سوف اعتمد فى ما سأدلى به على مصدرين رئيسيين . أولهما وهو الأهم القرآن الكريم ، وثانيهما خبراتى الشخصية فى الشؤون العالمية فى الخمسين سنة الاخيرة .
ولما كان من المفيد أن يبدأ الباحث بتحديد معانى الكلمات ويوضع مدلولاتها فيجدر بنا ان نعرف كلمة (( سلام )) التى هى محور حد بحثنا هذا . نحن نعرف ثلاثة أنواع من السلام على الاقل :
النوع الاول : السلام الذى يسود المقابر حيث لا حركة ولا صراع بين الاموات بل سكون وهدوء . سلام لكل المستريحين تحت التراب .
النوع الثانى : سلام العبيد والمستعبدين لانهم يعيشون فى سلام ظاهرى ما داموا مستسلمين لإرادة أسيادهم ومستعمريهم . فكم من حاكم مستبد يقطع رؤوس المخالفين لرأيه والخارجين على سلطته فينشر الرعب بين الناس فيعيش الكل بهدوء وسلام ظاهريين . وكم من سلطة استعمارية سلطت قوتها الغاشمة على الشعوب المحكومة فحققت سلاما ظاهريا موقتا كالسلام الذى حققته الامبراطورية البريطانية يوم كانت الشمس لا تغيب عن مستعمراتها . وهو ما نعت بـ (( السلام البريطانى )) (Pax Britannica). إن هذا النوع من السلام ما يزال قائما فى العديد من أقطار العالم اليوم ولا سيما فى البلاد التى تمارس الديكتاتورية السافرة أو المقنعة فى الحكم وفى العلاقات الدولية .
النوع الثالث : هو سلام الاحياء الاحرار الاخيار الذين يعيشون فى عالم حر متحرك . عالم تسوده الحرية والحركية فى ظل الاتزان والانسجام والنظام .
هذا النوع من السلام يتطلب من الفرد ان يحقق السلام فى ذاته أولا . فلا تكون ذاته قلقة مبتلاة بداء الانفصام . بل تكون موحدة ( بفتح الحاء ) وموحدة ( بكسر الحاء ) للفكر والعاطفة والارادة . فلا تطغى العواطف والشهوات على العقل والروح ولا تطغى الانانية أو الغرور على سلوك الفرد ولا يبتلى بداء العزلة أو الانفصام .
هذا النوع من السلام يتطلب أن يسود المجتمع الوئام والانسجام والتعاون فى كنف الحرية والعدل والانصاف للجميع .
إنه يتطلب من الدولة أن تكون قوية متماسكة تحمى الأمن والحرية والعدالة للجميع .
هذا النوع من السلام يتطلب من دول العالم كافة ان تقيم فيما بينها علاقات تفاهم وتعاون على أساس الحق والقانون ولا تتدخل احداها فى الشؤون الداخلية لدولة أخرى ( ولا سيما الجيران ) ولا تعتدى عليها .
هذا النوع من السلام يتطلب أن تكون صلة الانسان بالطبيعة صلة الصديق الذى يستغل خيراتها ( فى حدود الكفاية ) من جهة وينميها من الجهة الاخرى .
إن هذا النوع من السلام يتطلب من الانسان كفرد وكجماعة التكيف المستمر وفق التطورات الكونية من جهة ووفق التطورات العلمية والتقنية والاجتماعية من الجهة الاخرى . ولما كانت التطورات العلمية والتقنية والمفاجآت والانقلابات الطبيعية والسياسية تحدث بسرعة متزايدة هى أعظم بكثير من استعداد الافراد والمجتمعات للتكيف يبقى هذا النوع من السلام مثلا أعلى وحلما يسعى الانسان الى تحقيقه ما بقى النوع البشرى يحب الحياة الكريمة . فالعالم الذى نعيش فيه يبقى عرضة للهزات والمفاجآت وتظل البشرية تقاسى الويلات حتى تهتدى الى ادراك معنى قوله تعالى : (( ... إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ... )) ( الرعد 11 ) وتعمل بمنطوقها .
