الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الاطار الجغرافى فى تاريخ الجزائر ،

Share

لا شك أن على مفكرى المغرب العربى الكبير واجبات فكرية متنوعة ، أهمها فى رأيى "التزامهم " نحو وطنهم العزيز . وهذا الالتزام متنوع هو أيضا . ومن تلك الواجبات كتابة تاريخ - جدى لا هزلى ، علمى لا " أدبى " - تاريخ عام للمغرب الكبير . وهو واجب لم أسمع أننا نوينا الشروع ولا حتى التفكير فيه . وهو مشروع سهل ميسور ، لانه سيكون حتما ثمرة المشاركة بين عشرة أو عشرين من العلماء المفكر ين ، المختص كل واحد منهم فى فترة من فترات هذا التاريخ الكبير . ولكن لا يكفينا أن نكتب هذا التاريخ ، بل علينا أيضا أن نفسره ( 1 ) ، وأن نستخرج لبه ، وأن ندرك قواه الغامضة . ومن حسن الحظ ان نملك فى ابن خلدون ، فكرا نيرا ، حاول وهو على عتبة العصر الوسيط متقدما نحو العصور الحديثة - أن يكشف أساس قواعده ، فضمنها فى مقدمته .

ولكن الوقوف عند ابن خلدون ، خطل فى الرأى وعجز فى الفكر .

فلقد وجد فى عصرنا هذا ، علماء أجلاء ، حاولوا هم أيضا تفهم هذا التاريخ ، بعضهم بحركة البحث العلمى النزيه كفرنان برودال وروح انسانية نهتف لها ، وبعضهم تغلبت ، Fernand Braudel عليهم النزوات الاستعمارية وحب الهيمنة . ومن هؤلاء اميل فيليكس غوتى E .f Gautier فى حقل التاريخ . ولا شك أن الاستاذ فيليكس غوتيى بمؤلفاته القوية ( 2 ) ، رغم طعناته المتعددة فى كرامة ت . F . Gautier : Le Cadre geographique de I' Histoire en Algerie , dans Histoire ص 35-193017 et Historiens de ! Alrie . Paris

المغاربة ، وتزيفه أو سوء تفسيره لمظاهر مختلفة من تاريخهم ، هو مرجع هام ، نويت منذ سنوات عديدة ، نقضه ، لانه آسفنى ان أرى العاطفة تغلب عنده العقل ، والتحيز الجنسى يغلب عنده العلم ، فكانت دراسته هذه ، ودراساته الاخرى ، تجمع فى آن واحد الصدف والمرجان , وستطالع معى هذا الفصل فتجد فيه رغم تحيز الرجل الممقوت - درة كريمة ، تخص التاريخ الجزائرى ، واطاره الجغرافى ، أرجو لو ينبرى أحد المؤرخين الجزائريين ، فيرد عليه , ويظهر فى آن واحد محاسنه وعيوبه . فأهل مكة أدرى بشعابها . وأهل الجزائر أدرى بتاريخهم من غوتيى . ولكن مزيته فى أنه سمح لنا أن نناقش آراءه وأن نجدد نظرتنا لا لتاريخ أختنا الجزائر فحسب بل لتاريخ المغرب العربى الكبير الكبير ، الذى نرجو أن نكتبه عن قريب .

ان الجغرافية علم ، أو ربما هى ، فى جزء ما ، فن يبحث عن مكانته المعينة وعن حدوده . وبعد ما درسته طيلة ثلاثين سنة ( 1 ) فانى لا أقدر على الجزم بأنى أدركت ادراكا بينا نيراها يعود الى الجغرافية كعلم والى الجغرافية كفن .

فنحن فى فرنسا ندرس الجغرافية فى كلية الآداب ونجمع بينها وبين التاريخ ، بينما هى فى غيرها من بلدان الدنيا ، ان صدقت معلوماتى ، معتبرة كمادة " علمية " : امتداد لعلم طبقات الارض (geologie (وقد تكون كلتا النظريتين غالطتين . ولكن ان لم يكن علم الجغرافية نقطة وصل بين علم طبقات الارض وبين علم التاريخ ، فانى أعترف انى لا أعلم ما هى ، لان الانسان والقاعدة الترابية ) Substratum لا يمكن أبدا أن يفرق بينهما ولقد أنشأنا فى الجامعات كر اسيا للجغرافيا الانسانية ( Gographie humaine) (2) وأخرى للجغرافيا الطبيعية (geographie physiqe) . ولقد أدى انشاء هاته الكراسى خدمات جليلة . ولكنه سيصبح أمرا خطيرا ان ادت دراسة أحد هذين التيارين الفكر نحو الانغزال او اقامت بينهما حاجزا صفقا لايمكن خرقه . ولست اعتقد ان الجغرافية تستطيع ان تكون شيئا سوى الجمع بين هذين التيارين .

جعلته مضطرا أن يخفف من غلوائه وان 29-1028 Revue Historique يخرج بعد عشر سنوات طبعة جديدة منقحة ، تحت عنوان : ، باريس Le Passed de I' Arique du Nord . Les Siecles obscurs du mghrer 1937 ولغوتيى دراسات أخرى منها :

1931 باريس  Sahara et Meurs et coumes des  ، باريس 1938 ويمكن للقارئ أن يطالع فى مقالة الاستاذ ويليام مارسى مجمل الانتقادات التى نوجهها شخصيا اليه .

وان وجدت طالبا من طلابنا يستعد فى نفس الوقت لاجازة التاريخ ، ولا جازة الطبيعيات ، ويضيف اليها متابعة دروس " مدرسة الفنون المسطرفة " - قسم الرسم - فاعلم ان هذا الطالب قد هيئى تهيئة حسنة لدراسة الجغرافيا . انه من اللازم حقا ، ان يملك هذا الشاب مواهب متعددة ولكن وجود هذه المواهب فى شخص واحد ليس بالامر النادر ولا بالشئ الغريب .

واصعب حاجز يعرض لخطاه ، هو الخجل والحياء . يلزم الشباب الجسارة حتى تخرق كل التقاليد العمياء وكل القوانين الحمقاء . فان الشبيبة ، مهما حدثوك عن جسارتها ، فهى ما تزال خجولة حيية ، تحترم التقاليد ، وتبحث عن " التبريز "  ( 1) بينما يلزم أن نسير نحو البحث والتنقيب ) هذه الملاحظات العامة التى صدرت بها دراستى ربما اراها فى غير محلها ، وقد يكون من الطبيعي ان تحذفها من النص ، اسرة تحرير المجلة التاريخية Revue historidue

غير انه لا يشك شاك ولا ينازع منازع فى ان معرفه الارض قد ادت فى شمال افريقيا وفى الجزائر خاصة ، خدمات جليلة لعلم التاريخ ، اكثر من اى بلد آخر من بلدان الدنيا . وهذا يعود لاننا غير مزودين بالالات ( آلات البحث طبعا ) لدراسة تاريخ شمال افريقيا بمناهج تاريخية محضة .

أضف الى هذا اولا ان هذا التاريخ مقسوم على قسمين ، وانه يرتبط بقسمين مختلفين من العلوم لا رابط بالمرة بينهما . فالمؤرخون ذوو الثقافة لكلاسيكية واللاتينية ليست لهم روابط بالمرة مع المؤرخين المستعربين .

