بجازان
الامانة قاموسها لا كالقواميس : اذ تقل المفاهيم عن استيفاء معانيها . واى مجلد من قواميس اللغة سيكون موضحا لمحتويات مدلول معانيها - إذا كانت السموات والأرض والجبال أبين ان يحملنها - وما ذلك الا لعظم معانيها وجلال سموها وضخامة مسؤولياتها . .
ان كلمة الامانة تحمل المعاني العظيمة التى لو ان بساط الارض كتاب بين دفتيه سطور معانيها ، لكانت تتزل وترتعد وترتجف . . وتتعلثم لو كان لها لسان ينطق بكل مفاهيم الامانة ، والانسان الظلوم لنفسه الجهول بمقدار بحسب المسؤوليات تحمل هذا الثقل الذى لا تدركه قوى الاجسام ولكن تخر منه النفوس نعم تخر لو تدبرت حقائق الامانة . . بيد انك تجد اعظم تصوير لما للامانة من سمو ورفعه وما لمسؤولياتها من ضخامة تجد روائع الابداع وسمو الاعجاز وجلال البيان فى كتابه تعالى : " انا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " . . فما هو الانسان ؟ انه ذلك المخلوق الضعيف قد تحمل من المسؤوليات الجسام اكثر من ثقله فهو يسرح ويمرح ويمتطى الركائب ويعبر القفار ويشق البحار ويطير فى الاجواء مغترا وكأنه لا يحمل من ذلك . . لقلة ادراكه لتلك المسؤولية العظمى ، ان الحياة التى يعيش بها هي امانة اودعها الله فى كيان ذات الانسان . .
هذه الحياة التى يحرم على الانسان
انتزاعها الا بحقها : ومن ثمة نجد نصوص الاحاديث الواردة فى تعذيب قاتل نفسه كقوله " ص " : ) من قتل نفسه بحديدة فهو يجرجر بها القيامة فى نار جهنم ومن تحسى سما يتجرعه يوم القيامة فى نار جهنم ( الحديث . فالمأخوذ من مفهوم دلالة لاحاديث الشريفة ان نفس الانسان ليست ملكا له فهو يحاسب على تفريطه فيها .
شعب الأمانة للامانة شعب وبنود واذا ما اردت فهمها فامدد بصرك على شاطئ امتداد مداركك الواعية وفي صمت وخشوع زد وضاعف من ذلك الامتداد بنظرات ثاقبة متطاولا بها نحو مدى يخترق شاطئ جهالة هذه الحياة المظلمة متجها نحو آفاق البصيرة والنور ، ذلك النور المتألق فى قلب كل متدبر مؤمن عند ئذ ستجد الاحاطة التى لم تكن تحيطها من قبل وستجد اليقظة تبصرك ببصيرة البصائر ، الا وهي بصائر الحقائق العلوية التى تومض بوجيف ويكون من هيبتها خيفة ورعدة انها رؤى حقائق تبصر فى مرءاها القلب اذعان لاوامر ونواه ، صادرة من سلطان أعلى قاهر فوق السموات والأرض الذي يريد ان يجعل من
النفس الانسانية نموذجا للطهارة والعفة ، ومثالا للورع والزهد مع حيوية حياة سليمة قادرة على كل معاني الاستخلاف فى الارض . . وهى مع ذلك تجد المتعة الروحية فى كل نصب يعتريها اثناء القيام بوظيفة هذه الاوامر الكريمة من صلاة ، وصوم : وزكاة وحج . . واقرب ما يكون لفهم الامانة انها ميثاق قدسى يرتبط به العبد فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مجتمعه . والرقابة العليا الساهرة على تنفيذ بنود هذا الميثاق هى لله وحده ، فهو الذى لا يخفى عليه شىء فى السر والجهر ، بيد انك تجد ارتباط العبد بوفاء فروض العبادة لله ثم تجد ارتباطه ايضا فى اداء حقوق العباد عليه . . كلاهما من حيث الارتباط يمثلان المعنى الحقيقى للعبد المؤمن . . والاخلال ببند من ميثاق الامانة يكسب العبد طابع سمة تخرجه عن دائرة المؤمنين كما وضح ذلك معنى الحديث الشريف فى قوله " ص " علامة المنافق ثلاث " إذا حدث كذب - واذا عاهد غدر - واذا اؤتمن خان "