السلام العالمى فى عالم اليوم :
لقد شهدت البشرية فى النصف الاول من هذا القرن حربين عالميتين جلبتا على البشرية أهوالا وأحزانا لا توصف . هلك فيهما عشرات الملايين من البشر وتيتم عشرات الملايين من الاطفال وترملت عشرات الملايين من النساء .
أسست بعد الحرب العالمية الاولى عصبة الامم وكان مركزها فى جنيف ( سويسرا ) . وأمل الكثيرون أن تكون العصبة هذه ضمانا للسلام العالمى ولتحرير الشعوب وفقا للمبدأ الويلسونى الذى يعترف بحق الشعوب بتقرير المصير . ولكن قوى الاستعمار طغت على قوى الحق والحرية فانحدرت البشرية الى هاوية الحرب العالمية الثانية . وقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية ( ربيع 1945 ) عقد فى مدينة سان فرنسيسكو ( الولايات المتحدة الامريكية ) مؤتمر لوضع ميثاق الامم المتحدة الذى بموجبه أسست منظمة الامم المتحدة . كنت واحدا من الذين حضروا هذا المؤتمر وساهموا فى صياغة الميثاق كما وقعت عليه باسم الحكومة العراقية آنذاك . كنا نؤمل ( وكان التفاؤل سائدا ) ان تكون الحرب العالمية الثانية خاتمة الحروب وان تدخل البشرية عهد سلام وأمان وتعاون وازدهار . وها نحن اليوم نتساءل هل انتهت الحروب بعد .الحرب العالمية الثانية ؟ الدماء ما تزال تسيل فى كل قارات العالم تقريبا : فها هو غزو اسرائيل للبنان ، وها هى مأساة فلسطين ، وها هى مأساة اريتريا ، وها هو الاحتلال السوفياتى لافانستان ، وها هى مشكلة ناميبيا ، وها هى مشكلة كمبوديا ، وها هى مشاكل أمريكا الوسطى ، وها هى حرب الفولكلاند ، وها هى الحرب الطاحنة بين العراق وايران ! وها هى البشرية اليوم تخشى وقوع حرب عالمية ثالثة لا تبقى ولا تذر . فالاسلحة الذرية والليزر والاسلحة الكيماوية والبيولوجية والقنابل العنقودية والحارقة والضاغطة والصواريخ عابرة القارات والدبابات والطائرات والغواصات تكفى لافناء البشرية من على وجه الارض فى ساعات معدودات . والدولتان العملاقتان الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتى تتسابقان فى التسلح . وبعد أن أعدنا كل ما يقتضى لافناء البشرية من على وجه الارض برا وبحرا وجوا بدأتا بالبحث عن وسائل الحرب فى الفضاء وهو ما نعت (( بحرب النجوم )) . تعيش البشرية اليوم فى كل مكان تقريبا بالقليل أو الكثير من الخوف والقلق على المصير . وتسود العلاقات الدولية التوترات والخلاف وتسيل الدماء فى داخل بعض الدول وفيما بين دولة وأخرى هنا وهناك . كما نشطت منظمات الارهاب وانتشر داء الاغتيالات وحجز الرهائن وخطف الاشخاص بعد أن تعدد خطف الطائرات
وتنوعت وسائل التعذيب الوحشى الذي تمارسه بعض العصابات وبعض ـالحكومات فى سجونها ازاء من يعارضها .
وقد دل تقرير ((لجنة العفو الدولى)) (Amnesty International) لسنة 1983 على أن أكثر من ثلثى حكومات العالم اليوم لا تحترم حقوق الانسان فى ممارستها التعذيب أو اعدام الافراد . كل هذه الاحوال تحمل المرء على التساؤل هل ان البشرية سائرة فى طريق النعيم أو الجحيم ؟ إن ما يصرف على التسلح فى العالم اليوم يقدر بأكثر من 800 ألف مليون دولار سنويا حسب تقرير الامين العام لمنظمة الامم المتحدة لسنة 1983 . وهو مبلغ يكفى لضمان الغذاء والصحة والتعليم والانعاش الاقتصادى والثقافى للعديد من البلاد السائرة فى طريق النمو وكان الاجدر أن يصرف هذا المبلغ فى سبيل الخير ولضمان الحياة الفضلى بدل صرفه فى وسائل الفتك والدمار وهذا يتطلب أن يسود العقل وان تتغلب الحكمة والصدق والنزاهة والغيرية عند قادة العالم أجمع . وهو أمر ليس بالمستحيل ولكنه بعيد المنال . إنه يتطلب الجهد والجهاد اللذين يدعو اليهما الاسلام .