فكيف نستطيع ، ونحن فى هذه الحالة ، ان نصور صورة كاملة للتطور ؟ ( التاريخى فى شمال افريقيا ) فالقرون الاثنى عشرة التى تلت سقوط الامبراطورية الرومانية خاصة لا يمكن فهمها ، لاسباب عديدة منها لان علماؤنا المستعربين هم فقهاء لغة فحسب ولم تكن لهم بالمرة الهمة ان يكونو مؤرخين ومنها لان المراجع المعاصرة لذلك الحدث الهام الذى كان انتقال افريقيا اللاتينية الى افريقيا الاسلامية ، فيما يعود الى قرون اعالى العصر الوسيط غير موجودة عندنا . فهذه القرون ( من ال 7 الى ال 12 ) انبأنا عنها ، بصفة اجمالية ، مؤرخون متأخرون جدا ، عاشوا فى القرنى الثالث عشر والرابع عشر . ولنتخيل لحظه ما يمكن ان نعرف عن شرلمانى لوكنا نعتمد لمعرفة عصره على تاريخ وحيز كتبه معاصر لفروا سانfrossart (2) أضف الى هذا ان هؤلاء المؤرخين عرب . ان رينان يتهمنا نحن الغربين ، باننا لانملك

حياة دينية بالمرة . وانه على حق ، ولكن العكس حق ايضا . فان الشرقيين هم ايضا على ضعف فى التاريخ لا يتصوره العقل . وهذا فى الظاهر امر معقول لان الانسان لا يستطيع فى آن واحد ان ينزع نحو المطلق والمعاد ، ونحو نسبية الاشياء فى العالم الواقع . والمؤرخون العرب يمتازون بهذا الطابع العام : انهم لم يحاولوا قط ان يربطوا بين الحوادث ، وان يفهموها , وان يفسروها . فلم يتركوا الا حوادث رزنامية  (1) ولكن هنالك مخالفة باهرة لهذه القاعدة اعنى ابن خلدون ، ذلك الكاتب العبقرى الذى ترك لنا حقيقة تاريخا لشمال افريقيا . ولكنه تاريخ كتبه فى اواخر القرن الرابع عشر, أضف الى هذا ان ابن خلدون ، مهما بلغت عبقريته من القوة مداها ، فهو يملك دماغا شرقيا ، لا يفكر كما تفكر ادمغتنا نحن ( الغربيين ) . فانت لا تقرأه كما تقرأ " تيت ليف " ٦٧٥ -iete live tأو " يوليب " polybeاو حتى " بروكوب " procope . فهو يحتاج الى ان يفسر ، وان يتعرض له بالبحث والفحص . هكذا ترى ان طبيعة هذه المصادر تبعث الخيبة فى نفس الباحث حتى لتستطيع ان تقول ان تاريخ شمال افريقيا الاسلامية تاريخ لم يكتب بعد . (2)

وبينما كان يتعرض المؤرخون لاكبر الخيبات ، كنت ترى اصحاب قيس الارض وطبقات الارض والجغرافية يتقدمون فى عملهم بمثابرة باهرة ناجح فاصبحنا بفضل ذلك نملك اليوم رأيا مضبوطا بينا عن التراكيب الارضية فى شمال افريقيا . ومنذ اللحظة التى اصبحت طبيعة الارض حاضرة فى اذهاننا الارض التى هى مسرح الحوادث التاريخية ، يبدو لى أنه قد أصبح أقل صعوبة من ذى قبل النظر فى الحوادث التاريخية المزدحمة المشتبكة

ولعل اطرف شئ فى كيفية تخيل التاريخ من طرف دماغ شرقى ، هو انه يرى التاريخ - لا فى مفهومه الجغرافى - ولكن فى مفهوم انسانية تناسلية ( " بيولوجية " ) . فالخلية الانسانية والتاريخية فى ذهن الشرقى هى القبيلة والحلف او بمعنى آخر الجنس المتناسل غير الخاضع بالمرة لاية قاعدة ارضية او ترابية . وذلك يعود لانه فى جوهره رحل ، وانه ، من طرف آخر ، لم يتعد فى تطوره مرحلة القبيلة ( 3) بينما الخلية التاريخية البشرية فى ذهننا

نحن ( الغربين ) هى البلد والوطن الترابى ، والامة لا يمكن فصلها عن حدودها ، ويعود هذا الى اننا ورثة المدنية القديمة  iqueCite  (1) فالشرقيون يقولون مثلا " ابن جافت " بينما نقول نحن " الاوروبيون " ونستطيع هكذا ان نعتقد ان هذا الفارق الاساسى بين (2) الدماغين ، الدماغ الشرقى والدماغ الغربى ، ادى الى ان يلقى حجابا كثيثا على تاريخ شمال افريقيا الاسلامية . ولكن ، منذ اللحظة التى ابصرنا فيها بوضوح الجهات الطبيعى والولايات ، ظهر دور كل جهة وكل ولاية تاريخيا ، وبرز للعيان ، وظهر لنا تسلسل الحوادث فى تطورها ، تلك الحوادث التى كانت متشعبة ملتفة فى اليوميات الرزنامية ( التى تحدثنا عنها )

وعلينا الآن أن نؤيد رأينا بأمثلة متعددة :

الاقسام الطبيعية الكبرى :

ادخل اباؤنا ما بين 1830-1840 ، وقد احتاجوا حاجتنا نحن الى " مقولات " بينه ، أدخلوا على الاصلاحات الجغرافية ، فيما يخص الجزائر تقسيما عام فقسموها الى " التل " والى " الانجاد العالية " ولقد بررت البحوث فيما بعد شرعية هذا التقسيم ولو جزئيا .

فالتل tell هو الحافة الشاطئية والتى قامت الانهار فيها ، على جهة البحر ، بنقب وتخريب . . فكانت النتيجة مظهرا جغرافيا  relief كمظاهر بلادنا ، والتمام النواحى حول اودية حسب نظام جعلته مشاهدنا الاروبية مألوفا عندنا .

واما " الانجاد العالية hauts-plaeteaux فهى الارض الجنوبية الواسعة  والتى وزعت عليها الانهار الاثرية على قاعدة وجهة الشط chott  وملاتها ، - فى اعماقها ، فى حدودها المغلوقة - غير قادرة على ان تحمل ما جرفته من التربة نحو البحر . فكانت النتيجة مظهرا جغرافيا متحد الخطوط ، وسهولا لا حد لها وهو امر يبدو لنا ، نحن الاروبيين ، امرا طريفا وهذا التنا قض بين الشمال والجنوب قد استرعى انتاه ابائنا ، لاول نظرة ، والتقسيم الذى قاموا به باق غير ان هذا التقسيم على صدقه ، يبدو لنا غير كاف لفهم

حقيقة الارض الجزائرية فنحن نرى قسمة اخرى ، كبيرة اعظم اهمية من الاولى .

يرى الناظر فى خرائط الجزائر العامة التى وضعتها مصلحة الجيش الجغرافية سلسلة من الجبال تظهر له ظهورا بينا ، لانها تفصل ، اجمالا بين اللون الابيض ( لون الفحوص الكبيرة ) ، وبين اللون الاشهب ( لون الجبال الذاهبة فى الارتفاع مذاهب شتى ) . وهذه السلسلة تشق الجزائر باسرها من بسكرى الى تلمسان . وهى توافق واقعا جيولوجيا ظاهرا ، فحافتها هى  ما سموه " بالهورست "  الجزائرى  horst   وهو يتفاوت فى  Plisements montagneu  نحوه         الصلابة ، قد زحفت التموجات الجبلية فانكسرت عليه انكسارات متفاوتة . وهذه السلسلة الجبلية لم تسترع انظار أى عالم حتى أنها لا تحمل اسما بالمرة . ولقد اقترحت أن نعطيها اسما وأن Chaines du Limes  (1) ، لانها من ادنها الى  نسميها سلسلة الحدود  اقصاها ، تتابع ، فى ضفتها الجنوبية ، الحدود الرومانية Limes

وسلسلة الحدود هذه هى ، المحور الذى دار حوله تاريخ الجزائر . وهى تفصل بين جهتين وتجعل منهما جزائرين مختلفتين بينهما ، كالاختلاف الذى يوجد مثلا بين وطنين اروبيين لو ضما لبعضهما كألمانيا الى ايطاليا مثلا أو الى فرنسا .

وهذا الاختلاف شيء ملموس واقع منذ "ما قبل التاريخ" فالمقاببر السابقة للتاريخ، كثيرة جدا، وهي ليست في هذه الجهة وفي تلك على شكل واحد ولا نمط متحد

وان لم تتجاوز الهيمنة الرومانية ، التى دامت طيلة ستة قرون متوالية ، سلسلة الحدود ، فذلك لانها خضعت لقوانين عميقة قاهرة حقا

وهذه السلسلة تفرق اليوم بين جهتين تختلفان اختلافا كليا فى اساليب العيش . فالرحل الكبار ، اصحاب النياق والجمال يعيشون جنوب هاته السلسلة . اما فى شمالها ، فانك تجد اساليب مختلفة غير متحدة ولكنها على كل حال ليست بأسلوب قبائل الرحل .

