الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الايدي على القلوب

Share

دخل البيت واغلق الباب واستلقى على الفراش باثوابه وحذائه وأغمض عينيه ثم جلس على حافة السرير ونزع الحذاء واستسلم الى اغفاءة ثم فتح عينيه . . اعواد السقف خمسون ، الجدران باهت لونها الابيض . . حجارة السقف من النوع المفقود . . غادر الفراش وتمشى وسط الغرفة وعاد ينزع اثوابه ببطء وتراخ . أخذ تفاحة كانت على الطاولة فوق كتاب وقضم منها قطعة صغيرة ثم القى بها من النافذة وتصفح الكتاب وتركه ليفتح المذياع : نواصل تقديم برامجنا على موجة . . اغلق الجهاز وقام يرتدى اثوابه ثم خرج . .

جلس على حافه الميناء ، اخرج قلم رصاص ورسم على يمينه اشكالا متداخلة , كتب تحتها حروفا :سين . . الف . . نون . . تاء . . حاء . .

رفع القلم ثم عاد يكتب فوق حافة الحرف الاخير راء . . وتحت الحرف الاسفل باء . . قلقل راسه ثم فسخ حرف الباء الاخير ونهض وغادر المكان .

فتشوا جيوبه يبحثون عن اوراقه الشخصية ، الجيب الاول به ابيات من الشعر والثانى به ثلاثون مليما والثالث به اقراص مهدئة للاعصاب والجيب الرابع مثقوب . . فتح عينيه وركهما ، تقلب فوق الفراش محاولا التعرف على المكان . . جاءت الممرضة لتتفقده فى الوقت الذى عينه لها الطبيب ، لم تجده . .

فى البطحاء المواجهة للميناء جلس على صخرة وراسه بين يديه .

- الاول استلقى على ظهره واضعا يديه فوق صدره : غدا تشرق الشمس يا بطنى ويا سواعدى غدا تخضر الحقول . .

الثانى يرقص ويقوم بحركات بهلوانية : سين وسوف والصابر . . صرف فى المضارع المجزوم . .

الثالث جالس القرفصاء ويلوح بيديه فى الفضاء : فوائد الصوم - وعلى الذين يطيقونه . . من طلوع الفجر الى طلوع الشمس .

مر أمام الاول وركله برجله فتمتم دون ان يلتفت اليه : لن احلق ذقنى الا عندما ينبت شعر انفى .

بصق على الثانى يعره اهتماما وواصل همسه : لن ابدل الرصيف بالفراش حتى اتوسد التراب .

وقف امام الثالث وهزه من شعر رأسه فلم يكترث به واستمر يتمتم : متى أصبح الفاعل منصوبا ، وجب الاعراب

تركهم وواصل سيره يجر اقدامه فالتحقوا به جميعا واصطفوا امامه :

الاول : من اين نبدأ الطريق الى الله

الثانى : الى اين سيكون اتجاهنا اذا اخذنا الطريق نحو الجنوب

الثالث : من اى جهة نسير نحو الشرق .

رفع راسه الى الفضاء ففعلوا مثله ، تراجع خطوات الى الوراء فاتبعوه . بدأوا يسيرون فى صمت حتى صدئت اقدامهم وغشى جبهتهم ضباب كثيف , وتأكلت ملامحهم وحدثت فى داخلهم احساسات غريبة فأحسوا بالتعب . . نبههم المسير الى اشياء كثيرة فى حين ظل هو فاحم العواطف ، يابس الاحاسيس ، جاف الشعور ، مبعثر الافكار . .

الاول : اريد ان اشتكى وبى شوق الى كتابة خطاب طويل ومرثية عميقة .

الثانى : لى رغبة فى الصراخ المستمر عسى ان تهدأ نداءات جسمى .

الثالث : أحس بحنين الى شئ آخر كانه الثورة فى سبيل الامل الوديع . . .

كان يشعر بما لا يشعرون به ويحس برغبة لا يعرفون لها طعما ولا لونا ولا يجد هو لتحقيقها سبيلا . . لماذا ربط مصيره بمصيرهم ، الى اين يقودهم ولكل منهم طريق وشهوة .

انفجر الالم فى قلبه واشتد به الحنين وخفقت جوانحه . . فاغمض عينيه , يريد ان يعطى الحب ويأخذ ، انه يريد ان يمنح الدفء ويعطوه الراحة والسكينة والاطمئنان . . سرحت افكاره وهو يشاهد حركة وازدحاما ويسمع ضجيجا

متعاليا من كل بيت قديم . . كل غرباء واشقياء العالم الى جانبه ، يحيطون به وهم يرقصون ويتلاقفون ارغفة الخبز واكياسا صغيرة مملوءة ليس يعلم بماذا وسط غابة جميلة غارقة فى الاضواء ومحاطة بقصور من نور تنمو فى شرفاتها ازهار واشجار بديعة رائعة . . استمر فى هذيانه وتصويره من حيث لا يشعر ، ومرافقوه الذين استحموا فى بحار من كلمات مغرية استمروا فى رقصهم حتى اصطدموا بجدار كل يفصلهم عن البحر فسقطوا الواحد فوق الآخر .

الاول : سقط الماضى وانهار الرصيف .

الثانى : اهتزت اركان الحاضر وتلاشى الامل ، حتى فى الخيال لا يدوم الامل . .

الثالث : تبخرت احلام المستقبل ، حتى الضياع المريح لا يدوم . . حاولوا النهوض فعجزوا واستسلموا للارتخاء والصمت . .

اتكأ على الجدار واحتضن وجهه بين يديه . . باعواد السقف ، قطعة التفاح ، الكتاب ، المذياع ، الميناء المستشفى والغرباء الباحثون عن الطريق . . الجدار امامه ، والحواجز وراءه والفراغ فوقه ، والاخرون يحيطون به ، وشئ اخر فى قلبه . .

تواصل به الدوار طويلا وبدت له الكرة الارضية مستديره فى شكل رغيف خبز وصورة جميلة مسلية . .

وعندما افاق من نومه وضياعه ، احس لأول مرة بان دقات قلبه انتظمت وبان كبده لم يعد يؤلمه وبان الميناء اغرق كل المراكب التى تمزقت اشرعتها وكل الزوارق التى اضاعت المجداف . . كانت الى جانبه واقفة وفى عينيها بقايا من دموع وأثر الحزن يرسم على وجهها بقعا من الحمرة الداكنة ، مدت اليه يدها ورافقته الى حيث كان الماضى حبيبا لهما وحيث الامس مسرح امل وديع . . من هنا كان البحث عن الخبز ، ومن هنا اصبح الرغيف قضية السواعد وعاد الامل موسم حصاد ومزرعة قلوب كبيرة .

وعندما كان فى الطريق الى البيت معها صافحت نظراته الافق الممتد فاذا الاجسام متراصة واذا رائحة العرق تشعل الرغبة فى شق الحياة الى الخلود عبر ممرات الرجاء ، والتفت اليها وفى عينيه سمفونية اعتراف بالحميل وشكر على الرجوع .

اشترك في نشرتنا البريدية