الامانة بين العبد وربه كيف بك وانت تعلم ان النفس التى تعيش بها ليس ملكك والسمع والبصر ، وكل جوالحك وحواسك كلها امانة لله عندك ، فكيف تقف في صلاتك يا اخي المؤمن وانت بقلب لاه وعين ناعسة ولسان ترتل به آيات محكمات دونما وعى ولا ادراك ؟ ام كيف تقدم وسيلتك التى هى العبادة ، ومسألتك التى هى الاستعانة حينما تقول في صلاتك : " اياك نعبد واياك تستعين " . . واين هى العبادة والقلب لا يرتجف من المعبود فى وقوفه بين يديه ؟ ان الذى اودعك قوى الادراك وقوى الجسم
بعضلاتك الواقفة ووهبك الحواس والمشاعر . . اراد لك الخير بهذه الوقفة القصيرة بين يدى عظمته وجلاله ، . . اراد لك الخير والفوز اذا كنت قد جعلت من وقوفك وقفة المتدبر لمعنى العبودية الكاملة ، وحينما تكون قد طردت عن حواسك الذهنية وشعورك القلبي كل الهواجس والخواطر ، واسكنت في قلبك معانى الخشية ، ورهبة الخشوع - فذلك هو الفوز والفلاح المتمثل فى امانة فريضة الصلاة قال الله تعالى :
" قد افلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون "
ومن ثمة تجد معنى الامانة الحقيقى كامنا فى كل التشريعات الالالهية من صلاة وصيام وزكاة وحج الخ . .
يجب ان نستشعر بقوة مثل عليا تقودك لذلك الاداء وهذه المثل هى مخافة الله
بيد ان هذه المثل العليا هى نفس الشعور بالايمان والامانة مشتقة من معناه وهى فى نفس الوقت أمان من كل المخاوف التى تعترض سبيل الحياة الدنيوية والاخروية . .
الامانة والمجتمع الانساني نجد فى الامانة حفظا لكيان الفرد والمجتمع . . فالفرد العامل يشعر ان الامانة هي علاقة نجاحه فى عمله فى المجتمع . . اي حينما يؤدى ذلك العمل بوفاء واخلاص اى والله لولا الامانة لظلت الامم اشبه بالوحوش او كالبهائم ترتع فى غير مبالاة منها بالاعتداء على الغير وحقوقه . .
اذا ما من شك بأن ميثاق الامانة الذي
يستشعر بالتزامه كل فرد فى اسرة المجتمع هو نفس المعنى المقول . . ضمان اجتماعى تؤدى فوائده لصالح المجتمع ، حاملا فى طياته روحا هى سمو الاخلاص وتحرى الوسائل المؤدية اليه ، مثل الصدق والوفاء . . ذلكم هو الضمان الاجتماعى الذى يكون للمجتمع فوائده ويدر عليه منافعه .
فالناس يحسون بالفرح في نفوسهم حينما يدركون نجاحا يرافق اعمالهم . . ولو سأل سائل عن اسرار النجاح لكان حتما جوابه من الجميع : انها " الامانة "
وكما ان المرء يشعر بامتعاض ويقاسى الآلام ويحس بالمرارة اذا ما خانه احد ، وفى نفس الوقت عليه ان يدرك ان ذلك الحنق والامتعاض وتلك المرارة ستكون لدى غيره إذا هو خان فى حقوق الغير
ومن هنا نقف على مشهد لا كالمشاهد ، وسمو لا كالسمو ، وروعة تتجلى فى قوله " ص " : ) حب لاخيك المسلم ما تحب لنفسك ( او كما فى حديث آخر : ) لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه "
فاذا كنت تحب ان لا يخونك احد فلا تخن احدا . .
ومن ثمة يدرك العقلاء حقائق تجنو أن الامانة عامل قوى فى بنيان المجتمع وان الخيانة عامل قوى فى تفويض المجتمع . كما انه يدرك ان اخلاص الفرد فى عمله يعود حتما فى نتائجه الى فائدة المجتمع فهيا بنا نسير الى مجتمع سليم نبنيه بالامان لنكون جميعا لبنات ذلك البناء الشامخ .
هيا بنا إلى بناء مجتمع عظيم الكل سواء والكل يعمل لنهضة بنيان هذا الوطن - العامل ، والمدرس ، والموظف ،
والصغير والكبير . . كل فرد من هؤلاء لبنة من لبنات بنيان هذا الوطن وكل هؤلاء بمجموعهم فى العمل يدعون بالمجتمع اى وربى ذلك هو المجتمع الذي يكون له التقدم النامى متطاولا يسير مع الاجيال فى طيات الدهور . . فالعامل ليس عمله ليتقاضى الاجور ثم يأكل ويشرب فحسب . . انما عمله انماء ذلك العمل وانماء ثروة مورده اليومى بل ومن عمله ايضا ايجاد حياة ينتفع بها مجتمعه ، والعامل العارف لذلك بدهي منه ان يبتعد عن الخيانة لانه يفهم اى ضرر يبقى لعمل تنقصه الامانة .
المدرس المدرس مع أن من وظيفته تحفيط الطلاب وتحضير روتين الدرس فى سجل التحضير الاعدادى فمن أهم وظائفه ان يهب النور اعنى بالنور الذى يتمثل فى غرس مبادىء الامانة والصدق وانطباع روح الفضائل مع غرس حياة نامية تتحلى بمخافة الله وتتشبع بها نفوس الطلاب . على المدرس ان يكون سلما ثابتا ومشعلا يفيض بالانوار انوار المعارف المشتقة من اسم وزارته فتلكم هى المصنع واى مصنع ؟ انها هى مصنع الاجيال ولا يضير المدرس قلة مرتبه : وعليه ان لا يتبرم اذا رأى ارتقاء غيره عليه فهو - اى المدرس - عليه ان يرى من نفسه الاب فى المدينة والقرية اعنى انه ابو الفضيلة التى ينميها فى نفوس الطفولة التى هى فى نضارتها كالبراعم ، واذا تفتحت كالزهور .
فالمدرس سواء كان فى المراحل الابتدائية او غيرها عليه ان يجعل من نفسه دائرة قطبية لها وقفة الخلود ومنها يقتبس الضال
طريق الاهتداء . . ان امانته ان يكون كذلك .
الموظف وكذلك الموظف فى اى دائرة كانت معناه عضو فى جهاز الدولة والدولة هى اطار المجتمع بل هى قوام امره الذى يبتغى منه الصلاح والرشاد . . وموظف ادرك ان مفهوم وظيفته ذلك المعنى المنطبق فى حقه كبر يكبر ويتسامى بالامانة حتى يكون عضوا صالحا فى وظيفته ، وله اثر البقاء والخلود بعمله ونتائجه ، وليس البقاء فى الوظيفة هو بقاء اسمه فى الجداول والسجلات وتعاطى مرتبه ، دونما مراعاة للامانة فى العمل . اذن فالموظف بقاؤه بقاء شرف يتوج بالامانة ، والرقى المطلوب له هو رفعة وطنه لا رفعة ذاته فحسب ، فاذا ارتقى وهو غير كفء فقد رقى بذاته وخفض من سير
وطنه فى التقدم . . وهو إذا راعي الامانة يدع مجال العمل لمن هو اقدر منه حتى يسير بحقيقة امانة الوطن التى هى جزء من مثل الدين العليا قال صلى الله عليه وسلم " من غشنا فليس منا " فالغش يكون فى كل نواحى الحياة ، حتى فى البيع والشراء . . ان الاحاديث النبوية توجيه عام في شمول توجيه مصالح الامة . ان من ارتضى الغش لامته لا يحمل لها المحبة . . فكيف يكون منها وهو يجلب لها الغش من اجل السعى وراء مضاعفة مكاسبه الخاصة دونها . . وفي ذلك نرى جميعا انه يجب علينا كامة مسلمة ندعو الله ان يمن علينا بتوفيقه وان يوفق كل مسلم فى مشارق الارض ومغاربها وان يجعل من امة الاسلام ذلك البنيان المرصوص وان يلهم الجميع طريق الصواب والله الموفق للخير

