لقد كانت تونس الى عهد غير بعيد من البلدان التى تعانى بالنسبة لغيرها من البلدان النامية نموا سريعا جدا فى معدل الولادات ومن البديهى والحالة هذه ان تتعقد من جراء ذلك فى بلادنا المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بالاضافة الى المشاكل الصحية التى أصبحت تدور عند المرأة التونسية أولا وبالذات حول موضوع الحمل والولادات المتكررة والاجهاض التلقائى والرضاعة الطويلة المدى كما انها تشمل تربية الاطفال ورعاية الاسرة فسلوك الام واتزان مقدرتها على القيام بمسؤوليتها الكاملة داخل العائلة وخارجها بصفة عامة .
هذا وان الموضوع يهم حتميا لا مصير المرأة فقط بل كيان الخلية العائلية من جهة اخرى فمصير المجتمع بل وفى آخر الامر اذا تعرضنا للموضوع بالنسبة للعالم الثالث يصح لنا ان نقول انه يهم مستقبل الكيان البشرى بصفة اعم هذا وان الامر لا يهم مباشرة المراة التونسية فقط بل المرأة العربية الاسلامية وبالتالى وبصفة عامة المرأة التى تعيش فى البلدان السائرة فى طريق النمو والتى تتصف اجمالا وبالرغم من الفوارق الجزئية بعادات وتقاليد مماثلة وباسس اجتماعية وديموغرافية واساليب عيش متشابهة .
تكاثر الولادات وتأثيره على اتزان المرأة وكيان الاسرة والمجتمع
ان الولايات تكاد تنتج من جهة عن تعدد الاتصالات الجنسية فى الاوساط الشعبية خاصة بالاضافة الى قلة الملاهى الترفيهية فى المستويات
الاخرى مثل النشاط الرياضى والفنى والثقافى والاجتماعى بصفة اعم ومن جهة اخرى فهى ترجع الى جهل او تجاهل الوسائل الوقائية للحمل او عدم الاقبال عليها من طرف الزوجين وخاصة الى عدم اكتراث الرجل لكل هذه المسائل باعتبار ان الولادة امر يقتضيه القضاء والقدر ولا يحوز للمرء ان يتحكم فيه بصفة من الصفات وعلى هذا الاساس وبتكاثر الحمل والولادات اصبحت المرأة التونسية عاجزة اكثر فاكثر عن القيام برعاية ابنائها وتربيتهم على اسس ثابتة فضلا عما ينتج من انحراف فى جسدها واضطراب فى اعصابها وعدم استقرار فى نفسيتها وتوتر وشذوذ فى سلوكها داخل العائلة وخارجها وفى المستوى المهنى والاجتماعى بصفة عامة . وان تلكم الاضطرابات العصبية والنفسية تصبح بمثابة مرآة مضخمة تنعكس عليها المآسى والاتعاب العديدة التى تتكبدها غالبا المراة التونسية منذ زمن بعيد يرجع الى عهد ولادتها الاولى الامر الذى لا يكترث ولا يبالى به أحد فى أغلب الأحيان . هذا وإن أعظم الاسباب المرضية وأهمها تتجمع فى حالات نخص بالذكر منها :
اولا : العوامل التكوينية والوراثية من ضعف فى الطاقة العصبية وانحراف فى المزاج والاخلاق .
ثانيا : الاضطرابات الصحية المعهودة فى طور الحمل من تشنج عصبى عام وخلل فى نشاط القلب والكليتين واختلال فى وظائف التنفس والجهاز الهضمى ( ضيق التنفس والربو والقئ الدورى . ( Asthme , et vomissements cycliques
ثالثا : النزف الدموى الذي يعترى المرأة بمناسبة كل ولادة واجهاض وما يؤدى اليه اذا كان شديدا ومتواليا من خلل فى مختلف الوظائف الحيوية بصفة عامة .
رابعا : حالات التعفن الناجمة عن الجراثيم الفتاكة التى تتفاقم خطورتها احيانا سواء كان هذا التعفن منحصرا محدودا فى الرحم والاعضاء التناسلية او منتشرا فى الجسد كله فى مرحلة ثانية .
