الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الاقطاع والاشتراكية فى الاسلام

Share

قد يبدو من التناقض البين ان اتخذ هذا العنوان سبيلا لهذا الموضوع ، مع انى اعتقد ان الاسلام كان خلوا من الاقطاع والاشتراكية او يكاد ، وانما الذى دفعنى الى سلوك هذا السبيل الادعاءات الاخيرة التى ظهرت وتوحى لنا بان الاسلام يدعو الى الاشتراكية او ان النبىء الكريم كان اشتراكيا فى اصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية . او من ناحية اخرى ان الاسلام شجع الاقطاع ودعا اليه وترك على الحبل القارب لاصحاب الاموال الضخمة والملكيات الواسعة فى الثراء الفاحش ويبدو لنا من الواضح ان اصحاب هذه الادعاءات ارادوا ان ياتوا لنا فى ابحاثهم بالجديد فكانوا ان تخطوا سبيل الرشاد . وكنت احسب ان الذين يحملون شهادات علمية راقية تمكنهم هذه على الاقل من سلوك الطرق العلمية الصحيحة فى ابحاثهم واستنتاجاتهم وتجعل لهم ادراكا خاصا بالحقائق يبعدهم عن السطحية .

ويبدو لى ان جميع هؤلاء الذين يروجون هذه الادعاءات انما يبغون انتهاج سبيل التفسير المادى للتاريخ وهى الفلسفة الاجتماعية التى اوجدها كارل ماركس ، وفردريك انجلز لتفسير طبيعة الحكومة ونشوئها واهميتها من جهة ولتفسير تركيب المجتمع من الناحية السياسية والاقتصادية من جهة ثانية ولتفسير التاريخ وعوامل حدوثه من جهة ثالثة (1) فالذين ادعوا اشتراكية الاسلام ارادوها مرحلة حتمية يفرضها التفسير المادى للتاريخ وهى مرحلة الاشتراكية - حيث تكون وسائل الانتاج ملكا للحكومة وتنتفى بذلك الملكية الخاصة وتزول الارياح الفردية الكبيرة الخ . . . اما الذين ادعوا ان الاقطاع كان موجودا فى فترة معينة من تاريخ الاسلام - فهم من جهتهم ايضا ارادوها مرحلة حتمية من المراحل التى مر بها الاسلام اثناء تطوره من الناحية الاقتصادية ومعلوم ان مرحلة الاقطاع في نظر اصحاب التفسير المادى للتاريخ ارقى بكثير من مرحلة العبودية او عبودية الارض . وهكذا يتجلى فى كل مرحلة من مراحل هذه الحتمية التاريخية المادية تغير فى وسائل الانتاج يتبعه حتما تغيير فى نوع العلاقات الاجتماعية السائدة ولكن ليسمح لى هؤلاء واولئك ان لا يغالطوا انفسهم اكثر من مغالطة المستشرقين لنا فى هذه الادعاءات فان دعوة الرسول الاعظم الاولى لم تكن احتجاجا على سوء توزيع الثروة عند ما استهدفت اغاثة المنكوين والضعفاء والفقراء ، وانما كان واجبا انسانيا ضروريا ولم يتطرف الاسلام فيه لجعله قريبا من الاشتراكية الحديثة ، كما ان الصدقات كانت اقل من ان تطفئ الراسمالية او تخلق الاشتراكية (2)

