دخل البيت واغلق الباب واستلقى على الفراش باثوابه وحذائه وأغمض عينيه ثم جلس على حافة السرير ونزع الحذاء واستسلم الى اغفاءة ثم فتح عينيه . . اعواد السقف خمسون ، الجدران باهت لونها الابيض . . حجارة السقف من النوع المفقود . . غادر الفراش وتمشى وسط الغرفة وعاد ينزع اثوابه ببطء وتراخ . أخذ تفاحة كانت على الطاولة فوق كتاب وقضم منها قطعة صغيرة ثم القى بها من النافذة وتصفح الكتاب وتركه ليفتح المذياع : نواصل تقديم برامجنا على موجة . . اغلق الجهاز وقام يرتدى اثوابه ثم خرج . .
جلس على حافه الميناء ، اخرج قلم رصاص ورسم على يمينه اشكالا متداخلة , كتب تحتها حروفا :سين . . الف . . نون . . تاء . . حاء . .
رفع القلم ثم عاد يكتب فوق حافة الحرف الاخير راء . . وتحت الحرف الاسفل باء . . قلقل راسه ثم فسخ حرف الباء الاخير ونهض وغادر المكان .
فتشوا جيوبه يبحثون عن اوراقه الشخصية ، الجيب الاول به ابيات من الشعر والثانى به ثلاثون مليما والثالث به اقراص مهدئة للاعصاب والجيب الرابع مثقوب . . فتح عينيه وركهما ، تقلب فوق الفراش محاولا التعرف على المكان . . جاءت الممرضة لتتفقده فى الوقت الذى عينه لها الطبيب ، لم تجده . .
فى البطحاء المواجهة للميناء جلس على صخرة وراسه بين يديه .
- الاول استلقى على ظهره واضعا يديه فوق صدره : غدا تشرق الشمس يا بطنى ويا سواعدى غدا تخضر الحقول . .
الثانى يرقص ويقوم بحركات بهلوانية : سين وسوف والصابر . . صرف فى المضارع المجزوم . .
الثالث جالس القرفصاء ويلوح بيديه فى الفضاء : فوائد الصوم - وعلى الذين يطيقونه . . من طلوع الفجر الى طلوع الشمس .
مر أمام الاول وركله برجله فتمتم دون ان يلتفت اليه : لن احلق ذقنى الا عندما ينبت شعر انفى .
بصق على الثانى يعره اهتماما وواصل همسه : لن ابدل الرصيف بالفراش حتى اتوسد التراب .
وقف امام الثالث وهزه من شعر رأسه فلم يكترث به واستمر يتمتم : متى أصبح الفاعل منصوبا ، وجب الاعراب
تركهم وواصل سيره يجر اقدامه فالتحقوا به جميعا واصطفوا امامه :
الاول : من اين نبدأ الطريق الى الله
الثانى : الى اين سيكون اتجاهنا اذا اخذنا الطريق نحو الجنوب
الثالث : من اى جهة نسير نحو الشرق .
رفع راسه الى الفضاء ففعلوا مثله ، تراجع خطوات الى الوراء فاتبعوه . بدأوا يسيرون فى صمت حتى صدئت اقدامهم وغشى جبهتهم ضباب كثيف , وتأكلت ملامحهم وحدثت فى داخلهم احساسات غريبة فأحسوا بالتعب . . نبههم المسير الى اشياء كثيرة فى حين ظل هو فاحم العواطف ، يابس الاحاسيس ، جاف الشعور ، مبعثر الافكار . .
الاول : اريد ان اشتكى وبى شوق الى كتابة خطاب طويل ومرثية عميقة .
الثانى : لى رغبة فى الصراخ المستمر عسى ان تهدأ نداءات جسمى .
الثالث : أحس بحنين الى شئ آخر كانه الثورة فى سبيل الامل الوديع . . .
كان يشعر بما لا يشعرون به ويحس برغبة لا يعرفون لها طعما ولا لونا ولا يجد هو لتحقيقها سبيلا . . لماذا ربط مصيره بمصيرهم ، الى اين يقودهم ولكل منهم طريق وشهوة .
انفجر الالم فى قلبه واشتد به الحنين وخفقت جوانحه . . فاغمض عينيه , يريد ان يعطى الحب ويأخذ ، انه يريد ان يمنح الدفء ويعطوه الراحة والسكينة والاطمئنان . . سرحت افكاره وهو يشاهد حركة وازدحاما ويسمع ضجيجا
متعاليا من كل بيت قديم . . كل غرباء واشقياء العالم الى جانبه ، يحيطون به وهم يرقصون ويتلاقفون ارغفة الخبز واكياسا صغيرة مملوءة ليس يعلم بماذا وسط غابة جميلة غارقة فى الاضواء ومحاطة بقصور من نور تنمو فى شرفاتها ازهار واشجار بديعة رائعة . . استمر فى هذيانه وتصويره من حيث لا يشعر ، ومرافقوه الذين استحموا فى بحار من كلمات مغرية استمروا فى رقصهم حتى اصطدموا بجدار كل يفصلهم عن البحر فسقطوا الواحد فوق الآخر .
الاول : سقط الماضى وانهار الرصيف .
الثانى : اهتزت اركان الحاضر وتلاشى الامل ، حتى فى الخيال لا يدوم الامل . .
الثالث : تبخرت احلام المستقبل ، حتى الضياع المريح لا يدوم . . حاولوا النهوض فعجزوا واستسلموا للارتخاء والصمت . .
اتكأ على الجدار واحتضن وجهه بين يديه . . باعواد السقف ، قطعة التفاح ، الكتاب ، المذياع ، الميناء المستشفى والغرباء الباحثون عن الطريق . . الجدار امامه ، والحواجز وراءه والفراغ فوقه ، والاخرون يحيطون به ، وشئ اخر فى قلبه . .
تواصل به الدوار طويلا وبدت له الكرة الارضية مستديره فى شكل رغيف خبز وصورة جميلة مسلية . .
وعندما افاق من نومه وضياعه ، احس لأول مرة بان دقات قلبه انتظمت وبان كبده لم يعد يؤلمه وبان الميناء اغرق كل المراكب التى تمزقت اشرعتها وكل الزوارق التى اضاعت المجداف . . كانت الى جانبه واقفة وفى عينيها بقايا من دموع وأثر الحزن يرسم على وجهها بقعا من الحمرة الداكنة ، مدت اليه يدها ورافقته الى حيث كان الماضى حبيبا لهما وحيث الامس مسرح امل وديع . . من هنا كان البحث عن الخبز ، ومن هنا اصبح الرغيف قضية السواعد وعاد الامل موسم حصاد ومزرعة قلوب كبيرة .
وعندما كان فى الطريق الى البيت معها صافحت نظراته الافق الممتد فاذا الاجسام متراصة واذا رائحة العرق تشعل الرغبة فى شق الحياة الى الخلود عبر ممرات الرجاء ، والتفت اليها وفى عينيه سمفونية اعتراف بالحميل وشكر على الرجوع .

