الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الانسان بين اللغة واللسان

Share

(5)

في المفاضلة :

لا فضل للسان على لسان (1) لا فضل لعربية على فرنسية أو روسية

انى لأستند هنا الى تلك القاعدة الذهبية التى أعيدها : لا وجود للسان خارج الانسان (2).

ان تفضيل لسان على لسان تفضيل حماسى لا يستند الى واقع ولا يرتكز على فكر

تفضيل العربية بإطلاق على الفرنسية باطلاق تفضيل يدعو اليه الغرور والتعصب وهما داءان نجما على سرطان احتقار ما نجهل (3)

تفضيل الفرنسية باطلاق على العربية بإطلاق تفضيل يوحى به نزق الشباب واحتقار الذات واكبار الأجنبي والاهتزاز للبهرج الزائف وهى أدواء تشير الى أننا بعيدون عن الجد والتجرد وهما صفتا الرجولة في بدر تمامها .

ما هى العربية ان طرحت من حسابك القوم الناطقين بها ؟ اليست عربية ميتة ؟

ما هى الفرنسية ان طرحت من حسابك القوم اللاغين بها ؟ اليست فرنسية ميتة ؟

تفضيلك للسان على لسان مع اهمال الناطقين بهذا والناطقين بذاك تفضيل لا معنى له .

اللسان قاموس مفتوح ما دام الناطقون به أحياء . لا يمكن لك أن تحكم على كائن حى حكمك على شئ تم صنعه . قد قلت انك تصنع نفسك كل يوم صنعا جديدا وتترك وراءك كلمات . وقلت انك تصنع كونك كل يوم صنعا جديدا وتترك وراءك كلمات .

فكيف تحكم على شىء ما أن حكمت عليه حتى تبدل ؟ هل تضع قبالة تمرين قام به تلميذك عددا والتمرين منقوص وحصة التمرين لم تنته بعد ؟ من أدراك أن ما بقى على التلميذ اتمامة لا ينقص العدد أو يرفعه ؟

من ادراك بالاتجاه اللغوي الذي سيتجه صوبه اللسان الفرنسى أو اللسان العربى؟

لقد فاتك أن كائنا حيا يدن دفة اللسان الفرنسي صوب اللغة الهدق . ذلك الكائن الحى هو المجتمع الفرنسي " العيل الساعدين "

ولقد فاتك أن كائنا حيا يوجة دفة اللسان العربي صوب اللغة الهدف . ذلك الكائن الحى هو المجتمع العربى الذى لم يصرف - بعد - سبيله ولم يدرك - بعد - دور اللسان فى تقويم كيانه .

هذين المجتمعين الناطقين كان عليك أن تحكم . وبين هذين المجتمعين الناطقين كان عليك أن تفاضل

من هنا نبدأ . حول هذا نطوف . والى هنا نعود !

اللسان العربي والانسان العربى :

لن افيض فى الحديث عن التيارات الحضارية المختلفة التى مرت بها البلاد العربية ، قافلة وقطعانا .

ان أطيل فى الربط بين تلك التيارات الحضارية وما طرأ على اللسان العربى من تغييرات .

فجلنا حفظ من الشعر الجاهلى ما استطاع ونسى أكثر ما حفظ . وجلنا حفظ من شعر أبى نواس قصائد مطربة ساحرة لم يجد في حفظها مشقة أو عناء . وجلنا قرأ من شعر أحمد رامي أو سمع منه ما وقع تلحينه . وجلنا قرأ من شعر نزار قبانى ترنما وترتيلا .

وان نظرة شاملة أخرى نحولها الى النثر العربى عبر خطب قس بن ساعدة وحكم على بن أبى طالب وكليلة ودمنة لابن المقفع والبخلاء للحاحظ ورسائل ابن العميد والسحاب الاحمر للرافعى وحديث الاربعاء لطه حسين وارض

النفاق للسباعى وفلسفة اللغة لكمال يوسف الحاج . . ان نظرة شاملة تحوش هذه المنارات الثقافية العربية كافية لأن تضع أصابعنا على الرباط الكائن بين حياة اللسان وحياة الانسان . بين الوجود اللغوى والوجود الاجتماعى