واخيرا ، تفرق هاته السلسلة اليوم بين لغتين . ففى جنوبها تمتد اللغة العربية بلا مزاحم ، واما شمالها فانك تلاقي ارخبيلات ملأى سكانا ، وهى تجمع كل ما تبقى فى الجزائر من متكلمى اللغة البربرية ، وعددهم على كل حال يقارب ثلث سكان الجزائر جميعا .

فهى الحد بين الثل وبين الانجاد العالية من طرف وهى سلسلة الليمس من طرف آخر . وهذان القسمان الكبيران يمكنان الباحث من ادراك حدود الولايات التاريخية الكبرى

نوميديا

اقصى ما نعود بالبحث فى التاريخ نجد الانسانية الافريقية مقسمة بين الرحل الكبار ، وبين سكان يتفاوتون فى " الحضر " ولقد فرق القدماء بين " نوميديا " numediaوبين موريطانيا Mauretania

اما النوميد ، numede فهم الرحل الكبار ويمتازون بخاصية  تاريخية اساسية ، هى السيطرة السياسية الناتجة عن نظام عسكرى طبيعى مألوف عندهم : اى يتمتعون وحدهم بالقوة مالم يجدوا امامهم نظاما عسكريا اصطناعيا آخر نشأ عن دولة - والقبيلة الرحلية - دون ان يلزمها اسعداد خاص - هى طبيعة فيلق عسكرى ، خاضع لامير قائد ، هو رئيس القبيلة .

وهذا الحد يمكن أن نطبقه على ماسينيسيا كما يمكن أن نطبقه على الامير عبد القادر .

غير ان هؤلاء الرحل الكبار الذين يملكون مثل هاتة الاهمية الكبيرة فى تاريخ الجزائر ، قد انتقلوا ، منذ العهود القديمة ، عن مرابطهم . فلقد كانت مراتعهم فى القديم شمال هاته السلسلة . اما اليوم فلقد انتقلت الى جنوبها .

ومن السهل ان نفسر كيف حدث هذا الانتقال . وتفسيره يؤدينا حتما الى رسم تطور ارض نوميديا اجمالا .

نوميديا القرطجنية

ان وجود نوميديا القرطجنية ، الرومانية من بعد فى الحدود التى يقدمها فيها التاريخ اى ما بين الأوراس ؛auresوبين قسطنطينة , الى ابواب قرطاج ، له سبب تاريخي معقول . وهذا السبب ، هو وجود قرطاج نفسها . فالقبائل الرحل لا تستطيع العيش بدون مدينة ( مجاورة ) , يعيشان معا عيشة وئام وصفاء ولكنها . احيانا ذو لجب هذه وتلك قطبان متضادان حقا ولكن مشتركتان أيضا . ولقد بعثت قرطجنة ، بوجودها فحسب ولاية نوميديا وكانت العامل الانسانى المكهرب لهذا الظهور الناتج عن تاثيراتها أضف الى هذا ، ان نوميديا ، كأرض ترايبية ، كانت قابلة مستعدة لهذا الظهور وولاية نوميديا القرطجنية ثم الرومانية تتوافق مع ما سماه اباؤنا ب " أنجاد قسطنطينة العالية " ، مقارنين اياها بأنجاد الجزائر ووهران العالية "

وهو تقسيم ساذج بسيط . صحيح ان انجاد الجزائر ووهران العالية ، حين تفوت " الحدود "limes   تصبح انجادا عالية ولكن لا يصح هذا عليها بناحية قنسطنطينة حين تتجاوز شمالا " الحدود " . فهى فحوص مرتفعة واودية عالية فهى جهة تكونها الاحواض المغلوقة " والشطوط " وبالتوالى

مطمية ، ومغطاة بالاتربة المجروفة أو بعبارة أخرى فحوص ، ولكنها فحوص ذات حدود. والاتربة المجروفة لم تغط هاهنا قاعدة صخرية ذات ارتفاع متوسط ، او انجاد . بل انها غطت سلسلة جبلية ، هى امتداد لجبال الاطلس الصحراوية ، والتى تبرز لعينك قممها ، هنا وهناك ، على مائدة من الفحوص الملتفة . والاسباب الناتجة عن هذا ، جسيمة سواء كانت مناخية أم بشرية وهى ارض جافة ولكنها اقل جفافا من الانجاد العالية نفسها ، بل تتلقى جهات منها مقدارا سنويا من المطر يبلغ 350 ميليمتر ، وهو الحد الاقصى الذى يمكن ان تقوم معه الحياة الزراعية . وهى ارض مشتركة ، وسيطة بين السهول العارية حقا التى لا يتسنى فيه شىء آخر غير الرعى ، وبين الاراضى الزراعية حقا ومنذ اللحظة التى ندرك فيها طبيعة نوميديا المزدوجة هذه ، فنحن ندرك ان هذا الطابع الجغرافى قد هيمن هيمنة كبرى على تاريخها فان مثل هذه الارض دعوة ملحة لقبائل الرحل التى نراها تتمكن منها كلما ملكت القوة الكافية لذلك . ولقد كانت هذه الارض القاعدة الترابية لرجال كسيفاكس Syphax وما سينيسا Massinissa اللذين وجدناهما ، محنطين داخل معالمهما القبرية ولكن من الساعة التى قامت بها سيطرة روما ، انقلب حال هاته الجهة رأسا على عقب

نوميديا الرومانية

ان هيمنة ذات أسلوب غربى ( هيمنة روما أو هيمنتنا نحن ) لا يمكن لها ان تنتظم مع القبائل الرحل ، ذلك العامل الدائم على حياة فوضوية هذه الهيمنة تصل الى بث روح التفرقة بينهم بمجرد اقامة قواة للأمن ، وبفضل التغييرات الاقتصادية الناتجة عن هاته الاقامة . وهاته التغيرات كانت ميسورة فى هذا البلد المشترك ( بين ارض الزرع وارض الرعى ) الذى اسمه نوميديا .

ونحن اذا ما استثنينا هذا الاسم ، فان نوميديا الرومانية لا تذكرنا بالمرة مع ما كانت عليه نوميديا القرطاجنية فلم يعد بعد وجود امراء كبار القبائل الرحل كمسنيسا . فالسيطرة اصبحت بايدى برجوازية كبيرة مشبع بالثقافة اللاتينية تسكن غالبا مدنا جميلة التى تقدم لنا اليوم تيمغاد Timad صورة منها ( تبسة ، Tepssa ومدور Madaure ) فكانت نوميديا الارض الافريقية التى استطاع الاستعمار الرومانى ان يقيم بها آياته الباهرة وعلى مثل هذا نجح الاستعمار الفرنسى فى القرن التاسع عشر نجاحا كبيرا  هاته الفحوص الجافة ، الوسيطة بين السهول العارية وبين الجهات الممطور طبيعة ، كفحوص وهران والرسو الخ .

ان التاريخ يعيد نفسه ، تقوده فى طريقة الارض الخالدة . ذلك لان البدو الرحل ، الذين يشكلون خطرا كبيرا عند ما تكون بأيديهم الاسلحة.

لا يبدون اية مقاومة اقتصادية فى بلاد آمنة تسهر عليها الجندرمة ( هكذا ! ! )

ولقد كانت جندرمة نوميديا الرومانيا ، كما يعلم كلنا ، اللفيف الثالث 111 legion التى كان يعسكر بلماز lambeze قريبا من تبسة . واما الولايات التى كانت تواجه الاستعمار الرومانى مواجهة ومصادمة اقتصادية ، لا يمكن له التغلب عليها ، فهى الاراضى التى تعيش فوقها ديموقراطية زراعية مكونة من ملاك اهليين صغار ضربوا بعروقهم فى الارض فان بلد القبائل - الذى نملكه - ( ! !) لم يفتح ولو بابا الى الاعتمار الفرنسى فكما انك لاتجد فيه بقايا واطلالا رومانية كالتى تحدها فى بلد نوميديا ، التى لاتصيب فيها هذه الديموقراطية من السكان الصغار والتى لم تعن روما على ظهورها وما اعانت عليه روما فقيام نظام الاقطاع الكبير نظام ترى فيه اقطاعين قليلى العد ، من اصل لاتينى يستغلون الافا من العمال الاهليين . وهذه الطبقات الشعبية كانت الاحقاد الاجتماعية تحركها ضد أسيادها ، وكانت اختلاف اللغات ( كانت الجماهير تتكلم البربرية أو اللغة الفينيقية ) يجعل من أحقادها أحقادا قومية صرفة . وفيما يعود الى الدوفاتيست فان القديس أو غستينيو ( Grecellions والسيركونسيليون Donatistes دون ارادة منه ، قد عرفنا بنزعانهم التى كانت يشكل عدم ، Saint Augustin استقرارها خطرا مداهما لبقاء نوميديا الرومانية .

ولقد حصل ، مع وصول الفاندال ان اختفت الجندرمة أعنى اللفيف ويظهر أنه لم يحل محلها أية هيأة أخرى . فأدت هذه الحالة فى هذا البلد الذى يملك هويتين مختلفتين الواحدة زراعية والاخرى رعيية ، الى رجوع الرحل فيها من جديد .

نوميديا البيزنطينية

من خلال كتب  procope؛ نشاهد جيوش سولومون Solomon البيزنطينية فى اشتباكات مستمرة مع أمراء النوميد الكبار : يبداس yapadas، وأرتاياس orthaas، اللذين بلغ صيتهما ما كان عليه صيت ماسينيسا

ولم يستطع البيزانطيون القضاء عليهما ، فلزمهم التفاهم معهما . ولم تعد بعد نوميديا الرومانية للحياة ، ولكن عادت نوميديا ما قبل الرومان ، نوميديا القرطجنية . وهذه العودة للحياة تفسرها تفسيرا ميسورا طبيعة البلاد نفسها وتجعلنا نفهمها فهما جيدا .

نشأت عن هذا - حسب القواعد الخالدة التى تسير حياة الشرق - علاقات كلها تفهم ، أحيانا بين المدينة القرطجنية الكبرى ) قرطاج ( ، وبين الامر الرحل . وهذا التفاهم نراه مستمرا تماما فى مطلع الفتح الاسلامى .

بدأ الفتح العربى الذى تتخيله ، عند ما تطالع العرض الوجيز فى كتب الدرس ، وقع بسرعة كبيرة ، ولكنه فى الحقيقة قد كان فتحا صعبا استلزم سنوات عديدة . ولم يفز العرب بنصر باهر نهائى ، الا بعد سبعين سنة ، وبعد حروب دامية ، وانهزامات شنيعة تبعها مرة الجلاء الكامل . وذلك ناتج عن الاتحاد الذى جوبه به العرب ، اتحاد - أوثق ما كانت تمكنه البلاد - بين مدينة قرطاجنة البزانطينية التى جندت كل قواها ، وبين الامراء النوميديين ، كسيلة أولا ، والكاهنة من بعده . وهذه الحالة ليست بدون شبه بتلك التى كانت عليها بلاد الغول أيام الميروفنجيين Merovinsiens فقد استطاع كلوفيس بعد أن هبت لنصرته الكنسة المسيحية والشعب الغالو - الرومانى Gallo - Romain أن يوقف تيار الغزوات البربرية الكبرى ، وكسر شوكتها فأسس فرنسا .

ويمكن أن نتخيل - ونحن فى ميدان الافتراض - ان الاتحاد بين قرطاج وبين الامراء النوميدين لو استمر لادى الى نتيجة مماثلة للتى حصلت بفرنسا .

ولكنه لم يدم . فكان كسيلة والكاهنة آخر أمراء النوميديين .

وهذا فى الساعة التى دخلت فيها نوميديا فى عهد جديد من تطورها ، فأصبحت " بلد الشاوية " الذى نراه اليوم . وهذا الطور ليس بالغامض أو بغير المفهوم ان احتفظنا فى أذهاننا بصورة طبيعة البلد .

بلد الشاوية ( نوميديا الحالية )

علينا أن نذكر ، فيما يعود لهذه الفترة ، حدثا تاريخيا هاما ، هو ادخال الجمل فى شمال افريقيا . والجمل سيغير - كما ينتظره الباحث - من طبيعة وقرار الحياة الرحلية .

لقد كان نوميدى ماسينيا راكبى خيل . هم الذين كانوا يربون ويركبون الافراس النوميدية المشهورة فى التاريخ . ولكنهم ما كانوا فى حياتهم اليوم اليومية القبلية يملكون ، كالاجيال التى تبعتهم بعد قرون ، بيت الشعر الكبير المنسوج من وبر الجمل ، الذى يلفونه ويضعونه على ظهور الجمال ، ويحملونه دون مشقة مئات الاميال . لقد كانوا يملكون " المباليا " mappalia وهى أخساس مكونة من غصون الاشجار أو من " التبن " فكانوا فى تنقلاتهم يحملون أسرتهم وآلاتهم فى ما كان المؤلفون اللاتينيون يسمونه " البلوسترا " Plaustra أى عربات يجرها الخيل ، والبغال والحمير والبقر . واذا استثنينا غزواتهم العسكرية على ظهور خيلهم ، يبدو لنا أنهم لم يتمتعوا ، فى تنقلاتهم القبلية من مكان الى آخر ، بسرعة مماثلة لسرعة الرحل الحاليين من أصحاب الجمال . فلم يستطيعو الهيمنة على البلد كما هيمن عليها الآخرون . وبالفعل ، فان أراضى نوميديا ، ان نحن قارناها بالاراضى الواسعة التى يرتع فيها الرحل بجمالهم ، تبدو لنا صغيرة الرقعة ، ضيقة الآفاق ، مخنوقة الحدود .

وجميع المؤرخين متفقون على العصر الذى ادخل فيه الجمل . ظهر فى آخر ايام الامبراطورية الرومانية ، فى طرابلس أولا . ثم انتشر ببطء فى الجنوب التونسى ثم ظهر فى الجزائر الحالية مع الهيمنة الفاندالية والبيزنطينية . والحدث فى ذاته قديم لا ينازع فيه منازع . ولكنه أمر قد غفل عنه الباحثون فى أكثر الاحيان .

ربما لانهم لاحظوه كما يلاحظون الحدث التاريخى ولكنهم أغفلوا أهميته الكبرى ومداه كحدث يمس بالجغرافيا البشرية

فالتغيرات التى أحدثها الجمل فى نوميديا خاصة يسهل اكتشافها ، ويكفينا أن نشير الى ما أصبحت عليه بلاد نوميديا . فلقد صار أهلها " الشاوية " .

وكلمة " الشاوية " معناها " رعاة الغنم " كما يمكن أن نترجمها أيضا   . Transhuants فلقد انحط حال النوميديين من رحالة كبار الى حالة الانتقال " الرعوى " . ففى هذا البلد الذى هو التفافات من الفحوص ترى الرعاة والاغنام ترعى على سفح كل جبل ، قاطعة مسافة قصيرة بين القمة والفحص . وهؤلاء الرعاة يبدون لك كنسل النوميد الاقدمين . وعلى كل حال فهم ما زالوا دائما يتكلمون البربرية ، لغة ماسينيسا . ولكنهم لم يعودوا فرسانا بل هم جبليون مرتجلون ، لم يعودوا يملكون الخيل والمراكب التى مكنتهم فى ماضى الهيمنة على الفحوص . وبالتوالى كانت حالتهم سببا فى تشتيتهم الى قبائل متعددة قليلا الانفار . انهم فقدوا وحدتهم ، فأضاعوا قوة وروح التجمع والتكتل تحت امرة قادة أقوياء أعنى أنهم أضاعوا الوسيلة التى كانت تمكنهم من القيام بدور تاريخى .

هذه القوة وهذا الدور قد أضاعوهما حقيقة ، أمام صدمة الغزاة الجدد ، الرحل أصحاب الجمال ، المتشبعين بحياة الرحل ، وبالتوالى أقوى منهم ( 1 ) ، والذين نجوا منهم ، وقد احتفظوا باستقلالهم الداخلى ، بعد ما أجبروا على النزوج الى الجبال ، أى بعد ما تركوا ديارهم لغيرهم .

