الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الاسلام والوطنية، او، اقرأ باسم ربك

Share

المتقوقعون، لا آوتهم السماء ولا احتضنتهم الأرض

ليس أخطر على الاسلام ممن استسلم الى أوهام وطقوس ظنها الدين الحق. وليس أشد على الاسلام ضررا ممن ناء عليه زائف الدين بكلكله فحمله عبئا أنقض ظهره وكبل حياته وحجر حركاته؛ فاطمأن، ولا إطمئنان المؤمن الحق. وأسلم، ولم يسلم وجهه لله قراءة وخلقا وكرما وعلما وكتابة. ((ومنهم أميون، لا يعلمون الكتاب إلا أمانى)).

هؤلاء هم المتقوقعون حملوا ((دينهم)) قوقعة على ظهورهم وأخلدوا اليها واعتبروها حصنا يقيهم غوائل الدهر وينجيهم عذاب الضمير. وما حسبوا انها قد عزلتهم عن العالمين، فلا آوتهم السماء ولا احتضنتهم الارض، وما أدركوا انهم كسدنة الجاهلية لا تقوى ولا ورع، همهم أن يعيدوا فى حركات متوارثة آلية ما ظنوا أنه الدين الحق.

لقد حنطوا أعز ما أوحى الى محمد: القرآن وراحوا يرددونه كالببغاوات ويحفظونه ولا فهم، فادخلوا على الاسلام من الاوهام والمفاهيم المتحجرة ما الدين منه براء. وأصبحوا يتحدثون باسمه ويذودون عنه ويعلون أصواتا حسبنا أنها خفتت الى يوم الدين.

هذه الاصوات، ومن حسن الحظ أنها ليست كثيرة فى تونس، لم نحدها ربطت الدين بحياة الأمة ومصيرها ولا نظرت اليه نظرة الذى يحيا بحياتها بل هى اعتبرت الدين شيئا معلقا بين الارض والسماء.

فهل بحث هؤلاء البحث الدقيق العلمى عن مكانة الاسلام من الديانات الاخرى فى عصرنا هذا، عن مدى التطور الذى فتحته الكنيسة فى وجه المسيحية ومدى ما قام به المسلمون مما يشبهه؟ وهل بحث هؤلاء عن فعالية الاسلام أمام فعالية المذاهب السائدة فى العالم؟ وهل عملوا على اخراج المفاهيم الاسلامية الخالدة من لغة العهود القديمة الى لغة العصر وأبعاد العصر؟

وهل حاول هؤلاء أن يبينوا ما فى البورفيبية من اخلاص الى الروح الاسلامية الحق المبنية على مصلحة الأمة ومصيرها؟

وهل انكب هؤلاء على الطرق التى يمكن بها ان تصل اللغة العربية الى مزاحمة اللغات الحية الاخرى؟

وهل قالوا كلمتهم فى ((الفرانكوفونية)) وإمكانية خدمتها للمبادىء الاسلامية واللغة العربية؟

وهل حاولوا أن يبينوا موقف الاسلام من خوارق القرن العشرين، من معجزة أبولو 8 مثلا؟

لقد سكتوا عن القضايا الجوهرية التى تتعلق بحياة أمتهم ولغة أمتهم إزاء أمم العالم ولغات العالم، ومضوا يتحمسون للدين بلا أمة ولا يتحمسون للأمة ولمصلحة الأمة بالدين. هم أقاموا حاجزا بين الاسلام والأمة ونظروا الى الدين بصفة مطلقة ونصبوا أنفسهم أوصياء عليه ولم يفطنوا الى أنهم أساؤوا الى الاسلام عندما قطعوا بينه وبين الزمن: زمن الأمة التى اعتنقته. إن هؤلاء، لم يمعنوا النظر فى أول مانزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن: ((اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم)) ولو تدبروا هذه الآيات واخرجوها من التفاسير التقليدية التى لم تضعها فى إطارها الثورى التجديدى العظيم لما زجوا بأنفسهم فى معاطن القوقعية المضحكة.

اقرأ باسم ربك

لقد سبق لى أن بينت قيمة هذه الآيات ولكنى أريد أن أزيد بيانا فى هذه المرة لأن جل التفاسير اقتصرت على المعنى الظاهر ولم تحاول الغوص فى الأبعاد التى فتحتها على البشرية عامة. ذلك أنه من الغريب أن تكون الفاتحة بالنسبة لمصحف عثمان هى السورة المبدوءة بآية الحمد لله بينما المصحف

الذي أثبته على وشيعته فاتحته سورة العلق. ومن الغريب كذلك أن المفسرين لم يقفوا طويلا عند سورة العلق مثل وقفتهم عند الفاتحة بالتفسير والتعليق، وهل للمسلم أن يسائل نفسه: لم لم تتصدر هذه السورة المصحف رغم أنها هى مفتاح القرآن، والقرآن مصدر اقرأ؟ وما هى العوامل التى تضافرت حتى أصبحت الفاتحة هى رمز القرأن؟ هلا يمكن القول أن على بن ابى طالب كان أقدر الصحابة على فهم الروح الحقيقية للاسلام وانه أول من وضع لبنات التفلسف فيه وأول من وفق فى فقهه؟ أنا أميل الى القول بذلك. لأنه فهم مدلول الآية الكريمة فى أعمق أعماقها.

ولقائل أن يقول ما بالنا وهذا الرجوع بنا الى قضايا قد خاض فيها من قبل المسلمون وقتلوها بحثا وتنقيبا ولماذا هذا الالحاح فى ضبط هذه الآيات؟ ولماذا هذا الاتحاد نحو إذكاء مواطن نقاش لم ينشأ عنه إلا الاختلاف والشغب؟

أقول إن هذا الذى تشبثت بشرحه وتأكيده وضبطه إنما هو صلب القضايا التى نعيشها اليوم وقضايانا تتلخص فى مفهومين اثنين: الأمة واللغة من الوجهة الكتابية. ومفهوم الأمة مرتبط عند الامم الاسلامية أشد الارتباط بالاسلام كما سنرى وأن مفهوم اللغة عندنا مشدود الى القراءة أى القرآن وبالتالى الاسلام.

لهذا رأيت أن الآيات الاولى التى نزلت على الرسول هى أكثر دلالة على روح الاسلام من آيات فاتحة الكتاب لانها تحتوى على المدلولات الآتية: القراءة والخلق والكرم والعلم والكتابة. والذى يهمنى هنا هو القراءة والكتابة. فالقراءة وبعدها الكتابة لا تشير الى العلم والمعرفة فقط بل هى تمثل تحولا اراد أن يدخله القرآن على المجتمع العربى، تحولا يخرج القبائل المشتتة مما قبل التاريخ الى التاريخ، تحولا يدفع الأميين أى الذين ليس لهم كتاب الى أن يكون لهم كتاب، تحولا يجعل من شتات الناس أمة قارئة كاتبة (بالقلم).

الاسلام أول بان ((للوطنيات))

وأريد هنا أن ألح على مدى ارتباط مفهوم الأمة بمعناه العصرى والقرآنى لمفهوم القراءة والكتابة. فالاديان من قبل بنيت على الكلمة (Le verbe) والاسلام على ما أظن هو أول من بنى الدين على الكتابة والقراءة والفارق عندى عظيم بين الكلام الملقى المسموع والكلام الذى أعد ليكون مقروءا مكتوبا وهى قفزة عظيمة بالنسبة للبشرية. وهذا الذى جعل الكثير ممن انكبوا على

دراسة الاسلام يؤكدون أن من أخص خصائص الاسلام أنه لم يوجد كهنوتا ولا كنيسة ولا ممثلين أوصياء على الدين. وهذا واضح بين للعيان ولكنهم لم يتفطنوا الى أن سبب ذلك هو هذا العزم الاول الذي جاء به القرآن فى جعل القراءة والكتابة فاتحته. وهو اقرار لأحقية جميع البشر فى التصدى للدين بالفهم والممارسة من دون ميز ولا فوارق. وهو تحول كان له اثر كبير فى تاريخ الانسانية.

ذلك أن الكتابة والقراءة كانتا محصورتين فى قلة من الناس والكتب السماوية وغيرها من الشرائع لها أربابها وكهانها ورهبانها الذين احتكروا الدين واختصوا به وإذا بالدين الاسلامى يدعو الى إشاعتها بين الناس جميعا وبما أن القراءة والكتابة المعتمدة على النثر الحقيقى (*) يدفعان على تحرر الفكر البشرى وعقلنة معتقداته ومعاملاته وهما بالتالى وعى بالشخصية وتمكين لها ورعاية وانتشال لها من عوامل الخنوع والاضمحلال والتفسخ، فانه بطبيعة الحال تنشأ فكرة الأمة إذ الأمة لا تولد عفوا بل هى نتيجة لتحول كبير، تحول من ((الاجماع الاخلاقى)) الذى يسود مجتمعا ما والذى انبنى على ((انعدام كل فكرة فردية)) الى ((اجماع أخلاقى نتيج التضامن الحر الواعي للافراد)). هذا المفهوم العصرى للأمة نجده منبثقا من الاسلام إذ هو دعا باللفظ الصريح الى القراءة والكتابة. وقد انتشرت رغم الشوائب فيما بعد انتشارا كبيرا بين الناس. كانتشار الطباعة فى أوربا وايذانها بالعصر الذى ستظهر فيه ((الوطنيات)). فلماذا نحن نوافق عندما يقال لنا إن الطباعة التى نشرت بين الافراد فى أوروبا الوعى وعرفتهم بنعمة حرية الرأى كانت عاملا قويا فى انبثاق ((الوطنيات)) (Nationalites) وتعزيزها ولا نسلم بهذا الذى أتى به القرآن من إشارة الى أن عصر الامبراطوريات المبنية على الدول فقط قد بدأ يأفل ويحل محله عصر الامم. ان الاسلام فى ظنى هو أول بان ((للوطنيات)).