من العوامل المخلة بالسلام العالمى :
ان العوامل التى تعرض السلام العالمى للخطر عديدة ومنوعة . انها تختلف باختلاف ثقافات الشعوب واستعدادها الحربى ومواقها الجغرافية . ولا مجال فى بحثنا هذا للخوض فى بحث اسباب الحروب وجمع الوثائق والشواهد المتعلقة بها اذ ذلك يتطلب جهود العديد من السنوات يتعهدها عدة اشخاص من ذوى الاختصاص فينتجون عشرات المجلدات . إنه موضوع خصب ولا شك وما يزال العديد من علماء الحياة والنفس والاجتماع والتاريخ يبحثون عن أسباب ومصادر العدوان والحروب لدى الانسان وطرق معالجتها .
فما سنورده فى بحثنا هذا هو ذكر بعض العوامل الشائعة التى خبرناها فى تاريخنا المعاصر : وها نحن نذكر على سبيل المثال :
(1) حب السيطرة والاستيلاء والتوسع مقترنا بالغرور والاعتداد بالقوة وهذا ما تمارسه الدول الاستعمارية عادة وتمارسه اسرائيل اليوم .
(2) النزاع على الحدود وملكية الارض وتقسيم المياه والتمسك بالحقوق التاريخية .
(3) عوز اقتصادى وضيق فى المجال الحيوى وتكاثر السكان وتعاظم الحرمان .
(4) الفوضى والاستبداد والفساد الذى ينتاب بعض البلاد الامر الذى قد يسبب الصراع الدموى فى الداخل ويفتح الباب لتدخل الاجنبى من الخارج .
(5) عقدة الاضطهاد ومركب النقص التى يمنى بها شعب من الشعوب أو فئة من فئاته الامر الذى قد يدفع الى ارتكاب اعمال عدوانية جنونية وهو ما انتاب اسرائيل فى اجتياحها لبنان ( 1982 ) .
(6) عقدة التفوق العنصرى أو الدينى أو العقائد أو القومى الذى تمنى بها بعض الشعوب فيسود الغرور والتعصب الاعمى دفاعا عن العقيدة أو اندفاعا فى سبيل نشرها . وهو ما تمارسه جهات دينية وقومية وعقائدية وعنصرية فى العديد من اقطار العالم اليوم .
(7) المحاباة والتحيز فى معاملة بعض الفئات على أساس العنصر أو المذهب أو العقيدة أو اللون أو الجنس . وحرمان الضعفاء من نيل حقوقهم . كما يحدث فى جنوب افريقيا اليوم وفى أى بلد تهضم فيه حقوق بعض الفئات .
(8) ممارسة الغش والخداع فى صوغ الاتفاقات والمعاهدات والعمل بمبادئ لا اخلاقية فى العلاقات الدولية مثل : (( نقض العهود )) ، (( القوة هى الحق )) (( الغاية تبرر الواسطة )) ، (( فرق تسد )) ، (( المجابهة بالامر الواقع )) ، (( قل شيئا واعمل العكس )) ، وكل هذه واضحة فى ممارسات اسرائيل .
(9) الصراع العقائد وانعدام الثقة بين قوتين كما هو الحال بين الاتحاد السوفياتى والولايات المتحدة الامريكية اليوم .
(10) اختلال التوازن السياسى وضعف جهاز الامن فى داخل بعض البلاد ، الامر الذى قد يسمح لبعض المغامرين بتنظيم مؤامرات وانقلابات تعود على الامن والسلام بالويل والخسران فى تلك البلاد .
