الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الامومة في الشريعة والادب

Share

لم تبالغ شريعة من الشرائع السماوية كما بالغت الشريعة الاسلامية فى الوصية بالأم التى اعتبرتها فى المقام الاول فى الاسرة الانسانية واوصت وحثت على برها ومراعاة حقوقها على اكمل الوجوه مقدمة اياها على الأب فى البرور والاحسان ، والآيات القرآنية والاحاديث النبوية الصحيحة برهان على ذلك لا يقبل الجدال فقد روى محمد بن اسماعيل البخارى فى صحيحه الحديث التالي فى باب البر والصلة وقول الله سبحانه وتعالى : (( ووصينا الانسان بوالديه حسنا )) ، قال : جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله من احق الناس بحسن صحابتى ، قال : أمك ، قال : من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ ، قال : أمك ، قال : ثم من ؟ ، قال : أبوك . الا ترون انه وقع تكرار الأم ثلاثا وذكر الأب فى الرابعة ، وانما اعتبر الشارع للأم ثلاثة امثال ما للأب لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع وهذه تنفرد بها الأم وتتجسم لها المشاق وتتحمل فيها اعظم العناء والشقاء ، ثم علاوة عن ذلك تشارك الأب فى تربية الطفل واعداده وقد اشار القرآن الكريم الى هذا بابلغ اشارة وقال تعالى : (( ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين )) الآية . فسوى بين الوالدين فى الوصاية وخص الأم بالامور الثلاثة ، وهذا قليل من كثير فى اكبار منزلة الامومة واعلاء شانها والتنويه بمكانتها واحترام جانبها والامعان فى تكريمها والتفانى الذى لا يعرف حدا فى حبها والاخلاص الصادق فى السر والعلانية لشخصيتها ، كيفما كانت اخلاقها او نحلتها وعقيدتها .

فالامومة المنهل العذب الفياض دواما واستمرارا بالخيرات المتدفق بسيول الانعاش الذى يغذى الوجود ويخفف وطأة شروره ويلطف شدائده ويزرع الامل فى النفوس اليائسة التى تجددها العناية الخارقة ويحييها العطف وينعشها الحنان ، ولولا الامومة الرحيمة ما عرف الوجود الايثار ولا تذوق معنى الرحمة ، فالأم هى الزهرة التى لا يذبل حنانها وان ذبلت الازهار ولا ينقطع مددها وان تعطلت الاودية وجفت الانهار فلا غرو ان كانت الامومة من اروع واجمل ازهار رياض

الوجود فى حقل الحياة القاسية تنفحنا بطيب ريا نسيمها وتبسم لنا من وراء القطوب وقد ترسل الينا من آفاق رحمتها ودائرة قداستها وطهارتها وشفقتها أشعة روحانية خارقة تقودنا بها الى شاطىء السلامة بعد الارتطام وتنقذنا من النكبة بعد ان نشرف على الانهيار وتؤز مشاعرنا ازا وتؤثر فى نفوسنا تأثيرا يعجز كل مرب مهما علت معذرته على الوصول الى ادنى شىء منه .

ومن الطرائف الفاتنة فى هذا الباب ما رواه لنا تاريخ الاداب فى اللطيفة التالية العميقة الاثر فى التوجيه الحكيم وكبح جماح الشهوة الجامحة المنبثقة عن اخلاص أم مثالية ما حكاه القاضى الاكرم على بن يوسف القفطى احد كبار ادباء القرن السادس الهجرى ، قال : كنت وانا شاب جموح طموح أصعد على سطح فى منزلنا فصادف ان صعدت لقضاء شأن من شؤونى فرأيت وراء جدار جارنا جمالا رائعا لا عهد لى بمثله فنزلت مسرعا فقالت لى الوالدة : ما بالك نزلت بدون القيام بالواجب ، قال : فاعتذرت بعذر واه ، فقالت : ما اظن الامر على ذلك ، ولكن هل أومى اليك بالاصابع حتى تركت القيام بالامر المطلوب ، فقلت : من يومىء الى ؟ لا اعرف معنى كلامك هذا ؟ فقالت : يا بنى اسمع منى ما أقول لك :

اثنتان لا ارضى انتهاكهما        عرس الخليل وجارة الجنب

اما الخليل فلست خائنه         والجار أوصى به ربى

قال : فوالله لكان ماء وقع على نار فاطفاها فما صعدت بعد ذلك الى السطح ولا ارتقيت الى غرفة الى ان فارقت البلاد ، ولقد جاء الصيف فاحتملت حره ولم اصعد الى سطح فى تلك الصيفية اه وفى هذا بلاغ لمن يتأمل مليا .