فهذه القواعد البنائية بين نحو وصرف وبلاغة تتطور من العسر الى اليسر ومن التشعب الى الانسجام

وهذه الاصوات اللغوية تتطور من الخشونة الى اللين ومن الجفاف إلى الطلاوة ومن التناشز الى التناغم . ويكفى أن تتذكر الغضنفر ثم الاسد والعسلوج ثم الغصن والقيهل ثم الوجه والجندورة ثم العين كى يتضح لك البعض من هذا التطور المستمر

وهذه المادة اللغوية ذاتها فى تطور مدهش اذا علمنا أن للجمل فى العصر الجاهلى ما يزيد عن خمسة آلاف اسم وأننا لا نعرف منها الا القليل ولا نعيش منها الا اسما واحدا

وكذلك الأمر بالنسبة للصحراء والقيظ . هذا عدا تطور الكلمة من الطول الى القصر كما فى كلمتى : الخنشليل والسيف .

اللسان مقياس صادق لحضارة الناطقين به (4)

اللسان صورة الانسان . هو صورة الفرد فى كل نواحيه هو معيار ما يختلج في نفسه وما يعتلج فى وجدانه . هو مقياس مستوياته الثقافي والاخلاقية .

حدود الثقافة كلمات وحدود الاخلاق كلمات .

كلماتك الادلة الحاسمة على ما شارفته من حدود وما أشرفت عليه من آفاق وما بلغته من اهداف وما تسير فى سمته من سبل وما تشرئب مطامحك نحوه من آمال .

لولا التحام اللسان بالانسان ما أمكن لك أن تحكم على فلان بأنه ممن لهم لسان " باب سويقة " وأن " ملائكة فلان من الطراز الثقيل " وأن فلانا ذو منطق مصيب أو أنه ذو لسان طويل يحيط بعنقه أو أنه وقح أو لطيف أو سمج أو جرئ أو منافق الى غير هذا من النعوت (5)

واللسان صورة الجماعة أيضا .

وقد تحدثت عن هذا عند تعريجى على العلاقة الكائنة بين اللغة والفكر وبين اللغة والانسان ثم عند تمييزى بين اللغة واللسان .

اللسان صورة الجماعة من حيث التاريخ ومن حيث الحضارة ومن حيث الحالة الاجتماعية فى اقتصاد ودين وخلق ومن حيث الذوق الادبي والفني والمعمارى (6).

هى صدر رحب يسع الماضى ويسع الحاضر ويسع نظرة الشعوب الى المستقبل .

هى سجل أمين للتاريخ وصدى الصراع القائم بين المجتمع حين يتأرجح بين معطيات الحياة والموت .

ولقد كان اللسان العربى ذلك الصدر الرحب وذلك السجل الامين . ولقد واكب اللسان العربى التاريخ العربى .

أحسسنا بخشونة الكلمة العربية حينما دراسنا الشعر الجاهلى فتذكرنا خشونة الحياة الجاهلية لدى قوم جفت طبيعتهم حتى جفت طباعهم . وأحسسنا بقسوة الجملة الجاهلية فتذكرنا قسوة الاطار الطبيعي الحياة البدو العرب (7)

ثم بلغنا مستهل الفتح الاسلامى . وأشرفنا على ميلاد المئات من الكلمات الجديدة وشهدنا جنازة مئات اخرى . واتسع صدر اللسان العربى لانقلاب عقائدى عميق أصاب جذور النظر الديني وأصاب نظام الاسرة العربية ونظام الحكم العربى وزعزع أركان القبيلة رغم صمودها واستماتتها فى وجه بعضها بعض طيلة حروب لم تغمد فيها السيوف أعواما وأعواما

خلص الدين الجديد عرب الجاهلية من عبودية الطبيعة القاسية الصماء ، فحلقوا فى سماء مثل جديدة فكت عقد الحقد والعدوان فأصبح التسامح شعار الدولة الجديدة وأصبحت للعدل والقوة والفضيلة والموت معان جديدة

فتح للنظر العربي باب جديد فأصبح الكائن البشرى كائنا يتميز ويمتاز على فاقة الجاهلى وسيفه امتياز جوهريا وأصبحت الحياة لديه غير حياة الحيوان والنبات ، بل اصبح الموت نفسه عاجزا عن قطع الحياة قطعا نهائيا

