الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الانتاج الأدبى وسلامة اللغة

Share

إن فى عنوان هذا الموضوع(  * ) لغرابة فى الظاهر لأن الانتاج الأدبي في الواقع ومن طبيعة الاشياء تكون لغته سليمة وإلا كيف تطلق عليه كلمة انتاج أدببي ويحشر فى باب الادب.

ولكن هذه الغرابة تزول شيئا ما عندما نفطن الى أن المشكل أو القضية إن كانت هناك قضية هي أن الكثيرين من الخلاقين ولا أقول المنتجين عمدوا الى التجنى على اللغة العربية وفي ذهن الكثير عمدوا الى إفساد اللغة ونالوا مر سلامتها وأمنها . إنهم إذن معتدون آثممون ، يحق لنا أن نرفض انتاجهم ولا نعده من الانتاج الادبى.

ولكن ما هو المقياس فى اعتبارنا لسلامة اللغة ؟ وأى لغة من العربية نعنى ؟ هل هى لغة شعراء الجاهلية وخطبائها أم هى لغة القرآن ؟ وكلنا يعلم العنت الذي وجده النحويون واللغويون الاولون فى ضبط قواعد هذه اللغة واخضاع شرودها والانصراف الى تقنينها كلفهم ذلك ما كلفهم حتى ولو أدى بهم الامر الى إيقاف حركية هذه اللغة .

غير أن قوة اللغة الفصحى وقدرتها على الانصهار فى الحياة العربية الاسلامية المتدفقة آنذاك لم يوقفها عند حد واخرجت لنا فحولا وعباقرة أخضعوا اللغة الى مقتضيات حياتهم وخصب وجودهم فعدوهم محدثين مولدين وعددناهم نحن كلاسكيين بلغاء . فهل نطمئن الى لغتهم هم أم الى لغة من قبلهم ؟ هل نقيس سلامة اللغة على لغة ابن المقفع وهو الذى صهر الجملة العربية صهرا جديدا لم يعرف قبله أم لغة الجاحظ وأبى حيان التوحيدى ، أم لغة المعرى والغزالى ، أم لغة ابن خلدون والشابى والمسعدى ؟ كل هؤلاء وفي كل فترة من فترات حياة اللغة العربية بهم دخلت ألفاظ جديدة واستعملت كلمات فى معان جديدة وتعقدت التراكيب ودخلت في الجملة العربية روح جديدة ونفس جديد حرك اللغة وهزها هزا لتتجاوب معها النفوس فى كل عصر وتعبر بقوة وفي انسجام  تام عن كل دوافع الحياة ومشاغلها ولو أن هذا لم يكن باطراد.

ولكن للأسف أن ليس لنا ، والمجامع العربية تعمل باستمرار منذ ما يقارب الاربعين سنة ، قاموس يضبط تطور الالفاظ والكلمات العربية فى فتراتها

الطويلة المتعددة وليست لنا دراسات تبين ما طرأ فى كل حقبة ازدهرت فيها العربية من تراكيب وهياكل للجملة جديدة.

ولعل أهل العربية فى هذا عزموا فى قرارة أنفسهم ألا ينظروا الى اللغة نظرتهم الى الكائن الحي بل نظروا اليها كشىء معلق براق وهاج مشرق ثابت لا يتزحزح فظنوا ولعلهم واهمون ، أن اللغة لم تتغير تماما وانما هى هى ؛ لهذا فانهم أعرضوا اعراضا عن النظر الى لغتنا من هذه الناحية . واستعاضوا عن هذه النظرة بفكرة أخرى أعدها خطيرة جدا على العربية وهى سعة اللغة اذ اعتبروها ثابتة فى حد ذاتها غنية بصفة مطلقة ولهذا اختلفوا فى كثير من لقواعد وفي كثير من المعاني ولم يؤكدوا البتة هذا المد المتتابع الذي يتقدم باللغة من فترة الى اخرى ومن كاتب الى آخر.

ولعل خلاف اللغويين والنحويين اذا نظرنا اليه من وجهة حركية اللغة لا سعتها كان فيه رحمة رحمة باللغة العربية اذ هي لو ضبطت ضبطا محكما مرة واحدة وللأبد ، كما يتوق اليه البعض أو يعتقده ، لكان فى ذلك جمودها المطلق الذي لا رجعة فيه .

لهذا فان ايجاد مقاييس يتفق عليها لسلامة لغة الخلق أمر يكاد يكون مستحيلا من أول وهلة نظرا لتعدد المقاييس ونظرا الى أن أعظم ما ينطلبه ويشترطه المقبل على الانتاج قراءة ودرسا هو درجة سيطرة الخلاق على اللغة ببث روح جديدة فيها ، تذهب به حتى الى الخروج عن بعض قواعد اللغة وتراكيبها . وهذه الناحية لا يخلو منها شعر عبقرى من عباقرة العربية ولا انتاج كاتب من كتابها فى القديم ، وهو ان أنعمنا النظر وجدنا أن حاجة أكيدة ماسة دعت الى ذلك أو تأثيرا مباشرا مأتاه الحياة اليومية ومنشؤه المشاغل الوجودية .

لهذا فان من انصرف جل حياته الى التأثر بالجاحظ والانطباع بلغته فانه يجعله مقياسا لكل ما يقرأ وتظهر له حتى عند كبار الكتاب الذين أتوا بعده عيوب ما هى بالعيوب.

كما أن من انكب على أدب عصور الانحطاط وعلى انتاج من جفت فيه روح الخلق نجد لديه المقاييس بالنسبة لسلامة اللغة مائعة الى حد الفوضى.

إذن ما هو الموقف من هذا المشكل وهل اننا نقتصر على الوقوف موقف المشاهدة والحكم بنسبية هذه المقاييس ونترك الحبل على الغارب لكل خلاق ولكل منتج وندعي أن قوة هذه اللغة وقدرتها تجعلها تخرج عن كل ضبط وتحديد شديدين.