وهكذا أصبح هذا الحدث الذى لم يتعرض له العلماء بالبحث مفهوما وهو أمر يبعث الدهشة فى نفسى . فمنذ أيام قرطاج الفينيقية الى أواخر أيام القرن السابع أى طيلة ألف سنة ، ترى نوميديا ، دون انقطاع ، تحمل أو تصبح من جديد الولاية والارض الاهلية الاكثر أهمية سياسيا ( فى شمال افريقيا ) ولكنها منذ القرن الثامن الى يومنا هذا ، لم تلعب أى دور ، بل انها تماما غير موجودة (سياسيا )، وهذا أمر طبيعى بما أنها لم تعد الممثلة للرحل الكبار ، الذين هم فى هذه الولاية ، أهم عامل فى تاريخها ، وأقوى محرك له .

بلاد الجنتول والزناتة cetulie zenetie

لقد أدخل الجمل على الصحراء ثورة مماثلة للتى أدخلتها السيارة على حياتنا المعاصرة . فلقد قرب بين الابعاد والمسافات وغير تغييرا تاما فى أسباب الاسكان والحياة .

وبعد وصول الجمل نشاهد أن الصحراء ، لاول مرة فى تاريخ الشمال الافريقي ، بدأت تأخذ مكانة بارزة . وهذا انقلاب هائل : لقد كانت شمال افريقيا ، الى ذلك العهد ، مفصولة تماما عن جنوبها . ولكن هذا الفاصل ، الذى كان فيما مضى دعة وأمنا ، سيصير أخطر الاسباب على حياة المغاربة . وعلى كل حال ، لقد كان النوميديون سكانا ضربوا بعروقهم فى الارض ، بينما الرحل الجمالة ، الذين سيحلون محلهم ، هم صحراويون . والرحل الصحراويون هم كأسود الصحراء ، ينبغى لك أن لا تتخيلهم مرتبطين ارتباطا وثيقا بالصحراء ولا بالمفازات المقفرة الجرداء . فالرحل يأكلون ويشربون كغيرهم ، ولا بد لجمالهم من الرعى . وأحسن مساكنهم السهول العارية ، يشبعها الطل اشباعا متفاوتا فى جهات الصحراء الشمالية ، وأعالى الجزائر ووهران . وهذه الجهات تكون تقريبا ما سماها الاقدمون يجتوليا getu. ومعلوماتنا عن جيتوليا قليلة

والبرهان هو أن هذا البلد لم يكن يملك أهمية سياسية ، اذ أن روما تركته خارج حدود ممتلكاتها umes . ولكن الحالة ستنعكس تماما .

فالسكان الجدد كانوا قبائل مختلفة ، تحمل أسماء مختلفة ، نجد بينهم مثلا الهوارة التى عرفت باسمهم الهقار  واللواتة التى يسميها بروكوب الذين قتلوا الجنرال البيزانطى سلومون solomon وقبائل أخرى متعددة أدركت فى بعض الاحيان المجد السياسى .

واستطاعت احدى هاته القبائل ، فى عهد متأخر جدا ، أن تهيمن على القبائل الاخرى ، وهى : الزناتة . نرى ابن خلدون ، فى القرن الرابع عشر يغدق اسمهم على كامل الرحل الكبار . وهو أمر فيه يسر ، وأرى من الصالح أن نسمى البلد الذى كان فى الماضى جيتوليا ، ببلاد الزناتة enetle . وحدود هذا البلد العامة ، تبدو للناظر فى جلاء وسهولة ، فهى فى الشرق تضم طرابلس الى الجنوب التونسى : وهذه هى نقطة انطلاقهم فى غزوهم ، ثم يدخلون من مسرب بسكرة الى الجزائر ويمتدون على كل أعالى الانجاد حتى نهر المولوية moulouye ويضم بلد الزناتة فحوص وهران الجافة فيقيم بها عاصمته ، ذلك المركز " الحضارى " الهام : تلمسان قريبا من المغرب ومن الاندلس التى لعب بها أمرء زناتة دورا من أهم الادوار . وهذا البلد يضم كامل السهول ، هذا البلد الذى أخذ مكانة نوميديا ، أصبح محركا للتاريخ : فترى أمراء زنااتة يحتلون المكانة التى كان يتمتع بها من قبل الكاهنة ، وكسيلة ، وماسنيسا .

محركون للتاريخ ، هؤلاء الزنااتة ، الرحل الكبار . ان الامر ليقين وحق ! ولكنه يقين علينا أن نبرزه من دراسة الخريطة الجغرافية ، لانه لا يظهر لنا بالمرة ونحن نقرأ المؤرخين العرب ، انها الفوضى المتزاحمة التى زج فيها المؤرخون العرب أسماء القبائل والسلاطين والمعارك ، والتى تخرج من دراستها مكدودين متعبين ، ولكننا وقد استطعنا أخيرا أن نفرق بين مجموعتين بشريتين ملأتا بقرع سيوفها كامل أعالى العصر الوسيط . فمن جهة نرى القبائل والامراء الزناتيين ، ومن أخرى القبائل والسلاطين الصنهاجيين . ولكى نفهم حقيقة هذا

الامر علينا أن نبرز الحقيقة البشرية التى تختفى تحت هذين الاسمين البسيطين: زناتة وصنهاجة ؟ كل شىء يصير مفهوما منذ الساعة التى وصلنا فيها الى رسم مكان القبائل على الخريطة وعلى الارض .

التطاحن بين زناتة وصنهاجة وكلما أخذنا طبيعة هذه الارض فى الاعتبار ، يظهر لنا بسهولة ان صنهاجة هم هؤلاء الذين نسميهم اليوم " القبائل " أعنى سكان الحضر .

ولقد كان " للقبائل " فى القرنى العاشر والحادى عشر ماضى مجيد ، لان الجنود الرحالة القبائل هم الذين مهدوا للخلافة الفاطمية القيام وفتح مصر .

وهذه حقيقة مطموسة ولكنها جلية عند الباحث . ولقد كان " القبائل " فى بلد  المغرب الكبير وفى الشرق المصرى ، أعضاد السلطة الشرعية . ولقد جعل سلاطين صنهاجة - القبائل الاصليين ، كل قوى جبال " القبائل " العسكرية تحت امرة القيروان التونسية أى تحت امرة حضريين عريقيين فى الحضارة . ولقد كان هذا التلاحم الذى دام قرنا ونصفا زواجا متينا أمينا مثمرا يختلف كل الاختلاف عن الوحدة المفروضة السابقة ، تلك الوحدة التى مزقتها الاحقاد ، وثارت عليها الفتن وصبغتها الدماء والتى كانت الطابع العادى لعلاقات الرحل الكبار " بالحضر " ذوى الحضارة العريقة . ولقد كاد سلاطين صنهاجة ان يؤسسوا بافريقيا ما لم يوجد قبلهم ، وحدة ان لم تكن " أمة " فهى على الاقل " دولة " بكل معنى الكلمة .

ولكن الزنائين كانوا بالمرصاد على الضفة الاخرى من الحدود . تحركهم رغبات ضرورات .

