يقول الاستاذ حمادى صمود (( وتبين لنا فى خضم هذه المحاولات أمر على جانب كبير من الخطورة هو ان القراءة الجادة للأدب لا يمكن أن ترتجل اطلاقا ولا تأتى الا من معايشة الأثر ومكاشفة دقائق بنائه والاندساس ضمن مسلكه المتعقد المتشعب الذى حوله بمشيئة ما من (( نص وهم )) الى (( نص ظاهرة أو نص علامة )) (1) .
يتأكد من خلال هذا القول ومن الممارسة القريبة للنص الأدبى أن الانشاء سواء أكان نثرا أو شعرا للوقوف على حدوده لابد من قراءة تتكيف آنيا وزمنيا بالقارىء وقدرته على التعايش مع ما يقرأ . وهذا يفرض ما يسمى بمنهجية القراءة اذ حسب وجهة المتقبل للملفوظ يكون الفهم والتعليل والتأويل وخوفا من الوقوع فى متاهات النقد والانطباع الناتجة عن المدارس النقدية المتعددة كالتى تتبنى المنهج الاجتماعى أو النفسى أو البنيوى استقر الرأى على الانطلاق من النص كمادة خام يتعامل معها القارىء بقطع النظر عما حام حوله من أقاويل وافتراضات .
والشابى أنشأ ورحل ، قيل فيه ويقال الكثير لكن هل أن ما قيل فيه هو عين الحقيقة وهل قرىء كما ينبغى أن تقرأ الآثار الأدبية بمنأى عن الأحكام المسبقة والمفاهيم الموروثة ؟ هذا ما لا نستطيع تأكيده والحال أن كثيرا من متعاطى حرفة الأدب يصفونه بالعبقرية والريادة ؟ كما يضعونه أحيانا فى رف أدباء المهجر وأحيانا أخرى يلقون به فوق جبال الرومنطقية . . فهذا يقول : شعر الشابى ضعيف فى بدايته وناضح فى نهايته . . والآخر يقول انه وطنى والآخر يرميه بعقدة النقص الى آخره .
كما أن الهالة التى أحيطت بالشابى والظروف التى لازمت قراءة انتاجه كانت سببا فى اذايته . لأن مفهوم القراءة تغير عما كان عليه فى الماضى فهى لا تعنى قتل النص بالوقوف على حدوده والحكم عليه بمنظار النقد الدخيل عليه وانما هى محاولة معايشة لمعاناة الشاعر لا على مستوى الشكل وانما على مستوى الكلمة كبذرة نابضة بالشاعرية مما يجعل القراءة خلقا جديدا والشابى قبل ان نبحث عنه فى كتب المنظرين مشرقا ومغربا نكتفى برقعة نصه علنا نخلق امتدادا جديدا لذلك النص يكون قريبا من عالم الشابى وبعيدا عن تأويلات النقد وحتى تكون كل قراءة بنتا لقارئها ويعلم كل حفيد أن عليه أن لا يتكل على ما فهم أجداده بل يجب عليه أن يجابه الأثر من جديد ويعمل فيه بمعوله الخاص .
وفى ما يلى أنموذج لمحاولة قراءة موجزة لنص من نصوص الشابى : النص :
الى طغاة العالم
ألا أيها الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياه
سخرت بانات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه
وسرت تشوه سحر الوجود وتبذر شوك الأسى فى رباه
* * *
رويك لا يخدعنك الربيع وصحو الفضاء وضوء الصباح
ففى الأفق الرحب هول الظلام وقصف الرعود . .وعصف الرياح
حذار ! فتحت الرماد اللهيب ومن يبذر الشوك يجن الجراح
* * *
تامل هنالك . . أنى حصدت رؤوس الورى ، وزهور الأمل
ورويت بالدم قلب التراب واشربته الدمع ، حتى ثمل
سيجرفك السيل سيل الدماء ويأكلك العاصف المشتعل (*)
من خلال تركيبة العنوان المتألفة من حرف الجر الذى يفيد معنى الاتجاه أى التوجه رغبة فى الانتهاء الى مقصود هو جمع تكسير مفرده (( طاغ )) والطاغى اسم فاعل من (( طغى )) ذلك الفعل المحمول على دلالة الاستبداد والهيمنة فى معناها المطلق ؟ لكن سعيا لتضييق مفهوم الطغيان نتساءل من هم هؤلاء الطغاة ؟
والى اى اطار ينتسبون ؟ ان هؤلاء الطغاة الذين يجر اليهم حرف الحرف عبر محددى الهوية فلم يكونوا منتمين الى مكان معين أو جنس معين وليسوا سماويين وانما تفيد الاضافة أنهم ينحدرون من سلالة العالم المطلق لكن ماذا سيحمل حرف الجر الى هؤلاء ؟ هل سيمدهم بقنبلة يدوية ؟ وهل سيقدم لهم هدية ؟ أو ماذا ؟
ان إلقاء نظرة أفقية عمودية على رقعة القصيدة تمكن من استنتاج ظاهرة هامة ومفيدة تتمثل فى طغيان ضمير المخاطب (( أنت )) .
( أيها ـــ سخرت ـــ سرت ـــ تبذر - رويدك ـــ لا يخدعنك ـــ رويت ـــ وأشربته سيجرفك ـــ ويأكلك ) .
وبما ان المخاطب يفترض وجود مخاطب كذلك فان علاقة عنصرى الباث والمتقبل تتضمن موضوعا للخطاب وهذا الخطاب هو رسالة يتوجه بها المتكلم الى هؤلاء الطغاة الذين جاء التعبير عنهم بصيغة المفرد خلافا للعنوان . لكن ما هو محتوى هذه الرسالة ؟ ان صيغة البناء الاسلوبى تمحور القصيدة حول محاور أربعة تتضمن معنى النداء والتحذير والامر ثم الاخبار .