أليس فى النظر الى اللغة بصفة مطلقة ، بقطع النظر عن الزمان والمكان خطر بجعلنا لا نتحكم فى مصير لغتنا وبالتالى مصيرنا ويجعلنا نميل الى تسليط اذواقنا والاكتفاء بوجهات نظرنا من دون الرجوع الى واقع الامور.

وواقع الامور هو أن ننظر الى تاريخنا ونعرف موقف شعبنا طيلة الاحقاب من ظاهرة اللغة وموقف الخلاقين والمنتجين فى هذه الديار . هذه هي الطريقة التى يمكن أن نصل بها أكثر من غيرها وبأهون الاخطاء الى اتجاه ثابت قار لعله يحمينا من النظر المجرد والفكرة الهوائية .

فهل لنا دراسات لغوية عصرية تبين لنا التطور الذى حصل للغة الفاتحين المسلمين وكيف صهر هذا الشعب هذه اللغة بما له من مقومات وبما له مر شخصية شأنه فى ذلك شأن سائر الشعوب العربية ؟

وهل حاول الدارسون للادب التونسى القديم أن ينظروا الى ادب ابن رشيق والحصرى وابن خلدون مثلا بصفتهم ابناء هذه البلاد وقد أثر فيهم مناخها وتطبعوا بخصائص شعبهم وهل حاولوا البحث عن الجوانب التى طور بها هؤلاء الادباء اللغة العربية فأتت شيئا آخر وإن كانت في الظاهر هى هي ؟

وهل بين لنا الدارسون على الاقل التيار الذى كان يحافظ على العربية أشد المحافظة خوفا عليها من كل ما يمكن أن يؤثر فيها من مقتضيات الحياة الخاص بكل شعب . حتى رأينا اللغة الفصحى تبتعد الى أقصى درجة عن اللغة العامية لكل أمة من الامم العربية ؟ وهذا التيار ما زالت الى اليوم آثاره باقية .

وهل ظفرنا بدراسات اضافية عن لغة الموشحات بالاستناد الى السنة الثقافية التى درج عليها أهل الاندلس وبالاعتماد على مقومات ذلك الشعب. لقد اكتفينا بعموميات وغضضنا الطرف عن أهم العوامل التى صهرت اللغه العربية فى الجزيرة ؟

هذه أسئلة طرحتها لأنني أعتقد أن في كل شعب من الشعوب العربية مقومات وخصائص ثابتة قارة هى التى طورت لغة الكلام من جهة وهي التى اثرت في لغة الخلاقين ان كانوا أصيلين أبناء شعوبهم حقيقة أو هي لم تؤثر فبقيت لغتهم هوائية جوفاء مجرد كليشيات .

لهذا من واجبنا أن نبحث عن هذه المقومات وهذه العناصر القارة الموجودة فينا وخاصة عن هذه السنة الادبية والفكرية القومية التى لم تتغير منذ أزمان والباقية فينا مدى الدهر نغذيها من دون أن نشعر وغذاها قبلنا أجدادنا كلما تدفقت فى أنفسهم وتيقظ فيهم الحس وتفتقت لديهم القرائح.

هذه السنة الادبية والفكرية القومية يجب البحث عنها فى جميع أحقاب حياة شعبنا وخاصة ، فيما انتجته قائح أدبائنا بأية لغة كانت .

ألم يحافظ أهل الجزيرة العربية رغم إسلامهم وتحمسهم له على السنة الادبية العربية التى ترعرعت وثبتت وأحكمت مقوماتها قبل الاسلام بالرغم عما أتى به الدين الحنيف من دعوة الى تطهير الاذهان وتأثير على العقليات للنظر الى الحياة نظرة جديدة حافظ العرب على سنتهم الادبية وتمسكوا بها فى الشعر خاصة وفي أغلب أنماط أدبهم لأنهم اعتقدوا وهم محقون أن ذاك هو روحهم لا يمكن أن يغيروا فيه شيئا . ورغم هذا فان من دخل على الادب العربى من الامم الاخرى وخاصة الفرس دخلوا بسنة ثقافية أخرى وحاولوا بما تأتي لهم من قوة ان يطبعوا بها العربية وأفلحوا أحيانا بما طعموا به العربية من الفاظ وتراكيب وغيرها وأخفقوا أحيانا أخرى.

فلماذا نحن كشعب عريق فى الحضارة لا ننظر الى ادبنا والى أدبائنا قبل الفتح الاسلامى ونحاول أن نضبط السنة الادبية والفكرية التى درجوا عليها لعل ذلك يدلنا على حقيقتنا ويعرفنا بذاتنا ويبرز ملامح شخصيتنا التى عملت أنظمة كثيرة أجنبية على طمسها واحلال معالم مشوهة مكانها قد بقى شعبنا من حسن الحظ مقاوما لها منذ الآزال رغم الظواهر.

ولعل مما يؤيد هذه النظرة أن الادب اللاطينى( * ) الذي خلقه أبناء قرطاج قبل الفتح الاسلامي وزخرت به مكتباتها يحمل بين طياته هذه السنة الادبية والفكرية القومية التى نجدها بالتالي مبثوثة كأحد ما يكون البث فى ادب الشابى والحداد وسعيد أبى بكر والدوعاجى . وإن الذى يهمنا منها هنا هو مواجهة الادباء التونسيين مثل أغسطينوس وأبوليوس وغيرهم لظاهرة اللغة وهي اللغة اللاطينية .

هؤلاء الذين نشأوا ولغتهم هى البربرية البونيقية وتعلموا فى المدارس اللغة اللاطبنية الكلاسيكية وسمعوا وتأثروا باللغة اللاطينية العامية كان موقفهم من هذه اللغة عندما كتبوا ان طوروها وأدخلوا فيها ألفاظا جديدة وتجنوا على نحوها وأسسوا نظما جديدا كان هو نقطة انطلاق للشعر الاوروبي الحديث .

ولقد أعرضوا عن كل تقليد وأعرضوا عن كل ما يخونهم فى روحهم الافريقية ويجعلهم اجانب فى قومهم . ولقد صرحوا بهذا فى أدبهم الزاخر الذي إن قرأناه وجدنا فيه تجاوبا كبيرا وقربا منا محيرا .

