ص ١٣٠ من القطع المتوسط طبع على ورق صقيل بمطبعة الاعتماد بمصر . تفضل صاحب السعادة امين بك عمر ناظر التكية بالمدينة المنورة فاهدانا نسخة من هذا الكتاب النفيس ، ولقد تصفحناه تصفح تأمل ودراسة فوجدناه قيما فى مادته وموضوعه واسلوبه ، طريفا شائقا . وقد توخي فيه مؤلفه العالم النطاسي ان يوفق بين معاني بعض الآيات القرآنية الكريمة وبين مقررات الطب الحديث ، وهذا التوخي هو كما ترى فكرة علمية حسنة فالقرآن لا تنقضي عجائبه ولا يغيض معينه . أو المؤلف في مباحثه موفق وهو يشعر بمقدار عظم المسئولية التى يتحملها ازاء مباحثه الناضجة . ولذا تلاحظ في اكثر مباحثه الايجاز مع عدم الاخلال بالمراد . ونحن موردون لك بعض بحوثه فى هذا الشأن قال : -
" القرآن ولقاح الازهار والنبات " " وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فاسقيناكموه وما انتم له بخازنين " : الآية ٢٢ من سورة الحجر
لقاح الازهار والنباتات على العموم يحصل من شجرة الى شجرة بواسطة الهواء او الحشرات او بواسطة الانسان ، واهمها الهواء . والقرآن يتكلم عن فائدة من فوائد الهواء الذي ينقل نطفة الذكر الى الأنثى ، وذلك قبل ان يتقدم .
علم تشريح النباتات ، وقبل ان يعرف شئ عن ذلك بمدة طويلة . فما اصدق القرآن وما اعظمه " اه
وهناك فصل قيم بعنوان " الفرق بين المعجزات والاختراعات العلمية " . فهذا الفصل اماط فيه المؤلف الكبير اللثام عن الفرق بين المعجزة والمخترعات العلمية ، وعالج فيه توضيح معنى المعجزة التى عرفها بانها كلها خرق للعادة ومن صنع الله مباشرة وانها لا تحصل الا على ايدى الانبياء ، ولا يمكن ان يصل الى صنعها الانسان مهما ارتقى ، بخلاف المخترعات العلمية فهي مبنية على قواعد علمية معروفة لا تتغير وكل ما يظهر منها مدهشا فى نتيجته مثل الكهرباء والتلفون والراديو وما سيظهر ، هو من الاستعانة بهذه القواعد . فالذي يتكلم فى اوربا ويسمعه آخر فى مصر بواسطة الراديو استطاع ذلك لان الهواء بطبيعته تحمل الصوت بصفة امواج الى العالم كله فاستعان العلماء بهذه القاعدة وسخروها لاغراضهم ، ولذلك مهما عظمت النتائج في المخترعات فان طريق الوصول اليها سنة ثابته . و ومثلها مثل من يحفر الأرض ويستعين بماء المطر وتحوله نهرا يجرى فانه لم يخلق نهرا ولكنه استعان بماء المطر . بعكس المعجزات فانها من طراز آخر هو الخلق والانشاء والاحياء ، فالمخترع لا يمكنه مطلقا ان يصنع جزءا حيا مهما صغر حجمه لان الجسم مجموع ملايين من الخلايا وصنع واحدة كصنع الكل ، ولهذا قال تعالى " لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له " ولذلك ستبقى المعجزات دائما فوق قدرة الانسان .
بهذه الروح المعتدلة العالية يعالج المؤلف مثل هذه الموضوعات العويصة فيستخرج لنا الحكمة ويضعها لنا على طرف الثمام .
وللكتاب مقدمتان اولاهما لفضيلة شيخ الازهر ، وثانيتهما للاستاذ محمد فريد وجدي وهما قيمتان .
فنشكر لسعادة المهدى هديته الثمينة .

