الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الانسان بين اللغة واللسان

Share

اهداء

الى من علمنى ان اعيد الى الله كلمته راضية مرضية الى ابى

مقدمة

الحقيقة تحقيق . ان فكرا لا يتجلى ليس فكرا . ان حقيقة لا تتحقق ليست حقيقة . الفكر الفكر مشروع عمل . هو لملمة وقيس . هو تمييز . هو استكشاف للضرورات فتخطيط للسبل .

لكن عملا لا يبدأ فكرا أحرى به أن يكون من شأن الجماد الذليل . الحجرة تقع حيث شاء البناء أن تقع . الريشة تستقر ان شاءت لها الريح استقرارا . أما الانسان فحر ، يختار كيف يكون ، ويختار كيف يكون كونه . لا ريشة هو ولا حجر .

عملك من مواليد أحشائك . عبقريتك فى لارضاك عن نفسك وكونك . القناعة الفكرية ليست من الايمان . هى كفر بجوهر الفكر الذى يتمرد على الكبت كاملا كان أو جزئيا .

ليس الانسان فكرا وليس عملا هو اما هذا وذاك واما لا شئ . ان رحما لا يلد ليس رحما . هو رحم فقد موجب وجوده فأصبح وجوده والعدم سيان .

وان ولادة بدون رحم ليست من شأن ابن آدم . هى احدى الشواذ ، تقوم على القاعدة شاهدا ودليلا .

هذا هو الانسان فى صفاء سريرته : رغبة فى حاجات وشبق الى مثل ، وثورة على أوضاع ، فتصميم وتخطيط فتحقيق ، فتقييم ، فرغبة فى الاصلاح جديدة ، فثورة متجددة ...

هذا الانسان : قلب يتعلق ، وعقل يتخيل ، وساعد يضع . القلب المقطوع ذبابة تنطح الزجاج . هو زحزحه للجبال بابرة . هو أحلام السكارى .

العقل المنفصل سائل بلا وعاء . هو من نصيب الاشباح . والساعد المبتور ليس سوى قطعة من اللحم والعظم شاخبة الدم أو فاشية النتونة أو رميم . هو يتحول ولا يحول . بل هو يحول ولا يحول . هو أعمى لم يجد مقعدا .

من أحلام السكارى

قال ابن جنى فى كتاب الخصائص : " ان العربية لغة الهية وانها أشرف لغات الارض " (1)

وقال عطية الابراشى فى كتاب الآداب السامية : " ان العربية عزيزه الجانب لها حياة كريمة فى بطون الكتب وعلى أسنة الاقلام " (2)

وأجتمع كتاب الشرق منذ 1930 أن العربية تجتاز أزمه حادة . ودعوا - كلهم - الى ما أسموه " اصلاح العربية " مشيرين الى صعوبه تعلمها وتعليمها تارة والى صعوبة طبعها وتكاليفه المادية الباهضة طورا والى تشعب نحوها تارة اخرى والمي فقر حروفها وكثرة الشواذ فى قواعدها طورا آخر .

* منهم من دعا الى اصلاحها مكتفيا بهذه الدعوة * ومنهم من اقترح تغييرا فى رسم الحروف مع الابقاء على أصلها العربى * ومنهم من اقترح ابدال الحركات بحروف صائتة * ومنهم من دعا الى عقلنة القواعد النحوية والصرفية والبلاغيه أو ذهب الى تأليف الكتب لهذه الغاية * ومنهم من اقترح ابدال الحروف العربية بحروف لاتينية انتهاجا  للسنة التركية  * وطلع علينا بعضهم بعمل فلاحى يمس الشجرة العربية ويتجلى فيما دعوه بتشذيب العربية (3)

* وتمخض الصمت الطويل الذى أطبق على بعضهم عن رأى بسيط دعوا فيه الى تبسيط العربية * ولم ير آخرون حرجا من ادخال اللهجات العامية فى صلب القصة العربية ذات اللسان الفصيح