وعلينا أن نتعرض للحقائق العميقة الجغرافية البشرية التى تلقى ضوءا جديدا على تطاحن صنهاجة وزناتة . لقد كان " القبائل " فلاحين ضربوا بعروقهم فى الارض ، يملكون روح الملكية الخاصة ، ومحبة الارض . ولهم غريزة التضامن " البلدى " وحاجة ماسة الى النظام . فهم يشابهون ، من هذه الناحية, الحضريين العريقيين فى التحضر والذين يشعرون ، هم أيضا ، بحاجة ماسة, حيوية ، فى وجود سلطة مشروعة . وعندنا أيضا ( أى فى فر نسا ) تأسست الامة على التضامن بين الفلاحين وبين المدينة ، بينما الرحل الكبار متشبعون بغريزة معاكسة تماما . فهم ، فى أسلوب عيشهم ، شيوعيون ( هكذا ! !) وقساوة حياتهم تجعل الفرد منهم ، يوم المعركة على الاقل ، جنديا باسلا تحت امرة قادته من الامراء . ولكن لا تفتأ نفوسهم فى رغبة ملحة وأطماع مادية لا نهاية لها . والرحل ، سياسيا ، فوضويون ومناقضون للنظام الاجتماعى , يرغبون فى الفوضى التى يقوم سلطانهم بينها وفيها وهم الهدامة ، بل نفاة الحضارة . وانتصاراتهم ليست بالتشييد لان الرحل يهدمون كيانهم ، فى لهيب من الاطماع واللذات المتطرفة غير المتعودة . " فالقبائل " والرحل ، أعنى الصنهاجيين والزناتة ، عاملان وعنصران ضروريان ، قائمان بذاتهما ، لا يمكن أن يفصل بينهما شىء غير القوة (1)

وفعلا ، بعد حرب طويلة كلها انقلابات ، انتصر الزناتيون فى النهاية .

وانتصارهم مجسم على الارض . فعاصمتهم تلمسان ، فى أرض الجزائر ، هى المدينة الوحيدة الاسلامية ( من مدن العصر الوسيط ) التى استطاعت أن تحتفظ بالحياة ، وبأثارها الزاهية التى تحليها كالجواهر ، تلك المعالم ذات الطابع الاندلسى - المغربى .

بينما عواصم " القبائل " - فلنضرب مثلا جميلا ، هو مثل بجاية bougie بنى حماد ، العاصمة الكبرى فيما مضى ، والتى بلغ عدد سكانها مائة ألف نسمة - قد زالت كلها من على وجه الارض ، ولم تعد غير محل درس لعلماء الآثار .

لقد انتصر الزناتيون انتصارهم ، ولكن نتيجة هذا الانتصار لم تؤدهم ، طبعا ، الى أن يؤسسوا دولة افريقية زناتية : لان الرحل لا يعرفون كيف ينظمون دولة . بل كانت نتيجة انتصارهم هذا ، احتضار الحضار المغربية وتسهيل قيام نير أجنبى جديد هو حكم الاتراك .

تعرب الزناتيين

فى عرضنا الوجيز هذا ، أرى نقطة يمكن أن تثير النقاش الحاد لانها ربما تناقض ما سبق لى قوله . ولم نعد نرى اليوم الا آثارا يصعب رؤيتها بل ان الزناتين قد زالوا تماما أو كادوا ، بينما بلد الزنانة ، تلك الارض الواسعة لا تزال أمام أبصارنا ، خالدة لا تزول ، تشقها كذى قبل ، قبائل الرحل الجمالة، التى لم تتغير هى أيضا فى أسلوب عيشها . وما تغير عندهم ، انما هو لغة الكلام . لقد كان الزنااتيون يتكلمون اللغة البربرية ، بينما اليوم على حدود تونس والجزائر ، وخاصة على كامل رقعة الانجاد العالية نسمع كل الرحل الكبار ، دون استثناء ، يتكلمون اللغة العربية ، بل هم يدعون انهم ينحدرون من أصل عربى .

نحن نعلم ان شمال افريقيا تعرضت لغزوين عربيين كبيرين يختلفان بينهما .

أما الغزو الاول فهو الفتح الذى وقع أثناء القرن السابع مسيحى ( الاول هجرى ) قام به جيش منظم بقيادة دولة : جيش الخلفاء الامويين ودولتهم فأقاموا فى المدن دون أى مكان آخر محلات عسكرية ودواوين ادارية أى جنودا وموظفين ، غير متزوجين . فكان هؤلاء مبشرين ومعلمين ودعاة وحاملى بذور حضارة جديدة ,

هم الذين عربوا مدن المغرب الكبير بطريقة المدرسة ، والكتاب ، والادارة ، والتجارة . فلم يكونوا معمرين ولم يكن غرضهم ابدال جنس بجنس (1) واما الاعمار الاسكاني Coloisation de peuplement ، فى المقدار الذى حدث فيه ، لم يكن الا عمل الغزو الثانى الذى جرت فى القرن الحادى عشر ، وهو غزو قامت به قبائل بنى هلال وبنى سليم البدوية . وهاته القبائل كانت خلايا اجتماعية كاملة ، اذ كانت أسر بأكملها . ويدعى الرحل الكبار الذين يسكنون بلاد زناتة القديمة الانتماء الى هاته الغزوة الثانية ينتسبون الى هلال وسليم كاجداد

طويلة فى شكلها الآن

William Marcais : Comment ' Arique s' est arabiise e 1 . Lampgnes من حوليات معهد الدراسات الشرقية الجزائر . الاولى سنة 1938 والثانية 1958 .

- ثم أضاف بالفرنسية قائلا :

- ها هم قد عادوا ، دونكهم .

ثم عاد مرة اخرى إلى وراح يلح على أن أجيبه، لكنى لم أكن أنصت اليه مطلقا وصممت على ان أواجه العذاب مهما كانت ألوانه.

وعند ما ابتعد تقدم الآخرون وقالوا له :

- هل قال شيئا ؟

- كلا ! لم ينفع معه شىء .

وبدأت حصة التعذيب . وكان أحد أعوان البوليس يحرك الآلة المولدة للكهرباء . وتولى آخر امرار الخيوط الكهربائية على جسمى ومن حين لآخر . يقف بها عند الاعضاء الجنسية بطلب من رفاقه . وفى فترات متقاربة يرشنى بالماء لكى لا يبقى أثر للتعذيب ، ولكى يكون التعذيب أشد وقعا على جسمى - كما قالوا ، ولكى يمنعونى من الصراخ كانوا قد وضعوا خرقة فى فمى . وفى مرة من المرات توهمت أنهم أفرغوا الماء على رأسى لكنى عرفت من الضحكات المتعالية ان أحدهم كان يبول فوق شعرى.

وكانت التيارات الكهربائية تمر من خلال جسمى وتهزنى هزات عنيفة ، كما كنت أحس أن القضيب الحديدى يقطع رجلى اربا اربا ، ولم يكن فى استطاعتى ان أتحرك ولا أصيح ، وانما كنت أهتز بدون انقطاع ، واستمرت هذه الحصة مدة طويلة لا استطيع أن أقدرها بساعة أو بساعتين .

ثم فكت قيودى ليعودوا من جديد الى رياضتهم بعد حين . وأقادونى - معصوب العينين - الى بيت مجاورة فى نفس الطابق ، وسمعت أحدهم يقول : - يجب أن نقتل هذا الخنزير . . .

وبعد ذلك مددونى على بطنى فوق مقعد مستطيل ورأسى فى الفراغ لا يستند الى شىء ، ثم قيدوا على طول جسمى ووجهوا الى نفس الاسئلة ، فرفضت الاجابة عنها من جديد ، آنذاك أمالوا المقعد المستطيل قليلا وأغرقوا رأسى فى أناء مملوء بسائل هو خليط من الاوساخ والماء القذر والبول ، فسمعت صوت السائل فى أذنى ولمست حرارته فى أنفى وقال أحدهم :

- لقد طلبت أن تطفئ عطشك ، فها هو الماء ، أشبع منه - وفعلا شربت فى المرة الاولى لاطفى ضمنى الشديد لكنى شعرت بالغشيان وبرغبة شديدة فى القئ ، فلما لمحوا ذلك على أغرقوا رأسى من جديد مرة أخرى فى السائل القذر .

لهم . وينبغى علينا أن لا نعتقد ما ذهبوا اليه لاننا كثيرا ما نصادف فى شمال افريقيا ( رجالا وجماعات ) تدعى أنسابا وهمية . فسلاطين صنهاجة ، حين أدركوا أنهم لا يستطيعون الانتساب الى العرب ، طلبوا لنفسه نسبا حميريا ألم نشاهد ، أيام الحكم الفرنسى ، أسرة المقرانى الكبير ، تلك الاسرة القبائلية, تدعى أنها تنحدر من مهاجرين أصلهم من أسرة أسياد مومورنسى لاMontmorene

لقد جاء هؤلاء البدو من صعيد مصر ، بعد ما قطعوا الصحراء التى لا يمكن أن تقطعها القوافل الا بعسر . ولقد دخل200000 بدوى ، أرض المغرب ، تلك الارض التى كانت تعد عشرة ملايين من البرابرة ، فكان مقدار نسبة الدم العربى بها 2/100 .

ونحن نعرف حق المعرفة الخرابات التى يدخلها البدو على كل بلد حلوا به .

ولقد ضرب هؤلاء البدو بعروقهم ، خاصة ، وبعد لاى ، بالجنوب التونسى ، منذ القرن الحادى عشر : ولربما عمروا هذه الارض فأعطوها طابعهم ، غير أن ابن خلدون ، فى قلب القرن الرابع عشر يقيم فرقا بينا حين تحدث عن سكان الجنوب التونسى ، بين القبائل ذات الاصل البدوى حقا وبين البدو الذين أصلهم من هوارة ، ولكنهم تنكروا لاصلهم ( وادعوا أنهم عرب ) .

نرى من غربى بسكرى وعلى الانجاد العالية ، قبائل زناتة ، وفى وجهة تلمسان ، نشعر أنها سيدة أرضها . وهى تتكلم اللغة البربرية التى تسمعها حتى فى أرباص تلمسان وعند أبوابها : واسر تلمسان وفاس المالكة للسلطان فى ذلك العهد اسر زناتة حقة ، هم ( بنو عبد الواد)  و  (بنو مرين ) .

ومنذ القرن الخامس عشر ، وقد دخلنا فى تاريخ العصور الحديثة التى نرى خطوطها الكبرى ظاهرة كل الظهور ، لا نبصر رغم ظهورها الحوادث العسكرية ، والانتصارات البدوية التى أدت الى انقراض زناتة ، بينما نرى ، بالعكس ، فى ظهور وجلاء ، الحوادث التى أدت الى خروج المسلمين من اسبانيا ، والتى كانت سببا فى ازمة عاطفية دينية اسلامية أدت الى اسلام وتعريب المغرب أكثر مما كان عليه من قبل .

ولقد كان البدو والزناتيون حلفاء طبيعين يقرب بينهم في المراعي وعلى ساحات القتال، اسلوب واحد في الحياة، ومثل أعلى واحد في النهب والسلب وفي نفي الحضارة والهدم، وندرك من هذه العلات، السبب الذى أدي بهم إلى التمازج والتلاحم.

وها نحن نرى أن القبائل العربية فى يومنا هذا هى فى الحقيقة من الناحية لجنسية ، وفى مقدار واسع ، القبائل الزناتية المستعربة ، فهذا افتراض معقول جدا . ولكنه افتراض دون أى مفعوليه حقيقية . فالرحل الكبار مقتنعون الآن قتناعا كاملا بأنهم عرب ، ويعتبرهم سكان الجزائر كما يعتبرون أنفسهم.

فكأنهم كانوا عربا فى الحقيقة . وهذا أدى الى قيام حاجز صفيق بين أصحاب الحضر وأصحاب المدر . تلك الفوارق التى وجدت فى العهد القديم بين المور

ومن حين لآخر كان أحدهم يمتطى ظهرى ثم يعمد الى الضغط على كليتى فأستمع بعد ذلك الى صوت الماء الذى يخرج من فمى وهو يسقط فى الاناء ،

وهكذا استمر العذاب ، وسمعت فى الاخير أحدهم وهو يقول :

- انه شديد المراس ، يا له من كلب !

ثم حلوا وثاقى ونزعوا العصابة على عينى وأمرونى بلبس ثيابى من جديد ، فتمكنت من التأمل فيهم جميعا ، ثم أعادوا الوثاق الى يدى وصعدوا بى فى سيارة نوع - أروند - ثم أعادوا العصابة الى عينى وانطلقت السيارة .

. . وعند ما نزعت العصابة عن عينى من جديد شاهدت نحو خمسة عشر من أعوان البوليس يحيطون بالم . - ويبو - رئيس مصلحة البوليس د . س . ت .

وقد عرفته لانى كنت شاهدت صورة له نشرتها صحيفة - جور دى فرانس - .

وهنا أعيدت على مسامعى نفس الاسئلة من طرف مفتش صفعنى لانى رفضت الاجابة . وبعد ما يقرب من الساعة أو الثلاثة أرباع من الساعة أمر الم .

- ويبو - بأن يقتادونى الى زنزانة تحت الارض ، وكانت الساعة آنذاك الثانية عشر والنصف ليلا . وقضيت الليل فى الزنزانة ، وعلى الساعة السابعة من صباح الغد أيقظونى ، واقتادونى الى مكتب الم . - بيكور - الذى تكدست أمامه الوثائق المتعلقة بقضيتى ، وكان الجلادون الذين تولوا تعذيبى بالامس حاضرين الى جانبه ، بما فيهم المفتش الذى يحسن العربية ، ورغم أنى لم أتناول شيئا من الاكل منذ الامس وان ثيابى كانت تلتصق بجسمى من جراء القىء والعرق الشديد فان الم . - بيكور - لم يفكر فى أن يتهم أحدا واكتفى بأن يسألنى ويستنطقنى من الصباح حتى المساء من غير أن يعطونى شيئا من الاكل وبعد ذهاب الم . - بيكور - كلف أحد بحراستى ولم أتمكن من أن أتناول شيئا من الحليب الا من منتصف الليل بعد ان دفعت ثمن ذلك غاليا الى الحراس .

وتكررت نفس الحصة من الغد ، وكل يوم ، الى يوم11 ديسمبر . وفى يومى 4 و 5 ديسمبر ، حوالى الساعة السابعة صباحا ، التقيت بالسيدة - تيليتى- زوجة عامل مقاطعة - السين - التى جاءت لزيارة الم . - ويبو - بغير شك .

وفى يوم 11 ديسمبر على الساعة الحادية عشر صباحا بلغت حالتى من الاعياء درجة جعلت القاضى يأمر باحالتى على طبيب الوزارة ، فطلب الطبيب أمامى بواسطة الهاتف أن يحتفظ بى للعلاج ، وسلم شهادة بذلك الى أعوان البوليس الذين صاحبونى ، ثم أخذت الى الزنزانة على الساعة الواحدة بعد الظهر . وفى

 mauresوالنوميد ، وبين صنهاجة وزناتة فى العصر الوسيط . فوارق ناتجة عن التناقض البائن والمضادة بين أسلوبيهما فى العيش ، ولكن من اللازم أن نذكر أن لغة واحدة كانت تجمع بينهما . ولكن القبائل والعرب اليوم ليسوا فقط أصحاب حضر وأصحاب مدر ، ولكن جماعتين بشريتين لكل واحدة منهم خاصيات بارزة .

الخاتمة

انه الغرور المحض لو ادعينا فى هذه الصفحات القليلة شرح فترات من التاريخ شرحا وافيا . ولكنه من السهل أن نبرز فى ما اذا تعرضنا بالدرس البعض حوادث التاريخ ، أهمية الطبيعة الارضية ، والى أى مدى تلقى هذه أضواء جديدة ، غير منتظرة ، على تسلسل الحوادث التاريخية . ولقد اقتصرنا على الفارق الاساسى بين البداوة وبين الحضارة ، ذلك الفارق الذى كان لنا الخيط المرشد .

يملك تاريخ شمال افريقيا خاصية ، تصيب بالملل طبائع تفكيرنا نحن ( الغربيين ) هو أنه تاريخ لا يفضى الى شىء . ففى هذه الارض التى تمادى جنسها ولغتها طيلة الفى سنة ، لا نشاهد شيئا سوى تسلسل هيمنات أجنبية : قرطاج ، روما ، الفندال ، بيزنطة ، العرب ، الترك ، فرنسا . وكل وكل فاتح من هؤلاء الاجانب بطرد بدوره ، من طرف الفاتح الاجنبى الجديد الذى يأخذ مكانته . انه تاريخ يعيد نفسه ، يؤدى الى خيبة عامة تثير فينا الفشل واليأس .