اذن الأمر يعود الى الحواس وحاسية النظر فى معناها الواسع هى التى سببت هذا الانخداع وهكذا تصبح قضية الظلم والاستبداد عند الشاعر قضية احساس بالدرجة الأولى لذلك حذر من جديد منبها الى جدلية منطق الأشياء التى تقوم على الأمر وضده وربط السبب بالنتيجة .
حذار فتحت الرماد اللهيب ومن يبذر الشوك يجن الجراح
فلو لو يكن الشوك لما كان جني الجراح . فاستغل الشاعر هذا المثل الذى ذهب مذهب الحكمة ليستأنف خطابه الى الظالم فى صيغة أمر داعيا اياه الى التأمل فى ما بذره والبذر جاء هنا مرتبطا بمعنى الحصاد وهو يعنى القيام بفعل ستكون له فيما بعد رد فعل .
تأمل هنالك أنى حصدت رؤوس الورى ، وزهور الأمل
ورويت بالدم قلب التراب وأشربته الدم حتى ثمل
فالفعل الذى قام به الظالم يتوقف أثره عند الأضرار المادية وإذن هو عمل يهدف الى القضاء على الأمل الذى هو سمة من سمات الحياة اذن مهمة الظالم تتمثل فى القضاء على الحياة من أجل إرواء عطش التراب الذى نهل من الدماء حتى وصل درجة السكر . وفى هذا تعبير عن منتهى الأعمال الاجرامية التى يقوم بها الظالم فالأرض أصبحت نشوى لا تعى ولعل فى استعمال كلمة (( قلب التراب )) لأكبر دليل على ما يسببه عدو الحياة من آلام يشمل بالدرجة الأولى الأحاسيس التى من قرائنها (( القلب )) ذلك القلب الذى أكسبه صفة الانسان الحزين السكران . لكن الشاعر لا يصل الى درجة الياس وانما يعلن فى ثقة أن الظالم ستقضى عليه أفعاله فى القريب العاجل .
سيجرفك السيل سيل الدماء ويأكلك العاصف المشتعل
فالطاغية لا ولن يهلكه أجنبى وانما ستعود عليه أعماله الاجرامية بالوبال فهذه الجدلية . . هى التى تميز تفكير الشابى فى هذه القصيدة وتبرز شدة ايمانه بحتمية هلاك الظالم بما ارتكبت يداه من اثام . وهكذا يصعد الشابى شعره من مجرد التعبير عن علاقة ظالم بمظلوم قد تكون محددة بزمن أو مكان ما الى التعبير عن قضايا انسانية مطلقة .
غير أن هذا الخطاب جاء من جانب واحد يتميز بغياب أجوبة المتقبل وحضور الباث حضورا ضمنيا . فكان النداء متضمنا لمعنى العرض والتنبيه الى صفات الظالم الساخر العابث بسحر الوجود لذلك كثف من صيغ الصفة المشبهة وجعلها فى مقابلة مع صفة الشعب الضعيف .
- المستبد الظالم - حبيب الظلام ـــ شعب ضعيف - عدو الحياة
فكان الظالم رمزا للموت وكان الشعب رمزا للحياة لكن الحياة لم تبق بمنآى عن اذى الموت المخدوع بصحو الربيع لذلك حذره الشاعر من مغبة التأثر
بمظاهر الأشياء التى تبعث فى نفسه الاطمئنان التى حصرها فى الربيع وصحو الفضاء وضوء الصباح . لكن ما الربيع وما علاقته بصحو الفضاء وضوء الصباح . فالربيع فى دلالته فصل تفتح الازهار واخضرار المراعى ومن دلالاته الاخرى ازدهار الظلم وصيت نفوذه لكن الشاعر لم يكتف بالربيع للتعبير عن رغد العيش وانما أكد ذلك بدخل فى حيز الربيع ولا يقتصر عليه فالربيع كفصل من سنة لم يكن وحده الخادع وانما ساعدته على ذلك ظروف الطقس فكان صحو الفضاء وضوء الصباح .
ضوء الصباح الربيع صحو الفضاء
ولتدعيم رأيه بعلمه بان الأمر ليس دائما كما يتوقع اذ هناك مقابلات تجعل الظرف ينقلب من النقيض الى النقيض .
الربيع = هول الظلام صحو الفضاء = قصف الرعود ضوء الصباح = عصف الرياح
فهذه المتناقضات موجودة فوق نفس الأرض التى يعيش عليها لكن بعضها الآخر لم يقدر على رؤيته لفساحة الأفق . لذلك فالقضية ليست قضية انعدام شىء أو وجوده وانما الأمر يتعلق بقدرة الظالم على تبين واستجلاء ما تحت الرماد .
فالظلام قد يكون المستعمر الفرنسى . . وقد يكون المظلوم الشعب التونسى وقد يكون طرف الظلم غير ذلك . . فلا هذا ولا ذاك . . وقد يأخذ الظلم مفهوما آخر قابلا للتأويل . . وهذا ما يضمن لنص الشابى أدبيته ويجعله غير قابل للحصر . ولا خاضع لناموس التحديد والفناء . من أجل ذلك نقول ان انشاء الشابى فى حاجة دائمة الى قراءات جديدة تتكيف وظروف القراء ورؤاهم الفكرية كما يدعو الأمر الى تجاوز الشابى الى غيره من النصوص الأخرى الشابة . . حتى لا يحتكر النجوم الساحة على حساب غيرها .

