الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

الاقليمية فى الادب

Share

الاديب الحي - هو الذي ينبض بحياة اهله وينقل احساسهم ويردد شعورهم ويسمو مع مطامحهم ويسير مع كل حالة من حالات اهله والمحيط الذى يعيشون فيه حسب تجدد تلك الحالات وتطورها . وذلك هو اصدق الادب واقربه الى الحقيقة وامكنه من التاريخ وهو ادب تغذيه العواطف والعقول ويركزه الزمان والمكان وتخلده الذكرى وهذا النوع من الادب هو الذي حفظ حلقات سلسلة الحياة نذ العصور الواغلة فى القدم حتى الآن يستعرضها الجيل بعد الجيل ويطالع فيها المتأخرون صورا صادقة حية من عقول الاجيال الخالية وما كانت تعتلج به نفوسهم من احساسات وشعور وما يمتازون به من تقاليد وعادات ، ويحافظون عليه من مفاخر وتراث وامجاد . ولو فقدت هذه الحلقات من السلسلة كانت حياة كل جيل تتردى بعد انقضاء امدها المحدود فى هاوية سحيقة من ظلمات الماضي فلا يرجع صدى ولا تعود ذكرى ولولا هذا النوع من الادب كانت الحياة فى كل جيل مثبتة تكتنفها الظلمات وتعبث بها الاوهام . ومتى استعرض الباحث مخلفات الادب العربى يخرج منها بطائل عظيم فهي تنقل الينا صورا راسخة من الحياة الحية الواقعة فى جاهلية العرب الأول يوم ان كان ايمانها بواقعها خير ايمان وكان لا يشغلها عن هذا الواقع اى شاغل فهي لا تتحدث الا عن شئونها المادية التى تعيش فيها وعن حالاتها النفسية التى تلابسها وعن المناظر الطبعية التى تكتنفها وعن التقليد والعادات والمفاخر القبلية التى كانت اقوى اسباب حياتها فهى تقاتل لها وتصالح عليها وتذب عنها وتنادى بها . واليك صورة غدوة يصورها امرؤالقيس صورة من غدوات اهل جيله اصدق تصوير فلا تكاد بعد كل ما مضى من احقاب تنكر هذا الواقع المحسوس المشتمل على الفارس مغتديا قبل الشروق وقد اختلط نور

الفجر بعكار الليل وأخذت الصحراء البعيدة المسالك تنتعش من ليلها الطويل الساكن سكون الموت فتصدح طيورها وتهب نسمات الفجر العليل من فجاجها وتسيل احياءها من انسان وحيوان على وجه الارض وكانك تشهد هذا المشهد الذي يخلده الزمان والمكان واسلوب الحياة وطريقة الاعراب .

وقد اغتدى قبل الشروق بسابح      أقب كيعفور الفلاة محنب

بمنجرد قيد الاوابد لاحه                 طراد الهوادى كل شاو ومغرب

له ايطلا ظبى وساقا نعامة           وصهوة عير قائم فوق مرقب

ويخطو على صم صلاب كانها       حجارة غيل وارسات بطحلب

له كفل كالدعص لبده الندى         الى حارك مثل الغبيط المذاب

وعين كمرآة الصناع تديرها            لمحجرها من النصيف المنقب

له اذنان تعرف العتق فيهما          كسا معتى مذعورة وسط ربرب

ففي هذه اللمحة الشعرية يشعر القارئ انه يعيش فى جيل قوام حياة اهله الغزو والصيد وميدان حياتهم الصحراء بما فيها من صم الصخور وعالى الجبال . واسبابها الخيل العتاق والنجب الاصائل وهذه الحياة التى تصورها مقطوعة قد نجدها ممثلة فى بيت واحد .

كان عيون الوحش حول قبابنا     وارجلنا الجزع الذي لم يثقب

واليك صورة لتلك الميزة التى امتاز بها ابناء الصحراء فى كرم النفس وإ كرام الضيف والمبالغة فيه مبالغة تتلاشى معه شخصية المضيف .

