هل هذا السؤال ضرورى فى بلد فلاحي ؟ لماذا نطرح هذا السؤال فى بلد جل سكانه ريفيون ؟ أفى هذا العصر توجد أولوية أخرى لبلد ذى موارد طبيعيه متواضعة ونمو ديموغرافى مطرد يصبو الى دعم استقلاليته وينشد الاستقرار والتوازن ؟ .
ولكن لا مفر من طرح السؤال لما في الحالة الراهنة التى تعيشها تونس من مشاكل فى هذا الميدان يجب تحليلها والتسيطر عليها . وهذه تونس التى نعتها المؤرخون بالخضراء وبالمخزن الغذائى أصبحت تصدر في 1980 مواد فلاحية لا تعدو 08 مليون دينار وتورد من نفس المواد 171 مليون دينار فيصل عجزها فى هذا القطاع الاساسى الى 91 مليون دينار . وهذه تونس التى كانت مصدرا صافيا للحبوب أضحت تورد أكثر من 600 ألف طن من الحبوب في 0198 يستعمل غالبها للخبز اليومى للمواطنين والحال ان الارض نفس الارض . وهذه بلادنا تنتج 300 ألف طن من الحليب وتزيد عليه 360 ألف طن من الحليب المورد لتوازن العرض بالطلب . وهذه تونس التى نمت فيها جهات أو أجزاء جهات وبقيت أخرى تمثل مساحات شاسعة فقيره متخلفة تقدر المداخيل فيها بثلث مداخيل العاصمة مع كل ما ينجم عن مثل هذه الفوارق العريضة من نزوح من أماكن الخصاصة الى مواطن الوفرة النسبية ومن مشاكل اجتماعية ونفسانية وعمرانية تنشأ وتتعقد وتستفحل من جراء هذا النزوح . وهذه بلادنا تتضاءل فيها المداخيل الريفية فتبلغ نصف مداخيل المدن ويساهم 50 فى المائة من أهلها جلهم ريفيون ب20 في المائة فقط من المصاريف القومية وتقلصت فيها نسبة مشاركة الفلاحة في الناتج الداخلى الخام الى 6ر13 في المائة فى 0198 بينما يشغل هذا القطاع أكثر من نصف اليد العاملة
تلك الملاحظات المتعددة تدل على المنعرج الغريب الذي أخذه اقتصادنا منذ أكثر من عشر سنوات وعلى مدى التحدى الذى يواجه شعبنا فى الوقت الحاضر وتفسر العزيمة الصادقة التى عبرت عنها حكومة السيد محمد مزالى بهدى من المجاهد الاكبر للنهوض فعليا وبصفة لا رجعة
فيها بهذا القطاع الحيوى . ان معركة الشعب التونسى فى هذا الميدان بالذات معركة حياة أو موت كما عبر عن ذلك أكثر من مرة السيد الوزير الاول اذ ان القطاع الفلاح قطاع حيوى لاسباب مختلفة قد لا نأتى على كلها لكن من الضرورى أن نسن أهمها . فالفلاحة أولا هي الركيزة الاساسية للمجتمع التونسي - لا مجتمع الامس فقط بل مجتمع الغد الذي نريده عصريا ومتماسكا ومتوازنا .
