- 3 -
ليست الاصوات اللغوية عشوائية بدون شك . هى منتظمة ، ممقطعة ، منسجمة ، متناغمة .
لكن هذا الانسجام ليس من قبيل تبعية الصوت الى المعنى . ليس وراء باب الجبرية ، ليس عبودية لهذا على ذاك أو لذاك على هذا . يمكن للصوت أن يرن كالطبل كما يمكن للفكر أن يتخطى سرعة الصوت وأوتاره . يمكن للصوت اللغوى أن يكون لغوا . يمكن أن يكون ورما كما يمكن ان يشير إلى معنى لا تشير إليه نبراته .
الاتصال بين طرفين لا يفرض غلبة لاحدهما على الآخر . هو لا يعنى انحلالا للفكر في أمواج الصوت أو تموجا صوتيا على تضاريس الفكر .
فهم الاتصال على أساس الصراع فهم ذئبى . هو فهم للحياة قائم على أساسية العدوان .
ليس حتما على الفكر والصوت أن يكون فيهما آكل ومأكول . انسجام كهذا يقوم على مظلمة . هو انسجام ظاهرى ، هو انسجام يقوم على مرض . هو من قبيل زعمك أن العين لا تبصر إلا إذا قطعت الاذن ، وهو حكم يضطر إليه الاطباء اضطرارا فى بعض العمليات الجراحية .
القول بالفكر الملحن قول بأن الوجدان صوتى المسيل . هو تحديد لمجارى الفكر أخرق وإناخة للوجدان قاتلة .
الاصوات اللغوية ليست عشوائية بدون شك (15) لكن انسجامها ليس مشروطا بانسجام فكرى .
1 - هو تابع لانسجام ذوقي . هو ظاهرة جمالية . هو دلالة الى مستوى ذوقى لدى الفرد والجماعة . وهذا ما يجعل صوتية اللغة فى نمو وتطور .
2 - وهو تابع لانسجام بنائى . إنك لا تضع صخرة على حصاة ولا حصاة على صخرة إن كنت تنشد البناء المتماسك . إنك لا تضع فى فمك خبزة إذا كان بلعومك لا يسع الا لقمة . إن لك رصيدا لغويا سابقا لنشأة الكلمة الجديدة . على الكلمة الجديدة أن تستجيب لطابع اللغة التى إليها تنتمى . إنك لتتقمصها - صوتيا - إن لاءمت حنجرتك . وإنك لتكيفها وتعد لها إن طاوعت لسانك وإنك لتمجها فى تقزز ونفور إن تمردت تلك الكلمة على الرصيد السابق لها ، وهذا ما يجعل صوتية اللغة ذات وحدة وانسجام .
هنالك - إذن - شرطان يحكمان في الحياة اللغوية على مستوى الصوت . - عامل كابح يتمثل فى الكنوز اللغوية السابقة .. - عامل دافع يتمثل فى الذوق الجماعي والفردى
العامل الاول يفرض على الكلمة الجديدة أن تستجيب - صوتيا - للمعطيات اللغوية . عليها مثلا أن تستجيب للابجدية هذا الشرط يحس به المعلمون الاجانب الذين يدرسون اللغات الاجنبية في مدارسنا . ويحس به بعض المعلمين ذوى اللسانين ممن يقع تكليفهم - طيلة أعوام متوالية - بتدريس اللغة العربية ثم تكليفهم - بعد ذلك - بتدريس اللغة الفرنسية .
وقد بلغني أن معلما واحدا تسبب فى مسخ الكلمات الفرنسية - صوتيا - لدى الكثيرين من تلاميذ المدارس الابتدائية بالمنستير !
لهذا قالوا
in عوضا عن un cineq عوضا عن cinq naf عوضا عن neuf loui عوضا عن lui ble عوضا عن bleu inq uf ان ble ineq nf ان
وقد سهلت على هذا المعلم عملية المسخ هذه قلة استعداد التلاميذ لقبول أصوات لم يألفوها فى لغتهم - الام -
وقد وردت هذه الظاهرة فى اللغات اللاتينية التى اندست فيها كلمات عربية .
أما ترى كيف مسخت بعص الاسماء العربية فى أوروبا فأصبح ابن باجة Avenpace وابن رشد Averroes وابن سينا Avicenne والخوارزمى Logarithme ومحمد Mahomet ؟
من الجهل أن نثور على الغربيين - وغير الغربيين - متهمين إياهم بالغش والتزوير ! إنهم لم يتفقوا غشا وتزويرا - على ابدال كلمة ابن بــــ Aben فــ Aven ثم على الادغام .
كل ما فى الامر أن هذه الاسماء سالت فى مسيل لغاتهم عن الطريق الاندلسية - لحاجتهم الى المؤلفات العربية - فكان على أسماء أصحابها أن تطاوع كنوزهم اللغوية الصوتية .
أما العامل الثاني فهو العامل الذوقى وهو العامل الدافع . يكفى أن تقارن بين صوتية العربية الجاهلية وصوتية اللغة العباسية كى تلمس التطور . يكفى أن تقارن بين صوتية الفرنسية لدى Corneille وصوتية الفرنسية لدى cocteau كي تلمس التطور .