ولم يمنع هذا الادب الذى كان وفيا لقومه من أن يصبح انسانيا اذ انه يكاد يكون هو الوحيد وهو باللغة اللاطينية الذى يقبل عليه عامة القراء فى العالم كاعترافات أغسطينوس والمسوخ لأبوليوس.

وهكذا فان اللغة اللاطبنية بشهادة جميع الدارسين لم تعرف أمة طبعتها بطابعها الشخصى من اقحام لكلمات شعبية ومن تطوير للجملة المطنبة الى جملة قوية ، متوترة ، براقة ، ملونة مثل هذه الأمة .

هم نظروا الى اللغة ككائن حى واعتبروا أن الامر بالنسبة اليها ليس هو مسألة أساليب تتعدد بتعدد الكتاب على حساب نمط واحد ولد في بيئة معينة وفى ظرف معين وراحوا يستخرجون منه ألوانا ترجع فى الآخر الى النمط الاول بل هم اتجهوا الى اللغة نفسها يفجرون منها نمطا يتماشى مع طبيعتهم وطبعهم ومع مقومات شخصيتهم المتأثرة بجمال هذه الطبيعة وبعنفها فى آن واحد وبشمسها المشرقة وتيقظ الخيال والحس بها وبوهج العقل وتوقد الفكر. فأتت لغة هؤلاء متميزة عن لغة غيرهم من الكتاب اللاطينيين والتآليف فى هذا موجودة ترقب من يلقى عليها نظرة ويجرى فيها النظر هذا المجرى.

ولقد بقيت هذه السنة الادبية والفكرية فى الشعب التونسى عندما اعتنق العربية وظهر هذا المنحي في الكتابة باللغة العربية عند الافذاذ الذين أنبتهم هذه التربة مثل ابن رشيق فى كتابته المتميزة عن غيره من النقاد العرب وفى شعر الحصرى وما انبنت عليه لغته من حرارة اللفظ وتوثب الجملة وغرابة فى بعض الاحيان وغيرهما من الادباء . كما أن هذه السنة الادبية والفكرية القومية ظهرت أحد ما تكون عند جيل الشابي الذي أحس مفرط الاحساس بقوميته وبنوعية شخصيته حتى وصل به الامر وهو الذى لم يعرف لغة غير العربية الى أن يصرخ متألما عندما قال في الخيال الشعرى عند العرب : " إن الذي يغض منا معشر التونسيين أن نتخذ من هذا الادب ( الادب العربي) الذي لم يخلق لنا ولم نخلق له غذاء لأرواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره " . وواجه مشكل اللغة بأن بث فى الشعر العربى ايقاعا جديدا ونفسا جديدا لم تعرفه العربية من قبل .

وأكبر وعى بمشكل اللغة هى لغة السد للمسعدى فان الذى يبهر القارىء من أول وهلة هو هذا الاعتناء المفرط بالجملة وهذا العزم الثابت الملحاح لقلقلة

اللغة وصهرها والتغلب عليها والتلاعب بها . أليس هذا من قبيل ما سماه الدارسون للأدب اللاطينى بالاسلوبية ( Stylisme ) واقروه كظاهرة خاصة بالادباء الافارقة الوثنيين منهم كأبوليوس والمسيحيين مثل أغسطينوس . هي السنة الادبية والفكرية القومية ورثناها وما زلنا اوفياء لها كلما صدقنا أنفسنا واخلصنا اليها .

واليوم ونحن نجد أنفسنا أمام ثلاث لغات تتنازعنا عند الكتابة اللغة الفصحى واللغة العامية واللغة الفرنسية ماذا يكون موقفنا من لغتنا .

هل نضيق على أنفسنا الى حد الذوبان فى الغير أم نسير حسب سنتنا التى درجنا عليها فى جميع العصور وهو صهر اللغة والتصرف فيها بحسب طبيعة الخلاقين منا بشرط أن نبقى على عبقريتها وعبقريتها عندى هى كامنة فى نحوها فقط . إذ المحافظة على القواعد النحوية أمر لا محيد عنه لمن يريد أن يكتب بالعربية والا فكتابته عامية أو بلغة أخرى غير العربية .

سلامة اللغة اذن ليست فى المحافظة على لغة البلغاء ولا على لغة الجاحظ أو غيرهم بل سلامتها أى حياتها هى فى تمشيها مع سنتنا الادبية والفكرية القومية وفى اخلاصها لمقومات شخصيتنا وانصهارها فى مقتضيات وجودنا وارتباطها بأسباب تقدمنا وهى لا تكون كذلك الا بنا نحن اذا أخلصنا لانفسنا وأمنا بشخصيتنا وانصهرنا فى روح شعبنا الممتدة خطا مسترسلا يتضح ويبين على مر الدهور.

_2_ رجوع الى النصوص القديمة

تدعيما لما ورد فى القسم الاول أورد هنا ، بتصرف ضئيل ؛ صفحات من كتاب " بول مونسو " حول الكتاب والشعراء الأفارقة   P . Monceaux , les' Africains , ' Paris 1894 هي تؤكد في كثير من المواطن  ما ذهبت اليه من وجود سنة أدبية فكرية عريقة فى القدم . واذا كان بعض هؤلاء الادباء والمفكرين لم يولدوا فى قرطاج فانهم تكونوا وتأثروا منذ شبابهم بشعب قرطاج وبأساتذة هذه المدينة العظيمة . وما ذكره أبوليوس وأغسطينوس من تمجيد لها واعتراف بفضلها بجعلنا نرجع هذه السنة الادبية والفكرية القومية الى الانتاج الذى نبع منها وانتشر فيها هى قبل غيرها :

قرطاج ام مدن افريقيا كلها فى العهد الرومانى

" إذا نحن اردنا معرفة الادب الافريقي جملة علينا الانطلاق من قرطاج . لان  هذه المدينة العظيمة كانت بحق أم المدن فى البلاد كلها ، وكان شأنها في ذلك زمن الامبراطورية الرومانية كشأنها فى عهد الامبراطورية القرطاجية . فكأن قدر لقرطاج ان تقوم بدور العاصمة لانها كانت بموقعها فى طليعة البلاد البونيقية والبربرية ولانه كان وراءها مخازن زاخرة بالرجال والاراضى ولانها كانت من جهة بعيدة عن رومة قصد الابقاء على طرافة مظهرها ومن جهة اخرى قريبة من ايطاليا ومن الشرق للانصهار فى التيار العام للحضارة.

فكانت المركز الفكرى لافريقيا الرومانية ، وهو مركز حى ، غنى ، نشيط كان يستوعب جميع قوى الوطن الحية لاخصاب العمل المشترك والاشعاع نحو جميع الجهات . ولقد ولد فيها مؤلفون كثيرون ، وقصدها آخرون للاستيطان فيها ؛ وكلهم مروا بها ؛ ولم ينج واحد منهم من جاذبيتها حتى الذين قادهم طموحهم فيما بعد الى رومة او الذين استقروا فى مدينة بعيدة هناك في موريطانيا او نوميديا كل الناس كانوا يأتون من شمال افريقيا الى قرطاج للبحث عن مزيد من العلم او فضل من الشهرة او الثراء . فلقد كانوا يجدون فيها كل ما يجعل العواصم الحقيقية كعبة القصاد فى كل الازمان ، اذ لم يكونوا يجدون فيها ترف الحياة واسباب مواصلة الدراسة فقط بل الوسط الملائم لظهور المؤلفات الادبية ولتحريك السواكن ولتمتين صداقات المؤلفين او تضخيم خصوماتهم وكانوا يجدون فيها الجماهير المغدقة للمجد ويظفرون فيها بعموم العارفين الذواقين.

مقومات الاديب الافريقي

إن معظم كتاب هذه البلاد حتى العظماء منهم يبقون دائما فى جانب من جوانب انتاجهم منغلقين على الفهم اذا نحن أعرضنا عند قراءتهم عن كل الظروف التاريخية التى حفت بهم والادب الافريقي هو بطبيعة الحال مقاطعة بالنسبة للآداب اللاطينية ولكنها مقاطعة لها وجهها الخاص وعاداتها وعبقريتها وأمجادها .

ذلك أنه تعايشت فى افريقيا الرومانية ثلاثة أجناس متنافرة وثلاث لغات متباينة وكذلك ثلاث حضارات مختلفة . فهذه العناصر المنوعة لم تعد ان تراكب بعضها على بعض فى الغرب والجنوب أو فى الارياف : وبهذا لم تنتج شيئا فى ميدان الفكر  ( * ) . غير أنه تأسست منذ القديم فى البروقنصلية وعلى السواحل مدن كبرى او هي تفاقم عمرانها وتمكنت من أن تجمع القوى الحية

المنبثة فى المراكز المجاورة وذلك ابتداء من القرن الثاني ميلادى بالنسبة لنوميديا والقرن الثالث بالنسبة لسهول موريطانيا . فى هذه البقاع التقي الرومان الفينيقيون والبربر مختلطين وقد أوشكوا على التصالح . فتولدت عن هذه الزيجات برجوازية جديدة معقدة فى أصولها ، طموحة مؤثرة ، تواقة الى العلم والمناصب ، وفية لرومة وللولاة الرومانيين ولكنها قبل كل شئ متشيثة بمسقط رأسها ، إفريقية فى منزعها ومصالحها وعاداتها ولغتها . وهذه العائلات المنتسبة الى بلديات نوميدية أو مورية تنحدر فى آن واحد من أجداد كانوا معمرين أو جندا ايطاليين ، وكانوا أيضا تجارا قرطاجيين وأصحاب صنائع بربرا . وفى بعض الاحيان تنزل على هذه العائلات ومضة من العبقرية أو الابداع : فيولد الكاتب العجيب الشغوف بالدرس الى حد الهوى والمتمرد على الثقافة الكلاسيكية فى آن واحد وهو يظهر دائما بمظهره المستعار تحت ثوب الادب الرسمى ولكنه يتقد حماسا وشجاعة واخلاصا سواء كان يدعى مانيليو أو ابوليوس أو يدعى ترتوليان أو القديس أغسطينوس وكلهم خليط عجيب صهرته ايطاليا وافريقيا والشرق والغرب .

وهذا الكاتب يبقى دائما مدينا لرومة . لان وطنه لم يستيقظ للحياة الفكرية الا برومة . خاصة وان اللهجة البونيقية او الليبية التى تناغي بها وهو في حضن امه لا تتلاءم مع مناحي تفكيره : فيضطر الى أن يكتب باللاطينية .

ولما كان أهله يعقدون عليه الامال العراض فانه من المفروض أن يتعلم وهو صغير على معلم اللغة الرسمية . ويبقى المؤلفون اللاطينيون الذين سحروا طفولته أو صدموها هم المثال الذى يحتذى . وهكذا نفطن بسهولة الى انه قد مر بالمدرسة . وستبقى عليه دائما مسحة معلم البلاغة .

ورغم ذلك فهو لن يشبه ابدا أحد معلمي البلاغة فى اليونان أو رومة . اذ يبقى فى قرارة نفسه ما يجعله يقاوم الثقافة الكلاسيكية . . فلن يكون رومانيا كما أراد . وستبقى الى أبد الابدين فى ذهنه وأسلوبه آثار لغته الام وهى ذكرى باهتة لسنوات الطفولة ورسوخ للغة الحديث اليومية ، ووفاء لاشعورى لاجداده القرطاجيين والبربر .

وسيبقي معلم بلاغة ولكنه معلم بلاغة افريقي . وسيتنكر لأصوله عندما يندفع فى تقليد رومة فى اخلال ظاهر . ولكنه لن يخجل ابدا من الانتساب الى  ذويه . بل بالعكس سيكون دائما معتزا ببلاده . وسيستقر بها حياته كاملة ؛ واذا اتفق أن قاده طموحه الشاب الى رومة فهو سيندم على مفارقته لافريقية ؛ وسيرجع ، ان امكن له ، لا ليموت بين أحضانها بل ليعيش طويلا وليتمتع

بمجده . وهو سيختار من بين المؤلفين الافارقة دون سواهم من عظماء المؤلفين بما جبل عليه من خفي التجاوب معهم . ومهما أجهد نفسه فسيجدها غريبة بين الرومانيين فى رومة وخاصة المعاصرين له . وسيكون فهمه أيسر للكتاب القدماء مثل أنيوس (Ennius ) أو قاطون ( Caton ) الذين كان القوم يعجبون بهم أثناء الحروب البونقية والذين جروا معهم المعمرين الاول الى البروقنصلية .

ومما يميزه عن روم ايطاليا ويبعده عنهم اشواطا هو ما ورثه بالخصوص عن الاجناس الافريقية القديمة . فسيكون مدينا لاهله القرطاجيين بمحاسنه ومساويه . فأول ما ورثه ، خصب الخيال والحساسية المفرطة ولكنها مرضية شيئا ما والشعور الحاد الى درجة الافراط . . بجلال الطبيعة . وورث أيضا النظرة الصوفية المرفقة فى شىء من التناقض العجيب الموجود فى قرطاج العتيقة ، بروح عملية بالغة وبانشغال دائم بالنفع ورغبة ملحة لتلقين غيره واقناعه ، وأما فيما يخص الاسلوب فنجده براقا ناصعا بارزا حافلا بالصور ولكنه الى جانب ذلك محشو بالمبالغات ، مرتاح فى افراط الى استعمال الاستعارة حتي فساد الذوق . فبمظاهر ابداعه هذه يقترب المؤلف الافريقي من الشرقيين اكثر من الكلاسكيين . وبهذا يرجع الى قدماء القرطاجيين . أما بأي شئ نرده الى البربر : فبشدة البأ س ، وحدة الطبع التى تقود غالبا الى العنف ، وبالشخصية الممتازة ، والنزوع الى الحرية وحب الرحلات الطويلة مع تعلق شديد بالوطن ورغبة أكيدة فى الرجوع اليه .

وهكذا فانه ليس هناك أشد تعقدا من المؤلفين اللاطينيين الافريقيين لاننا نجد دائما عندهم شيئا يكمن تحت الرومانى مرده الى القرطاجيين والبربر . ومن هنا يتضح كل ما فى حياتهم ومؤلفاتهم من تناقضات . ورغم هذا فان وجههم المتقلب له نوع من الوحدة : فتزداد نصاعة عند مقارنتهم بكتاب الجهات الاخرى من الامبراطورية . ففيهم هذا الذي يجمع بينهم وهو أنهم أفارقة وانهم يهيمون ببلادهم وان كلهم تأثروا شديد التأثر بمناخهم المتميز أشد التميز ، فلقد أتمت فيهم أرض الوطن ما بدأه انصهار الاجناس.

ذلك ان بلاد الاطلس هذه سرعان ما تأخذ بلب كل من يغامر فيها . فهي صالحة لاجناس مختلفة اختلافا عظيما لموقعها المتوسط بين السودان وأوروبا الجنوبية والشرق : لقد طاب المقام فيها فى جميع الازمنة لكل من وجد بها من معمرين ايطاليين او اسبان ومن فرنسيين من البروفانس ومن عرب وزنج ويونان وترك . وهي وان كانت دائما مغزوة فانه ينتهى بها الامر الى كسب نمزاتها وصهرهم ؛ فلم تكن الامبراطورية الفينيقية فى قرطاج لتشبه اختها في

صور ولا سلاطين تلمسان سلاطين بغداد ولا الجزائر لتشبه فرنسا . فما لبث أن أصبح الاطلس بالنسبة للفاتحين وطنا ثانيا نسوا من أجله وطنهم الاول . وسحر البلاد ليس أقل وقعا فى أنفس أغلظ الجند أو المعمرين من وقعه في العقول الظريفة وكما كان الامر فى الماضى بقى فى الحاضر . لقد وقع غزو ابناء الغزاة الرومان .

فالارض الافريقية هى عامل من العوامل له خطره أثر فى الادب الافريقي . فهنا يتحتم النظر الى الطبيعة لفهم الاديب . . .

ويتقد الهوى فى هذا المناخ بسرعة بالحب أو الحقد أو الغضب وتحتد لحواس فى غمرة من العطور والانوار والاصوات ، ذلك أن الشمس في صفح الاطلس تثير نشاط الناس وخيالهم من دون أن تنهكهم أو تثقل عليهم  .. وظل الافريقي فى جميع العصور كما هو الآن يندفع بنفس الفورة بين الحلم والعلم . وكما كان وما يزال شأنه فى الحياة ، كان شأنه فى الادب اذ خلق بنفسه منه أسلوبا أشد حرارة وأكثر التصاقا بالملموس وأغزر حيوية : لقد بحا نحو الخيال والهوى أكثر من العقل ، وانطلق فى مجال المغامرة والاقدام أكثر من اتجاهه نحو المنطق والتقليد . فأديب قرطاج أو عنابة بمؤثراته يرجع الى معلم البلاغة اليونانى والرومانى والى النبى الشرقى وصاحب الصنائع القبائل معا ؛ كل هذا اندمج فى طفرة طبعه وعنف المناخ وأخرج هذا الكائن الطريف المعقد ألا وهو الافريقي .

أصالة لغة الأدباء الأفارقة

ولقد صنعوا لانفسهم لغة خاصة بهم ، غريبة ولكنها حارة ، خارجة عن الوضع ولكنها حية : وكان النحويون والعروضيون رغم كثرتهم وعلمهم وحرصهم الكبير يخفقون دائما فى سعيهم للتمسك بقواعد النحو والعروض . واذا نحن حاولنا مثلا أن ننتظر من القديس أغسطينيون أو أبليوس استعمالا صحيحا للالفاظ او احتراما للنحو التقليدى فاننا نعرض أنفسنا الى كثير من الخيبات . وفي الحملة فان الشعراء حذقوا النظم الكلاسيكى ؛ ورغم ذلك فاننا نجد عند كثرهم بعض التحرر في العروض وبعض الغرائب فى الاوزان ؛ ولقد سخروا فى كثير من الاحيان من كمية المقاطع ؛ ومضوا ، وهم أول من بادر بذلك ، حتى الى توقيع الابيات حسب نبرة الكلمة ( * ) .

واذا قلبنا الامر على وجوهه فاننا نصل الى نفس النتيجة وهو أن الافارقة

فى جميع آثارهم الادبية سواء من حيث المضمون أو الشكل أو من حيث اللغة أو العروض قد حفظوا كثيرا عن المدرسة ولكنهم كثيرا ما خرجوا عن التقاليد الكلاسيكية . ذلك ان طبيعتهم دفعتهم الى سبل غير مطروقة.

هكذا تتضح لنا ملامح الاديب الافريقي فهو من جهة له ملامح الغربي في صفائها وقوة تعبيرها وحزمها وهو من جهة أخرى له ملامح الشرقى في تموجاتها وأحلامها .

فهو أولا تلميذ نبيه تردد على الجامعات وأتقن فيها النحو ، والقانون والفلسفة وكل ما يدرس . وحفظ كل هذا فى ذاكرته من دون نظام . وفي كثير من الاحيان سيثقل عليه هذا الذى حفظه . وهو فى كل مناسبة يميل الى اظهار غزارة علمه ؛ فيكون تارة فيلسوفا وطورا فقيها . وأخرى نحويا . وهو يتوق الى أن ينتفع بعلمه كل الناس ؛ لأنه يعتقد أنه من واجبه ان يكون صالحا ولو ادى به ذلك الى المناقشات الفارغة والادمان على اللفظ في سبيل اللفظ . وهو الى ذلك رجل مستقيم السيرة ، مواطن صالح ، مخلص لوطنه وأصدقائه وأقربائه والد حنون يهتم كثيرا بتعليم أولاده وهو أيضا لا يخلو من إباء ومن توق الى الحياة الحرة .

وعلاوة على هذه الاستقامة وهذا النزوع الى النفع وحب الدقة المتكلفة فهو يملك روحا قلقة متحولة تدفعه الى الرحلات الطويلة وحبا للاطلاع على الاصقاع البعيدة بما فى ذلك الآخرة . ورغم حبه لبلاده فانه سرعان ما يفارقها لنزوة تعتريه قصد الاطلاع على الجديد ولو أدى به ذلك فيما بعد الى الندم والرجوع بسرعة الى وطنه . وهو لا يقتصر فى عبادته على التمسك بطقوس الديانات الرسمية . فان كان وثنيا فانه لا يستقر على حال في سبيل ارضاء تقواه ، فيرتاح الى الطرق ويعمد الى تعلم سحر العبادات السرية ويأخذ مأخذ الجد كل ما يصدر عن شطحات الافلاطونية الحديثة أو علم التنجيم أو السحر ؛ وان كان مسيحيا فهو يتفنن فى ايمانه ، ويتوغل فى أشد المذاهب غموضا ويتقصى كل منغلق على الفهم وينتهى به الامر غالبا الى الخروج .

قال سيدوان أبو لينار : لاهالي مدن افريقية خيالا ملتهبا أشد الالتهاب مثل مناخهم " . وفعلا فان الافريقي هو رجل ذو خيال ( * ) متجدد متقد وفنان

عصبى معرض للانفعال بسرعة . فهو يحب ويفهم الطبيعة العنيفة التى تحيط به ؛ وبسهولة يرسم لك منظرا طبيعيا أو يضبط لك شعورا عابرا . وهو يريد أن يبعث الحياة فى كل ما حوله ، حتى المجردات وهو مولع بالكنايات فهو الرجل الذى تتحكم فيه الطفرة الاولى وهو غير قادر على امتلاك صراحته الشديدة لهذا فهو ينفعل مع جميع ألوان العنف . . .

وهو الى ذلك ولد وفى نفسه بذرة الخطابة كما نلاحظه ابتداء من زمن جوفينان . . . في كل ما يقدم عليه من أعمال سواء تعاطي الفلسفة أو التاريخ أو الدين أو كتب نثرا أو شعرا فانك تجده دائما خطيبا مندفعا مخلصا .

وهو لم يكن مخلصا فقط بل هو ذاتى ؛ وليست هى أخف جوانب طرافته فى العالم القديم . اذ هو يحطم بدون شعور العادات الكلاسيكية . فهو دائما بجعل لنفسه المقام الاول ربما لزهو ساذج أو لحاجة ملحة كامنة في طبيعته . فهو إن تحدث من فوق منصة وفي مسرح أو كتب قصة أو قصيدة ، أو مقدمة او هجاء أو مذكرات أو رسالة فى النحو فانه سيتحدث قطعا عن نفسه . . فهو لا يرى او لا يعرف كيف يختفى وراء تأليفه ؛ ولا يفوته أن يكشف فيه عن شخصيته . فظهور النزعة الفردية والذاتية هى من أكبر مظاهر التجديد فى الادب . ولقد كان لافريقية اعتمادا على هذه النزعة الفضل فى انتاج تحفة فريدة فى بابها متمثلة فى فن من فنون الادب كان له من ذلك الوقت الرواج الكبير وهو : اعترافات القديس أغسطينوس .

وكل ملامح المؤلفين الافارقة هذه بمحاسنهم ومساويهم توجد فى أسلوبهم . وهو أسلوب من غلب عليهم الخيال والخطابة ، اذ هو ذاتى الى حد بعيد ، متأنق ومتفضل معا ، حي ومتفاوت القيمة ، غايته صرف الانتباه وصم الغير بأي ثمن كان . والمساوى كثيرة : من تهاون متنوع مرده الى الكتابة السريعة والكتابة الشبيهة بالحديث ، ومن أخطاء لا تحصى فى النحو ؛ ومن ضرب من تهور سكان المقاطعات والاجانب القاصرين على التنبه الى العبقرية اللاطينية الكلاسيكية أو على الانصهار فى عادات العاصمة ؛ ومن تنازل متكرر لارضاء الذوق الشعبي  ونزوات جمهور مختلط ، وعلاوة على هذا هناك رغبة فى الاعجاب مع افراط فى المعلومات وشئ من التحذلق ، وحرص فيما يحدثه من أثر على السامع ، وإغراق فى الطباق ، والوصف ، وفي استعمال الكلمة المجردة وكأنه تكمن فيها قوة عجيبة ؛ وكذلك تلاعب بالافكار ، وتأنق فى الشكل وغرائب شتى وخاصة تهاون فى التحرير والتكرار عند من يرتاح الى فكرته فلا ينفك يرجع اليها للتيقن من تتبع القوم له . ولكن هناك أيضا المحاسن : من خيال خصب في اكتشاف التفاصيل ومن بدائع راشقة وملامح حية أخاذة ؛

ومن طباق بديع فى الالفاظ يكشف فى صورة جلية عن تطابق المعاني ، ومن شعور حاد بجمال الطبيعة ( * ) وموهبة فى اقتناص المنظر الخلاب والتصرف في وصفه ؛ ومن صور شعرية تبرزها الدقة الواقعية ؛ ومن هوى ، وذلاقة ، وحياة ؛ وأخيرا لغه طريفة ، ذاتية براقة حارة قادرة على التعبير عن دفق الاحاسيس ولذيذها . ذلك أنه لا فرق بين أسلوب الشعر والنثر مثل ما هو موجود فى الشرق .

الأسلوب واللغة

وهذه اللغة الادبية ، الخاصة بكتاب الاطلس بدأت تظهر ملامحها أثناء فلوروس ( Florus )وفرنطون ( Fronton ) وخاصة أبوليوس ( Apulee) فى القرن الاول ميلادى ثم اتضح أمرها فى أواسط القرن الثاني . ولقد خلقها بتوخى طرق " الأسلوبية "  ( Stylisme ) وتطبيقها على لغة افريقية التى هى خليط من اللاطينية الشعبية واليونانية والبونيقية ولاطينية المدارس .

و " الأسلوبية " هذه ترجع الى زمن بعيد رغم ظهورها فى أشكال مغايرة . ذلك أن " سالوست " ( Salluste ) فتح الطريق عندما كسر الجملة المطنبة واستعمل الجمل القصيرة المرهفة المشرقة . وتبعه بعد ذلك " سناك" (seneque) و " تاسيت " ) ( Tocite ) رغبة فى التأثير وشغفا بالاستعمالات الشعرية وجريا وراء الجديد ، والمباغت . ولقد أعجب بهذه الطريقة المؤلفون الاسبان وهم أصحاب خيال مجنح ، متوثب ، وانطلق على اثرهم الافارقة ، وهم اكثر حدة من الاسبان وبالغوا فى ذلك الى اقصى حد . ولم يكن طبعهم فقط هو الذي دفعهم الى ذلك ولكن لغة الحديث الموجودة حولهم هي الدافع اذ كانت لغة مختلطة بريرية غنية إلى أقصى حد ، لم تحذق أناقة الجملة المطنبة ولا انسجامها . ولكنها متلونة ، حية ، متوثبة . ومن ذلك الزمن فان كل من دخل ميدان الكتابة أصبح من تلقاء نفسه أو مكرها ، " أسلوبيا " . وكانوا يحبون دائما الجديد فخلطوا الدخيل بالغريب القديم وشغفوا بالعامى ، والالفاظ الشعرية والمجردات ، وجددوا اللغة بدون انقطاع بالاقتباس من كل جانب وبمضاعفة الحروف وتعويض الالفاظ البسيطة بالمركبة ، وارادوا جعل الجملة حية أخاذة فأضفوا عليها ألوانا من الاشارة والطباق ، والواقعية والتحذلق ؛ وحذفوا الروابط ، وبالغوا في استعمال صيغ الكلمات المقتضبة ، وأبرزوا النعوت ولم يحجموا فى تجرئهم على تركيب الجملة ولا فى عنفهم بالنحو قصد الوصول الى

التأثير المطلوب . وهذه الاسلوبية المدعمة ، الغريبة والقوية معا ، سحرت واستحوذت الى ابد الأبدين على أذهان الأفارقة . ولقد أوجد " ابوليوس " الصيغة النهائية التى احتضنها مواطنوه فيما بعد سواء كانوا وثنيين أو  مسيحيين . وهكذا فان الذى كان فى الاول تكلفا وتصنعا أصبح بطول الزمن طبعة : مما أدى الادباء بدورهم الى المساهمة فى صنع لغة حديث مشتركة .

وقطع أبوليوس الصلة تماما بالتقاليد الكلاسيكية أكثر ممن سبقه من المؤلفين فى القرنين الاولين من الامبراطورية وذلك بعنايته الخاصة بالاسلوب . فلقد كان الاسلوب عند عظماء الكتاب فى أثينا ورومة ثوبا فقط للفكرة : وفى هذا المعنى كان لليونان هذه الاشكال البسيطة ، الخفيفة الواضحة التى تتقولب على تموجات الفكرة . ووصل هذا العمل الفكرى الطويل عند الاثينيين فى شخص ايزوكرات (Isocrate ) وعند الرومانيين مع شيشرون ، الى اكتشاف الجملة المطنبة التى تغطى فى طياتها الواسعة كل مظاهر الفكرة . وبالعكس ، فان بوليوس توخى فى ذلك طريقة المعاصرين . إذ هو لا يريد التعبير عن الفكرة فى حد ذاتها بأبعادها ولكن الذى يريد التعبير عنه هو الانطباع الفجئى الذى حدثه شئ ما أو تفكير ما فى مخيلته . ولهذا فهو أحرص من أن يقع فى طيات الجملة المطنبة ؛ فالذى يصلح له ليس هو السير المنظم للتحليل المنطقي ولا الايقاعات الجميلة ولا الانسجام جملة بل هي الخطرات القاطعة ، والكلمات الجديدة الملونة والتراكيب الجريئة ، وكل ما هو فئجنى ، أخاذ بارز . فهى بالنسبة اليه ، ثورة كاملة لا في الاسلوب بل في اللغة نفسها . . ( * )

فليس هناك أكثر ذاتية فى الظاهر من هذا الاسلوب المتعثر ، الغنى بالالفاظ والالوان ، الطافر بالخواطر الحية والصور والنزوات الواقعية : هو أسلوب فنان عصبي  ، عبد لخياله ، متفاوت فى القيمة ، غريب جبار . . ورغم كل هذا فان أبوليوس سيكون مدرسة . فهو على ما هو عليه يجسم العبقرية الادبية لوطنه ؟ ولقد رأت افريقية نفسها فيه وهي معجبة . . . ورغم ان ابوليوس لم يظهر بمظهر كلاسيكى ، فانه أصبح بالنسبة لمواطنية مسيحين كانوا أو وثنين ضربا من الروح الكلاسيكية الجريئة الاصيلة الحساسية ، الواقعية ، وهكذا فان الادب الافريقي سيبقى دائما راجعا الى ابوليوس .

كيف طور اغسطينوس الشعر اللاطينى ؟

إن الطريف فى نشيد القديس أغسطينوس هو نظمه المتسم بالجدة والغريب الى أقصى حد . قال أغسطينوس فى هذا الباب : " لقد نظمت نشيدا مكونا ما مقاطع Strophes تبدأ حسب ترتيب حروف الهجاء اللاطينية الى حرف ٧ وهو ما يسمى بالأبجدية . وهكذا حذفت الحروف الثلاثة الاخيرة ؛ غير أنني عوضتها بنوع من الخاتمة فيه تتوجه الكنيسة الى الخارجين بنداء حار . والترجيعة والمطلع اللذين أعدا للانشاد لا يحسبان مع الابجدية نفسها اذ هي تبدأ بعد المطلع . ولقد حرصت على أن لا أستند الى بحر من البحور خوفا من ان تدفعنى ضرورة الوزن الى استعمال عبارات غريبة عن الاستعمال الشعبى " . وتوضيحات القديس أغسطينوس ، وان كانت هامة فقد بقيت ناقصة ، باعثة على اليأس وبالخصوص فيما يتعلق بالايقاع ؛ ذلك انه وإن صرح بوضوح عن إعراضه عن استعمال أى نوع من البحور فانه لم يقل لنا بم عوض البحر.

ومن حسن الحظ ، فلقد وصلنا القصيد كاملا الا بعض النقص . فهو يعد 288 بيتا بينما كان عدده الاصلي 291 بيتا . وكما أكده المؤلف نفسه فنحن نجد مقاطع أبجدية ، وترجيعة ببيت واحد ، ومطلع مماثل للترجيعة وخاتمة تعد من بين الابجدية . فان الذى يبقى هو عشرون مقطعا لكل مقطع اثنى عشر تعد ثلاثين بيتا من دون ترجيعة . وباستثناء هذه العناصر الثلاثة التى لا بيتا . وهذه المقاطع العشرون المتبوعة كلها بنفس الترجيعة هى أبجدية : الاولى تبدأ بحرف A االثانية بحرف B لهكذا الى الحرف ٧ . والذي لم يذكره أغسطينوس وهو الغريب فى الامر هو أن الابيات كلها مختومة بأصوات متوازية : فلقد توفق ببراعة تامة الى ان يختم كل بيت بصوت واحد وهو e أو ce حيانا وكرر ذلك ما يقرب من ثلاثمائة مرة . واغرب من ذلك هو هيكل البيت نفسه . فليس فى البيت ، كما ذكره المؤلف ، ما يدل على وجود بحر أو عروض ما . . . وهو بيت مكون من ستة عشر مقطعا يقتصر على عدهم مثلما هو الشأن بالنسبة للشعر الفرنسى اليوم . ويحتوى على شطرين كل شطر يعد اثني عشر مقطعا تفصلهما نوع من الوقفة Cesure وفى كل شطر يحمل مقطع ما قبل الاخير دائما النبرة الموقعة .

ونحن لا نعرف عند القدماء ، مثالا يشبه هذا النظم . وبلا شك فان معظم عناصر النظم موجودة فى مواطن اخرى : فالمقطع والترجيعة موجودة عند الكلاسيكيين وفي أناشيد فيكتوران Victorin ، والترتيب الابجدى موجود فى الانجيل وعند كوموديان Commodien والوقفة وتوازى الاصوات . Assonance أو القافية موجود ايضا عند كوديان وفي كتابات

عروضية ومقطع ما قبل الاخير الموقع نجده فى أناشيد فريفوار   ( gregoire de Nazianze ) .. غير أن الجديد فى النشيد هو الجمع بين هذه  العناصر كلها والتوفيق بينها ووجود هيكل طريف غريب للبيت . ففي هذه المقاطع الابجدية ذات الترجيعة وفي الخاتمة أيضا يظهر البيت جديدا يعتمد على عدد قار من المقاطع ، وعلى قافية ، ووقفة ثابتة ، وشطرين متساويين مع نبرتين قارتين والجدير بالملاحظة هو وجه الشبه الكبير بين هذا البيت اللاطينى وبين الست المستعمل فى اللغات المتفرعة عن اللاطينية ( كالايطالية ، والفرنسية ، والاسبانية ) وهو بيت يعتمد فى عناصره الاساسية على تساوى المقاطع ، والوقفة الثابتة والقافية أو ما يشبههما والنبرة القارة فى الشطر وفى الآخر ، فهل هذا النظم هو من خلق عبقرية أغسطينوس ليس لنا ما يؤكد ذلك . لكنه يظهر لأول مرة فى نشيد هذا القديس ولا يوجد فى القديم الا عنده وبهذا فهو يعد أهم مرحلة فى التطور الايقاعى الذى أدى الى نظمنا المعاصر .

اشترك في نشرتنا البريدية