هذه نماذج من العوامل التى تقلق السلام فى العالم تدعمها فلسفتان :
الاولى : الفلسفة الطبيعية بمفهومها الفج الذى يرتكز على الحيوانية والميكانية فى فهم للانسان . فالانسان حسب هذه الفلسفة يخضع كسائر الحيوانات الى
قانون تنازع البقاء وبقاء الاصلح وقد يكون الاصلح يعنى (( الأقوى )) ولذلك فالحروب تصبح عاملا من عوامل ارتقاء البشر الطبيعى الذى يحتفظ بالاقوياء ويخفى بل يزيل الضعفاء من الوجود .
ولحسن حظ الانسان أن هناك فلسفة طبيعية حياتية تعترف بانسانية الانسان فلا تعرضه لصراع الغابة بل تعوض عنه بالتنافس الاخلاقى الشريف فى الالعاب الرياضية وفى الانتاج والبناء المادى والفكرى ( الأدبى ) .
والى جانب الفلسفة الطبيعية (( الفجة )) نضع الفلسفة النفعية الضيقة التى تضع السلام تحت رحمة المصالح والمنافع الآنية . فالسلام مرغوب فيه لضمان المصالح والمنافع . أما إذا انتفت المصالح من السلام وتحققت عن طريق الحروب فلتكن الحروب ولتشتعل المدن والغابات.والى هذه الفلسفة بشكلها الضيق ينتمي تجار الحروب اصحاب معامل الاسلحة الفتاكة . فهؤلاء يعتبرون الحروب عاملا من عوامل الرقى الانسانى اذ فى الحرب ولاجل الحرب يشجع الابتكار والاختراع فى صنع المهلكات لاجل تحقيق الانتصار . ولحسن حظ الفكر الانسانى أن هناك فلاسفة ينتمون لهذه المدرسة ولكنهم ينظرون الى النفع العام للبشرية ولا يقتصرون فى نظرتهم على النفع الخاص كما تفعل النفعية الضيقة .
وقد يكون من المفيد فى هذا الصدد أن أشير الى ما قلته فى خطابى فى مؤتمر باندونغ ( أندونسيا ) سنة 1955 بأن قوى ثلاث فى عصرنا هذا تعمل على الاخلال بالسلام العالمى :
القوة الاولى : هى الاستعمار الغربى القديم الذى كانت تمثله الدول الاوربية : بريطانية ، فرنسا ، بلجيكا ، هولندة ، اسبانيا ، البرتغال . وقد انحسر هذا الاستعمار الاوربى ظاهريا وأخذت أمريكا تملأ بعض الفراغ الذى تركه الاستعمار الاوربى هذا .
القوة الثانية : هى الصهيونية العالمية وأداتها اسرائيل . وهى ربيبة الاستعمار الغربى وأداته الضاربة فى الشرق الاوسط .
والقوة الثالثة : هى الشيوعية العالمية التى احتفظت بمستعمرات روسية القيصرية وأضافت اليها دول البلطيق ( عدا فنلندة ) وأجزاء أخرى من أوربا الشرقية . والشيوعية العالمية اليوم تتغلغل فى انحاء مختلفة من العالم وهى
تغزو العالم من الداخل على الاكثر عن طريق تعبئة الجماهير بنشر التذمر والاستعداد للانقلابات الدموية . ومن الخارج كما فعلت فى أفغانستان .
وعلى كل فالإنسانية أمامها مشاكل عويصة وعقبات كبرى ينبغى ان تتغلب عليها فى مسيرتها نحو السلام المنشود .
القوى العاملة من اجل السلام :
لقد برز العديد من الساسة ورجال الفكر وعلماء الدين فى عصرنا هذا ممن يدعون الى السلام العالمى كما وجدت منظمات عديدة وقامت دعوات خيرة تعمل من أجل السلام فى مختلف اصقاع العالم شرقيها وغربيها وها نحن نذكر على سبيل المثال ما يلى :
(1) المهاتما غاندى : أبى أن يستعمل العنف فى مكافحة الاستعمار البريطانى للهند بل اكتفى بالمقاومة السلبية . والذى ساعده فى نجاح دعوته سعة الهند وضخامتها . اذ لو كانت الهند بلدا صغيرا ضعيفا لما نجحت المقاومة السلبية ولتطلب الامر كفاحا دمويا كما حصل فى كفاح الجزائر من أجل استقلالها .
