كنت أفكر فى الموضوع حينما اكتشفت الحديث الذي خص به المفكر وفقيه اللغة ايتيانبل Etiemble مجلة لونوفل ابسرفاتور ) في عددها الصادر يوم الاثنين 15 سبتمبر 1975 ص 54 ( كنت أفكر في موضوع العلاقة الجدلية الوطيدة بين الكلام أى اللغة التى يستعملها الشعب وبين سلوكه واختياراته وحالاته الاجتماعية والنفسية وبالتالي مناهجه السياسية والثقافية والتربوية .
-كنت أفكر - وما ازال افكر - فى بساطة وسذاجة المنادين بالغاء الحوار حول اللغة وازدواجية اللغة ، وهم يعتقدون ان هذا الحوار هو من نوع الخوض فى جنس الملائكة او هو " سكانة " المثقفين و " نغناغتهم " العادية ويقولون بتجاوز هذا الحوار " للتصميم " والاستغناء عما يسمونه " القشور " لبلوغ ما يسمونه " اللب " .
واكتشفت حديث etiemble ايتيانبل وهو بدون منازع إمام من ايمة الدفاع عن الكيان اللغوى والذات الفكرية للشعوب انطلاقا من دراسات عميقة فى حياة وكينونة اللسان الفرنسى . هذا الحديث فتح فى وجهي أبوابا كنت اجهلها ، اما من جهة أخرى فقد ايدني فيما كنت ومازلت اعتقده الى جانب اصدقاء يعتقدونه ايضا ، وهو ان اللغة ليست اداة تعبيرلكنها اداة حضارة ، وان اللغة ليست " حمالة " ابلاغ ولكنها صانعة ابلاغ ، فهى لا تنقل التفكير بل تؤطره وتوجهه . واللغة بهذا المفهوم تصبح عاملا حاسما - وان لم نقل اساسيا - فى تحقيق اختيارات الامم على الاصعدة الاساسية والاقتصادية والثقافية . نعود للمفكر الفرنسى ايتيانبل وحديثه المتفجر عن اللغة ينطلق الرجل فى هذا الموقف من قاعدة الاستعمار الثقافى ، فهو يؤمن ان فرنسا معرضة لتهديد الاستعمار الثقافي الامريكى ) ص 55 عمود 2 ( ويقول اجابة عن سؤال هذا نصه : " انتم تعتبرون الازدواج اللغوى الفرنسي الانفليرى اداة للامبريالية " .
يقول ايتيانبل : " نعم هو ايضا اداة ، فأنا رغم مساندتى لمجهودات مواطني بريطانيا
الفرنسية والكورس والاكستان فى المحافظة على تراثهم المتمثل فى لغتهم ، أخشى أن يذهب بعض مناضليهم ضحية الاستراتيجية التى خطتها مركزية الاستعلامات الامريكية ، مثلما فعلت مع صقلية التى ارادت ان تحصل لها على " استقلال " عام 1944 "
ويجيب ايتيانبل عن سؤال يتعلق بهجوم مبيت من طرف واشنطن على اللغة الفرنسية . فيقول : لقد كنت فى الولايات المتحدة وجمعت قصاصات الصحافة التى انتعشت بما اسمته الفرنسية لغة ميتة " واثناء ملتقى " سان فرنسيسكو " قامت الولايات المتحدة بمجهودات كبرى لتفقد لغتنا مكانتها كلغة عالمية وذلك أولا لأن الفرنسيين غير محسوبين فى عداد المنتخبين وتانيا لأن الولايات المتحدة تنوى فرض لغتها على العالم ، وهو ما يسمه " الفرنقليزيون الحمقى " الرقابة الامريكية " ومن أجل ذلك ينبغي لهم ان يحتقروا اللغة الفرنسية ويهدموها "
وفى مجال الحديث عن تأطير اللغة للفكر وتوجيهه ، يضرب ايتيانبل أمثلة لذلك فيقول :
" ان الحمقى الفرنفليزيين لايعرفون مثلا ان فعل اTo Contro لدى الامريكان يعنى ) فرض السيادة المطلقة على . . ( بينما فعل erارContr Verrifier بالفرنسية يعنى راجع . فمثلا حينما يتحدث البنتاغون عن الرقابة فهو يعنى الاستعباد . وبذلك تنزلق معانينا نحو الفرنفليزية المتسترة . . ويتساءل الصحفى قائلا : " ولكن الامريكان ليسوا مسؤولين! " فيجيب ايتيانبل " لكنهم مستفيدون ، اذ توجد علاقات مشاركة بين البورحوازية الفرنسيه وبين الفرنقلزية " وكان السؤال الاخير هو : " هل تذهبون حتى الى الحديث عن عملية ابادة ثقافية اعGenocide Cultur
ويجيب ايتيانبل " لا . . لان الابادة هى التحطيم المادى لشعب من الشعوب باسم العنصرية ، ولا اعتقد ان الامريكان يهدفون من خلال الفرنقليزية الى ابادة الفرنسيين ماديا . . ولكنهم يهدفون الى استعمارهم مما لا شك فيه ويجب الاعتراف ان الفرنسيين يساعدونهم على ذلك ، فالبورجوازية الفرنسية اختارت ان تنحصر لغويا ، اى سياسيا ، وغدا ، - ما اغباها - اقتصاديا خلاصة :
هذه جولة مع افكار ايتيانبل وتخوفاته ومواقفه ، كان لا بد ان تستوقفنا ولو لحظة للتدبر فى شأن لساننا العربى ونحن أمة من امم العالم الثالث . فاذا
كانت هذه حال المفكر الفرنسى ، يقظة وحيرة ، ماذا تكون حالنا ونحن في طفولتنا الحضارية الجديدة بعد استقلال شعوبنا السياسى والعسكرى والادارى ، لا بد ان نحتار ولو قليلا لننظر فى امر اتجاهاتنا الثقافية والتربوية ننسق فيما بينها مع التفكير المستمر فى ترقية لغتنا القومية ، لانه لا استقلال بدون شخصية ذات مقومات قوية راسخة
وليكن فى هذا المفكر الفرنسى لنا عبرة وموعظة ، وهو صاحب لغة تعتبر حية وعالمية ، وصل بنوها الى اعلى مراتب العرفان والعلم والتكنولوجيا لكنهم لم يتخلوا عن لغتهم ، ولم يترددوا فى قرع نواقيس الانذار اذا ما جف بها خطر او ألم بها خطب .
وما اروع التقاء جوهر فكرة ايتيانبل هذه بفكرة للاستاذ محمود المسعدى جاءت فى خطاب القاه بأكرا فى نوفمبر الماضى اذ يقول :
" نحن نبدأ باستعمال لغة الطرف الآخر وننتهى إلى اعتناق افكاره واحكامه والى رفض جوهرنا . ونصل فى بعض الاحيان الى انتظار حكم تصدره اوروبا لفائدة اعمالنا الفنية والادبية حتى تأخذها بعين الاعتبار . . "
وما كان اروع تحليل الاستاذ محمد مزالي فى افتتاحية عدد نوفمبر 75 من مجلة الفكر وهى بعنوان " هذه حالنا " حينما وضع اصبعه على مواطن التقهقر فى صلب الحضارة الغربية وانتفاء المواجهة الايديلوجية منها بينما لا يزال يعيش جمع من اهل الثقافة لدينا على مصبرات الافكار الغريبة ومعلبات المذاهب الكاسدة فى اسواق الغرب
أليس الوضع الراهن يدعو لمزيد من التفكير والتدبر ، لكي نقي أجبالنا هول العواصف ، باستنباط مناهج حضارية ينشأ عليها ابناؤنا معتزين بشخصيتهم محترمين لتاريخهم مستعدين للحفاظ على ذاتيتهم ، وكل ذلك دون انغلاق او تقوفع ، فالامم ليست فقط ما بلغته من قوة صناعية وتكنولوجية بل الأمم ايضا ما يغذى كيانها من القيم وما يميزها من المقومات الحضارية .