قد يتسرب لظن البعض ان في الاهتمام بالفلاحة رجوعا الى الوراء من حيث الاستراتجية الاقتصادية وقد يذهب بهم الصلف للاعتقاد بأن التعصر وينحصر في اقامة المصانع الضخمة وحشر الآلاف المؤلفة من التونسيين فيها كأجراء واقامة الاحزمة الحمراء حول مدننا وتلويث الهواء الذى نتنفس والماء الذي نشرب والبحر الذي منه نأكل وتعقيد مشاكل النقل واكتضاض ساحاتنا وشوارعنا بالسيارات والحافلات تلك الامراض الاجتماعية التى تعانى منها البلدان المسماة بالتقدمية والتي أثارت تدخل العديد من المصلحين فيها للتخفيف من حدتها . ويتغافل هؤلاء التقدميون منا عن الثورة الصناعية الثانية التى بدأت تعيشها البلدان المصنعة والتى ترتكز على تقنيات حديثه هي تقنيات الدماغ الالكتروني والهندسة البيولوجية وغزو الفضاء وتعتمد على اختراعات العقل البشرى الخلابة فى السنوات الاخيرة وتركها شيئا فشيئا للصناعات المبتذلة من صنع قميص أو حذاء او تجميع سيارة لبلدان العالم الثالث . ويتناسي بعضهم ان هذه البلدان مهما بلغ تصنيعها أوجه لم تهمل الفلاحة التى هي أساس العمران فترى بلدان المجموعة الاوربية القريبة منا تخصص للقطاع الفلاحي الاعتمادات المتزايدة والتشجيعات المتنوعة وتشاهد أشد بلدان العالم صلابة اقتصادية وأعظمها قوة انتاجية - امريكا تصدر أول ما تصدر المواد الغذائية وتعتبرها سلاحا صارما فى علاقتها الخارجية وقد تقدمت الانتاجية الزراعية فى امريكا تقدما باهرا تسجله الارقام التالية
ففي سنة 1910انتج العامل الفلاحى فيها مواد غذائية تكفى لسد حاجيات 1ر7 من الاهالي وفي سنة 1940 بلغ الانتاج الفلاح لسد حاجيات 7ر10 من السكان وفي 1980 وصل لسد حاجيات 65 نفرا . وننظر لاحصائياتنا فنحد ان انتاجنا من الحبوب في 1958 بلغ 2ر8 مليون قنطار ولم يصعد سنة 1978 الا الى 9 ملايين قنطار بينما ازداد عدد السكان ببلادنا بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة ويحهل أو يتجاهل أصحاب النظريات أن تجربة التصنيع المفرط لم تأت أكلها فى كل الميادين . فلنأخذ مثلا قطاع النسيج والملابس الذي
نباهى به . لقد صدرنا فى 1979 بما قدره 129 مليون دينار ولكن وردنا ما قدره 118 مليون دينار رغم كل التشجيعات التى منحت في اطار قانون 1972 وقانون 1974 . اهذه نتائج باهرة تستحق توظيف موارد هامة لمثل هذا النشاط على حساب الزراعة ؟
والفلاحة ثانيا هى فى الحقيقة المنطلق الطبيعى لحركة التصنيع التى تتبع من صميم الواقع التونسى اذ تشكل الارضية الواسعة لخلق صناعات تصبيرية وتحويلية للانتاج الفلاح وقد تقدمت فعلا هذه الصناعات وأصبحت قيمتها المضافة 27 مليون دينار سنة 1979 بينما كانت سنة 1970 حوالى مليوني دينار ولكن حصل هذا التقدم الى حد بعيد نتيجة ازدياد انتاج زيت الزيتون الذي نقاسي الآن الامرين لتصديره بالطرق القديمة فى الاسواق المألوفة وكان من الممكن أن يزدهر قطاع هذه الصناعات بصفة أوفر لو ارتفع المنتج الفلاحى بأكثر كثافة وتنوعا . فقد ازداد سعر السكر الذى نورده للاستهلاك الداخلي ثلاث مرات بين 1978 و 1980 وتحمل صندوق التعويض مصاريف باهظة للحد من انعكاس هذا الارتفاع العالي على المقدرة الشرائية للمواطن والحال اننا نستطيع أن نصنع السكر الذى نستهلكه فى عقر ديارنا . وكذلك الشأن بالنسبة للحليب واللحم . والفلاحة ليست فقط الارضية التى كان من الضرورى أن تنطلق منها حركة التصنيع بل هي كذلك بتقدمها وتعصيرها وارتفاع المداخيل فى الارياف الذى ينجر عن ذلك الدعامة الاساسية لتوسيع السوق الوطنية لاستيعاب المنتجات الصناعية . اذ كلنا يعلم ان العقبة الكبرى أمام بعث صناعة مزدهرة ببلادنا هى ضيق السوق الوطنية الذي يفرض سلما معينا لانتاج الوحدات الصناعية لا يمكنها من الرفع من الانتاجية ومنافسة البضائع الخارجية سعرا وجودة . فالتوزيع الاكثر عدالة للمداخيل وصعود هذه المداخيل فى الارياف هما فى صالح حركة التصنيع يسهلانها ويدعمانها وبهيثانها لغزو الاسواق العالمية والا فتبقى مثل ما هو الحال عندنا هشة لا تقف في وجه الارياح .