لقد أخطأ اللغويون فى ربطهم هذا التطور الصوتى بالتطور الفكرى . يقيني أنه وثيق الصلة بالتطور الذوقى
العامل الاول عامل محافظ . هو قيد اذا كانت أوتار الآلة الموسيقية قيدا . هى موجة عامودية تهزك فى اتجاهها أحببت أم كرهت . بها تنتمى الى القوم وتاريخهم بشرط أن تسير - مبدئيا . فى اتجاههم
العامل الثاني عامل تقدمي . هو ميدان العبقرية الفردية ، هو ميدان الانغام ، هى موجة أفقية بها تنتمى إلى القوم وروحهم .
إن كان عليك أن تسير فى الدرب اللغوى العامودى فلك ان تسهم فى تعبيد المقطع الافقى .
إن كان عليك أن تتقيد بالاوتار اللغوية فلك أن تستخرج منها ما شئت من الانغام . إن كان عليك أن تتقيد بالالوان فلك أن تستخرج منها ما شئت من الخلائط فتسود ما شئت من اللوحات !
إن كان عليك أن تبنى على الاسس التى حفرتها الاجيال السابقة فلك أن تضع اللبنة التى تبنى عليها الاجيال اللاحقة . عليك أن تخضع للجذع اللغوى ولك أن تتصرف في الفروع . هذا التصرف سنتحدث عنه عند تعريجنا على التمرد الفردى .
لست أشك فى أن "تغريب" ابن باجة الى Avenpace مع الاعتراف بأصله العربى أفضل بكثير من "تعريب" Saint Germain الى سانية الجرمان تعريبا يمسخ الصوت ويمسخ الاصل . كما لست أشك فى أنه أقل فظاعة من مسخ "بالله يا حمد يا خوى" ، إلى بالله يا أحمد يا أخي ! ذلك " التغريب" أمر طبيعي وذلك "التعريب" تشويه ناجم عن سوء هضم .
أما تلك الحجة التى اتخذها الصوتيون دليلا قاطعا على تعبيرية الصوت اللغوى والمتمثلة فى حكاية الصوت Onomatopee فهى حجة لا تدل على تعبيرية الصوت أساسا .
حكاية الصوت لا تدل لا حكاية المعنى . تقليد الصوت لا يدل على تقليد المعنى .
قد يثور السامع العربى إن قلت له : صهيل الحمام ، زقزقة الحصان ، مواء العصفور . خوار القط . هدير الثور . هذه الثورة ليست على سوء تعبير الاصوات هى ثورة على سوء حكاية الاصوات هى ثورة على سوء تقليد الاصوات .
ذلك أن حكاية الصوت تعبير إيحائى عن الاصوات نفسها . هى لا تتعدى السعى الجماعى لنقل الاصوات نقلا إيحائيا . هى ليست نقلا لــ "معنى الشىء" أو تعبير عن فكر بل محاولة إجمالية لنقل الاصوات المسموعة بأصوات ملفوظة . (16)
لست أشك فى أن الصلة وثيقة بين الصوت والمعنى من حيث تاريخ اللغة ومنشئها لدى الفرد (17).
يكفى أن تصغى الى الطفل وهو يموء للدلالة على القط ويشير الى الكلب بصوت يشبه النباح كى تدرك العلاقة .
لكن هذا لا يعني أن كلمة "صفر" ، أو "كسر" ، أو " تمتم " تنقل الاصوات عينها نقلا أمينا (18).
كل ما يعنيه الشبه الكائن بين أصواتها والاصوات الحقيقية أنه دلالة على محاولة لشحن الكلمة بأصوات الطبيعة .
هي - إذن تعبير حسى لا تعبير فكرى . ومن يستطيع أن "يقنعنى" أن العصفور ينطق بالقاف عند الزقزقة وأن الكبش ينطق بالغين حينما يثغو ؟
ثم لماذا لا يعبر عنها الفرنسى والانكليزى كما يعبر عنها العربى ؟ ؟
وبعد ، فهل كل الاصوات الانسانية معبرة ؟ سؤال لن تتمكن من الاجابة عنه إن أهملت الارادة الاجتماعية فيصل التفرقة بين الكلمة والنباح .
سؤال لن تتمكن من الاجابة عنه إن أهملت كذلك . الارادة الفردية ، فيصل التفرقة بين الكلمة والصوت الحنجرى المنبعث عند التثاؤب .
الاصوات اللغوية لولب جماعى صلد أملس الجوانب .
مفهوم التعبير يقتضى الاجتماع . يقتضى ناطقا وسامعا . هو - إذن - يقتضى الاحتباس فى اللولب اللغوي الاجتماعى .
هذا المفهوم لا يفرض الاحتباس فى الشبكات الصوتية الجاهزة . هو يحترم الاصوات اللغوية جملة لكنه حر فى أن يتجاوزها تفصيلا .
يمكن لنا - بعد هذا - أن نجزم أن الاصوات الانسانية المعبرة هى تلك الاصوات الارادية التى لا تتمرد على اللولب اللغوي الاجتماعى .
وبعد ، فهل من شأن الاصوات الانسانية أن تبلور الوجدان الانساني كله ؟ سؤال لست أشك في جوابه الايجابي . هذا فيما يتعلق بالاصوات الانسانية باطلاق .
أما الاصوات اللغوية فهي محدودة التعبير . هى قادرة على بلورة الوجدان الذي لا ينسى أنه ليس خالق اللغة . أنه ليس محرك اللغة . أن حريته محدودة بالكنوز اللغوية السابقة . أن أصواته اللغوية ميراث . أنها اللولب الاجتماعى الذى لا يقبل النواتىء والنواشز .
