ان الدارس " لمواقف الاستاذ محمد مزالي يلمس دعوة ملحة الى " بعث مجتمع تونسي أصيل متجدد " وقد ركز المؤلف على قضية الاصالة والتونسة فى جل مواقفه معيرا هذا الموضوع كبير الاهمية اذ يعتبر هذه " القضية مصيرية لا ظرفية ولا هامشية لانها تتعلق بسلامة الكيان التونسى " . فما هو اذن مفهوم الاصالة في نظر الاستاذ مزالى ؟ وما هى مقوماتها ؟ وكيف يتم تركيزها ؟ وما هى القضايا التى قد تنجم عنها ؟
أما الاصالة فهي التمسك بالمقومات الاساسية للامة التونسية التى تطبعها بميزة خاصة تبرز من خلالها ذاتيتنا . وضمن هذا المفهوم تندرج مسألة الأصالة لتشمل بدورها قضية التعريب
وأما المقومات التى تنبني عليها الاصالة التونسية فهى التاريخ واللغة والدين والثقافة وتتلخص فى بناء شخصية تونسية ذات حضارة مميزة ووحدة قومية صماء .
ويرى صاحب " مواقف " ان لهذه المقومات أبعادا تتصل بالماضى وتعتمد عليه لتدعم الحاضر ، وتطمح منه الى المستقبل اذ يقر الاستاذ مزالى بوجود " جدلية حضارية بين الماضي والحاضر والمستقبل " فهل نظفر اذن فى ماضينا بأصالة تونسية ؟
يعود كتاب مواقف الى الامس مستشفا منه مقومآت الذاتية التونسية فيتعرض إلى محاولة المستعمر القضاء على تلك الذاتية بتشويه تاريخنا والحط من قيمة ابطاله وطمس بعض مواقعه وبزعزعة الوحدة القومية واسعار نار الشقاق فى صفوف الامة ، وبما شنه في حملة التجنيس وتخدير الشعب بفاسد العادات ، وبفرنسة البلاد اطارا وادارة وتعليما .
الا ان الامة قد تصدت لمقاومة هذا التيار فحرصت الحركة الوطنية على صيانة اصالتنا بتنقية الدين مما علق به من شوائب وبالمحافظة على العروبة واللغة
القومية ، بل ان شكل المقاومة كان يتخذ احيانا صبغة سلبية تتمثل فى انكار كل ما يصدر عن المستعمر حسنه وقبيحه كالابقاء على الحجاب باعتباره خاصية مميزة لاصالتنا فكانت المحافظة على مثله رد فعل نفسانى تعصبى
وهكذا يرى الاستاذ محمد مزالى انه " رغم ما قد يقال عن تعصبنا أو سذاجتنا فقد كان موقفنا منظورا اليه من زاوية خاصة - ايجابيا لاننا كنا بفضله فى مأمن نسبى ، والحق يقال ، من عملية الغزو الثقافي والهضم الحضارى "
هكذا اذن نظفر في الماضي باصالة تونسية رغم الاخطار المحدقة بها . فهل تواصل نفس الشعور فى حاضرنا ؟ وما هو مدى انسجامنا مع الماضى وكيف تبنى الاصالة حاضرا على الاصالة ماضيا حسب الجدلية الحضارية التى يؤمن بها المؤلف .
تناول كتاب مواقف أسس الاصالة بالدراسة على ضوء الماضى قصد الاتعاظ به لتفهم الحاضر " مع تجاوز ما فى هذا الماضى من مؤثرات سلبية ، دون جهله والتنكر له "
وعلى هذا الاساس ، وانطلاقا من هذا المفهوم للماضى يجب العناية بالتاريخ التونسى قديمة وحديثه واعادة النظر فيه باعتباره احدى أسس الذاتية التونسية " يغذى الاجيال اللاحقة بمآثر الاجيال السابقة ويدعم الروح القومية ويوطد العروة الوثقى بين أبناء الوطن الواحد "
وانطلاقا من نفس المفهوم يجب ادراك الغاية من احياء الاعياد الوطنية والدينية والمواسم ، واستغلال تراثنا وثقافتنا السالفة حتى تتأصل الحضارة التونسية . وداخل هذا الاطار تندرج قضية التونسة وأول الاركان التى تعتمد عليها : التاريخ . ففي مواقف " دعوة ملحة الى الاعتزاز بتاريخنا وتمجيده وتنقيته مما الحقه به أهل الحقد والاحتقار وصيانته من التشويه من قبل من تعصبوا عليه لان فى تاريخ تونس ما يبعث على الاعتزاز بأصالة عريقة نستخلص منها أجلى العبر " لمزيد التعرف على أنفسنا " ولهذا يدعو الاستاذ مزالى دعوة صادقة الى تونسة التاريخ تأليفا واطارا وتعليما لمزيد العناية به واعادة النظر فيه للاقتداء بأبطاله ولاسترجاع الوازع القومى ، والنزوع به الى الموضوعية
الا ان السؤال الذى يتبادر الى الذهن هو كيف يتم التوفيق بين الموضوعية فى النظرة الى التاريخ وبين الاعتزاز به ومحبته ؟ وكيف يمكن التغلب على
الذاتية التاريخية اذا ما انطلقنا من فكرة الدفاع عن تاريخنا ضد من تعصبوا عليه ؟ الا نخشى أن ينقلب رد فعلنا تعصبا للتاريخ ؟ خاصة وان المؤلف يقر بأن " التاريخ مهما كان موضوعيا فهو مصبوغ بالقيم العليا التى تؤمن بها الشعوب ، مشحون بتصوراتهم للوجود " فبودنا اذن لو يحدد لنا الاستاذ مزالي هذه الموضوعية التى نعيد بها دراسة تاريخنا والى أى حد نظفر بها ؟
وان سعينا الى الموضوعية فى التاريخ فكيف يمكن غرس روح الاعتزاز بتاريخنا فى نفوس الشباب المتعلم والحال ان كثيرا من المدرسين الاجانب يعلمون شبابنا هذا التاريخ ؛ أتراهم يتناولونه بالموضوعية التى نريدها ؟ لا/ أدرى كيف سينصفون هذه الموضوعية وهم يلقنون أطفالنا فترة حساسة من تاريخنا الا وهى الحركة الوطنية ؟ كيف ننتظر من الاجنبى أن يتحلى بالموضوعه بمكان فيتنكر لنوايا المستعمر الذى هو فرد منه ؟ اسيننظر الى المقاومة الوطنية باعتبارها دفاعا شرعيا عن شعب مغتصب الحقوق ، بل أليس وجود هذا الاجنبى فى حد ذاته - اليوم - ظاهرة من مظاهر الاستعمار الثقافي ان لم نقل الايديولوجى ؟ أليس الاجنبى فى الجامعة هو الذى يتتلمذ عليه طلبتنا ثم بتخرجون للتدريس بالمعاهد الثانوية فنخشى ان يكون البعض منهم تلامذه " بررة " لاساتذتهم فى كيفية معالجة قضايا تاريخنا ؟ وكم من هؤلاء الاجانب من نظروا الى الفتح الاسلامى باعتباره احتلالا واللاستعمار الفرنسي باعتباره حماية وتثقيفا والى المقاومة الوطنية باعتبارها تخريبا .
وانى اذ أضع هذه القضايا على بساط النقاش لا انعصب للتونسي متحاملا على الاجنبى بوازع جنسى وطني مجحف ، ذلك أن التاريخ مادة حساسة تدريسه يبقى رهين نظرة مدرسه وتكييفه فيشوهه أو ينصفه أو يحرفه وليس هو كالعلوم الصحيحة التى لا ضير ان درسها الاجنبى
ولعل ما أشار اليه الاستاذ مزالي من ضعف الوازع القومى والغيرة والتنكر للاصالة ، مأتاه مثل هذه القضايا ، ولذا فلا يجب وصف الداء دون البحث عن اسبابة . فرغم جهود الحزب ووسائل الاعلام في التعريف بحقائق تاريخنا يبقى تأثير تلك الدراسة الذاتية الاجنبية الصق بجيلنا . والى جانب التاريخ يتعرض كتاب مواقف الى الركن الاساسى الثاني الذي تنبني عليه التونسة ، وهي اللغة القومية " فقضية التعريب لا يمكن ان تثار الا فى اطار التونسة " ويبحث الاستاذ مزالى فى هذا الموضوع من خلال الماضي والحاضر والمستقبل فيؤكد " ان امتزاجنا بالعرب والمسلمين لم يكن امتزاجا لغويا فحسب بل هو امتزاح روحى ومصيرى " ويرى " ان اللغة ليست مجرد أصوات وألفاظ بل هى الوطن
العقلي والاطار الوجدانى والركن الركين للشخصية الوطنية والعنصر المتين للذاتية القومية . . وان لغتنا العربية التى يجهلها بعض ضحايا الاستعمار الثقافي ويحتقرها البعض الآخر غرورا وتشبها بالغير ليست أقل قدر قدرة من اللغات الاخرى . . انها من اوثق الروابط التى تربط بين الابناء والآباء وعن طريقها نتصل بماضينا فهى ضمان الوحدة القومية . . . "
من خلال هذا تتجلى غيرة المؤلف الصادقة على اللغة القومية الا انه ينعى فى مواطن أخرى من " مواقفه " على العربية نقصا فادحا في الادارة والتعليم أمام طغيان الفرنسية . لكن السؤال الذى يعرض نفسه هنا هو : لم التذمر من آفة الغلو فى استعمال الفرنسية على حساب العربية والحال ان سيادتنا صارت بأيدينا ؟ وان آمنا حقا باللغة العربية ركنا من أصالتنا فما الذى يمنعنا من التعريب المرحلى على الاقل ، أو حتى من تعديل نسبتتى اللغتين ؟ وان اعتبرنا اليوم قضية التعريب قضية زائفة ( وقد تكون فعلا كذلك ) فما الذى نخشاه من الازدواج اللغوي ؟ . وان اقتطفنا فقرة من " مواقف " حول هذا الموضوع وهى " ان التعريب لا يعنى حذف اللغات الاجنبية وليس هو عملا رجعيا وليس كل المنادين به من المتعصبين . . . الا ان هناك ميادين يمكن تعريبها حالا " نطرح هذا السؤال ما هى هذه الميادين التى وقع تعريبها حالا ونحن قد مضي على استقلالنا 18 سنة ؟
فكيف يرجع صاحب مواقف عدم تحقيق ذلك الى " اجتهاد الافراد " أو " لنتيجة ارتجالهم أو غفلتهم الشخصية " فان وثقنا بأن التعريب جزء من التونسة وان التونسة " قضية مصيرية " فكيف يمكن أن توكل أمور مصيرية الى " الاشخاص " ؟
كيف يمكن اللوم على الشباب الذي نعته المؤلف بأنه " يعاني اليوم ازمة حضارية وأخلاقية ويشكو جروحا عميقة فى تكوينه الروحى " فى حين ان هذا الشباب وجد فى دراسته باللغة الفرنسية لجل المواد ما يشده الى هذا المرض فيتنكر للغته ويحتقرها .
ولئن تفاءل المؤلف بتدارك هذا النقص بعد اصلاح التعليم فان المشكل لا بزال قائما والا فكيف يعقل ان تخلو شهادة قومية ( هي شهادة الباكالوريا للعلوم والرياضيات والعلوم الاقتصادية ) من مادة العربية وآدابها
وما يلاحظ هنا يلاحظ في مجالات أخرى من الحياة كالادارة ووسائل الاعلام
والثقافة فان لم نؤمن بالقضية حق الايمان فان ما نقوم به من أسابيع التعريب لا يعدو أن يكون مظهرا فلكلوريا لا يزيد شبابنا الا تعقيدا وازدراء باللغة القومية . فليست العبرة بما نخوضه - نظريا - فى هذه " الاسابع التعريبية بل العبرة بمدى تطبيق ما نؤمن به فى بناء التونسة الحق
ونحن لا نشك فى أن الكثير منا تلقوا ثقافة أجنبية صرفا وان التعريب المطلق مغامرة ، لكن مع مراعاة هذا الواقع يجب مراعاة الممكن أى اقرار الازدواجية على قدر التعديل من هذا الافراط فى الفرنسية ولكن أين نحن من هذا الممكن حتى نجنب شبابنا التذبذب النفساني ؟
- تلك هى أهم قضايا التونسة والاصالة ركزتها على التاريخ والتعرب أما التعرض الى بقية المقومات الاخرى فيطول شرحه ونكتفى بالاشارة إلى مفهوم التفتح كما جاء فى هذا الكتاب فالاستاذ مزالى ينكر " أن تكون القومية تعصبا وضيق نظر " ويؤمن فى المجال الثقافي " بتقدير القيم العليا لسائر الشعوب حق قدرها " مع " عدم التسليم بوجود ثقافة أجنبية واجبة التفوق " ويكفر " بالتفتح الزائف " والموضوعية المريضة " ويقرن الاصالة يتفتح على الخارج في ميادين الثقافة والعلم والتكنولوجيا الحديثة اذ ان " حياة الافراد والجماعات جدليه متواصلة بين ماض قابل للاستيحاء وحاضر متفاعل متحرك ومستقبل يجب ان نواجهه دون وجل بروح المعتزين بأنفسهم المتحلين بعقبيدتهم والمتفتحين على أسمى والطف وأزكى ما يكون فى العلوم والفنون " و " الاتصال يدل على القوة والانعزال علامة الضعف والتقهقر "
فما هو المدى الذى وصلنا اليه من هذا التفتح السليم وكيف يكون التوفيق فى نظر الاتستاذ مزالى بين الشعور بالوحدة القومية الاصيلة والتفتح على جيراننا من بلدان المغرب اذ فى كتاب مواقف ما يؤكد أن تونس تربطها بهذه البلدان صلات روحية ولغوية وتاريخية وجغرافية ومصيرية واحدة والى أى مدى ندرك أن تونس ليست " فرعا من أصل " فى حين أن صلات روحية تربطنا ببعض البلدان وصلات ثقافية اقتصادية تربطنا بأخرى شرقية كانت أم غربية ؟ .