* من الناس من نادى بالتعريب * ومنهم من نادى بالترجمة * ومنهم من نادى بالفرنسة سرا وجهرا * ومنهم من دعا الى اقرار الازدواجية فى اللسان ، تلك الثنائية اللسانية التى تجلت وما زالت تتجلى فى التعليم الثانوى عامة وفى شعبة " أ " من مدارس ترشيح المعلمين والمعلمات

* ومنا الكثيرون وقفوا من هذه الآراء الفواشة موقف الضحية المغلوبة على أمرها أو موقف المتفرج الحائر أو موقف من فاتته القافلة الثقافية الاصيلة فانطمست أمامه السبل . وارتفعت حواليه هواتف لا تقنع ولا تقتنع . فامتنع عن المسير خشية الضلال . وهو فى توقفه ذاك قد ضل كل الضلال .

نحن أمام مشكل قد تعفن . والمشكل كالماء ان ركد واستقر تعفن . نحن أمام ضوضاء كثر فيها الهجر والسباب حتى أصبحت القضية قضية خلقية بعد ان كانت قضية الثقافة فى بعض اطوار نموها . نحن أمام قاعة ملاها " البيزنطيون " اللغويون شجارا اجراميا ، بينما يأكل الجهل الغول أخضرنا واليابس ويستزيد .

كان لزاما علينا أن نفكر فيما نعمل ونعمل بما نفكر. كان واجبا علينا أن نبحث عن الحقيقة مشرئبا بحثنا نحو تحقيق . وأن نحقق ما تكون الحقيقة أساسا له .

هذا التفاعل بين ما يجب أن يكون وما يمكن أن يكون أغفلناه ، فأصبح سعينا الى استكشاف الحق تخريفا وسعيا الى الباطل وأصبح عملنا على صعيد الحق خبطا وعملا على صعيد الباطل .

اتحدى !

انى لمتحدث عن شؤون اللغة على هذا الاساس . وسيدرك القارىء الكريم أن الكثيرين ممن خاضوا فى شؤونها فككوا

الانسان قطعا ومزقوه نتفا ورموا بالروابط والعلاقات بعيدا ، ظنا منهم أن الاخمص أخمص ولو كانت فى موضع الاصابع ، وأن الانف يمكن أن يحتل مكان اللسان زاعمين أن تحويلا كذلك التحويل لا يزيد شيئا ولا ينقص .

هي ميكانيكية العصر وأنانية الاختصاص المهنى بلغت أعاميق اللطيفة البشرية .

لكن مشكل اللغة عصى عن الارقام ، متمرد على الرطل والمتر و " الواط " والخطوط البيانية .

اللغة لا تحنط ولا تصبر . لا يكلسها الا الابكم ولا يحجرها الا حيوان . والابكم الابكم حيوان .

أتحدى علماء اللغة - أم من ينسبون لانفسهم فقه اللغة - أن يميزوا - بالطرق العلمانية - بين صمت الانسان وسكوت الحجر !

هل يتعطل الفكر لدى مزموم الشفتين ؟ هل يحتبس الوجدان باحتقان الحنجرة ؟ ألا يتمرمر الخيال رغم احتقان الكلام ؟

أتحدى أولئك العلماء أن يجيبوا عن هذا السؤال بقطع بدون أن يلتجئوا الى الهبوط فى طيات نفوسهم

لا تشريح ، ولا تصوير ، ولا احصاء ، ولا ملاحظة ، ولا وصف ، ولا قيس يغنى عن الاستبطان الامين فى مضمار الكشف اللغوى .

لكى نطبق طرق الاحصاء على اللغة ، ينبغى أن نطبق طرق الاحصاء على لغتنا حينما نطبق طرق الاحصاء على اللغة ! حلقة كفيلة بأن تركزك فى قلب صحراء !

ما خاب قلم من قال : " اللغة جسد وروح فى آن . فاذا وجب الاهتمام بالجسد ، فالى الروح ينبغى أن نرتقى كى نبحث عن التفسير العميق الكامل للظواهر النحوية " (4)

اهبط بعيدا فى أغوار نفسك تدرك أنك تدرك . وتدرك أنك تنطق وتدرك كيف تنطق !