خامسا : الاضطرابات التى تدخل في وظيفة الاغتذاء Troubles metaboliques التى تنتج عادة فى بلدنا عن سوء التغذية وكذلك عن ارضاع الطفل الى الثانية من العمر وما بعد .
سادسا : العب الثقيل الذى تتحمله الأم عند قيامها بشؤون أولادها وتربيتهم بما فى ذلك من تضحيات نفسية جسيمة واتعاب جسدية قاسية .
سابعا : الانحراف الفيزيولوجى المتضاعف بتغييرات افراز الهرمونات secretion hormonale واختلال وظائف الاغتذاء Troubles metabolismes des واضطراب الجملة النباتية العصبيةsysteme neuro vegetatif والجهاز العصبى الارادى من جهة اخرى وهى اضطرابات تصاحب دائما حالات الحمل والولادة والارضاع وعلى هذا الاساس نذكر الاطوار الآتية :
أ - الانقطاع الفجائى لافراز الهرمونات الاساسية .
ب - الاصلاح التدريجى الذي يدخل توازن الجملة النباتية العصبية التى كانت مضطربة وقت الحمل .
ت - استعادة نشاط جهاز الغدد الصماء الذى يختلف فى الشدة والسرعة باختلاف الامهات المرضعات مع الملاحظ ان آخر جهاز يستعيد وظيفته هو جهاز الغدد النخامية والتناسلية . (systeme hypophyso - ovarien )
ث - يحدث الارضاع اضطر اات فى وظيفة الاغتذاء بواسطة افرازات الغدة النخامية والايبوطالموس Glude hypophyse et hypothalamus
وبناء على كل هذه الاعتبارات نفهم اذن لماذا انتبه الانسان منذ أقدم العصور الى الامراض النفسية والعصبية الطارئة بعد الولادة والاجهاض وقد وصفها ابقراط وغالينوس وابن سينا والرازى . وفى القرن الماضى اهتمت الابحاث بالعوامل التكوينية الموروثة ثم بالتعفن والتسممات الذاتية Infection et auto - intoxication واليوم يركز الاهتمام على الغدد الصماء من جهة وعلى العوامل النفسية والاجتماعية المشاهدة بصفة مطردة من جهة اخرى وان معاينتنا الشخصية منذ ما يزيد عن عشرين سنة تدعم هذه الاستنتاجات كلها كما اظهرت العوامل الاساسية المتجمعة فى مثل هذه الحالات بالنسبة للمرأة التونسية وقد اعتمدت دراساتنا السابقة خلال السنوات التالية وذلك منذ عهد 1958-1959-1960-1961 فكانت المريضات التى عايناهن مصابات بابرز الامراض النفسية المعهودة باستثناء عدد وافر من الامراض العصبية البحتة المرافقة للحمل ، والاضطرابات العصبية النفسية الطارئة ما بين الحمل والولادة نذكر منها فى فترة الحمل عصابات القلق والحصر والهستيريا Toubles psycho - nervotiques واعراضها الهضمية ( القئ ) والتنفسية ( شبه الخناق والربو ) والعصاب الخمودى Depression nervotique
ومختلف الاختلالات الجسمية النفسية Troubles psycho - Somatiques
نخص بالذكر منها : الصداع والدوار والاوجاع المتنوعة الخ . . اما فى فترة الحمل وما بعد الولادة وكنا ولا نزال نلاحظ الخمود المستمر الناجم عن اسباب باطنية وكذلك التشنجات الناتجة عن قلة الكلسيوم Spasmophilie ومرض الاكلاسية Eclampsie ونوبات الصرع والتهابات الاعصاب الشوكية ( Polynevrites ) التى تصاحبها اضطرابات نفسية شديدة ويعبر عن هذه الحالات بالاعراض العصبية النفسية Troubles neuro - psychiques وهى تعالج عادة خارج المستشفى لكن الامراض العقلية الشديدة التى حللناها بالاولوية تهم النساء اللائى عولجن داخل المستشفيات فافادتنا تلك التجارب فكرة واضحة عن خطورة المشكل وعن مدى تاثيره وضرورة معالجته معالجة ناجعة شاملة فى اقرب الاجال , فمنذ سنة تسعة وخمسين وتسعمائة والف اى منذ الإستقلال تقريبا وانطلاق حركة تحرير المرأة قد عاينا والحمد لله تعديلا محسوسا فى هذه الاوصاف المرضية خاصة فى مستوى العوامل النفسية والوجدانية لكن وطأة الاشكال الاجتماعية والتقاليد الزائفة والاسباب العضوية المرضية الكلاسكية لا تزال قائمة الذات الى يومنا هذا بالرغم من بعض مظاهر التقدم فى هذا المضمار . فمثلا حينما كانت الاضطرابات المرافقة للحمل وما بعد حتى الارضاع تقدر بأوروبا بالثلث فاننا نجد فى تونس نسبة واحد على سبعة وبعكس ذلك فان العوامل العصبية التكوينية الموروثة Facteurs constitutionnels تكون عندنا تافهة جدا % 15 بالنسبة للاحصائيات الغريبة وهكذا تتجلى عندنا خطورة العوامل الظاهرية الخارجية Facteurs Exogenes بما فيها العوامل العضوية Facteurs organiques ( ربع ملاحظاتنا ) نخص بالذكر منها الالتهاب وتعفن المهبل والرحم والمبيضين utero - annexites وقرح الثدى وانحرافات الكبد والمرارة وتعفن الكليتين وفى الربع الثانى من بقية العوامل المتسببة فى المرض نجد الصراع الخطير بين الزوجين ثم فيما يقرب من % 40 نلاحظ الاعياء والانهيار الجسدى والتحول الناتج عن تكاثر الولادت . اما فى الاصناف الكلينيكية السريرية لتلك الاضطرابات العقلية فقد عاينا عادة حدوث الشكل الهلسى والاختلاطى Forme de manie confuse
وقد ادت هاته الحالات الازواج الى العنف والضرب وطرد نسائهم من منازلهم الخ . . وذلك ثلاث مرات على أربع ، وهو خليط من التهيج الهوسى والهلوسة والغموض والاختلاط الفكرى .
وفى ثلث ملاحظاتنا عدت المرأة على رضيعها وابنائها الاخرين حتى انها حاولت اغتيالهم وكثيرا ما نجد حالات هذيانية غامضة قليلة الارتباط والانسجام فيما بينها تكتسى مواضيع الاضطهاد والسحر والتسميم السحرى المتولد عن التطير والخرافات والعقائد التقليدية الزائفة المنتشرة فى بلادنا فلا نلاحظنا ذلك عند % 80 من المريضات .
وعند النكس تطورت الحالة الى تركيز امراض عقلية مضبوطة التشخيص بالنسبة لاربعة اخماس من الحالات وهى النفسات الهوسية الخمودية Psychose maniaco - depressive والفصام وتشتت الذهن Shizophrenies والنفسات الهذيانية الهلسية المزمنة delires hallucinatoires chroniques هذا وان العوامل الوراثية العصبية وزواج الاقارب لم نعثر عليها الا فى نسبة واحد على سبعة فتبرز إذن بعكس ذلك أهمية العوامل الظاهرية الاخرى كالتعفن وسوء التغذية والتسمم وانحراف الغدد الصماء والاتعاب والاعياء بصفة عامة ولا سيما الاضطرابات النفسية والوجدانية والعراقيل الاقتصادية والاجتماعية المتعددة . هذا وانه بتكاثر الحمل والولادة تشتد كل هذه العوامل لتضاعف المرض فالنصف من المريضات نكسن اثر حمل جديد في مدة لا تقل عن سنة واما النصف الثانى فقد نكس ما بين السنتين والثلاثة بعد ولادة جديدة ولا شك ان نسبة الانحراف هى عند البكر أقل منها عند المرأة التى ولدت كما ان تفاقم المرض يكون بالخصوص عند النساء فيما بين العشرين والاربعين من العمر اللائى ولدن اربع او خمس ولادات وقد اصبحت الاضطرابات تتجلى بصفة واضحة فى الولادة الثانية والثالثة وتتعقد فى الولادة الخامسة والسادسة فتزداد تعكرا بالنسبة لثمانية اولاد فأكثر ولقد عاينا مرة أربع مريضات من ذوات سبعة عشر او حتى عشرين ولادة فاكثر .