(2) البابا يوحنا الثالث والعشرين : أصدر فى الستينات من هذا القرن مرسوما بابويا عنوانه : (( السلام على الارض )) ( Pacem in Terris ) وتبعه البابوات فى الدعوة الى السلام وفى الحقيقة إن رسالة المسيح عليه السلام هى رسالة محبة وسلام لبنى الانسان . ولكن فى المسيحية ازدواجية وانفصال بين الدين والدولة وفق (( مبدأ ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) . فاذا كانت الكنسية تؤمن بالسلام وتنتمى الى الله فلا يعنى ذلك ان الحكومات المسيحية وهى تمثل (( قيصر )) سوف تلتزم بمبدأ السلام . فالعكس هو الصحيح فى العديد من الحالات .
(3) الفيلسوف البريطانى برتراند رسل : كان من أصدق وأقوى من عرفت من رجال الفكر الغربى فى دعوته الى السلام . وهو يمتاز بدعوته الى استعمال العقل . فالانسان لو استعمل عقله لحل معظم المشاكل التى تجابهه سلميا . برتراند رسل كان يؤمن بكرامة الانسان ويكافح الحروب والعدوان ويحذر من خطر الاسلحة النووية .
(4) المنظمات الدولية : منظمة الامم المتحدة والمنظمات التى تنتمى اليها : منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ، منظمة العمل الدولى ، منظمة الاغذية العالمية ، منظمة الصحة العالمية ، البنك الدولى للاعمار ... الخ .
(5) جمعيات الامم المتحدة : وهى مؤسسات غير حكومية أسست للتعريف بمبادىء منظمة الامم المتحدة فى العديد من أقطار العالم .
(6) جمعيات حقوق الانسان : وهى مؤسسات غير حكومية هدفها الدفاع عن حقوق الانسان .
(7) حمعيات دينية وعلمية مثل : مؤسسة (( اديان العالم والسلام )) و (( أكاديمية الاساتذة من أجل السلام )) .
(8) جمعيات أنصار السلام : وهى جمعيات ترعاها روسيا السوفياتية تدعو الى السلام وتعقد مؤتمرات يحضرها الشيوعيون على الاكثر .
(9) جوائز من اجل السلام : هناك جائزة نوبل من أجل السلام المفروض انها تعطى لمن يخدم السلام العالمى خدمة جلى . وقد أصبحت هذه الجائزة عرضة للسخرية حين منحت لمناحم بيغين ( جزار دير ياسين ) مناصفة مع المرحوم الرئيس محمد أنور السادات . وكان السادات نفسه رجل سلام .
وهناك جائزة يابانية تمنح لمن يخدم السلام العالمى عن طريق الدين .
(10) المظاهرات من أجل السلام : تقام مظاهرات بين الحين والآخر من أجل السلام هنا وهناك . فقد نسمع عن مظاهرات من أجل السلام فى اسرائيل . كما نسمع عن مظاهرات فى كل من بريطانيا وألمانيا الفدرالية وإيطاليا احتجاجا على نصب صواريخ (( كروز )) و (( برشنغ )) الامريكية فى هذه البلاد . ونحن نميل الى الظن ان القائمين بهذه المظاهرات هم فى الغالب اناس مخلصون يريدون السلام حقا .
إن العديد من الجهود المبذولة من أجل السلام يعوزها الشمول والواقعية أحيانا . كما أن الدوافع وراء الدعوة الى السلام ليست كلها بريئة ومخلصة . فلا بد من البحث والتحرى عمن يدعو الى السلام للوصول الى الحقيقة عما يضمر .