والفلاحة ثالثا : هي سبب أصلى من أسباب المناعة ببلادنا وامتداد في الحقل الاقتصادى لاستقلاله السياسي وسيادته . هذا لا يعني اننا سننتج كل شئ فى بلادنا فالطقس والجغرافيا يفرضان حدودا معينة لتنويع الزراعة ويحملاننا على شىء من التخصص فى المنتجات التى لنا فيها مزايا طبيعية ولكن من المعقول كذلك ان نرفع وننوع هذه المنتجات الى اقصى حد ممكن حتى نقضى على التبعية لسد حاجياتنا المتأكدة وخلق فائض مترائد نصدره
لنورد ما لا نستطيع انتاجه ونمول به وارداتنا الاخرى لتجهيز البلاد ودعم وسائل الانتاج فيها .
ففكرة الامن الغذائى فى الوقت الذى يتحدث بعضهم هن السلاح الاخضر هي تكملة طبيعية لفكرة الامن العام واستتابه فى انحاء البلاد التى بنيت عليها دولتنا الفتية . وللامن الغذائى وجهان أساسيان : الوجه الاول ذكرناه . والوجه الثاني يتعلق أساسا بتضامن الشعب التونسى فى جميع اجزائه وفي كامل أنحاء البلاد ريفا ومدنا . فكيف يتوفر الامن العام اذا استمررنا فى الاتجاه المعاكس للفلاحة ونزح البشر من الارياف الى المدن وتفشت البطالة وشاخت البوادى وتقلص فيها ضوء الحياة وقلت فيها المرافق الاساسية وشكا أهلها الخصاصة ؟ وبأية ذريعة نبرر الوفرة للبعض والحرمان للآخرين وهل يرضي حتى سكان المدن اذا اضطرت الحكومة للزيادة فى سعر الخبز وبقية المواد الضرورية التى نورد الآن منها الكثير والتى ما فتئت أسعارها العالمية تزداد ارتفاعا ؟ لذا وجب ضمان الامن الغذائى للمواطن بصفة نقدر التسيطر عليها لانها فى حكم تصرفنا وتنظيماتنا ومقدرتنا على اخراج خيراتنا من أديم الارض . وقد شعر بهذا أشقاؤنا فى بلدان الخليج العربي الذي تمنعهم قساوة المناخ من توفير المواد الغذائية لمواطنيهم وهم يحاولون منذ سنوات لاستكشاف الامكانيات الزراعية فى بلدان عربية مثل تونس لتنميتها والاستفاد منها .
ان تركيز الحكومة على الفلاحة واعطاءها اياها أولى الاولويات يدلان على الوعي الكبير للبعد الاقتصادى والحضارى الذى تتحلى به السياسة الجديدة واتجاهها نحو التنمية الجهوية والتوزيع العادل للمداخيل يوازي تماما اهتمامها بالفلاحة .
فى أن نذكر ان مشاكل الفلاحة التونسية متعددة الجوانب وبقيت معنا طوال الاحقاب الفارطة رغم المحاولات المختلفة لفض البعض منها . ومن هذه المشاكل يجب أن نذكر تشتت ملكية الاراضى الزراعية وقلة الموارد المائية واستعمال طرق انتاج بالية وقلة الاطارات الكفأة وانعدام المسالك لترويج الانتاج وسياسة الاسعار ، ولكن فى نظري ان ام المشاكل فى الفلاحة هى عدم توفير الاستثمارات الضرورية للنهوض بالفلاحة . ففي العشرية الفارطة لم نخصص للفلاحة الا 12 في المائة من اجمالى الاستثمارات . فلا غرابة اذن أن نصل الى النتائج التى وصلنا اليها . لذلك لا مناص من الرفع من مستوى الاستثمارات الفلاحية - عامة كانت أو خاصة - والزيادة فى اعتمادات التنمية الريفية وتنظيم قرض فلاحى حقيقي يصل الى كل الفلاحين ويأخذ بيدهم الى دنيا التعصر والتنظيم والتفتح