الاصوات اللغوية قادرة على بلورة هذا الوجدان الذى يهبط فى أعماق نفسه ليستخرج منها العناصر التى تجعل منه مجتمعا قوانيا الذى لا ينسى أن التعبير معناه اتصال وأن في الأتصال تعبيرا عن هيولية الجوهر وهرمية الوجود ولولبية اللغة .
وبعد فما هو فيصل التفرقة بين الكلمة الانسانية وصرصرة الصرصار ؟ هي الارادة الانسانية التى تعبر عن مواقفها إزاء مواقف إرادات إنسانية أخرى .
فى الخطوط
هو أهون المذاهب اللغوية شأنا وأضلها نظرا وأوضحها دليلا على ما اكتنف النقاش اللغوى من تشعب وغموض وانحراف
زعموا أن الخط يجسد "معنى الشىء" فى صميمه وزعموا أن الخط يشحنه الوجدان فيتجلي عالقا بشفرة الحرف خطا ، منتصبا على أجزاء الكلمة رسما ، متمطيا عليها ، متلبسا بها ، متقمصا إياها ، متمكنا من عطفاتها .
مذهب بني بعضهم على أساسه شبكة من الخرافات . أعطوها اسما رنانا . أغفلوا أن رنين الاسم لايزيد فى حقيقة المسمى ولا ينقص شيئا ! دعوه علم الخط Grphologie ودعوا أنفسهم علماء الخط Graphologues وزعموا معرفة كل ذى خط
يستكتبونك فقرة ، ويجمعون ما يحسبونه الهام من قسماتها وخصائصها الخطية . ويعدون ما تكشف لهم من عناصر شخصيتك ، ويسعون للتوفيق
بينها ، كى يكشفوك فى صفحة أو أكثر أو أقل ... ولا يحجمون وقد بلغوا هذا المبلغ من العلم - عند تخمين ما أدبر من عمرك وما سيقبل .
هدف سرابي لا يخلو من الاغراء . وهو هدف لا يبلغونه مهما تفننوا فى زخرفة السبيل كما لا يبلغ قمة الجبل من بحث عنه فى باطن الارض مهما تفنن فى تجديد الطرق والآلات والاساليب !
ما هدف علماء الخط إلا إبتزاز المال . أما سبيلهم فى ذلك فقديمة . هى شعوذة واستدرار لبنات الوهم واستحلاب للفضول .
زعموا : 1- أن شكل الحرف ينبىء عن طابع شخصى 2 - أن شكل السطر - صاعدا كان أم هابطا أم متقطعا فى صعود وهبوط أم أحدب أم أجوف - يعبر عن ميول . 3 - أن المسحة العامة للكتابة لها مغزاها فى الكشف عن شخصية الكاتب .
1- كيف يمكن أن ينبيء شكل الحرف - إطلاقا - عن طابع شخصى وهو شىء مكتسب تنشره المدارس فى كل صقع ويسعى المعلمون فيها جاهدين كي يحملوا التلاميذ على تقليدهم حسب نموذج معين ؟
2 - كيف يمكن أن ينبىء شكل الحرف عن طابع شخصى قار - وقد أشرت الى تخمين الماضى وتكهن المستقبل - وأشكال الحروف لدى الفرد الواحد ما تنفك في تحول وتبدل ؟
3 - كيف يمكن أن ينبىء شكل الحرف عن طابع شخصى ونحن ما ننفك نقلد ذوى الخط الجميل ؟
كيف يمكن ذلك والاشكال مختلفة بين سطر وسطر أحيانا ؟ - إنك لتكتب ستة سطور على ورقة بلا خطوط وينتهى كل سطر هابطا فيفهم علماء الخط من هبوط الاسطر الستة أنك مكتئب متداع أو تكتبها صاعدة فيفهمون منها أنك ذو طيش وحماس ... (19)
وإنى لاسألهم الآن عما يمكن أن يفهموه لو كتبت كل السطور مستوية من جهة ... ولو كتبت ثلاثة منها صاعدة وثلاثة منها هابطة من جهة أخرى .. !
أينفى صاعدها الهابط ؟ هل النفس البشرية قائمة على الجمع والطرح ؟ ألا نكتئب حينا ونتحمس أحيانا ؟ ثم ألا نكتئب ونتحمس فى آن واحد حينا آخر ؟ ألا ما أيسر علم النفس عند هؤلاء الناس !
يريد علماء الخط - وفى مقدمتهم بعض المشعوذين من معهد نيس Nice لعلم النفس - أن يجمدوك ، أن يحملوك صخرة طابعهم العام فلا تتزحزح ولا تطيق حراكا ! أنى لهم أن يبلغوا شل المواجيد !
هم يبحثون عن نوعية الوجدان لتصنيف البشر . يبحثون عنها بالجمع والطرح ، بالاحصاء والقيس ، بتوفيق أقرب الى التلفيق منه إلى التوفيق .
إن الحقيقة ما جهلوا ! ذلك أن الكائن البشرى اتجاه ومواقف ، لا سبيل الى تصنيفها وتبويبها وجدولتها .
من الخطا أن تسأل : ما هو فلان ؟ كيف هو فلان ؟ الصواب أن تسأل : كيف هو فلان فى حالة كذا اليوم ؟
ذلك أنه فى سيلان دائم ، فى تطور مستمر . نهر الانسان الانسان ما ينفك فى تدفق .