ناهيك من ان الفلاسفة والحكماء الذين كانوا ينفرون من الوجود ويدعون الى نبذ كل وسيلة تعين على التناسل فيه كانوا يعطفون اشد العطف على الامومة وفى طليعتهم أبو العلاء المعرى فبالرغم عن افراطه فى التشاؤم واسرافه وقساوته على الأباء والأمهات فلم تكد تغادر أمه هذا العالم الفانى حتى جن جنونه وخانه تجلده ونفد صبره فاجهش بالبكاء والعويل وملأ الدنيا رثاء لأمه فى قصائد شعرية بث فيها بنار جواه ونفث فيها مرارة ألمه وتمنى لو تقدم الى ذلك العالم قبلها فقال :

دعا الله أما ليت انى أمامها          دعيت ولو ان الهواجر اصال

مضت وكأنى مرضع وقد ارتقت     بى السن حتى شكل فؤادى اشكال

وهو القائل :

وامتنى الى الاحداث أم                 يعز على ان سارت أمامى

ومن لى ان اصوغ الشهب شعرا        فالبس قبرها سمطى نظام

مضت وقد اكتهلت فخلت انى        رضيع ما بلغت قوى الفطام

فباركت المنون اما رسول               يبلغ روحها ارج السلام

الى آخر القصيد الذى أطال النفس فيه .

وهكذا بكى المعرى أمه وبرهن فى مراثيه العديدة عن عاطفة عفت على جميع نظرياته الفلسفية وغمرتها حتى تلاشت امام الحقائق المرة المؤلمة وليس المعرى الحكيم الاديب اول من افرط وتغالى فى حب الامومة فقبله وبعده من ادباء العربية ألوف من الرجال تتعذر الاحاطة بادبهم فى هذه الناحية ، وما زلت اذكر للشريف الرضى قصدا به ما يقارب المائة بيت فى هذا الصدد ، بكى فيه الشريف أمه وأمعن فى رثائها وخانه تجلده عند فراقها استهله بقوله :

ابكيك لو نقع الغليل بكائى             وأقول لو ذهبت المقال بدائى

واعوذ بالصبر الجميل تعزيا               لو كان بالصبر الجميل عزائى

طورا تكاثرنى الدموع وتارة               آوى الى اكرومتى وحيائى

كم عبرة موهتها بأناملى                  وسترتها متجملا بردائى

ابدى التجلد للعدو ولو درى            بتألمى لقد اشتفى اعدائى

ومنها :

فارقت فيك تماسكى وتحملى          ونسيت فيك تعززى وابائى

وصنعت ما ثلم الوقار صنيعه          مما عرانى من جوى البرحاء

كم زفرة ضعفت فصارت انة           اتممتها بتنفس الصعداء

لهفان انزو فى حبائل كربة               ملكت على جلادتى وغنائى

وجرى الزمان على عوائد كيده         فى قلب امالى وعكس رجائى

قد كنت آمل ان اكون لك الفدى     مما ألم فكنت انت فدائى

أما أبو فراس الحمدانى الشاعر المجيد فكتب لأمه يقول : انه لا يرهب الموت ولا يقيم وزنا للحياة ولكنه يبقى على نفسه فى ميدان الوغى وفى ربقة الاسر

متحملا كل غضاضة ارضاء لعاطفة الامومة التى تسوقه قسرا الى البقاء ما استطاع الى ذلك سبيلا ، واليكم مقطوعة فى هذا الصدد قال أبو فراس :

لولا العجوز بمنبج                    ما خفت اسباب المنية

ولكان لى عما سالت من الفـ         ـدا نفس أبيه

لكن اردت مرادها                   ولو انجذبت الى الدنيه

ووارى محاماتى عليـ                   ـها ان تضام من الحمية

ليست بمنيح حرة                    بالحزن من بعدى حرية

لو كان يدفع حادث                 او طارق بجميل نية

لكان قضاء اليه والاحكـ             ـام تنفذ فى البرية

الصبر يأتى كل ذى                  رزء على قدر الرزية

لا زال يطرق منبجا                  فى كل غادية تحية

فيها التقى الدين مجمـ                ـوعان فى نفس زكية

يا أمتا لا تيأسى                     لله الطاف خفية

هذا والادب العربى كالشرع الاسلامى كلاهما زاخر بتمجيد الأمومة وحافل بذلك وكلنا أمل ان ينتبه كل احد لما يجب عليه تجاه الأم من واجبات ، فيبادر الى القيام بها لا سيما الاحداث الذين لم تثقفهم الايام ولم تحنكهم التجربة فهم فى أشد الحاجة الى التذكير والتوجيه ليخلصوا لامهاتهم ومن المؤلم ان شبابنا معظمه قد كفر بسائر النعم واتخذ المادية هدفا ولم يرفع الى الروحانيات رأسا .

اشترك في نشرتنا البريدية