الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الاسلوب واللغة التجاوز، أو كيف نكتب ؟

Share

فى هذه الايام الاخيرة ظهر الاهتمام بالادب التونسى من قصة وشعر وذلك بصورة أجلى وأوضح مما كانت عليه فى السنوات الاخيرة وخاصة ابتداء من هذا الموسم الثقافي الزاخر بالمفاجآت الحية والاندفاعات المبشرة بوضوح الطريق وصحيح الانطلاق .

وأسباب هذه الظاهرة متعددة ليس من السهل الالمام بها لأن لها جذورا سياسية واجتماعية ونفسية وتاريخية وغيرها تتطلب دراسة طويلة النفس ينكب عليها العدد العديد من الباحثين والدارسين

على أن الملاحظ يمكن أن يعزى هذه الحركة الى برنامج (( أدبنا فى عصره )) التلفزى الذى تمكن من بلورتها واظهارها للجمهور وتنمية النقاش حولها . ويمكن له أن ينسب ذلك الى ظهور جيل جديد من الادباء الشبان الذين اقتحموا باب الخلق الادبي بعدة قوية واعية لها من امكانيات التحليق فى مجالات الفن ما يجعلها تشرف هذه الفترة البطولية التى نعيشها فى تونس . ويمكن أن نؤكد كذلك تأثير حركة النشر واهتمام القراء الخ . . .

غير أن الذى لاحظته بالخصوص من غمرة هذه الحيوية هو اهتمام آخر بقضية هامة هى صلب الامر فى الخلق الادبى وأصله ومحوره أعنى قضية اللغة كتعبير . وليس معناه أن الوعى شمل جل الادباء اذ منهم من لم يزل بتخبط فى مشكل المصطلحات والألفاظ فيعتبر أن ثراء العربية رهين العثور على الفاظ جديدة وأسماء جديدة ، فى مشكل صحة اللغة من حيث النحو والصرف ، فى مشاكل العروض وجوازاته ، فى مشاكل التأثر والاقتباس والأصالة والابتكار وغيرها ٠٠٠

بينما المشكل الهام من بين هذه المشاكل كلها بالنسبة للعربية هو تجديد اللغة وانتفاء التفاوت بين بناء الثقافة المتشبع به الكاتب والغارق فيه وبين بناء اللغة التى يستعملها وبالتالي تجاوز الاسلوب الطاغي على مختلف انواع الخل الادبى ٠

لقد بينت فى دراسة سابقة (*) كيف أن الكثيرين من أدبائنا المرموقين

المثقفين ثقافة عصرية متينة لم يتمكنوا من تطويع اللغة والسيطرة عليها حتى تكون كتابتهم مطابقة تماما لتفكيرهم ، وممتزجة مع صفاء الرأى موضحة له وأكدت ان انعدام ذلك يؤدى الى انطفاء الفكرة أو الصورة وغموضها وتلاشى التأثير المقصود ٠

وأريد هنا أن أغوص أكثر فى هذا الموضوع وأبين أن هذا التفاوت بين الفكرة واللغة منشؤه فى رأيى طغيان الاسلوب الى حد كبير . وهى ظاهرة ربما يصعب وجودها فى لغات حية كثيرة ولكنه من اليسير ملاحظتها فى اللغة العربية وبالخصوص فيما يعتبر خلقا أى فى أسمى ما تجود به اللغة .

ذلك أننى عندما أقرأ بتثبت قصة أو قصيدة أو مسرحية لأديب من الأدباء الكبار المعاصرين أقف مبهوتا أمام الظاهرة الآتية :

الأثر الأدبى مطبوع بطابع الكاتب مرتبط بشخصيته الأدبية فى أعنف صورة أى بأسلوبه فى معناه التقليدى ولكنك تستشف من ورائه ظل كاتب آخر قديم أو شاعر فحل من شعراء العصور المتقدمة . فتحتار فى الأمر وتدفع دفعا الى القول بأن الذى يميز الكاتب الكبير أو الشاعر العبقرى ليس الاسلوب فقط بل شئ آخر فوق الاسلوب وفوق الالفاظ وتركيبها هو صهر للغة من جديد بحيث تكون أمام لغة لا تشبه لغة قديمة فى أسلوبها وتركيبها أى تكون أمام نمط آخر فريد فى بابه .

لهذا فالاسلوب ليس وحده هو الذي يميز الكاتب عن غيره بل تجاوزه للأسلوب إذ الاسلوب هو متعلق بلحم الكاتب ودمه مترجم عنه معبر عن فرديته فى أبشع صورها فاذا طغى الاسلوب طغى الأنا وجر إلى الانطواء والانكماش والابهام وانتفاء الابلاغ ٠ فالواجب يقضى اذن أن يتجاوز الكاتب الاسلوب الى نمط من اللغة جديد فريد أسميه اللغة التجاوز إذ بها يتخطى الحدود التى كبلته بها اللغة المتوارثة والأنانية المفرطة الى أداة إبلاغ متفتحة على العصر ، نافذة الى المجتمع ، مؤثرة النحن على الأنا ، كافرة بالظل فى شمس ظهر الكتابة .

لأزيد توضيحا لرأيى أشبه اللغة بالكساء ٠ فأنت اذا أردت أن تصنع لك كساء وتذهب الى الخياط يدلك الى كتاب فيه أنماط كثيرة فتختار نمطا ابتكره من قبل مبتكر له اسمه ومكانته فى هذه الصناعة ٠ ثم يصنع لك الخياط بعد القيس والتهذيب والتطوير كساء اذا لبسته يصير جزءا منك أو هو أنت ٠ فهذا الذى قام به الخياط هو الذى أسميه الاسلوب أما النمط الذى اخترته فهو اللغة التى إبتكرها غيرك .

فالكاتب المجدد فى لغته هو الذي يتجاوز الاسلوب الى خلق نمط من اللغة يخلده الى أبد الآبدين كالجاحظ والتوحيدى وغيرهما أما الكاتب فحسب فهو الذى بكتفى بالاسلوب ويعجز عن خلق النمط وأما الكويتب فهو ذلك الذى يشترى

كساء قد ليس بعد أو صنع على غيره ثم يدخل عليه بعض التحسينات ويلبسة فرحا مسرورا ٠

فالقضية إذن هى ليست فى ابتكار الاسلوب فحسب لأن ذلك من السهل احاده بل فى خلق نمط من اللغة جديد يتطلب فى الحقيقة ادخال ايقاعات وموسيقى لم توجد من قبل أى دفع اللغة على أن تبنى بناء جديدا وهذا هو صلب القضية ٠ وبطبيعة الحال فان هذا العمل لا يقدر عليه إلا القليل من الكتاب ولكنه يحب أن يكون هو الغرض الاسمى للخلاق بعد أن يبتكر الافكار والصور وهو أمر لا يمكن ضبطه ولا حصره بل مرده الى عبقرية الكاتب أو الشاعر ٠

لكن المحاولات فى هذا الشأن مفيدة جدا ٠ لنأخذ مثلا الشعر ٠ فنحن اليوم أمام ثلاثة أنواع من الشعر : العمودى والحر والمنثور وكل شاعر يختار نوعا من هذه الانواع الثلاثة ليؤدى موسيقى تجول فى نفسه ، فمن الشعراء من يكتفى بالعمودى ومنهم من تضيق موسيقاه به فيخرج عنه الى الحر ومنهم من لم بحد فى الحر متسعا ، وأقصد هنا الشعراء القادرين على العمودى أيضا ، فيهجر الاثنين ويلتجىء الى نوع لم يتمكن من ايجاد قالب يفرغ فيه شحنته الموسيقية ويخرج بواسطته بلغة شعرية جديدة كاملة الموسيقى .

ولقد فكرت فى الموضوع ورأيت أن الادباء يطربون للشعر الشعبى كطربهم للشعر الفصيح ، وان كان الشعر الشعبى فى أغلب الاحيان أفصح من الكثير من الفصيح ورأيتهم ينظرون الى النوعين كل على حدة اعتقادا منهم أن الشعر الشعبى له أوزانه وعبقريته الخاصة به والفصيح له بحوره وهياكله المتميز بها ولم أرهم يحاولون ، على الأقل الشعراء منهم ، دفع الشعر الفصيح الى أن يستمد من أوزان الشعبى كالبورجيلة وغيره . ولعلها تجربة حرية بأن يقوم بها الشعراء العارفين بالاوزان الشعبية لان هذا النوع من الادب يترجم فى الحقيقة عن أصالتنا ويعبر فى هياكله عن هيكل الحياة فينا . ألم يكن الزجل توطئة الى ظهور الموشحات ؟ من يدرى ؟

ولقد عرضت هذا الاقتراح على الشاعر عبد المجيد بنجدو وأبدى استعداده للقيام بالتجربة وجربها فى أبيات قليلة فأعطت للشعر العربى الفصيح موسيقى جديدة لم أعرفها فيه من قبل . بقى على هذا الشاعر أن يطوع العربية الى هذا الهيكل الجديد ولعل فى ذلك بادرة طيبة ينضم اليها كثير من الشعراء وتعين على استنباط الصور الجديدة واشراقها .

هذه ملاحظات أولية بسطتها على القارىء الكريم فى ايجاز وأنا متردد بين الاصداع بها وبين كتمانها . فلعلها تصمد أمام التجربة ويأتى ما يؤيدها ولعلها مجرد وهم وعند ذلك فليعذرني القارىء الكريم ويتجاوز عن أخطائى .

اشترك في نشرتنا البريدية