ايا ابنة عبد الله وابنة مالك             ويا ابنة ذى البردين والفرس الورد

اذا ما صنعت الزاد فالتمسى له      اكيلا فاني آكله وحدى

اخا طارقا أو جار بيت فاننى            اخاف ملامات الاحاديث من بعدى

وانى لعبد الضيف من غير ذلة      وما لى الا تلك من شيم العبد

وهذه نفحة من ادب البيت الحرام ادب مكة تفيض بها شفقة ام حنون لابنها وهي تمثل الشعور بقدسية البلد الامين وما يجب له من ادب وتحفظ .

ابنى لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير

ابنى من يظلم بمكة يلق اطراق الشرور

ابني يضرب وجهه ويلج بخديه السعير

ابني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور

الله امنها وما بنيت بعرصتها قصور

والله امن طيرها والعصم تامن في ثبير

ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحبير

واذل ربي ملكه فيها فاوفى بالنذور

يمشي اليها حاملا بفنائها الفا بعير

ويظل يطعم اهلها لحم المهارى والجزور

يسقيهم العسل المصفى والرحيض من الشعير

والفيل اهلك جيشه يرمون فيها بالصخور

والملك فى اقصى البلاد وفي الاعاجم والخدير

فاسمع اذا حدثت وافهم كيف عاقبة الامور

وليس يتسع المجال لاستقصاء الامثلة والشواهد . ودواوين الشعر العربى وكتب الادب زاخرة بهذا اللون من شعر ونثر يعبر ان اصدق تعبير عن حياة جيله . ثم تتطور حياة العرب الجاهليين من وثنية مادية وواقعية محضة ويداخلهم شعور اسمى وروحانية اعلا فتجد في ادبهم صدي ذلك الاشراق موغلا فى الحيرة وانكار الواقع الوثنى ومتطلعا الى الهداية والروحانية العالية قال زيد بن عمرو ) يا معشر قريش ايرسل الله قطر السماء وينبت بقل الارض ويخلق السائمة فترعى فيه وتذبحونها لغير الله ؟ ( فاى دليل مادى اخذه هذا القائل مما حوله ومن اقرب الاشياء الى حسه ليعبر به عن تلك الروحانية العالية التى ينشدها واشبه بهذا قوله .

واسلمت وجهى لمن اسلمت     له الارض تحمل صخرا ثقالا

واسلمت وجهى لمن اسلمت     له المزن تحمل عذبا زلالا

وهكذا تجد من الادب العربى صورا صادقة تمثل كل جيل اتم تمثيل فتصور لك الحياة تصويرا دقيقا تنتقل فيها من شظف الصحراء وبرودها الخشنة واخبيتها الحقيرة وجبالها الصم ووحشها النافر الى رخاء المدن وشفوفها اللينة وحياتها الرضية الناعمة وغزلها الذي يتغنى فيه الشاعر بالحسان ويتنقل من حسناء الى غيرها ويسوق الغيرة فى ركابه وتتعدد مجالس اللهو ويبالغ في تزويقها وتنظيمها ويتغنى فيها بشعر الشعراء وانشاد المنشدين . وتصور المقطوعة التالية لونا من الغزل يمثل روح عصره وبيئته اتم تمثيل :

