الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الاعدام

Share

قصة

ولخصتك يا حبيبتى فى بضع ثوان . ولخصت عمرى فى قارورة . وكبرت فى عينى الجريمة والصورة ...

لاننى حزين سوف أعبد حزنى ...

الرصيف . الناس . الشارع . عجوز وفتاة . شاب وعجوز . عمارات أشجار شاحبة . أصوات . ساعة كبيرة معطلة . بائع جرائد وكلبه . مقهى مهجورة . فتاة واقفة وحدها . السيارات . الشارع الطويل . رجل . رجل اخر ورجل آخر وفتاة وشاب وكلب وعجوز وسيارة واقفة فارغة وصوت . أصوات . الناس . الرصيف . عجوز وفتاة . أشجار جامدة . ساعة معطلة . الرصيف والناس والشارع والاشجار والمقهى والسيارات والاصوات والرجل واقف واقف واقف ... سيجارته تحتضر ، رجلاه رافضتان ، عيناه حائرتان رأسه علامة استفهام . يداه مزقت الجريدة والجريدة تتمزق تتلوى . الرجل واقف والشارع طويل والساعة معطلة منذ أيام والرصيف مزدحم والرجل واقف واقف وسيجارة تحتضر ...

لاننى حزين سوف أغنى حزنى لم يتحرك الرصيف . لم يبعد العجوز . لم تكف الفتاة عن مداعبة العجوز لم تضمحل العمارات . لم تخضر الاشجار . لم تقف السيارات . لم يخل الشارع . لم تتحرك عقارب الساعة . لم يكف الضجيج . لم يمت بائع الجرائد . لم تعمر المقهى . لم يكف الرأس عن الاستفهام . لم يعد الشباب الى السيجارة . لم تنته اليدان من تمزيق الجريدة . لم تتمزق الجريدة بعد ، والرجل واقف ، يداه تمزقان الجريدة ، عيناه تلعنان الساعة . رأسه حيرة . سيجارته تفنى والرصيف مزدحم والرجلان رافضتان . رافضتان الاصوات لا تزال تصرخ وتصرخ والسيارات تتقدم .. والرجل واقف واقف واقف . واقف .

لاننى حزين سوف أصنع تمثالا من حزنى .

منذ شهر توقف الرجل هنا . نظر الى ما حوله . التقت عيناه بعينيها . أبتسم . أبتسمت . قص حكاية أمسه . قالت انها حزينة وتعبد الحزن وأنها تبحث عن شىء ضائع لها منذ أعوام وأن الناس لا يفهمون قضيتها وانها تركت حديقة ابيها المزهرة وجاءت الى هنا لتلتقى عيناها بعينيه ويسألها عن الساعة وتجيبه بان الزمن لم يعد له قيمة منذ أن رأته وان ساعتها لم تعد تعنى شيئا وأن هذا الضجيج يقلقها والعيون تمزقها والأشياء تضيق من عالمها وأن ربطة عنقه جميلة جميلة كشاطىء مهجور يتمشى فوقه حبيبان لم يلتقيا منذ عشرة أعوام . وحدثها عن جوعه وعن شقائه فى البحث عنها وعن أحزان العالم وعن أمه التى تركته لتفر مع رجل وعن أخته التى تتعاطى البغاء وتزوره فى الشهر مرة وتنام مع أصدقائه وحدثها عن مجموعة طوابعه البريدية التى أحرقها منذ شهرين حين أحس بأنها تافهة وعن مشروعه فى الانتحار . وبكت وضمها اليه ومشيا طويلا فى الشارع الطويل حيث السيارات وحيث العجوز والفتاة وبائع الجرائد والاصوات والساعة المعطلة والناس لا ينقطعون عن السرور ومشيا .. ومشيا .. وافترقا عند الصباح ... وعاد الى الرصيف بعد انقضاء يوم ...

لاننى حزين سوف يكون الحزن كلمتى الاولى والاخيرة . الرجل واقف والشارع يضيق . يقصر . الاشجار تتمايل . الاصوات ترتفع . الناس يقهقهون . المقهى مغلقة . عقارب الساعة فقدت . العجوز يدفعه طفل فى عربة والفتاة تنظر اليه من بعيد وتضحك . الكلبان يرقصان . بائع الجرائد نسى جرائده ويغازل فتاة تمضغ سيجارة . السيارات . السيارات . السيارات الرجل عيناه جاحظتان . يداه مزقتا الجريدة وتمزقان المعطف . رأسه يدور . يدور . سيجارته رماد على الارض . الرصيف مزدحم ، مكتظ . أخته يحملها رجل الى بيته وأمه تنظر من نافذة بعيدة الى آبنها الذى كبر ولم يعد فى حاجة اليها . الرجل ينظر الى الشارع ورأسه يدور . يدور . وذكرى لقاء وكلمات وماض لم يعد يعنى شيئا ...

وتحرك الرجل وغاب الرصيف وضاق الشارع وصرخ بائع الجرائد وسقطت الساعة وتوقفت السيارات وسقط الرجل على الارض وسال دمه على رماد لسيجارة وفتات الجريدة ولم تأت الاخت واغلقت الام النافذة من بعيد وسقط الرجل والساعة معطلة .. معطلة .. معطلة ...

لانه حزين أعدمه حزنه . أيها الحزن ضمنى اليك ! !

تونس 28 - 12 - 69

اشترك في نشرتنا البريدية