ضرورة تنظيم الاسرة
ومن هنا كان لا بد من تنظيم الاسرة فى عديد من المناسبات اذ اصبحت الاسرة يوما بعد يوم متنوعة الاحوال ومتشعبة الاشكال . وفيما يخصنا لقد استنتجنا منذ عهد بعيد وبالضبط منذ سنة 1962 عندما قمنا بدراستنا الاولى فى هذا المضمار انه يتحتم اتخاذ اجراءات محكمة فى ميدان تحديد النسل والاجهاض المبكر لكل هؤلاء الامهات اللائى اصبن فى وقت من الاوقات باختلال عقلى او بوهن عصبى او باضطراب ما فى اتزانهن النفسانى . ويكاد يكون عدد اولئك النساء النساء اوفر مما يظن فى اول وهلة حيث انه يكاد يهم اغلبية
الامهات وحتى النساء اللائى لا يحملن الا مرة واحدة وحتى البكر منهن فى بعض الاحيان .
ولقد استنتجنا منذ ذلك العهد
1 ) - ان الوسائل الواقية للحمل التى اصبحت لابد من انتشارها وتعميمها ما زالت تتعطل لعدة عوامل منها الحياء والتردد والاشمئزاز والجهل والاقاويل الزائفة المرتكزة اما على تقاليد دينية منحرفة أو على مخاوف وهمية كاذبة .
2 ) - لذا فعندما يحصل الحمل بعد ولادات عديدة والمرأة عازمة حينذاك كل العزم على التخلص من هذا الحمل فعلى الطبيب اذن الا يقتصر على نطاق اختصاصه الضيق المحدود ولا يكتفى بنظرة جزئية ولا يمكن له ان يتجاهل السوابق المرضية بدعوى انها بعيدة او ينتظر حدوث اصابة عضوية خطيرة ليقدم على قطع حمل قد اصبح منذ زمن يهدد فى الحقيقة وفى آخر الامر صحة المرأة واتزان اعصابها وشخصيتها الشاملة بصفة اعم .
٥ ) - يجب اذن ان يقع فحص كل حامل بصورة كلية من الناحية العضوية والوظيفية بالرجوع الى حالاتها النفسية والانفعالية والوجدانية الشاملة بما فيها من انعكاسات وارتكاسات جثمانية وجسدية محسوسة مع اعتبار كل ما للمرأة من سوابق فيما يخص الولاياتات الماضية من حيث العدد والتأثير على التوازن العصبى والنفسى وعلى الجسم بصفة عامة .
4 ) - فالصلات الجنسية من جهة والعلاقات الزوجية والعاطفية من جهة اخرى وتاثيرها والمسؤوليات العائلية وتحملها ثم المشاكل المهنية وصعوباتها كل هذه العوامل تؤدى الى عدم تحمل المرأة حملا جديدا أو فى بعض الاحيان ولو حملا واحدا وان عدم التحمل هذا وبعبارة اخرى رفض الحمل هذا يتسبب فى حالات قلق عنيفة ونوبات حصر حادة ثم احيانا فى الصراع الزوجى والاضطرابات الوظيفية المتعددة وان المرأة التى ترفض الحمل ترتكز عادة على تجارب فردية مؤلمة ومنعكسات شرطيه Reflexes conditionnes فى الجسد بصفة مباشرة او غير مباشرة عن طريق المخاوف الناجمة عن تجارب غيرها من النساء فى هذا الميدان وكل هذه العوامل تصبح تهدد حتميا المرأة فى توازنها العصبى وفى صحتها الشاملة بصفة عامة ولربما يصبح الجنين نفسه مهددا فى حيويته وسلامته من جراء ذلك
وقد بينا هذه الاستنتاجات فى المجلة الطبية التونسية عدد 1 جانفى فيفرى سنة 1962 Tunisie Medicale N 1 Janvier - Fevrier 1962 Les Psychoses de la grosesse , de I' accouchement et de I' allaitement
والفتنا انظار المسؤولين بكل الحاح الى هذا المشكل الخطير وهكذا مع زيادة التيقظ وارتفاع درجة الوعى فيما يخص هذا الميدان على كل المستويات وعلى صعيد نخبة متقدمة من المسؤولين وعلى رأسهم المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة ، شرعت تونس بعد سنتين فى تركيز حملات التنظيم العائلى بصفة تدريجية وفى مجال ضيق فى أول الامر ثم أخذ يتسع يوما فيوما من حيث الاجراءات المتخذة والوسائل المستعملة والنتائج الحاصلة وهكذا ومنذ عهد معاينتنا الاولى لهذا المشكل الخطير تعرضنا مليا فيما بعد الى معرفة تطور هذه الحالات المرضية الناتجة عن الاسباب المذكورة اعلاه . فتبين لنا فى السنوات الاخيرة مع تعدد حملات التنظيم العائلى التى ما انفكت تقوم بها الاوساط المسؤولة على اختلاف المستويات ان هذه الحالات المرضية بدأت تنخفض من حيث الشدة والانتشار فارتفع فى احصائياتنا التالية مثلا سن المريضات حيث اننا لم نعد نعاين النسوة الصغيرات السن وذلك يتجلى بصفة واضحة من دراستنا التى نشرت فى (( المجلة الاخبارية للطب النفسانى بفرنسا )) I' Information Psychiatrique ( سبتمبر 1972 ) فهذا الانخفاض النسبى راجع بلا شك الى الحملات الوقائية التى شرعت فى القيام بها المنظمات القومية وفى مقدمتها الاتحاد القوم النسائى التونسى ، فالمصالح الصحية والادارية المكلفة بالتنظيم العائلى التى اصبحت امكانياتها تتطور وتتعزز يوما بعد آخر فى السنوات الاخيرة .
وعلى كل ومن خلال كل الدراسات التى قمنا بها فى هذا الصدد توصلنا الى الاستنتاجات التالية وذلك منذ عهد بعيد وقد اصبحت الاحداث المتتالية تؤكدها باستمرار :
اولا : هناك مشكل تدور حوله جل امراض النساء فان تجمع العناصر العضوية والفيزيولوجية والنفسانية والاجتماعية فيه يجعله فى صميم ميدان الطب الننفسانى الجسمانى Medecine Psycho - Somatie حسب المذاهب العصرية المنتشرة اليوم فى الغرب والتى يعبر عنها بالاتحاد السوفياتى بمبدأ تفاعب مفعول غشاء المخ والاحشاء Pathologie cortico - viscerale وهو ميدان اصبح رئيسيا لفهم الطب بصفة عامة .
ثانيا : ان البلدان التى يرتفع فيها معدل الولادات مثل البلاد الافريقية الآسيوية وتونس بلاد انموذجى منها تجابه نفس المشاكل فى مستوى صحة الام واستقرار شخصيتها الشاملة ثم فى اتزان المجموعة العائلية ورعاية الاطفال وتربيتهم بصفة اخص بالاضافة الى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتثقيفية العصبية التى تنجر عن ذلك .
ثالثا : ان اغفال ما ينجم عن ذلك عند المرأة من خلل فى وظائف الاعضاء وفقدان التوازن العصبى والنفسى يعتبر موقف جهل يتنافى مطلقا مع مقتضيات العلم الصحيح والقيم الانسانية السامية وبالتالى يصبح هذا الجهل او التجاهل من العراقيل الفتاكة التى تعطل تطور البلاد ونموها وتعاكس رفع مستوى العيش لمواطنيها على مختلف المستويات .
رابعا : فعلى المجتمع على اختلاف عناصره وفى كل المجالات ان يدرك اذن خطورة تزايد النسل فيقوم بحملات تنظيمية للاسرة بشتى الوسائل الكفيلة التى توفرها له العلوم الحديثة والتمويلات المادية والبشرية التى تقدمها له الاوساط الادارية المسؤولة اليوم فى أعلى المستويات فى هذا الميدان الحيوى .
خامسا : فبناء على كل هذه الاعتبارات وكلما اصبحت الوسائل الواقية من الحمل مخفقة عند امراة ما يكون حينئذ من المحتم ان يفض الطبيب الحمل حسب ما تشير اليه المقضيات الطبية العصرية فى معناها الواسع وان يعمل بمقتضى ذلك على توفير جميع الضمانات الصحية والفنية لكل امراة ترغب فى اجتناب حمل جديد أو فض حمل قد حصل وذلك بدون اى تردد او شرط او احتراز ما وحتى فى عدم صورة رضى الزوج وعدم تفهمه للامر .
هذا ولا يسعنا الا ان نرحب اليوم بصدور القوانين الخاصة بهذا الامر اذ أن مجلس الامة بعد مصادقته فى السنوات الاخيرة على القانون الذى يخول للمرأة التى لها اربعة اطفال فما فوق ان تطالب بابطال حمل جديد فيستجيب لدعائها اى طبيب كان بكل الوسائل الفنية المناسبة - فبعد هذه الخطوة الاولى الهامة اخذت السلطة التشريعية منعرجا حاسما ياصدار القانون الاخير الذى يخول لكل امراة ابطال الحمل فى الثلاثة اشهر الاولى بمساعدة كل الوسائل التقنية والصحية العصرية وبواسطة اى طبيب كان ولو كانت بكرا واحيانا مع عدم موافقة الزوج وحتى خارج حالات الزواج الامر الذى يعبر عن منعرج ثورى حاسم يمكن لتونس ان تمتاز وتفتخر به ازاء جملة البلدان العربية الاسلامية
السائرة فى طريق النمو ولا يمكن لنا الا ان نستحسن هذا الاتجاه القويم الناجع الذى حصل اخيرا فى الافكار فى مستوى الحقل القانونى والنظام الادارى والهيكل الصحى بصفة عامة .
ولا يسعنا اليوم الا ان نعمل قدما كى تتسع حملات التنظيم العائلى وان تدخل حيز التنفيذ كل الاجراءات الكفيلة فى هذا الميدان فى نطاق برنامج عمل بناء يتواصل بصفة محكمة ويشمل كل المستويات الصحية والادارية والاجتماعية وحتى السياسية المعنية بالامر .
ولا يمكن ان نولى اهتماما الى الاقاويل الزائفة والخرافات الوهمية التى نتلقاها احيانا اليوم من افواه البعض من الرجال او النساء والتى ترمى الى تشويه بعض الطرق الوقائية مثل الحبوب الهورمونية او اللوالب البلاستيكية الخ التى هى من الوسائل الناجعة التى اتت بنتائجها الايجابية فى مئات الالاف من الحالات المماثلة حسب الاحصائيات العالمية على شرط ان تتركز على دراية وحكمة واتزان .
هذا وانه اصبح من المتحتم اليوم توسيع العمل البناء فى هذا الميدان وتعميمه على أساس الانسجام والتعاون بين كل المصالح التى يهمها الامر وذلك تحت اشراف الهيكل الصحى وبالخصوص الهيكل الفنى الطبى على اختلاف الاختصاصات التى تجابه المشكل اولا وبالذات ففيما يتعلق بالاطباء المختصين فى الامراض العصبية والنفسية والسلك الصحى الذى يتبعهم فانه ينبغى ان يبادروا باجراءات شاملة فى التنظيم العائلى وتعطيل الحمل لكل امراة اصيبت باضطراب عصبى محسوس فدخلت مستشفى الرازى للامراض العقلية او ترددت على عيادات هذا المستشفى ولربما من الفائدة ان ترتكز مصلحة تنظيم عائلى فى المستوى الطبى تتعلق بالاولوية بالمرضى وحتى بالاعوان العاملين فى نطاق مصالح هذه المؤسسة لتؤدى رسالتها اليومية فى هذا الميدان بصفة تطبيقية ملموسة كما انه ينبغى تعميم مثل هذه المراكز فى كل المستشفيات والمؤسسات الصحية بصفة اعم كى يتواصل العمل فى هذا الصدد بكل عزم وثبات وفى نفس الوقت بكل دارية فنية واحتراز مرتكزا اكثر فاكثر على العوامل النفسانية الهامة التى تدعونا تارة الى الاقدام والصرامة والانجاز السريع وتارة اخرى الى شىء من الحذر والتمعن والاعتدال