ثم ان التطور فيه أسبق من تطور خطه . حرفه من بقايا أمسه . حرفه من آثار نفسه الماضية .
اعرف نفسك معرفة الحق ، تدرك على الاكثر - - ما سيحدث في خطك من تبدل !
هذا عكس ما زعم علماء الخط وهو - عندى - الصواب !
من العبث أن نجهد النفس ونضيع الوقت النفيس فى تسجيل الخطوط اللغوية المختلفة ، مستقيمها ومعوجها ، مرتبطها ومقطعها ، أحدبها وأجوفها وأعرجها ، منسقها وعشوائيها ، لتصنيف الاصابع الكاتبة والصعود منها
- مباشرة - الى القمم المشرئبة ، والغوص منها - توا - الى الاعاميق المائجة .
قد تريد أن تكتب بالخط الرقيق فتفعل . وقد تريد أن تكتب بالخط الكبير فتفعل قد توجز الكلمات على سبيل ربح الوقت ، وقد تطيلها على سبيل ملء الفراغ . قد يميل السطر فى تصاعد أو تهافت لتفاوت فى طول أرجل المكتب وقد يضطرب الخط لاضطراب عصبى طارىء .
ألا تكفى كل هذه الطوارىء دلالة على هزال ما يدعى بعلم الخط ؟
من الخطا الواضح أن نجزم بأن كلمة (حجر) بحائها وجيمها ورائها تعبر - خطيا - عن مادة الحجر أو حالته .
ومن الخطا أن نجزم بأن كلمة ( شفقة ) بحروفها الاربعة تعبر - خطيا - عن حالة وجدانية معينة .
وكانت الحقيقة ما زعم الخطيون لفهم منها الامريكى ما أفهمه ، بما أن القضية قضية أحداق وهى متشابهة لدى ولديه .
ثم ما للفرنسيين - والقضية قضية خطوط - لا يكتبون هبيتى عوضا عن Habiter ولا نكتب Sacana عوضا عن سكن ؟
و كانت الحقيقة ما زعموا لكان للسطرين التاليين معنى واحد : أكل علي . زينب لا تأكل اللحم أكل علي زينب . لا تأكل اللحم !
لا ريب عندى - وتشهد بذلك الخطوط الهيروغليفية وما قبلها - فى أن التصوير كان سبيل التعبير عن الاشياء الملموسة قبل أن تبسط الصور وقبل أن تصبح رموزا لغير ما رمزت اليه حين نشأتها (20).
الخطوط اللغوية ليست عشوائية بدون شك ، (21) لكن انتظامها من قبيل تماسك البناء .
إنك لا تضع صخرة على حصاة ولا حصاة على صخرة إن كنت تنشد البناء المتماسك . إنك لا تضع في فمك خبزة اذا كان بلعومك لا يسع إلا لقمة . إن لك رصيدا لغويا سابقا لنشأة الكلمة الجديدة ، وانك لتمسخها وتكيفها إن طاوعت خطك أو تمجها في نفور وتقزز ان تمردت الكلمة على الرصيد السابق لها . وهذا ما يجعل خطية اللغة ذات وحدة وانسجام .
انسجام الخط اللغوى ليس - إذن - من قبيل تبعية الخط للمعنى . ليس هذا الانسجام عبودية لهذا على ذاك أو لذاك على هذا . يمكن للخط اللغوى أن يكون لغوا . يمكن لك أن ترصف من الحروف ما لا يعبر عن شىء مألوف كما يمكن للكلمة الواحدة أن تشحن أكثر من معنى .
غاب عن الخطيين أن اللغة نتاج اجتماعى . أنها ظاهرة اجتماعية . أنها ميزة المجتمع البشرى . أن لا لغة بدون مجتمع بشرى .
غاب عنهم أن المجتمع هو ذلك التاجر بالجملة ... يتوسط اللغة والوجدان .
غاب عنهم أن سبيل الوجدان الى اللغة يمر بالمجتمع . لابد للوجدان من تعريج على المجتمع كى يأخذ منه بردته وعصاه بردة الفكر من نسيج المجتمع .
غاب عن القائلين بارتباط الخط بالنفس هذا المنعرج الاجتماعى .
جعلوا الصلة مباشرة بين الوجدان واللغة عند تحول الوجدان الى لغة . جعلوا الخط اللغوى نابعا من النفس فى خط مستقيم .
أغفلوا الجسر الاجتماعي الذي تزود منه الوجدان بما يتوكأ عليه . جعلوا التفكيك الخطى تفكيكا نفسيا .
وقد نسوا - أو تناسوا - أن الربط الخطى شىء يلقن ، يحفظ ،
يورث ، يكتسب . أن الخطوط اللغوية ليست غريزية . أنها تندرج فى المعارف الانسانية . والمعارف مدخلها الحواس .
قد تكون الفوارق الخطية - لدى الافراد - فوارق حسية . فوارق عصبية . فوارق جسدية .
وقد يكون الاضطراب الخطى ناجما عن تعلم للخط ناقص . وقد يكون ناجما عن دروس فى الخط سقيمة
إن كان لك أن تفهم من الخط خاصيات فردية فعليك أن تفهم أن الخط اللغوى ليس من صنع الفرد أساسا .