نحن نفترض أن أكثرية الافراد غير المنتمين الى جهات سياسية خاصة ولم يساقوا كما تساق الانعام هم جادون مخلصون فى دعوتهم الى السلام . وهناك من يدعو الى السلام بلسانه والله أعلم بما فى قلبه . والبعض قد يمارس العدوان ومع ذلك فهو داعية سلام . وهذا أمر يصدق خاصة على بعض المسؤولين فى الدول الاستعمارية . نحن قد نسمع دعوات الى السلام والى
احترام حقوق الانسان . وحين نطالب بالسلام وبحقوق الانسان للعربى الفلسطينى نجابه فى الغالب آذانا صماء .
والشيوعية العالمية تدعو الى السلام وتعقد المؤتمرات العالمية لانصار السلام ولكنها دعوة للتصدير ( على ما يظهر ) أكثر منها للممارسة والتطبيق . فغزو افغانستان حاليا والمجر سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968 يدل على ان الاقوال قد لا تؤيدها الافعال . وهناك دعوة للسلام يراد بها الاستسلام . وهذا هو السلام الذى تنادى به اسرائيل وتدعمها فى دعوتها هذه الولايات المتحدة الامريكية ..
وفقدان الشمول وعدم الواقعية وخطر الازدواجية والمغالطة والخداع والرياء هى بعض العلل التى قد تمنى بها الدعوة الى السلام فى عالمنا اليوم .
الاسلام والسلام العالمى :
إن العرض الموجز ( الذى بسطناه توا ) لموضوع السلام العالمى وما يكتنفه من اخطار وتعدد فى الدوافع والافكار وضعف فى الضمير وقلق وخوف على المصير يصور الموقف الذى يتحدى الاسلام اليوم . وهو موقف يحوى الكثير من السلبيات وفي الوقت ذاته يحوى العديد من الايجابيات . فهناك جهود ومنظمات عديدة تعمل فى خدمة السلام العالمى . ولذلك ففى استطاعة المسلم المؤمن أن يقبل التحدى وان يشارك فى السعى لتحقيق السلام العالمى معتزا بشخصيته الاسلامية وعقيدته التوحيدية .
ان المزية الكبرى التى يمتاز بها الدين الاسلامى الحنيف هى أنه دين التوحيد والاخاء والمحبة والحق والخير للبشرية قاطبة . إنه دين يدعو الى إعمال الفكر والتعقل بدافع الايمان والاخلاق . ليس فى الاسلام انشطار وازدواجية بين العلم والعمل وبين الاخلاق والعلم وبين العلم والايمان . فالسلام فى الاسلام يقوم على أسس راسخة من الإيمان والاخلاق والعلم والعمل . والاسلام دين يتناول حياة الانسان كلها ومن كل جوانبها ظاهرها وباطنها خيرها وشرها فردية كانت أم اجتماعية . إنه دين يتسم بالشمول وبالتوحيد والانسجام والاتزان وبالتسامى والتطور نحو الاحسن والافضل . إنه جاء للبشرية كافة يدعوها الى السلام المؤسس على الإيمان والاخلاق . ففى قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان ... ))دعوة صريحة للمؤمنين من بنى الانسان فى كل مكان الى
الدخول فى حياة يسودها السلام على أساس الحق والخير واجتناب الشر والعدوان .
فالاسلام يدعو الى السلام الحقيقى الذى لا يعرف اللف والدوران ولا الغدر العدوان . إنه يشجب الظلم والطغيان . كما انه يعلمنا كيف نبنى السلام وكيف نحمى السلام . فالاسلام اذن هو دين السلام . كيف لا ؟ والله سبحانه هو السلام ! فالسلام من أسماء الله الحسنى : (( هو الله لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون )) ( الحشر 23 ) . ولما كان الله سبحانه هو المثل الاعلى الذى ترقى اليه النفوس يتحتم على المسلم أن يتجه الى الله تعالى أى الى السلام طوال حياته . هذا هو الاساس فى التفكير الاسلامى حول السلام ، القرآن الكريم يدعو الى السلام ويحبب السلام الى النفوس . فقد قال تعالى : (( والله يدعو الى دار السلام ويهدى من يشاء الى صراط مستقيم )) ( يونس 25 ) .
(( يأيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )) ( البقرة 208 ) .
(( ... قد جاء من الله نور وكتاب مبين . يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور ... )) ( المائدة : 15 و 16 ) .
(( وادخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام )) ( ابراهيم 23 ) .
هذا ومن الآداب الاسلامية المطلوبة (( افشاء السلام )) بين الناس فتحية المسلم لاخيه المسلم هى (( السلام عليكم )) !
إن هذه الآيات الكريمة وأمثالها تدل بوضوح بأن الدين الاسلامى هو دين سلام ومحبة وليس دين سيف وحرب كما يصوره الخصوم .
إن السلام الحقيقى يتطلب الايمان بالله ومعرفة سنن الله فى خلقه واتباع أوامره واجتناب نواهيه .
والايمان بالله يولد السلام والطمانينة فى النفس اى فى حياة الفرد . والسلام فى حياة الفرد هو الاساس فى حياة الجماعة . فالجماعة المتكونة من أفراد يسودها الامن والسلام اذا كان فرد من أفرادها مؤمنا . وها هى بعض الآيات الكريمة : تدعم ما نقول :
(( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القوب )) ( الرعد 28 ) .
(( الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون )) ( الانعام 82 ) .
(( ... فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )) ( سورة قريش ) .
القرآن الكريم يعلمنا كيف نبنى السلام وكيف نحقق المجتمع الصالح وكيف يسود الوئام بين الجماعات والافراد :
(( ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ..)) ( النحل 125 ) .
(( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر )) ( آل عمران 159 ) .
(( وعباد الرحمن يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قال سلاما )) ( الفرقان 63 ) .
(( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم )) ( الحجرات 13 ) .
هذه هى الاساليب الانسانية التى يدعو اليها الاسلام والتى بها تؤسس علاقات بشرية مؤسسة على السلام وعلى تبادل الاحترام بين الافراد والشعوب، وفى الوقت نفسه يدعونا القرآن لان نتجنب كل ما يؤدى الى الفتنة والخصام بين الافراد والجماعات ونطهر نفوسنا من الادران التى قد توقد نار البغضاء والخصومات بين الناس : وها هى بعض الآيات الكريمة الدالة على ذلك :
(( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة )) ( الانفال 25 )
(( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ... ) ( الحجرات 12 ) .
(( قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )) ( الاعراف 33 ) .
(( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين )) ( الانفال 46 ) .
تبين من كل ما مر ان الدين الاسلامى بتعاليمه الخالدة هو دين سلام ودين هداية ووقاية لبنى البشر كافة . إنه يهدى الانسان الى عمل الخير والبناء ويقيه من الشر والعدوان ، إنه يحض على ازالة العوامل المؤدية إلى الحروب والخصومات .
الاسلام يحرم قتل النفس البشرية ( الا بالحق ) ويصور القاتل تصويرا يثير السخط عليه والازدراء به : ولنتأمل فى قوله تعالى :
(( واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق اذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر قال : لاقتلنك قال : انما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت الى يدك لتقتلنى ما انا بباسط يدى اليك لاقتلك انى أخاف الله رب العالمين ... فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فاصبح من الخاسرين.فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال : يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخى فأصبح من النادمين . من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ... )) ( المائدة : 27-32 ).
ما أحوج الانسانية اليوم الى الاعتبار من هذه اللوحة الالهية المؤثرة . وما أحوج المسلمين اليوم الى الاقتصاد فى ازهاق الارواح .