الاقتصار على درس الظواهر اللفظية اهمال لمنابعها العديدة فى النفس الفردية والوسط والتاريخ . وهو اهمال يقطع الفرع عن أصله . به يموت الفرع ويختنق الاصل . به يموت اللسان ويختنق الفكر .

ولا معنى للتمييز بين انسان وحيوان على اساس النطق ، اذا كان النطق فرعا فيزيولوجيا للشفاه !

شتان بين الصائت والناطق (5)

أطلب من الكلب أن يموء أو يصفر تدرك أن قضية اللغة ليست فى بدء من الحناجر

سبيل الكلب أن لا ينتمى لغير الكلاب . وان الكلب الذى لا ينبح كلب مريض . لكنه كلب . ذلك أن تعطيل الحنجرة لدية لا يجر تعطيلا آخر . ذلك أن نباحه لا يرتبط بعمق يميزه عن غيره .

وان انسانا لا يطفح ولا يتجلى ليس انسانا .

الكلب ذو شفتين يقرعهما ، والفأر ذو فم ولسان ، والجمل ذو شفرين ، وأحرى بالتمساح أن ينطق اذا كانت القضية قضية ضجيج وعجيج واتساع فى الشدقين !

مواقف غريبة وقفها بعض علماء النفس وفقهاء اللغة ورجال الدين ، أهمل فيها الاولون السعى لمعرفة ذواتهم ، وعمى فيها الآخرون عن منابع لغتهم !

سأحاول التصدى لبعض تلك المواقف التى زيفت البحث اللغوى ومسخته وأخرجته من محجره وسخرته لمختلف المذاهب السلفية عجينة مطاوعة لكل منزع ومشرب .

آمنت أن الفكر نزيل كل بيت بشرى .

وآمنت أن شأن الانسان من شؤون كل الناس . فكفرت بالاختصاص اللغوي والغيرة المهنية .

فلا عجب أن تكون نظراتى سبحات فى زخم الانسان حرصت على أن تكون شاهدا صريحا يغار على الانسان ويخشى أن يتسع المراح بينه وبين التونسى فى تعثر خطاه بين درب اللغة ومزالق اللغو .

ان عملا لا يهدف ليس عملا بل عبثا ان هدفا لا نسعى فى سبيله ليس هدفا بل وهما لا غنى للقدم عن رأس ولا غنى للرأس عن قدم الكائن البشرى وحدة واللغة فى رأسه وفى القدم

اختصاصية العصر الحديث شاءت أن تفصل بين رأسية اللغة وقدميتها ، بين جوهريتها ووجوديتها ، بين اعتبارها هدفا واعتبارها عملا ، بين ما يدعى بالمعنى وما يدعى باللفظ .

النظرة الشاملة تسبق النظرة الفاحصه .

الاختصاص لا يعنى التقطيع النهائى . علم الانسان اللاغى قبل علم النفس وقبل علم الاجتماع وقبل علم اللغة وقبل فلسفتها .

سبيلنا أن نفتح شباك الشمول اللغوى فى عالم الانسان اولا وفى عالم الانسان العربى بعد ذلك وفى عالم الانسان التونسى أخيرا ، كى نجعل من لغتنا تعبيرا عربيا عن واقع تونسى تسهم به فى جهاد الانسان أيا كان .

في توظيف اللغة

ما هى وظائف اللغة ؟

سؤال سودت من أجله آلاف من الاوراق لو تركت على شكل حلفاء لصنعت منها " قفة " تسع الارض

سؤال أضيعت فى الاجابة عنه أعوام لو أضيف الى عمر آدم لبقى الى اليوم حيا .

ان البحث عن الماهيات من شر الداهيات . ولكم كان من الاجدى علينا وأحفظ لاوراقنا وأوقاتنا وأعصابنا لو أعرضنا عن هذه الماهية فتعرض عنا الداهية ؟

ما هو دور اللغة ؟

سؤال يذكرنى التمثيل المسرحى والادوار المسرحية ، ويذكرنى امكانية اختصار المسرحية احيانا .