وهذه الفكرة خطيرة جدا إذ هى مقاومة للفكرة السائدة القائلة بأن الاسلام أتى لتوحيد الشعوب وجعلهم أمة واحدة. نعم أتى للتقريب بين الشعوب وحثهم على التعاون تعاون الأمة مع الأمة. واذا ظهرت فى فترة من الفترات شبه وحدة تهيمن عليها امبراطورية واحدة كالخلافة الأموية أو العباسية فانما ذلك ليس هو من الاسلام فى شئ بل هو مجرد سيطرة العنصر العربى القوى على الأمم الاخرى شأنه شأن الامبراطورية الرومانية أو الفارسية والدليل على

ذلك أن الاسلام انتشر انتشارا كبيرا بين الشعوب التى اكتسحها العرب ومعهم الدين الجديد وبث فيهم الوعى والشعور بأنهم متساوون احرار فما لبثوا أن كونوا أمما وقفت فى وجه الغاصب وحرصت على التشبث بمقومات شخصياتها بما فيه الاسلام. فكثير من الأمم حافظت على الاسلام وفرطت فى اللغة العربية (الأمم الاسلامية الناطقة بالعربية ما هى إلا سدس الأمم الاسلامية قاطبة). وهذا لم يؤثر كثيرا فى اسلامها بل نجد أن الكثير من البلدان الاسلامية غير الناطقة بالعربية متشبثة بالاسلام أشد التشبث وأعانت على تدعيم الدين وإثرائه بما كتبته وأشاعته فى العالم (انظر باكستان وإشعاع إقبال).

ألا ترى كيف أن الأمم الأوربية التى تغذت فيما تغذت به بالروح الاسلامية عن طريق التراجم ووصلت بعد اشاعة الطباعة الى أن تكون مجموعة من ((الوطنيات)) ألا ترى أنها لم تصل عند استعمارها للأمم الاسلامية الى صهره فى بوتقتها؟ لماذا؟ لأن هذه الأمم قد كون فيها الاسلام الشعور بشخصيتها وذاتيتها ولأن طبيعة الثقافة الأوربية مبنية أيضا على حث الفرد على وعى كيانه وتزكية حريته والتضامن من أفراد مجتمعه. لهذا كانت النتيجة الحتمية هى إنماء حب الوطن وإذكاء الوطنية التى هى شعور حاد بوجود الأمة مما أدى باستقلال هذه الشعوب (*) كذلك فان الذى نشهده اليوم من تصدع فى العالم الشيوعى إنما هو من هذا القبيل. ثورة قامت على نشدان العدالة بين الكادحين وبث الوعى بينهم فاكتسحت شعوبا مجاورة وغذت فيها هذه الروح فاذا كل منها يشعر بطبيعة الحال بقوته وبوجوده كأمة وبكيانه كوطن فيثور ويسعى الى فك هيمنة طال أمدها.

هذا هو بالضبط الذى وقع بالنسبة للأمم الاسلامية وخلاف ذلك فانما هو من قبيل الاحلام اذ لا مفر اليوم لكل شعب من الشعوب الاسلامية من أن يشعر شعورا حادا بوطنيته المنبثقة من الاسلام الحق وأن يبنى مجد أمته بالتعاون بين جميع الشعوب الاخرى وبالانفتاح على العالم عن طريق مجموعات متعددة تبنى تارة على وحدة اللغة: العربية أو غيرها وطورا على الوحدة الجغرافية أو غيرها بشرط أن تسعى كل أمة على المحافظة على مقوماتها وخصائصها وتقريبها الى أذهان أفراد الأمة الاخرى. فأنا لا أفهم تعاون الأمم وبالتالى الدول الناطقة بالعربية إلا على هذا الاساس كما لا يمكن لى أيضا فهم ((الفرنكوفونية)) إلا على

أنها مجموعة أمم تريد أن تتقارب عن طريق اللغة الفرنسية لأجل ازدهار وتقدم كل منها.

لهذا فان القوقعية (*)، أى اعتبار الدين ملجأ فقط أو شيئا معلقا بين الارض والسماء يدافع عنه بصفة مطلقه هى ضارة بالاسلام وبطبيعة الحال ضارة بالأمة.

فليس من الاسلام الحق إضافة حقوق الأمة أو اغفالها باسم الدين وليس من الاسلام الحق تجميد اللغة وتحنيطها باسم القرآن. فلا إسلام إلا بالوطنية فى معناها الواسع الشامل ولا دين إلا بالمغالاة فى محبة الوطن. أما المتقوقعون فاخوان الشياطين.

اشترك في نشرتنا البريدية