قال الراوى بعد أن صلى على النبي وسلم: قصتنا هذه ( يا سادة ) حدثت أو قد تحدث فى عصر ما ، وفي أرض ما ..
كانت سماء مدينتنا ( يامستمعين) داكنة متلبدة, أجواؤها محرقة خانقة, أيامها مشحونة صاخبة ، عندما دق المنادى طبله فى ضربات محرقة ونادى عبر شوارع المدينة بأعلى صوته :
- أيها الناس ! مدينتكم مهددة بالفناء ، الاوبئة ( سلمت ابدانكم يا سادة ) تزحف عليها بكل قواها ، تنتشر عبر شوارعها ، انها أويئة فتاكة ، مدمرة, قاتلة ، أوصدوا أبوابكم والنوافذ ، أحكموا غلقها ، لا تنسوا سد الشقوق والفتحات ، انها تتسرب منها بصورة غريبة ، حصنوا أنفسكم بالتلقيح، قاوموها بشدة ، انها أمراض لا كالامراض.
واستمر المنادى ( يا سادة ) يلهب ظهر طبله ، محذرا الناس فى الشوارع فى الساحات ، فى النوادى ، فى كل مراكز التجمع ..
ازدادت أجواء المدينة تكدرا واختناقا ، أحكم الناس غلق الابواب وسد المنافذ ، تلقحوا ضد هذه الاوبئة الفتاكة ، لكن بعض التلقيح كان فاسدا ( يا سادة ) ، والمنافذ لم تغلق باحكام ، فتفشى المرض ، زار المنازل واختطف منها جمالا رائعا وشبابا يافعا كزهر الربيع ..
شعر سكان المدينة أنهم منحدرون فى هوة عميقة ، مفزعة ( أبعد الله عنكم الشر ) ، وأن عليهم واجب المقاومة والدفاع ، فقد أخذت الأوبئة تدمرهم تدميرا ، تحصدهم حصدا ، فصارعوها ، وكان صراعهم عنيفا ، لكنه كان غير منسق ، كانت ضرباتهم ترتد عليهم ، تصيب نحورهم ..
أعراض المرض غريبة ، الموبوؤون يتنكرون لآبائهم ( نعوذ بالله يا منصتين ) ينفصلون عنهم ، يحاربونهم ، يرقصون ويهتفون فى نشوة :
- مات آباؤنا ، انتحروا ، شنقوا ، بل شنقناهم.
وقاوم الآباء هذه الادعية الكاذبة فى يأس ، وكان كلما سقط أحدهم مشي المتنكرون خلف جنازته ، رددوا أصواتا جنائزية غريبة ، أصواتا لم يألف سمعها الآباء ، فانستنكفوا منها ، استنكروا وجودهم ، كانت مسيرة المتمردين تفتقد الانسجام والتناسق ، خطواتهم تارة خلفية واخرى جانبية وطورا مسرعة واحيانا بطيئة ، لكنهم كانوا متفقين فى مناوءتهم للاباء صرخ الآباء فيهم :
- أيها الموبؤون ( حاشاكم يا سادة ) اسكتوا هذه الأصوات الناعقة ( والنعيق للغربان يا سادة) ، انكم تزعجون نومه الاخير ، أوقفوا أيها المحنطون مسيرتكم العرجاء ، اصمتوا يا من حشيت رؤوسهم تبنا ، غريب أمركم ، أعداؤنا وتمشون وراء جنائزنا ؟..
فيجيبهم المتنكرون بكل سخرية وتهكم :
- قصدنا تكريمكم اعترافا بجميل الخلاص منكم.. وتعلو اصوات الطرفين فيسمع لها رجع فى أرجاء المدينة : هتافات منذرة بويل عظيم ( وأول العاصفة نسيم يا سادة) ..
وينتصب وسط الحشود الصاخبة احد المؤبنين قائما ليقول :
- أيها الراحل العزيز ، قرأت وصيتك ، قراناها جميعا ، أعدنا قراءتها، وعينا فحواها ، اتخذناها دستورا ، أعرض عنها أولئك المتنكرون ، قالوا: عديمة الجدوي ، قصة لاطفال صغار ، كرهت وكرهنا أن نكون مثلهم قردة، كرهت أن تلبس قناع قرد ، ألحوا عليك ، أغروك ، ( ومغرياتهم كثيرة يا سادة ) فرفضت ، وكان رفضك صارما : صفعة ، طعنة ، قاطعوك وقاطعونا ، فسخرنا منهم ، من وجودهم ، رفضناهم بكل كبرياء ، رفضت أن تعيش مقنعا فناع قرد ، حافظت على آدميتك ، وحافظوا - مخطئين - على مسوخهم ، راوا فيها المتعة ، الراحة ، الاطمئنان ، ورايت فيها التعاسة ، الشقاء القلق ، عابوا عليك تنكرك لهم ، حاولت أن تنظف لباسهم ، نفوسهم القذرة ، أن تفك قيودهم التى كبلوا بها أنفسهم بمحض اختيارهم ، أن تعالجهم فترجع لهم آدميتهم...
يهتف الممسوخون: - احفر يا حفار قبرا ؟.. فيرد عليهم الآباء : - عظيما لعظيم ، قبرا لا كالقبور .. ويستمر المتمردون فى هتافاتهم المناوئة: - سنشيد له تمثالا ، نبصق عليه ، نرجمه كلما مررنا به . .
ويأخذ بعضهم فى الصلاة لغير القبلة ( نعوذ بالله يا اخوانى ) ، بينما يرقص الباقون رقصاتهم الهستيرية تغطى شعورهم الطويلة وجوههم الممسوخة فتزداد بشاعة وقبحا ...
ويرد الآباء فى صوت واحد :
- نحن الذين سنشيد لكم تمثالا مشوها كوجوهكم ، نلعنه صباحا ومساء لقد دفناكم دفن الكلاب ، قدمناكم غذاء للغربان ، فعافتكم الغربان ، يا من خلعتم حياءكم .
قال الراوى : ويرجع المؤبن الى تأبين صديقه الراحل في نبرة حزينة : - ظننتهم أهلا ، اخوانا ، أحباء ، حزنت عليهم ، كان حزنك عميقا ، صارخا قاتلا ، سفحت دموعا غالية ، حبا خالصا ، أعطيتهم الكثير من نفسك الكبيرة ويطغي صراخ المتمردين على صوت المؤبن مما دفع أكبر الآباء الى القول :
- اننا نجر الى مهاوى الهزيمة يا قوم ، رفضوا الانصياع ، ستهب عليهم عاصفتنا الهوجاء ، لن تبقى لهم على أثر ، ان قوتنا جبارة ، تعضدنا قوة الآباء والاجداد ، لن تقل أسلحتهم الشمعية فينا ، البقاء للأصل ونحن الاصل وهم الفروع ، أطعمناهم حتى اتخموا لكنهم ظلوا جائعين ..
قال أحد المتمردين - ان تلقيحكم فاسد ، دواءكم سموم تفتك بكم ( اى بالآباء يا سادة ) نحن نتوالد بسرعة مذهلة ، كل يوم يزداد عددنا تضاعفا وعددكم نقصا ، الخطر يحدق بكم وبمدينتكم ، ابرحوها ، لقد أعلناها للبيع ، نحن أصحابها ، سنبيعها ونشيد أحسن منها...
ويقاطعه أحد الآباء قائلا :
- أيها الغرباء بين أهلكم وذويكم ، أيها اللاجئون ولم تبرحوا مدينتكم ، سنتمسك بها ، لقد عشقناها ، لن نغلب ، أرضنا تنبت خيرا عميما ، الماء عندنا أعذب والثمار ، رميتموها بالعقم ، عرضتموها للبيع بأبخس الاثمان ، سنسير فى دربنا النضالى ، لا نبالى ، نحن نعرف طريقنا جيدا ، ايها القردة اياكم ان تلطخوا شوارعنا الجميلة فقد فقدتم كل جمال بل كل تذوق للجمال ، يا من فقدتم أسماءكم وصفاتكم ، وخدعكم زيف الالوان البراقة ، ايها التانهون فى درب الحقيقة ، ان طريقكم واضحة ، مملوءة بالاشواك الواخزة ، وخطاكم مرسومة ، عثرات متلاحقة ، ونهايتكم معلومة ، فناء كابشع ما يكون الفناء، اجسامكم تعرت ( ستر الله عورتكم يا سادة ) نخرتها الحشرات يا قردة تمشى على اربع . .
لكن المتمردين قابلوا هذه الاتهامات بالرقص والغناء والعربدة ، صرخ الطريق : ( والله قادر على نطق الجماد يا سادة )
- انه الازعاج.... قالت المقبرة : - ازعاج بحق... قال الآباء : - ألا فاشهدا ؟.. قال أحد المتمردين بتحد :
- لم يعد لوجودكم معنى في هذه المدينة ، ذوقوا نتيجة تلاقيحكم الفاسدة يا من شجعتم المرض على التفشى.. ظننتم أنكم اوصدتم الابواب وقد فتحتموها على مصراعيها ، حولتم الجدران الى نوافذ مفتوحة ، ثم قبعتم فيها تقتاتون الذكريات وتتدثرون اكفانا بالية ، اردتم حشرنا معكم في دوائر أصفاركم ( والاصفار صفر يا سادة ) ، ايها النائمون فى سبات عميق وقد علا شخيركم والتحفتم بالأدران عبر العصور ، قبعتم في كهوفهم الداجية ، اقتنعتم بالظلام، وقلتم انه النور ، اذا كان نوركم ظلاما فماذا يكون ظلامكم ؟.. لاخلاص لكم سوى الانتحار الجماعي ، انه الحل العادل ، سنؤبنكم عندما نقدمكم قربانا لطقوسنا ...
قال الراوى : الحراس يتشمسون فى غفلة عما يجرى فى المدينة ، يتلهون بتزويق بنادقهم
صقل احزمتهم ، تلميع أحذيتهم وأزرار بدلاتهم ، تصفيف شعورهم ، وتزداد السماء تلبدا والجو اختناقا ( يا سادتى الكرام )
ويظهر شبح قادم بخطوات بطيئة متعبة يجر وراءه حملا ثقيلا ثقل السنين وتتوضح معالم الشبح شيئا فشيئا ، امرأة تخفى جمالا رائعا ، على وجنتيها نور اخاذ ضاع جله ، وفى عيونها صفاء وكدرة ، هدوء واضطراب ، اخضرار وقتوم ، وعلى وجهها آثار نعمة فقد اكثرها فاضحت شاحبة هزيلة ، ترتدى اثوابا بالية ممزقة ظهرت من خلالها جروح قديمة لم تندمل بعد ومازالت تنزف دما ، تجر خلفها تابوتا ضخما عظيما وتئن انينا اليما ، تتصبب عرقا ، تحاول الوصول الى قلب الجموع المتشابكة ، وتصيح صيحة كليم موجع متوسل ، فيصمت الجميع الا بعض همهمات هنا وهناك....
- أبنائي!.. ويمسكها سعال حاد ، فتصمت لحظة ثم تواصل:
- هذا قبرى وقبركم ( اى قبرهم يا سادة ) اجره ورائى جرا . . لقد ابيتهم الا ان تعلقوا حبله فى عنقى ( عنقها يا سادة ) تدفعوننى اليه دفعا ، تنكرتم لى ، عشقتم فنائى وهذه جروحى الدامية تتوسل بكم ان تعملوا على اشفائها ، ان وفاقكم بلسم لها ، انكم تنشبون اسلحتكم فيها، تزيدونها تعميقا ، نزيفا ، لم انعم بالراحة منذ قرون عديدة ، عرفت في عمرى الزلازل الماحقة ، حزت في جسمى ، ما زالت آثارها جروحا عميقة لم تلتئم ، تنزف منذ قرون ، ابصروا جسمى النحيل ، كم اكلت منه ويلات السنين ، هذه المقبرة الصامتة أمامكم تشهدكم افترست من اجزائى ، تعالوا معي لنغسل بالبهجة والسرور شوارع مدينتنا الضائعة ، نزرعها عشبا وزهورا نرشها شذى وعطرا ، ان الطوفان آت ، لن يبقى لنا على اثر ، سيدمرنا تدميرا لنقم السدود ونتحصن...
قال الراوى : وينتشر فى سماء المدينة بصيص نور شاحب يبدد تلك الدكنة ويبتهج له الجميع فيتجردون عن حقدهم وتعلو الابتسامة والتسامح وجوههم..
ويبرز طيف صقر جارح في صورة فتاة فائقة الجمال جذابة ( والله يخلق ما يشاء ويحول الأشياء من حال الى حال ) ، فى عينيها حنين الى سفك الدماء
ورغبة ملحة فى التفريق والتقسيم ، تصفق باجنحتها تصفيقة تبدد ذلك النور الرائع ، وتنشرها دكنة قاتمة ، فيصمت المتمردون الذين ينفردون بالسماع ، وتصم آذان الآباء الى حين وتقول :
- أيها الشباب القوى! . . هذه المرأة ترجو تدميركم ، تتآمر عليكم مع هؤلاء الكهول ، انها تريد اخذكم باللين لتمحو وجودكم وتمسح آثاركم ، أنتم القوة المحركة ، اصبحتم الاصل ، لا تتبعوا امراة رجلها فى القبر والاخرى توشك ان تقع فيه ، ما الذى يغريكم فيها ، انظروا الى اسمالها البالية ، جروحها الدامية تنزف دما وقيحا ، كان عليها ان تصلح شؤونها قبل ان تصلحكم ، تدعي انكم مرضى ، لتعالج نفسها قبل ان تعالجكم ، انحازت الى جانب الذين ارادوا القضاء عليكم بعد ان رات ان وجودكم متوقف على القضاء عليها وجماعتها عندها تعيشون فى وئام ، فى هدوء ، فى سلم دائمة ، سعادة ابدية (متعكم الله بها يا مستمعين ) لا يعكر صفوكم معكر ، ان فكرة الطوفان خرافة ارادت بها بعثرتكم ، تشتيت شملكم ، القضاء على وحدتكم الصماء وثورتكم الموفقة ، الانتصار يناديكم فتقدموا ، لقد قطعتم اشواطا واشواطا فى سبيل الوصول اليه ، لم تبق لكم غير خطوات قليلة وتنتصرون انتصارا نهائيا ، لقد اخذوا فى السقوط كذباب الخريف ، انظروا الى مقابرهم وقد امتلأت بضحاياهم ، ترون انهم يؤبنون احد موتاهم ، لم يبق منهم غير القليل ، فكرة الطوفان خدعة جربها من قبل غيرها فارادت تجربتها فيكم .. لستم مخابر ، اياكم ان تنخدعوا ، انها تريد ان تحول انتصاركم الى هزيمة ، والهزيمة هى الفناء ... برهنوا على قدرتكم ، اتحادكم ، حبكم للبقاء ، انتم الاقوياء ، لقد بعثتم من جديد ، صغتم صياغة جديدة كفيلة بان تمنع عنكم الصدأ ، الذى تراكم عليهم ، انتم انبياء هذا العصر ، ولكل عصر نبى ..
وتختفي الفتاة الصقر عن انظار المتمردين ( يا سادة ) لتظهر عند الآباء فى شكل امرأة وقور وتقول :
- يا اهل المدينة الاصليين ، ان هذه المرأة تريد القضاء عليكم ، تريدكم ان تمهلوا هؤلاء القردة المتمردين ليشتد ساعدهم وقد قاربتم القضاء عليهم ، هلا أصلحت حالها قبل ان تصلح حالكم ، اتتنكرون لضحاياكم ، لشهدائكم الابرار انكم تدفنون الان أحدهم ، ان روحه ستلعنكم ( واللعنة للشيطان يا سادة) طالما بقيتم في الوجود ، ولن تبقوا طويلا ، اجعلوا من دمه جذوة تحرقون بها اعداءكم الموبوئين ، انهم يعدون العدة ، يوحدون الصفوف ، يخططون الخطط،
وسيصبح القضاء عليهم مستحيلا ، بل القضاء عليكم أيسر ، ان هذه المرأة العليلة تريد تلهيتكم لتمكن الآخرين من اعادة بنائهم الذى تداعى للسقوط، واصلوا جهادكم المقدس فانتم على ابواب النصر ...
قال الراوى : وتشتد حرارة الجموع المحتشدة فيتحولون الى دمى فى يد الفتاة الصقر تملأ نفوسهم شحنات من الغضب الماحق والحقد الساحق تلمع فى عيونهم ، تنتشر فى أيديهم ، تتوزع فى قلوبهم وشرايينهم ، فينقلبون الى كواسر فتاكة، سامة الى بركان هائج تعجز توسلات المرأة العليلة عن اخماد مقذوفاته الماحقة، بينما تصفق الفتاة الصقر وتنقض على كل جريح تسرع اليه بالموت ، تلعق دماءه فى شراهة وتلذذ ، وتصرخ الجريحة ترجوهم ان يوقفوا نزاعهم ، فسهامهم تنصب عليها ، لكن الآذان صمت والاسلحة حدت فاصبحت اكثر فتكا ، وأمسى الصراع مريرا ، ويبح صوت المرأة العليلة فتسقط صريعة ولا من مجيب.
قال الراوى : ويزحف فى هذه الاثناء طوفان كاسح جارف ليأتى على ما تبقى من المدينة الهزيلة ، يحوم في أجوائها الصقر مقهقها ، ثم يخيم عليها سكون رهيب.