الاسلام دين سلام وليس دين استسلام :
إن الطبيعة البشرية تدلنا على ان الانسان مهما توفرت له وسائل التربية والتهذيب يبقى عرضة للخطأ وللوقوع فى الخطيئة ( الا من رحم الله ) ومن الخطايا التى قد يقع فيها الانسان الاعتداء على حق الغير . والامر هذا يصدق على الافراد كما قد يصدق على الامم . فموقف الاسلام ازاء العدوان هو رفض التهاون أو الاستسلام . فكل تهاون واستسلام للشر وللباطل يعنى خروج على نواميس الخالق فى الكون وفى الحياة الامر الذى قد يؤدى الى استفحال الشر بين الناس ولذلك فالقرآن الكريم يدعو الى الجهاد لمقاومة العدوان والفساد . والجهاد يتطلب الاستعداد . والاستعداد يتطلب وحدة
العقيدة . والاتحاد . لدرء العدوان اذن شرع الاسلام الجهاد . والجهاد لا يعنى الحرب بالضرورة . فهناك جهاد سياسى وجهاد اقتصادى وجهاد تربوى ودعائى فان لم تنفع كل هذه الجهود لدرء العدوان لا بد من خوض نار حرب دفاعية وقائية . فقد قال تعالى :
(( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين )) ( البقرة 190 ) .
(( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون )) ( التوبة 88 ) .
(( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... )) ( الانفال 60 ) .
فالاسلام يفرض على المسلم أن يتولى الدفاع عن نفسه وعن أهله وحلاله ووطنه ومقدساته اذا هوجم واعتدى عليه ولا يجوز له ان يعتدى على أحد . ولما كانت العلاقات الدولية والطبيعة البشرية عرضة للمفاجئات والاضطرابات فواجب المسلم ان يكون مستعدا ويقظا دوما للدفاع عن النفس والاهل والوطن وهو بذلك يضمن السلامة والسلام . اما إذا تهاؤون أو تراخى ( كفرد وكجماعة ) وأصبح مفكك الاوصال كما هى حال المسلمين اليوم فانه يصبح عرضة لتلقى الضربات والاهانات من اسرائيل ومن وراء اسرائيل وعرضة لان تسلب أوطانه وتداس مقدساته . والاسلام يأبى ذلك حتما لانه دين العزة والكرامة . دين سلام وليس دين استسلام . إنه يشتمل على كل ما هو حق وخير فى الفلسفات المثالية والطبيعية والعقلانية والواقعية والعملية . إن الدين الاسلامى يدعو الى السلام وفى الوقت نفسه يضع الاسس الراسخة لبناء السلام ولحماية السلام . إنه يحوى كل ما جاءت به الاديان والفلسفات الحية من آراء صائبة وممارسات انسانية لتحقيق السلام العالمى على أساس الخير والحق والعزة والكرامة لبني الانسان فى كل مكان . وللمرء أن يتساءل اذا كان قولى هذا عن السلام فى الاسلام حقا فأين هو السلام فى العالم الاسلامى اليوم ؟ اليس أكثر المسلمين اليوم محرومين من نعمة السلام والاطمئنان ؟ أليست العديد من العائلات الاسلامية محرومة من نعمة الصفاء والمودة والرحمة فى بيوتها ؟ أليست الاحكام العرفية والسلطات العسكرية هى السائدة فى
العديد من البلاد الاسلامية حيث تسود القلاقل وعدم الاستقرار ؟ أليست هناك خصومات وحروب وسفك دماء فى داخل العديد من البلاد الاسلامية وبين دولة اسلامية وأخرى ؟
جوابنا على ذلك : إن المسؤولية لا تقع على عاتق الدين الاسلامى بل على العلماء والمربين فى العالم الاسلامى الذين لم يربوا القادة والشعوب تربية تضمن لهم معرفة كافية لحقائق الدين الاسلامى وأسلوب تطبيقها فى شتى مناحى الحياة . ولا سيما ممارسة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر . والعمل على تطبيق المبادئ التى دعا اليها الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضى الله عن حين قال : (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )) ؟ وحين قال : (( الساكت عن الحق شيطان أخرس )) .
فعلى عاتق العلماء والمربين تقع بالدرجة الاولى مسؤولية اعداد القادة والشعوب فى العالم الاسلامى ليمارسوا ويطبقوا فى حياتهم الخاصة والعامة السلام الاسلامى ، سلام الاحياء الاخيار الاحرار لا سلام القبور ولا سلام العبيد والمستعبدين . وبذلك يكون للاسلام دوره وشأنه فى تحقيق السلام العالمى .