رج العربى رجة أصابت صميمه فطفحت على لسانه . ولبى لسانه دعوة الايمان الجديد

ثم اتسعت رقعة السلطان العربي وامتد به ظل العربية . واحتكت بها الالسنة المختلفة بعد احتكاك السيوف . ولم يقف اللسان العربى فى الحرب اللغوية الباردة موقف الذائد عن كيانه الضيق رغم قلة الغزاة بالنسبة لأهل البلدان المحتلة ورغم فقدان المدارس النظامية ، بل أوسع صدره - مرة أخرى - لانقلاب حذرى جديد أصاب أخلاق العرب وأصاب ثقافتهم وأصاب أهدافهم الحيوية وأصاب طرق العيش بين عشية وصباح (8)

أصبح للعربي سقف من حجرا بعد أن كان سقفه من وبر . وأصبحت له أعمال أخرى غير فلاحة كان يمقتها والصيد . وأصبحت تجارة يومية غير تلك التى كان يقوم بها مرة فى الصيف ومرة فى الشتاء ،

وأصبح يستجيب لدعوات الغذاء الروحى بعد أن غدا فى أمن من غائلة الجوع والقيظ . فأحب الفنون بأنواعها من نقش ورسم وموسيقى

وأحس بقوته الجديدة وسلطانه الجديد وأعبائه الجديدة فراح يصارع الطبيعة الجديدة بوسائل مادية جديدة وجهد فكرى جديد

ولمن شاء أن يبحث عن الأدلة على استجابة اللسان العربى لكل هذه الدعوات المتشعبة الطارئة على كل ميادين الحياة أن يطالع شيئا من كتاب واحد سبق الغرب في فهمه للموسوعات . تلك هى رسائل اخوان الصفا تدهشك ان كنت جاهلا لحقيقة الأمر ، وتثيرك على نفسك ان كنت ممن تلبست بهم مركبات الذلة والعبودية ، وتزيدك فخرا ان كنت تبحث لفخرك عن مرتكز متين وتقنعك أولا وآخرا أن لا وجود على وجه الارض للسان عاجز عن استيعاب شئ معاش وتقنعك أن الفكر البشرى ان استقام عوده وتصلب عظمه ونضجت ثماره لا بد خالق لنفسه منفذا لغويا منه يتنفس ويفيض فى يسر كان ذلك أم فى تفجر

هذا اللسان الذى لبى دعوة العمق عند الفجر الاسلامي ، هذا اللسان الذي لبى دعوة المسافات الشاسعة عند الفتح الاسلامي للعالم المعروف آنذاك (9) هذا اللسان الذى عاش حياة أهله في حلهم وترحالهم ، هذا اللسان الذى انتصر بانتصار أهلة على نفوسهم أولا وعلى أعدائهم بعد ذلك ، هذا اللسان - اليوم - تغشاه الكئابة !

لقد انهزم أهلة فانهزم . لقد جمد أهله فتجمدت أوصاله . انتصر حينما انتصروا وتغلب على المصاعب حينما تغلبوا على نفوسهم وعلى الاعداء . ثم توقفت خطواته حينما توقفت خطواتهم . وأمسى قطعة أثرية حينما امسوا مسخا من بقايا العصور الخوالى (10).

لقد دهاه ما دهاهم أمراض النفس ونكبات الدهور

اللسان كرحيق الغصن . ولقد كان اللسان العربى ذلك الرحيق المنعش المتدفق القهار حينما كان الغصن ناميا قاهرا للحجر الصلد ولفح الهجير فهل نعيب على الرحيق جفافه ان مات الغصن والتوى وتخشب ؟ (11)

تاريخ اللسان العربى تاريخ طبيعي . هو تاريخ كل كائن يتوقف نموه على نمو غيره .

اللسان كالمقعد ، رجلاه فيك

ألا كيف يسير وقد تربع العرب أحقابا في مواطن الذلة والجهل : جهلنا أوقف اللسان العربى عن المسير

سبنا اليوم - للسان العربي ، سبنا - اليوم - للنحاة والصرفيين وأهل العروض ، سبنا - اليوم - لقواعد العربية ، جزء لا يتجزأ من ذلك الجهل الذى تسبب فى توقف اللسان العربى عن المسير ! (12)

لقد رأينا شواهد المرونة - سعة وعمقا - فيما يتعلق باللسان العربى حينما كان أهله قادرين على قهر نفوسهم بتحملهم العيش فى بلاد غير بلادهم - الأم ، وقادرين على قهر الاعداء بالعقل والسلاح  (13) .

ورأيناهم - بعد ذلك يتمرغون فى مستنقعات الذلة والجهل ويمرغون لسانهم فى أوحال الجمود والاجترار (14)

وقد كنا ننتظر منهم - وقد تخلصوا من كوابيس الحكم الاجنبى فى آفاق السياسة والثقافة والدين - أن يعودوا الى ربط الماضى المجيد بالحاضر الحى كى يتصل البناء ويستقيم الوضع فى آفاق السياسة والثقافة والدين

تأخر بتأخر :

وكان الشأن غير ما انتظرنا .

واستبان لنا مدى المرض ومدى الجبن الذى زرعه الاجنبى فى النفوس ولا سبيل الى علاج اذا كان الاطباء مرضى ! ولا سبيل الى النظر المصيب إذا زاغت فى محاجرنا الاحداق !

يقولون لك ان اللسان العربى جامد . يقولون لك هذا بالسان الفرنسي بعد أن يمسخوه ! يقولون لك هذا وهم يغفلون أنهم هم الجامدون

يقولون لك ان اللسان العربى لا يواكب الزمن الحاضر وأنه ينوء عن حمل المستقبل وهم يجهلون - أو يتجاهلون موقف اللسان العربى من مختلف أطوار الحياة حينما كان أهله جديرين بالحياة :

يقولون لك هذا وغير هذا - مما سنتعرض لبعضه - وهم يجهلون اللسان العربي أولا ويجهلون تاريخهم ثانيا ، ويجهلون معطيات اللغة ومعطيات اللسان ومعطيات العصر الذى يتحدثون عنه ولا يفهمون منه الا ال cha cha cha وال Twist وال Rami

كيف نريد لهذا اللسان نموا وارتفاء اذا كنا ندرس - وندرس - بلسان أجنبى ونسب لساننا ؟

كيف نريد لهذا اللسان أن يستجيب لدعوات العلم الحديث وهؤلاء أساتذتنا أو أشباه الاساتذة ينصبون أنفسهم أبواقا للجهل والذل والعقوق ؛

أما كان أجدى علينا لو سعوا الى تحويل ما درسوا من علوم الى اللسان العربى وأن يستنتجوا - بعد ذلك وبعد ذلك فقط - أحكاما صائبة ؛

اللسان العربى اذن - متأخر لأن المجتمع العربى متأخر . هو لا يحتوى على ما يفى بحاجاتنا فى العلم والفن وضروب المهن والصناعات الحديثة لأ المجتمع العربى متأخر فى ميادين العلم والفن وضروب المهن والصناعات الحديثة (15) .

لمعترض أن يرد أن بعض البلدان العربية قطعت شوطا أو أشواطا فى مضمار العلم والفن والصناعة ، وأن العربية - رغم ذلك - في تأخرها تستقر !

هنا يكمن الداء الجديد . وهو الداء العياء !

هنا يكمن العقوق اللغوى . وهو أبشع أنواع العقوق لأنه عقوق الاساتذة والعلماء والفنانين ! هؤلاء الذين خيبوا الظن حينما فتحت لهم أبواب العلم والفن والصناعة ، هم مركبات النقص اذا تقمصت أجسادا ! هم زبانية جحيمنا اليوم !

كيف تستفيد العربية من كائن بشرى يزعم أنه تونسى الجنسية وأنه عربى القومية ويرسل بأبنائه الى مدارس البعثة الفرنسية بتونس ويخاطبهم في المنزل - باتلسان الفرنسي ؟ ! (16)

تستفيد العربية من رجل تفرنس وفرنس أهله ؟ أليس هذا الرجل واهله أمواتا بالنسبة اليها ؛ ثم كيف تستفيد العربية من الجيف ؟

من يعرب العلوم ومن يعرب الفنون ان كان علماؤنا وفنانونا من الطراز الرفيع . . فى عقوقه ؛

كلمه ناصعة يلقى بها الشباب ان ضاق بظلم الكهول : لو عرب كل ما تعلم لكان شأن العربية غير هذا الشأن . ولا سبيل الى غير هذا لكي يكون الشأن غير هذا الشأن !

الألسنة العربية !

لبعضنا أن يحمد تعريب بعض العلوم فى لبنان والجمهورية العربية المتحدة والعراق ، فيتخذه دليلا على يقظة جديدة ويعتبره ضمانا لنهضة لغوية عربية .

أشارك بعضنا فى حمده والغصة تخنق النفس وتزيدها حسرة على حسرات .

هنا يفتح باب جهنمى جديد

هنا يقع النظر على مشكل لم يكن ليقع عليه قبل تخلص الاقطار العربية من الحكم الاجنبى

بعض الكتب اللبنانية الحديثة لا يكاد يفهمه غير اللبنانى - وكذلك الشأن بالنسبة لبعض ما تنتجه العربية المتحدة

ذلك أن لبنان والعربية المتحدة قطعا شوطا غير قصير فى مضمار الترجمة والتعريب . بالاضافة الى أنك واجد عن المعنى الواحد تعبيرين مختلفين لا تربط بينهما الا حروف ذات أشكال عربية

مشكل الترجمة والتعريب لم يعد مشكلا معضلا بالنسبة للعربية المتحدة ولبنان .

فقد تجاوزاه الى العمل . الى العمل الفردى

لست أرى - هنا - كبير جدوى فى شرح الاسباب التى جعلت البلدان العربية على مفترق الطرق فى ميادين الثقافة بصفة عامة وفى الميدان اللغوى بوجه خاص

لكنى أرى واجبا أن نوجه اليها لفتة قصيرة تكشف عن حقائق جهلها بعضنا وتجاهلها أكثرنا .

اختلاف الحكام الاجانب الذين رزحت تحتهم الشعوب العربية من فرنسيين وانكليز وايطاليين ترك فى الهياكل التعليمية ونظمها طوابع مختلفة وترك فى نفوس الشعب وفى نفوس المثقفين خاصة ارتجاعات مختلفة

اتجهت البلدان العربية - منذ انشقاق سلطانها - اتجاهات متباينة وتأثرت بعوامل اجتماعية وسياسية مختلفة . هذا بالاضافة الى العوامل الجغرافية وعوامل الشعوب المجاورة .

ندرك - مثلا - أن المتأثر بالثقافة الانجليزية مغاير للمتأثر بالفرنسية .

وندرك أن العامل بمعاصر الزينون أو بمزارع القطن غير العامل بآبار البترول ونفهم أن الناقم على اقطاعية الارض غير المتبرم بفقرها وجفافها (17)

كل هذا يصنع تاريخ الشعوب . وباختلاف المشكلات تختلف واجهات الكفاح . وفي هذا الكفاح تحترق العقول وتهتز ألسنة الشعوب

بدهى - اذن - أن تختلف الالسنة بأختلاف الواجهات

وقد بدأنا بعد - نلمس هذا الاختلاف - الذى لا مرد له - منذ فتح الباب لا يراد الكتب والمجلات العربية الشرقية :

وبدأنا نشعر أن اللسان العربى أصبح مختلفا باختلاف البلدان العربية !

لم يعد هنالك لسان عربى واحد !

الترجمة والتعريب كلمتان غامضتان مائعتان تتبلوران فى أشكال تتعدد بتعدد المؤثرات وتختلف باختلاف الاتجاهات

اختلفت الدوافع فأختلفت الحلول واختلفت النتائج .

بقى علينا أن نختار بين اتجاهين

- الترجمة والتعريب المباشرين .

- تبنى المصطلحات اللبنانية او العراقية او مصطلحات العربية المتحدة . النهل من المنابع الاصلية الاصيلة أو العب من السواقى العربية المختلفة

انتهاج الطريق الوعرة الأم أو اتباع الطريق المرسومة المعبدة التى تحكم علينا بالبقاء فى الدرجة الثانية من البلدان العربية

هزل يشبه الجد :

لقد أسست مجامع لغوية في العربية المتحدة وسوريا والعراق ، بغية اصلاح العربية ، واحداث المصطلحات وتوحيدها بين الشعوب العربية . . .(18) فأخفقت ! (19)

قلت ان شأن اللسان ليس من شأن الفرد مهما كانت عبقريته ونفوذه (20) قلت ان نمو اللسان من نمو الانسان فى اجتماعه . قلت انه عامل مشترك بين الجماعة الناطقة.  قلت انه دليل لها أو عليها وانه مقياس لوعيها ووجودها

الفرد الانسانى كون مكتمل من حيث المشاعر والاهداف

قد تتشابه - لدينا - قسمات الوجه وقد تجمع بيننا المهنة لكن المفترق كامن وراء خطوة نخطوها فى وجودنا اليومى

لا يمكن لى أن أنوبك حيث ينطق الذوق ويطفح الاحساس وتفيض المشاعر . لا يمكن لك أن تنويني حيث يتمرد الخيال وتتراءى الاهداف وتتأزم العقائد (21) .

وقد رأينا أن اللسان يشحن كل هذا

رأينا أن الكلمة مصب وجودى تشرئب حياتها نحو جوهر . رأينا أنها اشعاعة انسانية من ذوات الرأس والقدم . رأينا أنها جمرة يتفجر عنها أتون الجماعة . رأينا أن الكلمة فلذة رجراجة من كبد انسانية أدركت نفسها فتطايرت جزعا . هي تتبع دخان العواطف الحائرة . هى فى قمة النشوة والحماس . هو الوليد الحى بعد انفعال (22) هى حكم يصدره المجتمع فى قضية من قضاياه فى الصراع القائم بين الأمل والواقع

كل كلمة جديدة تشير الى غزو جديد ونصر جديد وعنم جديد . هى الاستجابة بعد النداء . هي العرض بعد الطلب . هى العرض الوجودى بعد الطلب الجوهرى (23)

لا وجود لكلمة لا حاجة بالمجتمع اليها

ان طفلا لا يلتفت أهله اليه طفل مطرود . وان كلمة لا يرتعش لها الفؤاد البشرى كلمة لا سبيل لها الى حياة تحت شمس الفكر

شأن الكلمة - حين نشأتها - كشأن الوليد الحي . الفرق الوحيد بينهما أن الطفل لا يعود الى الرحم وأن الكلمة تولد كى تخلق لها فى كل نفس رحما جديدا .

لا حياة لكلمة تولد فى الابراج العاجية . مثل تلك الولادة اجهاض لا ولادة (24)

لهذا فشلت المجامع اللغوية فى الدور الذى أسست من أجله .

ليس اللسان من شأن الفرد ولا من شأن المجامع (25) هذه المجامع نشأت عن فهم خاطئ لكينونة الكلمة . لقد سعى أعضاؤها الى خلق الكلمات خلقا صناعيا . زاحوا يرتقون ويرقعون ويمزقون ويلصقون ويلفقون . . شأنهم فى ذلك - شان الصبية فى بنائهم للقصور الملونة . فجاء انتاجهم ممسوخا كتلك القصور الممسوخة ، لا تسع النفس الانسانية كما لا تسع تلك القصور أجسادا بشرية .

راحوا يخلقون المواليد خارج الرحم الانساني فى بوتقات يابسة فتمخضوا عن كائنات مشوهة مجتها الحياة وردتها بضاعة بائرة . ومن شاء زيادة الاطلاع على مظاهر هذا الفشل فليقرأ النصف الثاني من كتاب " مشكلات اللغة العربية " لمحمود تيمور وعددا من مجلة اللغات يجد فيها مئات من المصطلحات الجديدة التى لم يكتب لاحداها أن تحيا ! (26)

الكلمة حكم فى قضية حيوية .

الكلمة ثمرة ناضجة عملت في سبيلها جذور وأوراق وأزهار وأرض وسماء .

راح أعضاء المجامع يزرعون النخيل ا فى أوان من خزف فأنتحوا حشائش قميئة شاحبه لا ينتمي الى النخيل الا اسمها الذى اصطنعوه مسبقا وراحوا يسيلون عرقهم جزافا بغية اقناعنا بانه نخيل وان أشبه الطحالب ! (27)

تكوين المجامع اللغوية لا يتعدى صفة اللهو والبهلوانية واللغو إذا تغلبت على اصحابها حتى حسبوا أنها الجد والاستقامة والبناء ولا فرق - عندى - بين اعضائها والمحنطات سوى أنهم صاخبون مهرجون (28).

قلت ان الكلمة مصب . والمصب خاتمة .

وقد بدأ المجمعيون سيرهم نحو خلق الكلمة من حيث كان يجب أن ينتهى .

بدأوا بخلق الكلمة بغية الالتحام بالفكر والشعور ، بينما كان يجب أن يبدأوا من الفكر والشعور كى يبلغوا الكلمة - المصب -

ساروا , بحثا عن الحياة اللغوية - في اتجاه معاكس لنواميس الحياة اللغوية فجاءت مواليدهم كلمات ميتة !

شروط الحياة :

الكلمة لا تفرض على الناطق فرضا (29)

هى نابعة من نفسه أو لا تكون . هى اما ذات ناب يعضه فى النفس فتطفح على لسانه أو لا تكون . اما تقبل واما تمج مجا .

ولكي تقبل الكلمة ، عليها أن تستجيب لمعطيات اللسان من حيث الصوت والخط ، من حيث النحو والصرف والبناء ومن حيث الذوق الجماعى أيضا .

علينا أن لا ننسى أن الكلمة موجهة الى فرد مجتمع الى مجتمع قد تشخص إلى شئ ثقيل الى فرد ذى محرك - الى حياة ذات تيارين : عامودى وأفقى

علينا أن لا ننسى الكنوز اللسانية السابقة : صوتا وخطا . علينا أن لا ننسى - كذلك - معطيات الذوق المعاصر الداعى الى سلاسة الصوت وسهولة الخط .

بذلك نضع للكلمة الجديدة جذورا فى التاريخ وجذورا فى الوجدان . بذلك تنتمى الكلمة الحديدة للماضى وتتمكن من الحاضر فتستقبل المستقبل أصيلة الحياة حية الأصول !

تجربة الحياة :

احياء الموتى ليس من شغل البشر ! هذا ما أغفلناه

الحياة لا تصنع . بل تمتد - بل تحول

هذه الحقيقة ينبغي أن لا ننساها . ينبغى أن لا ننسى - اذن أن محك الحياة حياة . ينبغى أن لا ننسى - اذن - أن تجربة الحياة وحدها - هي التى تعطى حق الحياة أو تسلبه . فى سبيل حق الحياة واجب الحياة

فى سبيل حق الحياة للكلمة تجب تجربة الحياة

هذه الحقيقة الذهبية يفرضها الجوهر ويقتضيها الوجود . يفرضها جوهر اللغة ويقتضيها وجود اللسان .

على الكلمة - اذن - أن توضع على المحك . أن تنصب قبالة الجوهر وجها لوجه . أن تسدد الى الجوهر الكامن في النفوس . أن تغازله وتراوده عسى يقع التجاوب فالضم فالشرارة .

على الكلمة - اذن - أن توضع على محك الاستعمال كي يحكم لها بالحياة أو يحكم عليها بالواد (30) .

يمكن آن تضع المجامع قاموسا كاملا من الكلمات الجديدة بدون أن يكتب لكلمة منه أن تحيا . ليست القضية قضية انزواء فى برج عاجي نخلق تحت قبابه الكلمات خلقا آليا باردا (31).

الكلمة الجديدة أن تطيع فتطاع . أن تخضع لقوانين اللسان ان شاءت أن تربط مصيرها بمصيره . أن تستجيب للذوق المعاصر ان شاءت دخول النفوس .

ثم قد يكتب للكلمة الجديدة أن تحبا فى العراق وتموت فى تونس لما أشرت اليه من اتساع الخرق فى اتجاهات الشعوب العربية ذوقا وتاريخا وثقافة .

أما استعمال الكلمة فيكون فى صميم المؤلفات الادبية قصصا كانت أم أشعارا أم بحوثا (32) .

وأما استعمال الكلمة العلمية الجديدة فيكون فى المدرسة وفى المؤسسات العامة من ادارات وشركات ومعامل

لدينا - فى سبيل هذه الغاية - أبواق الاذاعات وأعمدة الصحف والمجلات .

(الحلقة الاخيرة فى العدد القادم)

اشترك في نشرتنا البريدية