الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الامير الشاعر، تميم بن المعز الصنهاجى،

Share

أصح وأعلى ما سمعنا عن الندى عن الخبر المأثور منذ قديم

احاديث ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم

هذا المقطع من قصيدة لابن رشيق مدح بها " تميم " بن المعز الصنهاجى ) ٩ ( .

وان قبلنا هذه الصفات بتحفظ ، وحذرنا من تزيدات الشعراء ذات النزعات المادية والدوافع التكسبية ، فان التاريخ - والتاريخ أنصف حكم - يؤكد لنا كرم تميم وعطفه على الادباء والشعراء فى عصره ، وقد شاركهم فى الهواية  ونازعهم فى مكابدة مهنة الادب ، وان امتاز عليهم بالترف المادى وربما الفني ايضا ، فهذا ابن خلكان يثبت ان تميما " كان يجيز الجوائز السنية ويعطي العطاء الجزيل ( ٢ ) " .

عصر الشاعر :

يمتد العصر الصنهاجى من " 973 الى 1058 م " ويعد من أزهى عصور القيروان وارسخها قدما فى السياسة والادب ، اذ لم تنحصر النهضة الادبية  فى عاصمة الدولة وانما شملت مدينة المهدية العاصمة الثانية وانتقلت الى مدن  القطر الهامة مثل : تفصة وصفاقس وقابس وباجة وتونس ) 2 ( .

ولربما التجأت أصول هذه النهضة من المشرق - فرارا من جور الحكام الى احضان المغرب كبديل للمشرق العربى وقد بدأ ينخر كيانه الضعف وتنهكه التيارات السياسية المتناحرة المتكالبة على الحكم . ازاء هذا الوضع المتأرجح هاجر الكثير من ادباء بغداد الى الامارات الاخرى وفيهم من وصل الى افريقية .

والسب الثاني الضعف والتفكك الذي اجتاح الاندلس بعد عصورها الذهبية ، والانقسام السرطاني في الامارات الكثيرة ، مما جعل بعض الادباء يعزفون عن الانلس وينعتون امراءها بالقطط التى تقلد الاسود أسماء وانتفاشا ، وقد وجد هؤلاء الادباء الاستقرار والقوة فى الدولة الصنهاجية الفتية .

وأنا مؤمن بان القوة السياسية يواكبها نضج فكرى حضاريا وأدبيا ، أو  بالاحرى الثورة السياسية تصاحبها أو تمهد لها ثورة ثقافية . واذا وقع خلل أو تنافر بين المقاييس السياسية والانبعاث الادبى فيرجع ذلك الى العقم السياسي وتحجر قوالبه ذات النظرة الفوقية ، ويؤدى هذا التنافر بين  السياسة والادب الى تفكك المجتمع ، وتعطل قواه الحية الخلاقة

غير ان السياسة الصنهاجية لم تنزلق فى هذا المنعطف الخطير ، منعطف فصل الفكر الثقافي عن الفكر السياسي ، فأخت بينهما . ولا ننس أن هذا العصر حلقة من حلقات التاريخ التونسي الطويل الملىء بالاحداث والمفاجآت بل والتقلبات التى تبدو أحيانا متشابهكة غير مقنعة

ولا شك ان هذا العصر يستند على أسس ثابتة من العصر الاغلبى  والفاطمي التى تعد من عصور الازدهار التونسي . والعامل الاقوى فى ازدهار الادب التونسي اثناء العصر الصنهاجى يكمن فى الامراء انفسهم الذين امتازوا بالنضح ، والامكانيات العقلية ، والمتانة الثقافية ، والتشبع بالروح الوطنية التى تعتبر الادب خير مقومات الأمة ، وأصفى وجه لها . وكتب التاريخ تروى لنا الكثير عن المعز بن باديس وابنه تميم ، وكانا من انضج الحكام الذين تعاقبوا على هذا القطر ، وهما بلا منازع اكبر امراء الخلية الصنهاجية

كان المعز بن باديس كما يثبت ابن خلكان " محبا لأهل العلم ، كثير العطاء . مدحه الشعراء وانتجعه الادباء ، حضرته محط الامال . . . " اما تميم فقد

وصفه بانه " محب للعلماء ، معظم لارباب الفضائل ، حتى قصدته الشعراء من الافاق على بعد الدار ، كابن السراج الصورى وانظاره . وكان يجيز الجوائز السنية ويعطى العطاء الجزيل ( 3 ) " .

واذا افتقرت النهضة السياسية الى انتعاش ثقافى فان الوعى الثقافى والادبى خاصة يحتاجان الى صفاء ونضج فى المقاييس النقدية . وبهذا نصل الى العامل الرابع من عوامل ازدهار الادب الصنهاجى انطلاقا من المبدأ السليم :  النهضة الادبية بلا نهضة نقدية عرجاء " . واكب التفتح الادبى نقاد اتخذوا المقاييس النقدية دليلا ، بعد ان تسلط الذوق الشخصى على  الادب العربي عبر أحقابه التاريخية الطويلة ، وما زلنا نعتز بكتاب " الممتع للنهشلى " و " العمدة لابن رشيق " و " رسائل النقاد لابن شرف " وكلها ألفت في هذا العصر

ولربما يضاف الى كل هذا وضوح المدارس الادبية المشرقية والمغربية . وهكذا تظافرت العوامل الخارجية مع العوامل الداخلية لتجعل من العهد الصنهاجى عهد ازدهار ادبى وانبعاث ثقافى ، فى حراسة حس ادبى وعلمى نزيه ، ورعاية أمراء جمعوا بين السياسة والادب . فمن غير المستغرب أن يسمو هذا العصر أدبيا كما سما سياسيا ، لانه يستند الى جذور أصلية وثابتة .

البيئة الخاصة وأسلوب حياته :

تربى في قصور الملك بالمنصورية تربية خاصة كغيره من ابناء الامراء الذين يولدون مع هالات الاستبشار والفرح ، فهم الملوك الصغار ، وساسة البلاد المنتظرون ، يترعرعون فى نعيم متنام لا ينضب ، وسط التدليل والتطبيل ويموتون مشيعين بآلاف الاعين والاذرع

وفر المعز بن باريس لابنه مناخا أدبيا وفكريا جمع فيه بين التعليم الخاص وحضور المجالس العامة والمنافرات الادبية والعلمية التى يزخر بها بلاط هذا الامير ، وقد ضم اليه ادباء هذا العصر ، وزرع بينهم الخصومات الادبية فكان يقرب هذا ليقصى ذاك ، ثم ما يلبث ان يعيده ، فيستميت الغالب

والمغلوب فى الظفر بحظوة الامير ، والاستحواذ على صلاته . وكان ابن رشيق وابن شرف فرسى الرهان يضاف اليهما أبو الحسن الحصرى وابن أبى الرجال وغيرهم من أدباء العصر . ولكل هذا تأثير على تكوين الشاعر ، وتأثر بما بدور حوله من التقليد الى الاعجاب . ولما بلغ الثالثة والعشرين ولاه على  المهدية ، لكن الزحفة الهلالية المدمرة عصفت بملك الأب ، وحطمت القيروان عاصمته المحببة . واظهر المعز تساهلا فى ادخال الاعراب واستقبال اعيانهم مما مكنهم من تحطيم ملكه ، وكان رأى تميم ان يجابههم المعز بالقوة ، وان يظهر لهم اللين ويحتضنهم بحفاوة الاستقبال ، فحدثت بين الأب والابن - كما يقول الدكتور حسين مؤنس - : " جفوة خفيفة ( 4 ) " غير ان المعز التجأ الى ابنه السند الاخير بالمهدية بعد خراب القيروان سنة 44 ه . فاكرم مثواه وان لم يمكنه من مقاليد الحكم ، وهذا يثبت الرأى القائل بحدوث الجفوة بين  الابن وأبيه ، ولربما انغرس فى ذهن الشاب مزيج من الالم وقلة الثقة فى قيادة الأب الشيخ ، خاصة بعد الفشل الذى أظهره فى حروبه مع الهلاليين اذ تغلب عليه شذاذ الاعراب المرتزقة ب 30 ألفا وهو يعد ثمانين ألفا . ونزعة التملك التى تستحوذ على مشاعر الانسان وتزين له حب السلطة ، هى التى سممت العلاقة بين الابن وأبيه - على ما أعتقد - والا كيف نفسر هذا الاستياء المفتعل من الابن ؟ ألا تكون خيوط الشك عملت مفعولها فى ذهن تميم ، فحذر من أبيه على امارة المهدية وقد استأثر بها كشاهد اخير يحكى مجد الاجداد ويقبع داخل اسوارها ليحفظ ما تبقى من العائلة المالكة ؟ . وأنا ألجأ إلى هذا الاعتقاد مستندا على المصادر التى تشيد بسياسة المعز ، فكيف يسخط الابن على سياسة فشلت مرة ونجحت مرات ، وشهادة الاعداء خير دليل واصدق حكم فى كل الظروف . فهذا على بن رزق الرياحى احد الاعراب الذين غزوا افريقية يسجل الوقائع فى قصيد طويل

الا طرقتنا من أميم خبال  وايدى المطايا بالذميل عجال

ويشير الى المعز بن باديس بكل احترام وتقدير :

وأما ابن باديس لأحزم مالك    ولكن لعمري ما لديه رجال

ثلاثة آلاف لنا غلبت له       ثمانين ألف ان ذا لنكال ) 5 (

كيف نفسر اعتراف العدو ، وهل لنا ان ننزه نية الابن المنطوية على الحسرة والانخذال مع التمسك بالمهدية الاثر الباقى وعدم التفريط فيها حتى لولى نعمته ؟ . المهم ان " تميم " عاش ازمة تأنيب الضمير ، وتفاعلت في كيانه عملية الأبوة والواجب مع حب الملك والمصلحة الآنية ، فلم يعنف الأب ، ولم يمكنه فى نفس الوقت من حقه الشرعى ، وما اشبه هذا التصرف المأسوى فى عملية الازاحة التلقائية بانقلات فنى هيأت مسرحه الظروف ، وأملته نزوة الحكم ، فاشتدت المحنة على المعز المهزوم داخليا وخارجيا حتى توفى . " وبعد وفاة المعز صار " تميم " أميرا حقيقيا فملك افريقية وما ولاها بعد أبيه وكان  حسن السيرة محمود الاثار ) 6 (

وأود أن أنقل فقرة طريقة كتبها المؤرخ ابن عذاب المراكشي في بيانه المغرب ، وكان غريبا حقا فى ما رواه عن حياة تميم الخاصة وتصرفاته العجيبة فى نظام عيشه : " كان جميلا وسيما ، مديد القامة ، دري اللون ، أشم ابلج ، وكان يكثر من استفراغ بدنه ، ويرى بذلك تتمة صحته ، فيستعمل كل حار من الادوية والاغذية ، ويكثر من الاصطلاء بالنار ، ويدخل الحمام الحار ، ويكثر الجماع ، ويشرب الادوية المقوية كالمحمودة وغيرها ، ويجاوز فى  ذلك المقدار ، حتى جف  لحمه وفسدت حركاته الطبيعية ، واقعد ثم مات سنة 501 ه ، فكان عمره 79 عاما ، وولايته من يوم وفاة أبيه 46 سنة ، وخلف من  الاولاد الذكور ما جاوز عددهم المائة ) 7 (

ورغم النزعة الاسطورية التى تسيطر على بعض الجوانب في هذه الفقرة ، فاننى اريد ان اسلط عليها بعض الاضواء ، علها تسهم فى الالمام بشخصية الشاعر الخفية . فانا لا أرفض هذه الاخبار من الاساس . بل احاول تعليل التصرفات ، وقد وجدت فى " المؤنس " اشارة الى هذه الاخبار ، غير ان ابن أبى دينار لم يورط نفسه بروايتها تحاشيا للمبالغة . اما انا فلم الاحظ اختلافا كبيرا بين مزاج الشاعر وهذه التربية الالزامية التى حاول ترويض نفسه بها .

ان هذا الاسلوب القاسى  الذي ارتآه تميم ما هو الا عملية رد فعل  للنعمة والبذخ الغارق فيهما ، ولعلها ردة نفسية بعد ان شعر بواقع بلاده الذى

يتطلب الحزم والعزم ، ولربما أعطته زحفة الهلاليين درسا عمليا ، فاثبتت له ان النعمة لا تدوم . ونمط الحياة الجديد محاولة لسبر النفس ، وحملها على  المكاره التى تترصد الامراء والملوك . وهذا الاسلوب طالما عود الملوك أبناءهم عليه كنوع من التربية الاسبرطية ، تحسبا للطوارئ وتقلبات الملك . فنزعات القسوة لا يخلو منها عصر مهما كان استقراره ، وشبحها يخيف كل امير

2 - يثبت هذا الاتجاه فى التربية والتداوى ميل " تميم " لاسلوب حياة العوام الذين يزعمون ان الدواء الكريه يزيل الداء المتمكن ، وينفرون تبعا لهذا من كل دواء مستساغ حلو الطعم ، لخلوه من حصانة العنف المكتسح لكل داء مستوطن

3 - استفراغ الشاعر لبدنه القوى المكتنز و استهلاكه لقواه صفة امتاز بها حتى فى محاربته الاعداء المتكالبين على ملكه ؛ ففي الموسوعة الاسلامية : " ان تميما  اظهر مقدرة عجيبة فى الاوقات العصبية التى كانت تحيط به عند اعتلائه العرش ، وتجهز فى المهدية التى بقيت له من كل املاكه لاستعادة مدن افريقية بعد ان استقل بها ولاتها . . . )

وتظافرت الازمات على الشاعر الامير : ففى ايامه كانت المجاعة الكبرى بافريقية ، والوباء الذي لم يسمع بمثله ) 484 ه ( ، وقد قضى أغلب أوقاته مقاوما فيها الثورات التى كانت من بني عمه ومن العرب ) 9 ( . إذا فقد اظهرت هذه التربية جدواها ، وأتت أكلها إبان الحاجة . هذه بعض الملامح عن شخصية الشاعر الامير ونظام حياته ، فما هو انعكاس هذه الحياة فى شعره  ٠٠٠

الشعر وحياة القصر :

كانت المنابع الثرة لشعر تميم بعيدة عن جو السياسة والحكم وابهة الملك ، وقريبة من الحياة الناعمة الدافئة ، وسط ثراء القصور وبهارج الحضارة ؛ هذه هي السمة البارزة لشعره . شعر ارستقراطى مترف فى اشكاله ومعانيه ، لا ينمو الا فى ظلال القصور واكناف حدائقه الخضر ، مع

الحان القيان وزخات الخمر واصوات الجوارى . فالشاعر ابن بار لبيئته خاصة ، وشعره صدى لعيشته المنعمة .

الخمر والغزل خطان متكاملان لفن الشاعر طغيا على بقية اغراضه . وماذا غير اللهو والحب لأمير مترف اجتمعت لديه كل وسائل الدعة والرفاه مع الشباب المتمرد . ولعل هذا المفهوم للشعر من الصق المفاهيم بحياة الشاعر خلجات نفسانية تدغدغ كيانه العابث المنطلق وراء المتعة . وماذا ننتظر من شاعر أمير ؟ أننتظر صدى الكادحين وانات الضعفاء ، أم صرخات الفقر والتسول ؟ هذا هو مضمون شعر الشاعر ؛ أما شكله فلم يكن أقل رقة من ضحكات جواريه ، وهمسات أوتار عيدانه ، ولون خمرته فى لباليه الصاخبة ، وخمريات تميم تذكرنا بخمريات أبى نواس ، بل تكاد تكون صورة مصغرة من هاته الخمريات ؛ عشق الخمرة وأحبها ، فوصف جزئياتها ، وتفنن بمجالسها أحبها كالنواسى حبا ماديا لا صوفية فيه ، ولا روحية ، ولا مواربة أو تستر انه الأمير الشاعر الآمر الناهى

لا أبالى اذا شربت ثلاثا         اى قاض بالجور يقضي عليا ) 10 (

فلسفة الشاعر واضحة : المادية البحتة ، والتمتع بما وفر الله له ، وأفاء عليه ؛ فالعيش عنده كما هو عند النواسي ، خمرة وقيان ، ودندنة أوتار

قم يا نديمي هاتها           حمراء ترمي بالشرر ) 11 (

ما العيش الا بالسلام            وبالقيان وبالوتر

واذا عزف النواسي على الوقوف بالاطلال ، ووصف النساء ، وجعل صفاته لابنة الكرم ، فان عيش تميم قصره على المدام ، وأصوات الجوارى والقيان التى تؤلف مجموعة صوتية متجانسة مع بعضها ، تضئ الليل وتقصر ابعاده المملة :

ما العيش الا مع التهجيد والدلج  أو المدام وصوت الطائر الهزج ) 12 (

والشرب بين الغوانى والقيان معا   فان اوجهها تغنى عن السرج

والخمرة لا تلذ الا من يد جارية قال فيها النواسى

تسقيك من طرفها خمرا ومن يدها خمرا     فمالك من سكرين من بد

وقال فيها تميم :

وكأسا مثل عين الديك صرفا وماء المزن بالشهد الجني ) 13 (

يطوف بها مليج ذو دلال مريض الطرف ذو خلق رضي

شربت على مدامعه مداما  كماماء المزن والمسك الزكى

والمرأة نوع من الخمرة عند الشاعر ، بل صنف جيد منها ، كل شئ فيها يذكره بالقدح وانفاس الدن . وتتضح مادية الشاعر فى التهالك على اللذة " والاكثار من استفراغ جسمه بالمعاشرة والجماع ) 14 ( كما روى ابن عذارى  المراكشى . وكثيرا ما تتساوى الخمر والمرأة ، فيعيش الشاعر وسط شطحات شهوانية لا يميز فيها بينهما ، كل له مغنطيس خاص وجاذبية متميزة ،  وكلاهما فى حاجة الى الآخر ، لذلك احتار الشاعر فى ايهما المسوغ لصاحبه

وخمر قد شربت على وجوه  اذا وصفت تجل عن القياس

خدود مثل ورد فى ثغور         كدر فى شعور مثل آس

انها الشهوة العارمة ، والتكالب على المادة واللذة المزدوجة التى يملكها ولا يعرف مصدرها الحقيقى ، أهى المرأة أم الخمرة ، أم تكاملهما الدائم :

واسقيه من كاسى وأشرب فضله فينهل من فيه ومن فيه امزج

هو الخمر الا انه خمر مرشف   يمح به الثغر النقى المفلج

وقل ان نجد قصيدة غزلية لا تقرن بالخمرة ، ومن هنا تظهر لنا حياة الشاعر الخاصة ، حياة القصر بمتعه وعيشه ، حياة حاول سترها عن شعبه ففضحه احساسه الشعرى

اختار تميم الانماط المحببة فى الشعر التى تداعب الوجدان وتفجر الشهوة ، وقلل من الفخر والحروب والغزوات ، لان الامير الشاب يقدم على

هذه المعارك كارها ، ويخرج منها حامدا السلامة ، فكيف يستعيد ذكرياتها الدامية ؟ لذلك لا تروى له الا مقطوعات متفرقة فى الفخر والحروب لا قيمة لها فنيا . لعل هذا يرهق مزاج الشاعر الملكى المدلل رغم ما اشتهر به من  قسوة وسرعة فى قمع الثورات ، ودراية في مسك مقاليد الحكم التى تداعت فى عهد أبيه بالزحف الهلالى المدمر ، ولولا المهدية التى اعتصم بها الشاعر لذهب ملك بنى زيرى ، وانزاح عهد الصنهاجيين فى تلك الفترة الحرجة من تاريخهم

والمنتخبات التونسية - أو مجمل تاريخ الادب التونسي - تروى للشاعر مقطوعات سياسية هادفة ، اما بقية المجاميع فتكاد تهمل هذه الناحية ، وتقتصر على الالوان التى ظهرت فيها براعة الشاعر . والالتقاء بين الشاعر وأبى نواس ليس من باب الصدفة او العفوية التلقائية ، بل يظهر لى انه مدروس ومقصود ؛ فالامير يعجب بنزعة النواسى . . يعجب بخمرياته التى تجمع الى الزندقة المحرجة خفة الروح ، مما جعله يتغاضى عن هنات أبى نواس ، ويغفر له تمرده الدائب ضد الدين والتقاليد لظروف حياته المتعبة ، ولاسلوب تربيته الذي لا دخل له فيه ، فكانت خمريات أبي نواس مثالا أمام الشاعر يقرأ ويتأثر به ، ولربما مر بفترة المحاكاة والتقليد ، قبل ان يصل الى ذلك النضج وجودة الاستيعاب .

وقد ختم أبو نواس حياته اللاهية بتوبة وورع بعد وصوله سن الشيخوخة وقعوده عن مسارح اللهو ، لا لعفة في نفسه التى ما زالت جائعة لاهفة ، لكن لنذير الموت والخوف من عذاب الآخرة ، فتوجه الى ربه السند الاخير بهذا الدعاء الذكى الذى لا يتضرع فيه بقدر ما يحتج :

يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة  فلقد علمت بان عفوك اعظم

ان كان لا يرجوك الا محسن  فبمن يلوذ ويستجير المجرم

هذه حالة أبى نواس فى سنواته الاخيرة : ضعف وشيخوخة ويأس ورجوع الى الله ، لا لاظهار المسكنة ، بل لطلب نصيبه من الغفران ، اشارة الى نظرية الجبر والاختيار .

اما تميم بن المعز فقد وصل الى سن السبعين وهي سن اليأس والتقوقع  والانكماش ، وأوهنه المرض كما روى ابن عذارى  حيث اصيب بجفاف الاعضاء

واستهلاك البدن ، فرجع الى ربه رجعة أبي نواس كأنه أراد تقليده حتى فى التوبة وطلب العفو والغفران ، بل وفي التفعيلة والبحر . واذا كان عذر أبي نواس ان الله مجبر على العفو لان العبد الضعيف لا يملك حتى افعاله و لا ملاذ له الا الله ، فان " تميم " يتمسك بالشهادتين كانه يشير الى قول الرسول " ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك . . " فكأن الشهادتين هما جواز المرور للجنة ، وصك الغفران

فكرت في نار الجحيم وحرها يا ويلتاه ولات حين مناص

فدعوت ربي ان خير وسيلتى يوم المعاد شهادة الاخلاص

البناء الفنى :

من المؤسف ان لا اطلع للشاعر على قصائد شاملة البناء حتى اناقش بناءه كما حاول صياغته . وكل الذي بين يدى مقطوعات قد تطول وقد تقصر اختارها مؤرخو الادب القدامى . اما الديوان فلم اعثر عليه ولعله لم يطبع ان لم يكن مفقودا ؛ غير ان ابن عذارى  يؤكد كبر حجم الديوان وشهرته ، ناعتا الشاعر بانه " احد فحول الشعراء الملوك ومن ذوى السبق فى معانيه وبدائعه ، حوى فيه الجودة والكثرة ، وله ديوان شعر مشهور ) 15 ( * واناقة الشاعر قد لا تظهر فى لباسه الملكى الثمين فقط ، بل تظهر حتى في شعره ، وهي أبقى وأخلد . فتميم أنيق العبارات ، يحسن الانتقاء ، ويمرر كلمات شعره على حاسته الفنية الجيدة . فشعوره بالكلمات هو الذى أضفى على شعره هذا الرونق الخاص الذى لا نجده فى عصره : انتقاء الموسيقى وحضرية المعاني . وأول ظاهرة في شعره تركيزه الواضح على بحور خفيفة اشتهرت بموسيقاها الهادئة فى الشعر العربى ، وشغف بها شعراء الفترة العباسية باعتبارها لونا من التجديد ، لان القدامى لم يحفلوا بها كثيرا كالمجزوءات ، والمشطور ، وبحور الكامل والمتقارب ، وقد امتازت بتكرار التفعيلة وتجانسها ، مما حببها لدى الشعراء وقربها من الاذان الموسيقية

ولا شك ان " تميم " اختار هاته البحور لسهولة أدائها لدى الغناء ، وهو المغرم بالغناء والموسيقى وأصوات القيان التى تعج بها قصوره

ولحرص الشاعر على الموسيقى لا يكتفى بالقوافى العادية وانما يعمد الى القوافى الوسطية ، فلكل تفعيلتين قافية موحدة . وهذا النوع من البراعة البديعية سماه الاقدمون ترصيا ، وهو يشبه السجع النثرى ، غير انه يصاحب الشعر فقط :

بنبل الجفون وسحر العيون وميل الغصون كميل الرماح ) 16 (

ولمع الثغور وبيض النحور  وضيق الخصور وجول الوشاح

وورد الخدود وميس القدود  وضم النهود ولثم الاقاح

وكأس المدام غداة الغمام  يلف الغمام فراح براح

وقصائد الشاعر تعد انموذجا  للترصيع فى العصر الصنهاجى   ويظهر تميم صناعا صائد بديع يحفل باللفظ اكثر منه بالمعنى ، وقصائده معرض للزخارف البلاغية ؛ وكأني بالشاعر حرص على التزويق الشكلى ولم ينتبه للمعنى ، وعد الابيات الشعرية معروضات يزدان بها قصره ، وقد سبب له هذا ارتباكا وغموضا فى المعنى ، بل وتكلفا احيانا ، كما يظهر فى الابيات السابقة فى " يلف الغمام " لا معنى لها فى البيت و " جول الوشاح " حشو فرضته القافية ، والكناية التى تذوقها الشاعر اكثر من المرأة . وقد يلجأ الشاعر الى  الغريب جريا وراء القافية متناسيا المعنى :

كان الرحيق بكن العشيق   نظام العقيق بجيد الرداح

والرداح المرأة الثقيلة الاوراك ، والكلمة ظاهرة التكلف وكيف يتأتى وجود امرأة يجول وشاحها خفة ورشاقة وهى مع ذلك ثقيلة الاوراك .

ومن عشق الشاعر للتشابيه نلاحظ العنت المزري فى اقتناصه حتى وصل به احيانا الى التعسف والتعنت وقلة الذوق ، من ذلك تشبيه الريحان والزهور المفتحة برأس الراهبة الشمطاء ، وليتها كانت راهبة . فقد اختار اقبح تشبيه وابعده على صفاء الذوق ، فنحن نشعر بهيبة الدين ووقاره فى موضع غير مناسب ونشعر الى جانب هذا برأس اشمط لا ادري ماذا يوحى للانسان

ومجلس فيه ريحان وفاكهة    بظل نهو به حينا وتغتبط ) 17 (

كان سوسنه المبيض حين بدا  رأس لراهبة يبدو بها الشمط

وفرص الشاعر تبدو احيانا محدودة فى اختيار الجيد من التشابيه ، يكدسها بلا روية ، ويجرى وراءها كانها كشف كبير :

وخمر قد شربت على وجوه         اذا وضعت تجل عن القياس

خدود مثل ورد في ثغور             كدر فى شعور مثل آس

فالمقطع كدر فى شعور مثل آس " صورة محشورة بقسوة وسط السيل الدافق من التصنع ، لا علاقة لهذا التشبيه بالصورة الاولى التى تمثل الخمرة فى افخر مجالسها ، ووجوه النساء فى ابهج زينتها . واذا سلمنا باحمرار الدر فماذا يمثل الشعر بالنسبة للصورة الاولى ؛ تشبيه كل هذا بالاس والريحان لا يخلو من التكلف ، لم يراع الشاعر فيه الا حاسة البريق اللفظي الذي اغراه بالانزلاق وسط هذا الاهمال المعنوى ؛ حاول اصطياد المحسنات لكنها صادته وجعلته عبدا يركع تحت قدميها . ولا نستغرب من تميم هذا الميل الى الزينة اللفظية وهو الامير الانيق الذي يحاول تزيين ذهنه بالصور الفنية كما زين قصره بانواع المتع ؛ انها الاناقة وحب الجيد

ولا ننس ذوق العصر الذي كان ينحدر نحو الاعتصام بالقواعد البلاغية فى الشرق والغرب : نشأت المقامات والرسائل ، وغالي الادباء فى ميولهم البديعية التى ازرت بالادب العربي ، وكانت جناية على هذا الادب ؛ ومهد زعماء التصنيع والتكلف لهذا العصر من بديع الزمان الهمذانى والخوارزمى الى الصاحب بن عباد وابن العميد ، فكانوا ارهاصا صادقا لعصر الصنعة المجموجة ، والتكلف الضيق ، المحشور فى قوالب الالفاظ ؛ وفي عصير تميم نشأت المقامة الحريرية والطريقة الفاضلية فى مصر ، انشأها القاضى الفاضل وقد " عني بانواع البديع عناية عظيمة وألح على التورية والجناس فوقع فى الغموض وتعقد انشاؤه ووافق ظهور طريقته جمودا فى الافكار وحدا من الانطلاق الادبي ) 18 ( .

غير ان " تميم " لم ينحدر الى هذا الوحل ، لان شاعريته أبت ان تتضرع فكان شعره - رغم الصنعة المبالغ فيها احيانا - ظاهرة جميلة أنيقة الالفاظ مختارة الصور ، وهي قريبة من ذوق الشاعر واحساسه ، قريبة من القراء على اختلاف مشاربهم واهوائهم

اشترك في نشرتنا البريدية