ولقد قالت لجارات لها ذات يوم وتعرت تبترد

اكما ينعتننى تبصرنني عمركن الله ام لا يقتصد

فتضاحكن وقد قلن لها حسن فى كل عين من تود

حسدا حملنه من اجلها وقديما كان فى الناس الحسد

ولها عينان فى طرفيهما حور منها وفي الجيد غيد

قلت من انت فقالت انا من شفه الوجد وابلاه الكمد

نحن اهل الخيف من اهل منى ما لمقتول قتلناه قود

ولقد اقتصرت فى الاستشهاد من الادب الجاهلى والاسلامي على ابرز نواحيه لان الادب كما قدمنا صورة للحياة يمتد بامتداد اهلها ويتنوع بتنوع شؤونها . ومما سلف يظهر ان ادب هذه البلاد فى عصوره الاولى كان ادبا اقليميا يعبر عن حياة اهله ويعيش بين الصحارى الواسعة والجبال العالية وشعابها المنعرجة ويقبس من الشمس الضاحية والسماء الصافية والنجوم اللامعة فهو ادب اصيل يعين على تخليد البلاد التى نشأ فيها وحياة اهلها ويحفظ لهم صور حياتهم لتتناقلها الاجيال الاتية فتجدبين يديها ثروة متصلة لمن سلف وهذه الحيوية فى الادب تعبر عن تمكن الامة من حياتها وتأصل فطرتها وخلوصها من اوضار التقليد وفناء الشخصية وتحطم الكرامة القومية فالادب الصادق يعيش ككل كائن حي فى فناء الحرية المطلقة حيث يتنفس الهواء الطلق ويصدر عن الطبع الصراح . ويطلق الافكار من عقالها والطبائع من قبورها و لها

وبعكس ذلك ادب الامة التى تعيش ظلمات من الجهالة وحرمان من الحرية ولا تجد من الشخصية الاجتماعية ما يستحق الاشادة والذكر فهي لا تحفل بحياتها بحيث تسجل كل صورة من صورها وكل حس من احساسها وخالجة من خلجاتها ، وليس لها من المسرات المطلقة ما يسمو بمشاعرها الى حد التفنن والمباهاة فهى كاللحاء ملقي على طرف الوادى تنمو الشجر وتزدهر وتظهر عليها آثار الربيع والخريف فتؤتى ثمرها وتشارك الحياة في مهرجانها من كل عام واللحاء ملقي لا يحس بما يمر عليه من زمان وهو اصدق مثل على التجرد والحرمان .

وكما ان الادب مرآة الحياة ينقل صورا من قوتها وتمكنها فانه كذلك ينقل صورا من ضعفها وتبلبلها وحيرتها . ومتى كانت الامة فى حال كهذا فان ادبها ينبئ عن حياتها ، وتطلب المثل فى غير محيطها ، وتتضاءل امام نفسها كما يتضاءل كل شي يخصها فى نظرها ، ويكون ادبها اشبه ما يكون بخليط من نزعات غريبة وافكار غير متجانسة وترانبم متنافرة وهو على عمومه خال من الطابع القومى الذى يردها الى مكان معين وزمان معين وامة بعينها ، وهذه مرحلة الحيرة فى الاتجاه وهي افظع مرحلة تجتازها الامة بافكارها وعقولها فاما ان تتحطم على صخرتها العاتية وتتردى فى هوتها السحيقة وتفقد كيانها الشخصى وتتشبث بمثل لا تتمكن من بلوغها ، وويل لها عند تمكنها من بلوغها فانها تنقطع عن ماضيها وتقضى على افضل شئ فيها وهو استقلالها الفكري والعقلي ، واما ان يهئ لها الله من رشدها ما يبعث مقواتها الاجتماعية ويحي فى نفسها مثلا عالية لمستقبلها ويضئ لها طريقها بالامل الصالح فى النهوض بكيانها وربط اطرافها الحاضرة بماضيها فتكمل الحلقة وتعمل جادة جاهدة على رأب صدعها وجمع شتات امرها وبذلك فانها تبرهن على احقيتها للحياة تغترف منها بسجلها وتدعم كيانها وتخلد لنفسها ادبا يعبر عنها ويحمل طابعها ويحتفظ بمميزاتها الذاتية . والامم كالافراد يحمل كل طابعه فى الخلقة والاخلاق وطرائق الحياة ومتى اندمجت الامة والفرد فى عنصر آخر اقوى منها فانها تفقد طابعها وهيأتها واخلاقها وغير ذلك من جميع ما يعتبر من مقومات

الشخصية ، وانه ليحضر بي تطبيق هذا المقياس على ادبنا الحاضر لنري في اي نقطة نضعه من الدائرة ؟ واية منزلة له بين الاداب القوية والضعيفة والمستقلة والمغلوبة والآداب ذات الشخصية المميزة والفاقدة لها ؟ ولكنى اعتقدان او ان هذه المقارنة لم يحن بعد ، ومتى حان - وارجو ان يكون قريبا - فان ذلك برهان على تصحيح اتجاهنا وتقويم العوج الذي حملتنا اوزاره فرضى الاجيال السالفة وجمودها واضطراب حبل الحياة فيها .

اشترك في نشرتنا البريدية