الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

الام المثالية

Share

" هذا المقال من كتاب ( الى ابنتي ) سيظهر قريبا وهو رسائل أمومة وخلجاتها واماننيها واحلامها تناجي فيه المؤلفة ابنتها طفلة ثم تتخيلها في مراحل عمرها المختلفة وتبثها خواطرها وتفضى اليها بتجاربها  وتقص عليها احداث وطنها الكبرى وتعرض أمامها صورا مما قرأت ورأت . . . "

أنا أتحدث يا ابنتى الى شبابك في المستقبل القريب باذن الله . . لقد سطرت الصفحات الأولى لطفلتي " حنان " ولكنى هنا اكتب لصبيتي " حنان " . . . اكتب لصباك الحالم بالأمومة . . .

غدا يا صغيرتى ستصيرين بمشيئة الله أما ، كما جرت سنة الحياة فتعالى قبل أن تعتلى العرش العظيم احدثك عن مهامه الخطيرة . .

ان الامومة يا بنيتي ليست مجرد حمل ووضع ورضاع لأن هذا تتساوى فيه الأنثى من كل نوع ، وهي عملية دنيا فائدتها للنوع اكثر منها للفرد ، ولكن الامومة فى جوهرها يا ابنتى بناء وانشاء وغرس ، فاذا سمق البناء واعجب الانشاء وازدهر الغراس ، انتصرت الامومة في المرأة واحتفلت بيوم عيدها .

الامومة يا ابنتى طبيعة  ووظيفة وفن ، فهى فى أبسط مظاهرها وفجر ظهورها طبيعة هيأ الله لها كيان المرأة ، ثم تتدرج فتصير وظيفة مهمتها التغذية والتكوين ، فاذا

سمت وارتقت اصبحت فنا لا يحذقه الا الموهوبات فيه .

وفن الأمومة كفن الصياغة فى الأدب له أسرار ولفتات ولمحات ولمسات هنا وهناك . . . ان الامومة يا صغيرتى اسلوب أيضا يتفاوت بين الأمهات ، فعند أم يعذب ويروق ، وعند أم يمتع ويشوق ، وعند أم يرق ويصفو ، وعند أم يحلو ويسمو ، وعند أم يجزل ويخصب ، و . . . وعند أم . . يسف ويختل ، أو يضعف ويعتل ، فيطنب ولا اشباع ، ويتكثر ولا امتاع ، ويتهلهل وقد شاعت الركاكة فيه . . .

وفن الأمومة يا ابنتى كفن التلوين عند الرسام ، وهو يتفاوت ، كالألوان ، بين الأمهات أيضا ، فلون صارخ يصخب ، ولون فاقع ينفر ، ولون هادىء يريح ، ولون حالم يوحى ، ولون باسم يسر ، ولون ناعس يحلق بالخيال . ولون هامس يلهم الشعر . . . لون فيه اسرار ، ولون فيه أطياف ، ولون له

أضواء وظلال ، ولون يبعث الانسجام ، ولون يشيع السلام . . وهكذا الأمهات . . ألوان . . ألوان يا ابنتى . . .

وفن الأمومة يا حبيبتى الأولى كفن الخلق عند الرسام ، فواحد يشكل أجساما بلا روح ، وآخر يصنع رسما ينقصه التعبير ، وثالث يشكل أصناما ينكرها الفن الصحيح . . . وفنان يحرك جامد الصخر وينطق صامت الحجر ، فاذا الجسم لا تنقصه امارة من امارات الحياة فالعين تسر اليك ، والشفاه توسوس لك ، والوجه يتودد اليك ، والصدر يوهمك انه تفتح لك لتودعه اسرارك . .

والرسام بروحه الخفية يفضى اليك بسر راسمه ، ويحدثك حديثه فاذا بنفسه أمامك كتاب مفتوح ، واذا به أدنى اليك من صديق . ..

وفن الأمومة يا ابنتى موسيقى ذات الحان . . . فلحن يئز ، ولحن يقز ، ولحن يمل بالتكرار ولا معنى ، ولحن نشاز بلا هدف . . .

ثم لحن يحمس ، ولحن يحفز ، ولحن يصور ، ولحن يلهم ، ولحن يخلد ، ولحن يسرى اليك ، ولحن يحلق بك . ولحن يبكيك ، ولحن يهنيك ، ولحن يستغرق ساعتك ، ولحن تعيش فيه أياما واياما و . . لحن يهذب ، ولحن يرق ، ولحن يعلم الجمال ، ولحن يفسح الخيال . . . والحان والحان . .

والأمومة يا ابنتى صناعة أيضا ، فهي التى تصنع الرجال على ارادتها

كما تهوى وتختار . . والتاريخ اذا أقبلت عليه يحدثك حديثا لا ينفد عمن صنعتهم أمهاتهم قبل أن يصنعوه وكم من عظيم صنعه أبواه ولو لم يكونا من النابهين . ..

والأمومة يا ابنتى انتاج لا استهلاك . . حقا انها مزيج من الأنانية والايثار . . الأنانية من سلطان غريزة التملك ، والايثار من غلبة العاطفة ، وهو اللون الأغلب ، فهى كثيرا ما تعطى وليست كاولئك الذين يأخذون ولا يعطون وأروع ما يتجلى ايثارها في رغبتها الحارة في ارتفاع أولادها عليها ، ويتضاءل حب الانسان فيها لنفسه فتتمنى مخلصة أن يطول فرعها على الأصل الذى هو . . . هى نفسها . . .

انها الأمومة كشجر الليمون الذي يحمل في آن واحد الورق والزهر والثمر . .

وهي بهذا منبع للثروة يزيد على الأيام . . .

الأمومة يا ابنتى ، حنان غامر لا يتخلى ولا ينقص على الكبر ، بل لعله يعمق ويزيد من مغالاة . . وعلى قدر هذا الحنان بنوره والهامه واحيائه تكون قدسية الأم فاغدقي الحنان يا ابنتى الذي جعلناه لك اسما . . اغدقيه اما على بنيك ما امتدت بك وبهم الحياة . . فان الأم اذا اقست أو ضنت زلزلت القيم فى نفوس

أبنائها اذ يرون الشر يأتي من حيث قدر للخير أن ينبع وينحدر ويفيض . واذا اهتزت القيم تزلزل معها عرشها فلا تعود أما بالمعنى الأسمى ولا يغنى حينئذ عنها شيئا ما يتبقى لها من صفات الامومة ، اذ الولادة والرضاع كما حدثتك ، صفة مشتركة بين الأناث من كل نوع . ..

احفظى عني يا ابنتى جيدا هذا الكلام ، وكوني منارة ثابتة لبنيك يهفو الغائب الى مرفئها الرحيم ، ويجن العائد من فرح بنورها الحبيب ، ويسترشد الضال منها بالشعاع ، ويلوذ الخائف من الظلام بها ، إذا احلولك الليل . ..

ليكن في تقديرك دائما يا ابنتي أن  الامومة الجليلة هالة للبنوة تضئ حتى  بعد غياب مصدرها ، فالبنت خاصة  تنسب الى أمها .. واذا كانت الأمومة  لا تحمل معناها لحقت لعنتها أيضا  البنوة وأزرت بها . ..

قد لا يكون وراء العظيم امومة خالقة وابوة صالحة ، فكم يتامى استعاضوا بالخلود عما حرموه . وكم مضيعين رفعوا المشاعل لذوى الآباء . . قد لا يكون وراء العظيم أمومة خالفة وأبوة صالحة - حقا

هذا ، ولكن المجرم ، حتما وليد أبوة فاشلة أو أمومة آثمة . . .

أعرفت يا صغيرتى الأثر العميق الذي للأم فى حياة البنين ؟

انك وافرحتى تقرئين الآن فارفعي في يدك كتاب أديبنا العظيم الاستاذ ابراهيم عبد القادر المازنى . . افتحي الصفحة ١٠٢-١٠٣ من كتاب ( قبض الريح ) واقرئى لأسمع وصف الكاتب الذكى للأمومة فانه من أروع ما قرأت ، وبعض واجبى أن اهدى الى عقلك هذا الشعاع :

". . . الشعور الأبوى مرجعه الى غريزة حفظ النوع كالحب وأساسه في الرجل والمرأة واحد . والعاطفة موجودة ومردها عند الرجل والمرأة من حيث التكوين ، وما أعدتهما الحياة له ، ومن حيث طبيعة الحياة يجعل هذه العاطفة أقوى فى المرأة وانضح منها فى الرجل ، ثم تجيء الصور الذهنية التى تحصل لكل منهما فتزيد هذه العاطفة وتضرمها . وهذه الصور عند المرأة حشد حاشد وبحر زاخر لا آخر له ولا نهاية . . فهي لا يسعها الا ان تذكر ما عانت فى شهور الحمل . وما جربت في أطواره . واحست من حركات الجنين في جوفها ، ثم ما كابدت من عذاب الوضع . وكم ألف الف صورة

تحصل في ذهنها بعد ذلك . منذ كان طفلها وليدا . الى أن يشب عن الطوق ، ويدخل مداخل الرجال أو النساء . وكل حركة ومصة من ثديها وابتسامة ونظرة وتعبيسة وعولة ، وصوت ونهضة ، وعثرة وخطوة - كل ذلك منقوش على صفحة قلبها ، مرتسم على لوح صدرها ، مذخور فى رأسها ، وجوها حافل بهذا الطفل ، وحياتها كلها دائرة عليه غير منفصلة عنه ، وماضيها كان تمهيدا له ، وحاضرها مستغرق فيه ومستقبلها آمال منوطة

به ، وأخلق بهذا أن يعيننا على تصور روعة الامومة وعمقها وسعتها وانطواء كل احساس فيها ، وتسرب كل شعور اليها ومنها . ولما كان نصيب الرجل من هذه الصور التى تحصل فى نفس المرأة أقل وأضال ، فلا عجب أن يكون غذاء العاطفة الابوية اتفه جدا مما يغذى عاطفة الامومة . وهل الحياة الا الصور التى تحصل في الذهن ؟ "

بوركت لى بنتا ، وبوركت لوطنك أما ، وبورك لك فيمن تنجبين . . .

اشترك في نشرتنا البريدية