منها من هو اكثر  تصنيعا من بعض بلدان اوربا وامريكا لان  الاستعمار نقل اليها كل عيوب الرأسمالية  البورجوازية ورواسب الفيودالية وعكس آثار  طبقية المجتمع الاوربى على المجتمع الاسلامي  المعاصر حسب تعبير الدكتور محمد البهى  الذى يشير في خاتمة كتابه المعنون بتلك الجملة الى ان استمرار تطبيق النظام الرأسمالي في المجتمع الاسلامي نقل اليه روح الطبقية التي تصاحبه في الغرب .

وربما يحس الاثرياء في نفوسهم آنئذ  بأنهم يكونون طبقة خاصة تعلو ما عداها  بسبب المال والثراء . وفي مقابل هذا  الاحساس يشعر المثقفون بأنهم لكي يتوافر  لهم مستوى معقول ومقبول في المعيشة يجب  أن يكونوا في خدمة الأثرياء بثقافتهم وبفكرهم  وبعملهم وبأدبهم وفلسفتهم وفي اداة الاعمال  ومصالح الخدمات ومواطن الانتاج

ويظل عمال الانتاج والخدمات على ما لهم  من احساس یوحی به تصرفات الاثرياء  المباشرة قبلهم وكذلك تصرفات المثقفين في  مواقفهم ازاء هؤلاء الاثرياء وإزاء العمال  انفسهم وبهذا تبدو في المجتمع الاسلامي  ظاهرة الطبقية وكأنها قائمة وأصيلة وهى في واقعها لم تكن الا مصطنعة وعارضة (۱۹).

وفيما يخص أفريقية الشمال رأينا كيف  ان الخلق الاسلامى والعصبية القبلية عاقتا  عن أن يتطور الاقطاع الشرعي الى نظام سادة  أو الى بورجوازية ، ولكن هذه الواجهات التي  عملت في عمق أفريقية الشمالية مسيرة قرون  تفككت وهدمت بالمرة ، بسبب استغلال  الاستعمار لبنياناتها كجهاز لتسربه وأداة  لدعوته واصبحت اقلية محظوظة من الاجانب  والمغاربة تختلف عن البورجوازية التي نشأت  تدريجيا في اوربا تحقق امتلاكها لوسائل  الانتاج الذى كان بقى معظمه بين يدى  الجماعات القروية عصورا عديدة، ففى افريقية الشمالية كما في غيرها مما سمى  اليوم العالم الثالث أسلوب الديمقراطية  العسكرية أو وسيلة الانتاج الاسيوى ترك  المحل لنظام رأسمالي يختلف تماما عن النظام  المعروف في البلاد المتقدمة ، والعكس ففى هذا  البلد الذي بقى فيه كفاح الطبقات مدة قرون  مبهما وغير واضح يمثل اليوم دقة ونموا  هائلا ، وعوضا عن أن يقع اجهاض مثل الماضي  التناقضى الداخلى فان لهذه التناقضات  الداخلية في البلاد المتخلفة عنفا لم يسبق له مثيل.

لقد توقف التطور التاريحي مدة طويلة  وهو يسير اليوم بسرعة خارقة ، والبنيان  الذي وصفه ابن خلدون جعل الاستعمار  ممكنا ولكن الاستعمار هدمه . ولكن الرواسب  بقيت وتتجمع في عوامل جديدة ، وهذا  التجمع للاسباب الداخلية العتيقة مع العوامل  الجديدة يحدد في القرن العشرين ظهور حالة التخلف (۲۰) .

(للمحاضرة بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية