مهمة الصحافة المثالية ينبغى ان تكون في آن واحد ، ثقافية تنويرية ، وثقافية تعليمية . . فالصحافة المثالية ترفع الجماهير الى اكمتها ولا تتنزل مطلقا الى الوهاد لمجرد اشباع رغبات الجماهير حتى ولو كانت منحطة مثلا . . ولمجرد الرغبة فى اقتناص الربح المادي من أى طريق
نقول هذا بمناسبة ما قرأته مرارا فى جريدة " العمل " التونسية التى تهدى لنا بعض اعدادها السفارة التونسية بجدة ٠٠
ففي هذه الصحيفة صيغتان عربيتان رائعتان لم ار لهما مثيلا فى الروعة والفصاحة في صحافتنا العربية ولا استثنى . .
هاتان الصيغتان المشرفتان للصحافة تتمثل اولاهما في صيغة : " الاعضاد " بالدال . . بمعنى مساعدى رئيس الدولة ، او رئيس الجمعية او رئيس المجلس . فقد اعتدنا في المشرق العربى ان ندعوهم الاعضاء بالهمزة . . اقتبسا من عباره استعملها الترك ايام حكمهم اقتباسا معدلا او مجانبا للاعتدال من الكلمة العربية : العضو التى يقصد بها العرب جز من اجزاء الجسم
اما كلمة " الأعضاد " في رأيي فانها أولى بالاختيار فى هذا المعنى . . لانه ورد في العربية استعمال " العضد في المؤاذرة قال تعالى : " سنشد عضدك بأخيك " وفي القاموس ما نصه : " العضد : الناصر والمعين وهم عضدى وأعضادى
كذلك الصيغة الأخرى التى اختصت باستعمالها جريدة العمل ، التونسية دون سائر الصحف العربية . . في معنى سياسي كثير الدوران على اعمدة الصحف . . وذلك ما يسمونه " وراء الكواليس " فاني طالما قرات هذه الجملة وطالما اشتد بي الحنق على مستعملها هكذا : ماوراء الكواليس ، دون أي تعديل او نظر إلى وجوب تعريب أو ترجمة هذه الصيغة الطويلة المديدة الاعجمية الثقيلة . . وقد قامت جريدة العمل التونسية فى عددها الصادر فى ٤ المحرم . ١٣٨١ ه بالمهمه ، التى طالما نشدتها ، على خير منوال ينبغي للصحافة العربية في مشارق الارض ومغاربها . . ان تحتضنه وتستعمله رفعا لراس لغتنا العربية الحية التى تسع جميع مستعملات المدنيات
ان يستوعبها بقدرتها الخارقة على الخلق والابداع والاشتقاق . . ففي الصفحة السادسة والعمود الرابع من ذلك العدد تحدثت الجريدة عما إذا كان " هل تصبح طنجة مقرا للأمم المتحدة ؟ " فقالت فيما قالت تحت هذا العنوان :
" افادت الوكالة المغربية للأنباء حسب برقبة لمراسلها فى نيويورك ان مشكلة نقل مقر الامم المتحدة من نبويورك التى اثارها الاتحاد السوفيتي ودول اخرى خلال الجلسة العامة الاخيرة للمنظمة الاممية هى الآن موضوع حديث المعابر ببناية الامم المتحدة بنيويورك " ومحل الشاهد كما يقول النحويون
يتمثل فى جملة : " موضوع حديث المعابر ان صيغه حديث المعابر ترجمة رائعة وقوية وجميلة وسهلة لما تعودت الصحف العربية ان تسميه " حديث ما وراء الكواليس " . وصيغة المعابر بالذات ترجمة دقيقة لصيغة " الكواليس "
فهل لصحفنا السعودية خاصة والعربية عامة ان تلتزم هذه الصيغة العربية الرشيقة بدلا من الصيغة الإفرنجية التى يجانب استعمالها الذوق العربى ، ويبقى وصمة فى جبين لغتنا الفيحاء ، بانها لم تستطع مسايرة الحضارة الحديثة فيما توجده من تعابير مختلفة الشكول والإلوان