ولكننا نستطيع ، فى آخر الامر ، أن نكشف هذا الفشل المتوالى الذى ينتهى ، حتما ، الى الفشل النهائى ، أعنى يمكننا أن نكشف عن التطور العام , الذى وحده يهمنا . ان تطورا يصب فى فشل هو على كل حال تطور يفهمه العقل .

ولكن لكى نصل الى هذه النتيجة ، علينا أن نضع الحوادث فى اطارها الجغرافى ذلك الاطار الذى عجز المؤرخون العرب - وهم مصادرنا التاريخية - أن يروه .

نتيجة لدماغهم الشرقى.

فمثلا ، عند ما يحدثنا أصحاب الحوليات عن الحروب الطاحنة بين قبيلتين ، بين صنهاجة وزناتة ، فالاطوار الغامضة المشتبكة لهذه المعركة لا تثير فى نفوسنا أى اهتمام . ولكن اذا استطعنا نحن ، أن نفرق بينهما وان نعرف ان هؤلاء , بحتمية مساكنهم قوم حضر ، وان الآخرين قوم مدر ، ألا ترى أن التاريخ يتلقى ضوءا جديدا ينيره ويجلى أسراره ؟ ( * )

الساعة التاسعة من صباح الغد اقتادونى الى الكوميسار الذى تلا على - اعترافى - ثم بعد ذلك بيوم أخذت الى مركز التحقيق العدلى وهناك انصبت على شتائم عديدة من طرف أعوان البوليس الذين كانوا يهددوننى بالكهرباء وكان يبدو عليهم انهم يجهلون انى عذبت بعد . وعلى الساعة الثالثة قدمت الى قاضى التحقيق الم . - باتينى - الذى نظر الى شعر لحيتى الذى لم يحلق منذ اثنى عشر

يوما والى وجهى الملىء بالجروح ثم قال لى :

- انك متهم بالمس من أمن الدولة وبمحاولة تكوين جمعية منحلة ، وستذهب الى سجن -فرين -.

فنظرت اليه طويلا ولم انبس بكلمة ، فقال لى :

- ماذا تريد ؟

فلم أجب ، وآنذاك قال للحراس :

- اذهبوا به .

وافترضت ان هذه المسألة ترمى الى اعدادى للاعتراف . وبينما كنت منصرفا الى افكارى اذ قاطعنى صوت الكوميسار يقول :

- يجب ان تعترف الان ، وان لا تنتظر فرار رفاقك

لكنى سكت وانا اهمس بين شفتى - يارب امنحنى الشجاعة الكافية حتى اصمد - آنذاك تقدم نحوى بعض المفتشين ، فوضعوا عصابة على عينى واعادوا الى يدى القيد الذى كانوا انتزعوه ، وسمعت وانا فى طريقى الى المجهول,

الكوميسار يقول :

- لا تنسوا ان مات تحت التعذيب ان تلصقوا ورقة - خائن الجبهة - فى ظهره وان تضعوا الحجر فى رجليه قبل ان تقذفوا به فى النهر .

ونزلنا الدرج الى ان وصلنا الساحة وهناك ادخلت فى سيارة ، سرعان ما انطلقت تجرى ، وكان الوقت ءانذاك حوالى منتصف النهار وعرفت من السكوت الذى صار يحيط بنا اننا خرجنا من باريس ، ودخلنا الى احدى الغابات

وبعد ثلاثة ارباع الساعة تقريبا توقفت السيارة واجتزت وانا ما زلت مغمض العينين ساحة صعدنا على اثرها الى الطابق الخامس وهناك ازيحت العصابة من عيني ووجدت نفسى فى بيت خالية مجردة ، والنافذة الوحيدة الموجودة فيها ، بها قضبان حديدية وكل ما فيها هو بضعة كراسى ومائدتان ، ومسخن  وجدران خربة واجلسونى فوق كرسى ، ووجهى مستدير نحو الجدار ، ثم خرج اعوان البوليس ، وبقى مفتش واحد فقط راح يحدثنى بالعربية قائلا: - انهم يعرفون ان باسكال من هو انت ، ولهذا فمن مصلحتك ان تعترف بكل شىء ، والا فانهم سيمزقونك اربا اربا . ارجو ان تصدقنى فانا ايضا اخوك ثم استمر يلح على فى ان اجتنب التعذيبات واضاف :

- ما فائدة الانكار ما داموا يعرفون كل الحقيقة ثم ان دى غول سيحقق السلم عن قريب فليس هذا هو الوقت المناسب لان تترك نفسك تموت لان ذلك سيكون جنونا لا معنى له .

وتوهم السيد ان سكوتى يبشر بالخير فاقترح على ان يتولى هو بنفسه استنطاقى وبمجرد أن يسجل أجوبتى يقودنى الى قاضى التحقيق صديقه - باتنى - ، كما قال : ولكى يؤكد كلامه جرى نحو المكتب واغلقه بالمفاتيح, قائلا بالفرنسية :

- أغلقت الباب حتى لا يقلقونا .

وبعد ذلك شرع يوجه الى الاسئلة عن علاقاتى مع الكنيسة ، ومع جيرلى ، وكارترون ، والكاردينال لييثار ، والصليب الاحمر الدولى ، ورابطة حقوق الانسان

والمحامين وخصوصا منهم الذين اعترف بعض المسجونين بأنهم أشهر المحامين اخلاصا فى الدفاع . ثم قال :

- ان جميع أحاديث المحامين مع موكليهم مسجلة حقا أنهم أغبياء ، اذن فما عليك الا أن تعترف بما نعرفه . وبهذا ستنقذ حياتك . أفهمت ؟

لكنى لم أجب . فأشعل بكل هدوء سيجارة واغتنمت هذه الاستراحة ورحت أقول فى نفسى :

- لقد سمعت بأن التعذيب بالكهرباء يجعل الانسان عاجزا - وشعرت بالراحة عند ما فكرت انى تركت ورائى ولدا يخلفنى .

وعند ما يئس نادى رفاقه وخرج فأمرنى هؤلاء بأن أتجرد من جميع ثيابى , وعند ما كنت أنزع ثيابى ، على مهل ، كانوا يسلطون على الضرب بالايدى والركل بالرجل ، وفيما بين ذلك دخل اثنان من أعوان البوليس حاملين آلة الكهرباء المعروفة باسم - جيجينى - التى تولد التيار الكهربائى .

وعند ما صرت عاريا من ثيابى تماما ، وضعوا عصابة على عينى من جديد ، وأجلسونى على ركبتى وأوثقوا يدى ورجلى ، ووضعوا قصيبا من الحديد تحت ركبتى . وصرت فى هذه الوضعية لا أستطيع أقوم بأية حركة دفاع ، ثم رفعت من الارض وعلقت فى الفضاء ورأسى الى الاسفل . أما القضيب الموضوع تحت ركبتى ، فقد كان يعتمد من كلا طرفيه على المائدتين .

ثم راحوا يتكلمون بعبارات قذرة يصفون بها وضعى ذلك . ثم وضع اثنان منهم الخيط الكهربائى فى أصابع يدى ورجى اليمينيين - وقال أحدهم سنقيس مبلغ طاقتك قبل ان نتولى تعذيبك .

لكننا سنشرب قبل ذلك كأسا على نخبك .

وسمعتهم يغادرون البيت ، وعرفت ان هذه الفترة أمر مقصود للزيادة فى مخاوفى . وفهمت من السكوت المحيط بى اننى وحيد . وحاولت أن انزلق فوق القضيب الحديدى حتى أقترب من احدى المائدتين ، ولكن دون جدوى أيضا , وحينئذ شعرت بوجود شخص فى البيت ولمست وجهى يد سرعان ما نطق صاحبها ، فاذا هو صاحب الاول المتخصص فى العمل النفسى وعاد يقول لى :

- تحدث ، تحدث بسرعة . وأنا أفك رباطك فى ظرف خمس دقائق ، ان ما بهم مسؤولنا هو علاقتك مع القساوسة ، ومع المحامين ، وسواء كانت لديك علاقات معهم أولا ، فأنت نتعرف ما هو المطلوب منك . تحدث فلا يهمك أمر القساوسة والمحامين ما دمت ستنجو أنت .

اشترك في نشرتنا البريدية