وعلى هذا الاساس قاومت قريش الرسول مقاومة شديدة لعمله الانسانى هذا وان كانت اسباب هذه المقاومة كثيرة وعديدة ، ولكن ترجع فى اساسها الى الحرص على المصلحة المادية وان تشكلت بالتشبت بالتراث القديم . فقريش كما نعلم كانت قد سيطرت على امور مكة والكعبة ، واسست حكومة او لجاركية OLIGARCHY ( حكومة الاقلية الممتازة ) من طراز تلك الحكومات التى عرفتها مدن ايطاليا فى العصور الوسطى ومدن فينيقيا فى العصور القديمة فاصبحت مرهوبة السلطان قوية الجانب عند القبائل الاخرى . وبيدها كانت سدانة الكعبة ورفادتها وسقايتها ورئاسة الندوة وحلف الفضول وقيادة الجيش فلا عجب اذا ما تمت لقريش الزعامة على القبائل الاخرى . وقد ادت هذه السيطرة السياسية الى سيطرة قريش الاقتصادية ولما كانت مكة تربة لا تصلح للزراعة اتجه اهلها للتجارة خاصة وقد ساعدهم الموقع على ذلك . وجنت من وراء ذلك ربحا وفيرا تمثل فى تلك الطبقة من الاثرياء امثال ابى سفيان والوليد بن المغيرة وعبد الله بن جدعان الذى اتجر بالنخاسة . ولم تكن هذه الثروات التى تدفقت على سادة قريش قد جمعت كلها بطرق شرعية . فان قريش وهى المسيطرة على زمام الحياة الاقتصادية والمتصرفة باحوال السوق والاسعار قد لجأت الى وسائل لا يقرها - الضمير الانسانى - لزيادة ثرواتها . فعلاوة على المتاجرة ببنى الانسان ، ومعاملة العبيد معاملة دون معاملة الدواب والبهائم ، اشتغل التجار بالربا الذى بلغ احيانا حدا فظيعا لم يتح للمدين ان يسدد دينه ، فترتب عن ذلك ان فقد كثير من الفقراء حريتهم وغدوا عبيدا مسترقين . وهكذا نستطيع ان نقول بان فئة قليلة من الناس سيطرت سيطرة تامة على شؤون المجتمع المكى ومقدراته ، وحكمت حكما اوليجاركيا واضحا . فلا نعجب اذن من مقاومة قريش لمحمد ، لان الدعوة الى الوحدانية معناها هدم الاصنام مصدر ثرائها ورخائها ومعناها انفضاض القبائل عنها وفقدانها التنفذ الاقتصادى والاجتماعى والسياسى جميعا . وعلى ضوء هذه الحقيقة يجب ان نفسر تلك الاضطهادات التى نالت المسلمين الاولين .

يتضح من كل هذا ان الاسلام وقف موقفا صلبا مع هؤلاء المتنفذين واعلنها حربا شعواء على الاغنياء الذين ينفقون ولا يعطون الفقراء ويكنزون الذهب والفضة يضاف الى ذلك ان الاغنياء كانوا من اشد المقاومين للاسلام وقد اشار القرآن الى عدد غير قليل من هؤلاء الذين قاوموا الاسلام واوعدهم بالعقاب الشديد هذا الى ان الاسلام اقر جمع الثروة ولم يهاجمها اذا كانت آتية عن طريق مشروع كما ان كثيرا من المسلمين الاول كانوا انفسهم من الاغنياء والتجار فاين هى الاشتراكية فى الاسلام ؟ ! ويلاحظ ان الاشتراكية مذهب اقتصادى اما الدين الاسلامى فى الادوار الاولى من الدعوة فهدفه بالدرجة الاولى روحى دينى . ورغم ان الدين الاسلامى قد اباح جمع الثروة الا ان هذا لا يدعونا ان نقول : " ان

الاسلام اقطاعى والقرآن ناصر الاقطاعية والرسول اقطع القطائع الواسعة كذلك خلفاؤه جروا على سنته فى الاقطاعية " (3)

ذلك انه ليس هناك ما يجزم به مثلا من ان عرب الفتوح فى زمن الخلفاء الراشدين كونوا طبقة من الاقطاعيين او الارستقراطية الحاكمة التى تمتعت بحقوق وامتيازات لم يشركوا معهم فيها الموالى . ولكن الحقيقة ان اكثر المتحولين الى الاسلام من الموالى لم يكن هناك ما يدعوهم الى الضيق او الشكوى ، كما ان غير هؤلاء كانوا اداة فعالة فى يد اى افاق من الخوارج او الشيعة يجمعهم حوا لتحقيق مرام سياسية ممنيا اياهم بالمساواة بالعرب فى سجلات العطاء (4) وعلى هذا كان فى الاسلام نظام سياسى واقتصادى اعفى الناس من الاقطاع الغربى بمعناه الاصطلاحى التاريخي وهو " تلك التجربة العملية التى فرضتها الحوادث على المجتمع الاوروبى لتستعيض بها عن الحكومة المركزية البعيدة عن متناول الجموعات ابتغاء الحصول على قسط من الامن " ونحن نعلم ان الاقطاع الغربى قد لامس المجتمع الاسلامى الشرقى فماذا كانت النتيجة ؟ يقول E . BARKER كانت سوريا اثناء القرن الثانى عشر مركز العلاقات بين  المسيحية والاسلام فى شرق بحر الروم ، ومن هذا المكان استطاع الاسلام ان يؤثر فى المسيحية بضغطه على الدولة الاقطاعية وما كان يحدثه هذا الضغط من وقع فى الغرب "

هذا فى رايى حقيقة الاسلام من الاقطاع والاشتراكية وما على الذين يرون تقيص هذا الا ان ياتوا بشىء جديد بعيدا عن المغالطة وحب الظهور .

اشترك في نشرتنا البريدية