لك - بعد هذا - أن تحكم على الذوق الفردى إن الدراسة اللغوية التى تغفل شأن التخاصم بين اللغة والفكر والمجتمع دراسة لغوية لا لغوية .
خطوات النفس أسرع وأوسع من خطوط الاصابع . الخطوط محدودة الاشكال . القول بتعبيرية الخط قول بأن الوجدان قصير الخطوات . فقير السمات .
إن بحثا يدرس حياة الانسان بعد تحنيطه بحث لا يستحق هذا الاسم . هو بحث يداس جملة .
يقيني أن اللغات كلها تدفقت من نبعين : البصر والسمع . الرسم والموسيقى (22) الخط والصوت . لا كما زعم واصف البارودى وبول فاليرى paul valery من أنها " تبدأ بالحديث العادى وتنتهى بالشعر الرمزي الذي يلتقى بالموسيقى " (23) .
تشهد الخطوط القديمة بهذا خطا ، وتشهد به حكايات الصوت صوتا .
فالصور والاصوات كانت مادة اللغة الخامة ، منها نشأت الحروف ومنها نشأت الاصوات المشحونة .
تاريخها كتاريخ الشريط السينمائى . صورت اللغة صراع الانسان مع الطبيعة رسما ، وصورت إحساسه بهذا الصراع نطقا .
ثم أحس الانسان بتشابه الصور فأصبحت الصورة كلمة بعد أن كانت جملة ثم أصبحت حرفا بعد أن كانت كلمة .
وأحس بفقر الاصوات فلجأ الى المقطعة ثم الاشتقاق . (24) تخلص الانسان من عبوديته الى الحواس منذ بدأ يشتق ويصرف . وما زالت - فى الشعر الموزون - بعض رواسب العبودية (25) إن أمكن أن نقدر شؤون الشعر بالكسور فلست أرانى مبالغا إن زعمت أن نصيب الصوت فى تقييمه كان الثلثين !
كان الانسان يسير مع الطبيعة جنبا الى جنب . كان مغلوبا على أمره . كان تابعا لها . كان ظلالها . كانت قيدا له وأفقا .
حتى أسدل بينه وبينها ستارا شفافا فأشرف عليها (26) بعد أن أمسك بتلابيبها . كانت تحجب عنه نفسه فأصبح يراها من خلال نفسه . (27) كان كدسا فأصبح سلسلة . كان حزمة أعصاب فأصبح منطيقا . كان يرن فأصبح يحكم . كان مجبرا على أن يرى فأصبح يحاول أن يرى ، حرا .
يعد له اضطراب الهارب . لم يعد همه أن يجمع ، فذلك شأن الفقير المتلهف . لقد أثرى فشرع يبوب وينسق ليبحث عن القبل والبعد ، عن السبب
والمسبب ، عن المتناقضات المتناغمة ، عن الفوارق الصوتية والفوارق الخطية (28) اللغة - أينما كانت - فى سبيلها الى التعقلن عفويا (29)
نستطيع أن نؤكد أن كفة النظام رجحت كفة الفوضى والجبرية فى اللغة (30).
الشعر نفسه - اليوم - يجتهد ! ألم يتمرد على الاوزان ، ذلك التنسيق الحرفى على حساب المعنى ؟ ألم يفضل بعضهم الخبط فى الفيافى على التقيد بالقوافى ؟ أليس معنى هذا أن التحليل تمرد على التخييل ؟ أليس معنى هذا أن القلب الانسانى آخذ فى سمت التحجر ؟ كان لسان القبيلة شاعرا ، فأصبح لسان الامة سياسيا ماكرا .
كان الناس يسمعون الآيات القرآنية فيخشعون ويطربون ، وكانوا يحفظونه عن فهم وبدون فهم ، ويرتلون آياته فى تمايل ، ويقيمونه حجة للمعجزات ... فأصبحوا يشكون ويسعون للفهم ويتساءلون فيستغفرون ويبحثون عن تأويل وتوفيق ، بل ويسخرونه للمعطيات العلمية أحيانا .
وإني لاذكر سلسلة من المحاضرات ألقاها أحد الاساتذة التونسيين ، أمطر فيها المحاضر التلاميذ الزيتونيين سبا فأمطروه تصفيقا واستزادوه سبا ! وكنا نخرج متهامسين مطربين ، ولكن سرعان ما يتحول الاعجاب الى استنكار ، والثناء الى امتعاض . وسرعان ما ينظر الطلاب الى ساعاتهم متحسرين على ما أضاعوه من ساعات لم يقضوها فى استلهام كؤوس الشاى وغيره !
يقاس النضج العقلى بمقدرته على التجريد وما انفك الانسان سائرا فى اتجاه لغوى تجريدى منذ أن نشأت المدارس وأشباه المدارس . والتجريد فى اللغة تهوين من شأن الصورة وتهوين من شأن الصوت .
لهذا أمكن لبعضهم أن يجزم في مبالغة فاحشة بأن " الشرط الاساسى للغة هو امكانية التعبير بدون ان تكون قوة التعبير مرتبطة بطبيعة العلامة" (31) ولهذا السبب نفسه أمكن لاحدهم أن يرد قاطعا بأن " التعبير الرمزى لا يمكن أن يكون بدون شكله الصوتى " (32).
الرسم نفسه تجرد . الكلمة الحسية نفسها تجردت فرمزت لغير محسوس ذلك هو أثر الاشتقاق والتصريف على مستوى الصوت . وذلك هو أثر الطباعة على مستوى الخط وذلك هو أثر احتكاك اللغات على الصعيد الجماعى وذلك هو أثر تعدد الالسنة لدى الفرد الواحد !
نصل من هذا البحث المذهبى الى نتائج لها مداها الحاسم فى تطور اللغات وفى تطوير اللغات وفى توضيح السبل التى نسلكها فى وعينا لهذا التطور وفى عملنا - الواجب والممكن - على التطوير .
ندرك - أولا - أن اللسان ليس سمة وليس صوتا وليس خطا . هو كل هذا بالاضافة الى الانسان فردا وجماعة ، والى البيئة فردية واجتماعية (33).
ليست الشجرة أوراقا وليست أغصانا ، وليست جذورا . هى كل هذا بالاضافة الى الارض والمناخ اللسان سمة وصوت وخط تستند كلها الى روح جماعية من حيث الاتصال وتستند الى روح فردية من حيث التعبير .
تلك هى النتيجة الكبرى التى نحصل عليها - اليوم - من البحث التأملى الذى صوبناه نحو وجودية اللغة .
وهى النتيجة التى بدونها أدعو كل اقتراح يبتغى الاصلاح تطفلا على قضايا اللسان .
اللغة والفكر
بين الصمت والسكوت :
الصمت والسكوت ! (34) كلمتان طال بينهما الخلط حتى استعاض بعض الكتاب عن هذه بتلك استعاضة خلطت بين الملء والفراغ ، بين الانسان والبصلة ، بين الحى والميت ، بين التماوت والموت .
واصبح فى سنة القوم ان لا يتركوا لنا بينهما تمييزا .
الصمت التزام مريد . هو اصرار على الاحتباس . هو اختفاء واحتجاب . هو عودة الى الباطن المائج .
الصمت فعل . هو افتعال السكوت . والسكوت توقف عن حركة الظاهر والباطن . به يصبح الساكت صامتا من الباطن ، به يصبح كالصلة ظاهره كباطنه ، قشورا على قشور . السكوت موت . هو توقف في مفترق المسافات الثلاث طولا وعرضا وعمقا .
الصمت تحفز . والسكوت تعطل . الصمت حياة باطنة فى سبيل حياة ظاهرة ، والسكوت توقف من الباطن .
الصمت تورم الاوداج ينتظر انفلاشا . والسكوت لا ينتظر شيئا ولا ينتظر منه إلا سكوت .
في السكوت صمت ولا سكوت فى الصمت . للصمت أسباب لا تكاد تحصى وللسكوت سبب واحد ؛ الموت . ولقد شاع الخلط بين هذين الخصمين خلطا غريبا ، حتى أنه لو قيل لي إن فلانا خلط بين بياض وسواد لما تعجبت كما أتعجب للخلط بين صمت وسكوت !
هل يتعطل الفكر عند انطباقة الشفتين ؟ هل يتحجر الوجدان البشرى - عند توقف اللسان - أو يتكلس ؟ هل حكم عليك بأن تنطق إن فكرت وأن تعجز عن التفكير إن قيدت اللسان ؟
هل أنا - فى صمتى - خشبة مسندة ؟ أليس التعليم يسعى لتحويل الهس Monologue لدى الطفل إلى تفكير صامت ؟؟ (35)
أليس من فنون الجنون أن أفكر ناطقا ؟ هل التعليم يدعو الى التجميد فى حثه على القراءة الصامتة ؟
إنك لتصمت فتدرك أنك صامت ، لهذا لست ساكتا ! الانسان الانسان من يعى أنه يعى . وهو يصمت فيعى أنه صامت . فكيف يعنى أنه ساكت - أى متعطل الفكر واللسان - إن سكت ؟ (36) . ألا يقنع الانسان نفسه أحيانا ؟ ألا يتخيل ويتذكر ويتعظ ويتسامح ؟
الزعم بأن اللغة " صالحة " للتعبير أو الاتصال بين الانسان ومحيطه
الخارجي فقط يتضمن الاعتقاد بأن ذلك الجالس في المقهى ، أو ذلك السائر فى الطريق ، أو ذلك المنصت لاستاذه ... كائنات من حجر ! الانسان جدلى الوعى ، مسرحي الوجدان ، ديمقراطى الباطن . الفردية الفردية لا وجود لها (37) وما الانانية إلا فاشستية الاهواء . إلا طغيان إحداها على الباقيات .
لكي تسود الديمقراطية الاصيلة إحدى المجتمعات ينبغي أن تسود - أولا - كيان الانسان فردا . فى كل نفس سليمة مجلس للشورى . (38) .
الحديث يستوجب سامعا ومستمعا إليه ، محدثا (بالكسر) ومحدثا (بالفتح) باثا وقابلا . وفى كيانك الذات الذات والذات الموضوع .
ما الايمان - مثلا - إلا وحدة الداخل ، إلا تماسك الباطن ، إلا اتجاهه فى صمت واحد ، صوب هدف واحد . وكذلك الاقتناع وحدة وتماسك .
الباطن الانسانى عديد العناصر ، سلامته فى سلامتها ، قوته فى وحدتها ، صحته فى صحتها جملة وتفصيلا .
ألا ترى أن الشخص الذي احتلت العواطف منطقه شخص مريض ؟ ألا ترى أن الشخص الذى اعتمد على الذاكرة حيث وجب الاعتماد على المنطق شخص مريض ؟
الصحة النفسية فى تئازر العناصر النفسية ، فى تماسك البنيان النفسى ، فى تناغم الاضداد .
الصحة النفسية فى تفهم العناصر . الصحة اللغوية فى تفاهم الذات المخاطبة (بالكسر) والذات المخاطبة (بالفتح) (39) .
الفكر لا يتعطل بتعطل الكلام . هو ليس وقفا على الحنجرة ، رغم العلاقة الكائنة بينها وبينه
يمكن أن نتكلم بدون فكر ، وأن نفكر بدون ان نتكلم . أكثر الكتاب أدركوا أن اللغة لست فرعا فيزيولوجيا للشفاه . لكنهم سئموا - بعد ذلك - الاتفاق فانشقوا وتوغلوا فى مغامرة حمقاء . شعبوا السبل وفضلوا الازقة فأضاعوا السبيل وقطعوا على أنفسهم طريق العودة .
كان أجدى عليهم وعلى مجتمعاتهم أن يوحدوا الجهود ، لكنهم وزعوها . ثقل عليهم أن يسيروا فى سمت غيرهم بحثا عن الحقيقة فتكالبوا - مبدئيا - على خلق سبل أخرى ، فكانت أزقة عمياء ، وكانت فخاخا شائكة وقعوا فيها وأوقعوا غيرهم فيها . لقد جعلوا من شؤون اللغة متاهة مظلمة فتاهوا فى ظلامها وأتاهوا .
بين اللغة والكلام
اتفق الجميع على أن الانسان يفكر ولو أطبق شدقيه ، ولو زم شفتيه ، ولو قيد لسانه .
اتفق الجميع على أن الفكر ليس وقفا على الكلام . ثم جاءت الردة ، واستنتج بعضهم من هذه الحقيقة رأيا غريبا فيه غش وتزوير . ذلك أنهم أبدلوا كلمة بكلمة أخرى فكانوا كمن زور الاوراق النقدية .
قال الجميع : إن الفكر ليس وقفا على الكلام فقال بعضهم : إن الفكر ليس وقفا على اللغة قال الجميع : الصامت لا يتكلم ، لكنه يفكر فقال بعضهم : الصامت لا يلغو ، لكنه يفكر .
أبدلوا كلمة "الكلام " بكلمة " اللغة " إبدالا ضئيل الشكل ، خطير النتائج ، حول خطاهم من مطلق الصواب الى مطلق الخطا .
رأينا عند الحديث عن مذهب الصوتية أن الكلام ليس كل اللغة . أن اللغة أكثر من كلام . لو لم تكن اللغة إلا نطقا لكنت - الآن - أسود الاوراق لكى أسود الاوراق .
لو لم تكن اللغة إلا كلاما لكان هذا صحيحا - أيضا - بالنسبة لما كتب الزاعمون لهذا الرأى الغريب !
الكلام هو أحد منافذ الفكر . لكن الفكر لا يموت ان قطع اللسان . الكلام - بالنسبة للفكر - كأحد العميان العديدين بالنسبة لمقعد واحد . ألا سبيل الى تحريك الفكر إن قعد الكلام ؟
بلى ! وإنه لقادر على أن يرد بضاعة هؤلاء القوم إليهم بدون آن يضطر الى امتطاء الكلام ! وهو قادر على أن يبعج طبولهم بسن القلم وحده ! وإنه لفاعل !
قال بعضهم تبريرا لتزويره : الكلام قبل الكتابة فى الحياة اللغوية لكل فرد (40) .
حقيقة لا تحتاج الى أدلة وبراهين ! لكنها لا تجدى - فى مجال التقييم - شيئا !
الكلام قبل الكتابة فى مجال الزمن الفانى ، لكن الكتابة قبل الكلام في مجال الزمن الباقى !
الكلام قبل الكتابة ، لكنه لا يدوم والكتابة بعد الكلام ، لكنها تدوم (14) لاقبل قبل الكلام ، ولا بعد الكتابة ! كلاهما آلة لا يقوم مقامها شىء .
لقد استغل الكائن البشرى مقدرته على الغناء فنطق واستغل مقدرته على التصوير فكتب .
لا يكتمل الشريط السينمائى إلا باتحاد الصورة بالصوت . هذا اذا كان
الشريط مصورا لحياة البشر ! هو - بلا صوت - صورة أشباح ، وهو - بلا صورة - صورة العدم !
الدراجة والسيارة والسفينة والطائرة والصاروخ آلات . والتفضيل بينها لا يجوز .
كلها آلات جزئية نجمت عن مقدرة الانسان على مطلق المسير . الكلام والكتابة والاشارة آلات . والتفضيل بينها خبط ضرير وقتل للوقت . كلها وسائل جزئية نجمت عن مقدرة الانسان على مطلق اللغو !
كثيرون من خلطوا بين الانتقال ووسائل الانتقال . بين المعرفة ووسائل المعرفة . بين اللغة ووسائل اللغة . فراحوا يفاضلون بينها فى خلط رهيب . وراحوا يختصمون ! ما لهم لا يستريحون ولا يريحون ؟
اللغة واللسان
قالوا : إن الكلام والكتابة والاشارة آلات (42) فأيدنا ثم سألنا : آلات ماذا ؟
قالوا : ان الكلام والكتابة والاشارة وسائل فوافقنا ثم سألنا : وسائل ماذا ؟
فأجابوا مندهشين لهذا التساؤل : إنها آلات الفكر ووسائله طبعا (43) ! إن كان هذا صحيحا فالقلم والرفش والمدفع ومقود السيارة وكأس الماء والعصا ..." آلات اليد ووسائلها "، باعتبار أنها تمسك باليد أو باعتبار أن اليد توجهها !
كلا ! ليس الكلام والكتابة والاشارة آلات الفكر . إنها أدوات تعبير . لكنها ليست التعبير نفسه كما أن الدراجة والسيارة والصاروخ وسائل الانتقال لا الانتقال نفسه .
هى وسائل لظهور الفكر . لكنها ليست ظهور الفكر . كما أن جهاز الراديو آلة إذاعة لا الاذاعة ...
هي تسمح للفكر بأن يتجسد فيصبح لسانا بعد أن كان لغة
الكلام والكتابة والاشارة آلات ، هى وسائل . هى آلات اللغة ووسائلها . بين الحنجرة والسامع لسان وهو آلة بين القلم والقارىء لسان وهو آلة وقبل اللسان الصوتى أو الخطى لغة . وما هى آلة !
حسب بعضهم أن اللغة كلام وكتابة وإشارة وزعموا أن اللغة آلة لان الكلام والكتابة والاشارة من الآلات واتخذوا لهذا الزعم حججا (!).
قالوا إنك تستطيع أن تنطق بالعربية أو الفرنسية أو الفارسية ، خالطا بينها أحيانا ، مستعيضا عن هذه بتلك كما تستعيض عن الجبة بالبنطلون او عن البرنص بمعطف .
واتخذوا هذا الخلط والاستبدال دليلا على أن اللغة آلة كالجبة والبرنص والبنطلون .
وقال الدكتور الطاهر الخميرى إنك تستعيض عن لغة بلغة أخرى كما تستعيض عن جهاز راديو بجهاز آخر (44).
أغفل أصحاب الزعم الاول أن الثياب تلبس بعد أن يتكون الجسد . بعد أن يصبح ذا صورة محدودة . بعد أن يصبح ذا مسافات تقاس وحجم يقدر . وأن اللغة هي تجلى الفكر . هى ظهور الوجدان . هى طفوح الباطن .
وأغفل الدكتور الطاهر الخميرى أن وراء جهاز الراديو صوتا مكتملا يمكن لك أن تسمعه بدون مذياع . وأغفل أن جهاز الراديو يتوسط بينك وبين
فكر تجسد قبل أن يكون الجهاز . وأغفل أن لا شىء يفصل بين الفكر واللغة أن الفكر ليس شيئا لولا اللغة ! (45) .
السيارة والدراجة والصاروخ آلات . والانتقال هدف لها . فالانتقال ليس آلة .
القلب والكبد والرئة آلات . والحياة هدف لها . فالحياة ليست آلة . الكلام والكتابة والاشارة آلات . واللغة هدف لها . فاللغة ليست آلة . الكلام والكتابة والاشارة لسان . هو آلة . اللغة هدف له . اللسان هو الآلة !! هو الآلة !
التمييز شرط جوهرى إن هدفنا لوصف أو تحليل . إزاحة الغبار عن الخطوط الكبرى شرط أساسى إن كان البحث غايتنا المنهجية .
من العبث أن نسعى لرسم أو تأمل أو تمحيص إن كانت معاليم المشهد مطموسة النقوش .
من فنون الجنون ان نسعى لرسم بريشة مكسورة وفى ظلام دامس . ولقد طال الخلط بين اللغة واللسان .
وهو السبب الاكبر - عندى - لما أصاب البحوث اللغوية من تعثر واختباط .
كنت قد تساءلت عن جدوى السعى لتحديد اللغة فى سياج أعمى . وإنى لاعيد الجزم بأن عقل الشىء - أى إدراكه - لا يستلزم عقله - أى ربطه وتقييده فتجميده .
ليس التعريف الضيق المحدود سبيلا موصلة إلى ادراك المشاكل الكبرى ذلك التعريف تحنيط لكائن حى وبلطحة لمشكل سميك . ذلك التعريف كمارد القمقم إما ماسخ للسجن أو ممسوخ فى سجن .
عالم الانسان غير عالم الحيوان كيفا . ولقد علمونا أن فيصل التفرقة نطق . ولقد أدركت أن النطق فيصل وهمي . وهمي أيضا فيصل الكتابة . والقارىء الكريم يعلم أن الشبه كبير بين القردة وبعض من ينطق ويكتب !!
الانسان حيوان كذاب ! ..
الحيوان يسكت . وهو ساكت دائما الانسان يصمت لانه لا يستطيع السكوت (46) هنا يكمن الفرق الجوهرى - وهو الفرق المنبعي وهو الفرق الباطني . لولا هذا الفرق لكان الببغاء - فى إعادته لبعض الكلمات اللغوية - من أبناء آدم (47) .
ولولا هذا الفرق لكان كل صامت حيوانا ريثما ينطق ويمنطق ! إنك تصمت . تحتجب عن الاسماع والانظار فتقيم الدليل على أن لك شيئا تخفيه . تصمت فتقيم الدليل على أن لك باطنا يخالف الظاهر . تصمت فتقيم الدليل على أنك تستطيع أن تكذب ، والحقيقة بين جنبيك تهتز !