فهل يمكن أن نختصر الحياة الانسانية فنمحو منها اللغة ؟ واذا امكن الحفاظ على محور التمثيلية الاساسى رغم اختصار ادوارها ، فكيف تصبح الحياة الانسانية بدون لغة ؟ كيف يمكن أن يكون الانسان الساكت ؟

ان الادوار - مهما كان نوعها - منفصلة فى تداخلها ، مستقلة رغم اشتراكها . هى أكوان متفاعلة . هى كقطع الشطرنج لها حدود وعلاقات . وهى أشياء مستقلة عن الانسان أساسا . فما كل الناس من هواة التمثيل . وما كل الناس من ابطال الشطرنج .

فهل اللغة - بمفهومها الصحيح -كائن منفصل عن الانسان ؟ هل هى كائن له حدوده ووجوده ؟

هل " الدور " الذى تقوم به غير دور الانسان ؟ ما هى حدود اللغة ؟ الى أين ينتهى الفكر ومن أين تبدأ اللغة ؟

فارغ

من السهل أن نزعم أن " نهر اللغة يسيل بلا انقطاع " (6)

ومن اليسير أن نجزم أن اللغات " كائنات حية . . يمكن مقارنتها . . بكائنات العالم النباتى أو العالم الحيوانى " (7)

ومن البسيط أن نؤكد أنها " فى تدفق أى فى تطور " (8)

فارغ

كل هذا سهل بسير ، لكنه مبتور لانه يتجاهل أن " اللغة الحية لا تنفصل عن الادراك اللغوى للناطقين بها " (9) لانه يغفل أن " اللغة من الحياة الانسانية وبدون الانسان لا كيان للغة " (10) لانه ينسى أن " اللغة مجموعة من الآليات البسيكولوجية التى تسير الكلمات بأمرها وتتلقى منها قيمتها " (11) ولا يمكن تفسيرها الا على " أسس بيولوجية نفسية اجتماعية " (12)

من هنا نفهم أن البحث عن وظيفة اللغة أو وظائفها ، عن دورها أو أدوارها ، بحث صبيانى عقيم كبحثك عن دور الانسان فى حل وترحال .

بين التعبير والاتصال

صفان من الناس تقابلا فى ميدان كرة اللغة يتقاذفانها حينا ويتنازعانها أحيانا .

فمن قائل بأن اللغة - أساسا - أداة تعبير (13) هى شىء يحمل الفكر هى وسيلة نبرز بها وهاج الخواطر هى جهاز يذيع كامن المشاعر والافكار . هى قصبة بها نصطاد أسماك أفكارنا ونخرجها لليابسة . هى - كما قال بويسون ( BUISSON ) : " شبكة من الاشارات تهدف الى التعبير عن العاطفة او الفكر " (14).

ومن زاعم بأن اللغة - أساسا - اداة اتصال (15) هى الغل الذي يوثقك الى بنى آدم فيجعلك من طينتهم . هى الالة التى بها تنطق وتستنطق ، بها تعطى وتأخذ ، بها تجود وتستجدى . هي الاساس الذى تقوم عليه اجتماعية البشر ، وهى الشرط الذى به يقع التفاهم (16) .

وقام الخلاف على التفضيل بين اتصال وتعبير (17) ثم اشتد وتحول الى سباب ، واستغلته المذاهب السياسية : فالبورجوازيون يميلون الى التعبيرية ، والشيوعيون اتصاليون .

تمذهبت البحوث اللغوية حتى ليخيل اليك أن البحث الفكرى يمكن أن يتحرب على سبيل التخمين والاعتباط .

وتوقف النزاع فاستقر وانتهى الى مأزق .

انتهى القائلون بالدور التعبيرى الى تمجيد الفرد وتقديسه (18) وانتهى القائلون بالدور الاتصال الى محو الفرد وانكار العبقريات .

ولا عجب أن يتوقف النزاع عند هذا الحد .

لقد بدأوا البحث من حيث ينتهى ، وانتهوا من حيث يبتدئ . بدأوا بالظواهر اللغوية لكى ينتهوا الى الفكر وما فتئوا عن الحقيقة فى ابتعاد . ساروا على منهج البحث اللغوى فى اتجاه معاكس ، فجاءت نتائجه معاكسة لواقع الامور .

من فوضى العبث وعقمه أن نشبع اللغة حديثا عن وظائفها . I - انى لست آلة عمياء تتلقى منك ما تلقيته لكى يتلقاه غيرك منى . انى لا أرى الشئ كما تراه تماما . ولا أعبر عن الشئ الواحد كما تعبر .

ما الذى يحدث التطور ان كانت الحياة الانسانية قائمة على الاعادة والتكرار والببغائية ؟

مجتمع راكد متعفن دائرى ، هذا الذى يسعى الاتصاليون - وعلى رأسهم جون ديوى (19) وبرادين في احدى زلاته (20) لخلقه بانكارهم للجهد الفردى .

اليس من الممكن الاستغناء عن اللغة ، اذا كانت " وظيفتها " أن تربط العلاقات البشرية ؟

ما جدوى اللغة ، وهذه جماعات النمل والنحل لا تحتاج الى آداب وعلوم وفلسفات لكى تشترك فى العيش الدائرى ؟ (21)

البحث عن وظائف اللغة بحث عن وظائف الوجدان البشرى . الاتصال المجرد جمود واستقرار . القول بالاتصال المجرد قول بجمود اللغة واستقرارها وقول بجمود الوجدان واستقراره . هو يعتبر الكيان البشرى ساقية من اسمنت . هو ينعت اللغة بالسيلان الدائرى ويصم النفس الانسانية بالتحجر والاجترار .

2 - ثم انى لست خالقاً للغتى . لست خالقا لها من الالف الى الياء . لقد " اتصلت " بها .

اللغة - من هذه الزواية - حوار . هى امتداد فكرين .

لا وجود للناطق المنعزل - رغم مولر وفندت (22) لا سكوت حتى فى الوجدان البشرى الواحد (23) بل اكثر من هذا . نحن نتحدث الى الجماد فنحيية . ننسب لاغصان الشجرة حنو الام ونقيم دموع التماسيح رمزا للنفاق وننعت الديك بالكبرياء والضبع بالبلادة والجمل بالصبر والاحتمال والثعلب بالاحتيال .

جوهر اللغة فى اتصال الانسان بالانسان والطبيعة وجود اللغة فى اتصال الانسان بالانسان والطبيعة لكن الاتصال لا يعنى الاخذ فقط . هو يعنى العطاء أيضا . هو يعنى التبادل . هذا التبادل يعنى الاتصال المجرد ويعنى التعبير .

لا لغة بدون اجتماع هكذا قال الاتصاليون لا لغة بدون فكر هكذا قال التعبيريون

وقد غاب عن أولئك وهؤلاء أن لا اجتماع بدون فكر وأن لا فكر بدون اجتماع .

قال برادين : " اللغة بدأت بالمجتمع " ( 24 ) هذه الحقيقة بتراء . ذلك أن اللغة بدأت بالفكر أيضا . شرط اللغة فكر واجتماع

انسانية الانسان فى أن يستوفى شرط الفكر لكى يتصل بالغير اتصال البشر لا اتصال آلات ، فى أن يستجدى لكى يجود ، فى أن يتسلح لكى يدافع أو يهاجم

لا معنى لاجتماع بشرى بدون فكر ، فاتصال الصفر بالصفر لا ينتج الا صفرا .

الفرد يقبل ليحسن ما قبله ويذيعه . وهو يذيع فيقبل النقد ويحسن ما أذاعه. هو لا يفكر بدون اتصال ، ولا يتصل بدون فكر فالتفكير جدل ، والاتصال يقتضى العطاء

قال الدكتور يوسف مراد : " ليست وظيفة اللغة الاساسية مجرد التعبير عن المعانى ، بل التأثير فى نفس المستمع " (25)  وأعاد سلامة موسى : " ليست اللغة لنقل المعانى فقط وانما هى أيضا للتفاعل الاجتماعى " (26)

واستنتج غيرهما فى مضمار الجمال اللغوى : " جمال اللفظ او العبارة يتحقق بأمرين مترابطين متصلين اتصالا وثيقا ، فأما أولهما فهو استيفاؤها شروط الفصاحة التى يذكرونها فى كتب البلاغة ... وأما ثانيهما فهو حسن تأثيرها فى نفس السامع " (27) .

تمرد الفرد وطغيان الجمهور خلقا هذه الخصومة الخرقاء . والحقيقة ان لا عداء بين الفرد السليم والمجتمع السليم .

لو كانت اللغة " أداة اتصال مجرد " لكانت مضامينها واحدة لدى كل الناس

ولو كانت اللغة " أداة تعبير مجرد " لكانت مضامينها متخالفة لدى كل الناس

ثم لننظر الى هذا النقاش نفسه !

أليس هذا النقاش - وان اعوج - ناشئ عن فكر فردى ؟ ثم أليس هذا العداء ناشئا عن اتصال اجتماعى ؟

اننا نشهد اليوم نكسة فى مضمار الادراك اللغوى الاصيل ، وهى نكسة ستعقبها مراجعة شاملة للمناهج والطرق ، كتلك التى عقبت نكسة البحوث فى مضمار علم النفس فصححت الاوضاع وعبدت سبل التجريب بعد أن كان الحديث عن السببية فى السلوك - دوافعه وجذوره الغريزية - موضة القرون السابقة الى مستهل القرن العشرين .

وعسى أن يتحقق جزم بريال Breal فى قوله : " لسنا نشك فى أن علم اللغة سيصبح أكثر انصافا لمحرك اللغات الاول ، لنا ، للذكاء الانسائى . . ان عاد ادراجه من المتناقضات والاعتباطات " (28)

وقد أوجز أحدهم هذه الخصومة العقيم فقال مرة " كثر نسيان علماء

النفس أن الفكر الذى يولدون منه اللغة فكر يريد أن يعبر عن نفسه ، أى أن يجتمعن . وقد كاد أن يكون الانكار مستمرا لدى علماء الاجتماع أن الاسلوب التعبيرى الذى تضع اللغة قوالبه ، اسلوب فكر . ان الفكر الذى يعبر عن نفسه يصنع نفسه مثلما يصنع الفكر الذى يركب نفسه " (29)

وقال مرة أخرى : " اللغة لدى علماء النفس تعبير عن فكر ، وهى لدى علماء الاجتماع تعبير عن جماعة " (30)

ثم أزاح شبح الخصومة جازما أن : " اللغة عمل عقل يسعى - فى رموز شفافة - لابراز ما يشترك فيه مع غيره من العقول ، أو بالاحرى ما سمح له بأن يكون مجتمعا قوانيا للجنس البشرى " (31)

وأكد أن : اللغة هى رمزية صوتية بواسطتها يسعى الفكر للتعبير عن عناصره الاجتماعية " (32)

ان للفكر مظهرين : قولا وعملا ، لسانا وسلوكا . فاذا أمكن أن ندرس الفكر بتصنيف الظواهر السلوكية واللغوية - عفويها وحرها ومدفوعها - فكيف يمكن أن ندرس اللغة ؟ لست أرى لهذه الغاية الا المنهجين الذين اتبعهما علماء النفس لدراسة السلوك :

1- تطبيق ما انتجه الفحص الباطنى على الظواهر اللغوية 2 - سبر الفرد لاعاميق وجدانه ، وتسجيله لما يمكن أن يدركه من أحداث باطنية . وهى الطريقة المسماة بالاستبطان .

ألق الآن سؤالك : ما هى وظائف اللغة ؟ أجبك بأسئلة ثلاث :

- ما هى وظائف السلوك البشرى ؟ - ما هى أهداف الوجود البشرى ؟ - ما هى حدود الانسان حينما يتحول جوهره الى وجود ؟ وهى أسئلة تجيبك بأنك ضال فى سعيك لتوظيف اللغة !

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية