تلطم زوجتك خديها ، تقطع شعرها ثم تجهش بالبكاء . تنخرط ابنتك فى نشيج تقطعه الغصة . يترامى ابنك على الاريكة ممتقع اللون مسلوب القوى . اما انت فلا تزيد اكثر من قولك :
" اللهم ان كنت أخذت فقد أبقيت " .
وتنساب نظراتك تنتقل فى القاعة بوهن . ترمق الاثاث الفاخر والتحف النادرة وتستقر على صورة داخل اطار مذهب جبين عريض . نظرة هادئة وبسمة فيها الرضى والطمأنينة . تظل مشدودا الى الصورة كانك تراها لاول مرة ، ثم ترسل زفرة طويلة وتردد فى طيات نفسك .
" ترى هل تعود الابتسامة ؟ " .
ينهض ابنك يكفكف دمع امه ويهدئ روعها . تدنو منك ابنتك . تجلس على البساط . تسند رأسها الى ركبتك وتروح تذرف الدمع بصمت . تضع يدك على رأسها . تداعب خصلات من شعرها الناعم المنسدل على كتفيها . وعيناك مسمرتان بالحدقتين الثابتتين والفم المفتر عن بسمة حانية بل بسمة تنفذ الى اغوارك وتسرى فى شرايينك الفاترة وتظل زاحفة تتلوى داخلك تحس ان البسمة تنفرج شيئا فشيئا حتى تغدو تكشيرة تصفعك بازدراء مقيت . تزداد اتساعا فتدوى قهقهة تهز اوراقك الذابلة . يجرفك سيل الهواجس وتلتف بك دوامة الايام الخوالى . وينزاح الغشاء عن ذلك اليوم الذى اجتاز فيه صديق لك عتبة دارك .
- الا ترى فائدة فى استغلال مستودعك المغلق ؟
تتحمس زوجتك :
- لقد راودتني الفكرة كثيرا . فذلك سيغطى نفقاتنا . يساندها ابناها : - اجل يا أبى .فالكسب مضمون هذه الايام .
يتراءى لك ما يمكنك جنيه من هذا المشروع فتنقاد . لم تكن لك سابق دراية بالتجارة ولكن شراهة الناس تفسح لك مجال بيع المرطبات . تتسابق الدنانير الى كفك . تنتفخ جيوبك . تتباهى زوجتك بحلى جديد وتغير ابنتك فساتينها ويقتنى ابنك مذياعا مسجلا . يغمرك شعور بالارتياح . راحة من حقق لاسرته اربا . ولكن هذا الشعور لا يدوم فزوجتك ما تفتأ تشكو تهرؤ يديها واعوحاج سلسلة ظهرها وابنتك ما تنفك تتذمر من معاكسة الشبان لها فى الطريق وفى الحافلة . وابنك ما يبرح يردد ضيقه باستقبال اصدقائه فى صالون لم يعد لائقا بمقامه . فتحرم نفسك لذة النوم وتبيت تقلب الفكر وتروض الارقام عسى ان تجد مخرجا من ضيقك الجديد او مدخلا الى صفقة رابحة . وتستنجد بفناجين القهوة وتجد فى السقائر خير عون فما يصبح الصبح الا وانت تتصدر محلا للمأكولات الخفيفة فتوفر لزوجتك غسالة كهربائية وتجدد اثاث البيت كله . تفرط حتى فى غرفة النوم التى شهدت جانبا كبيرا من اسرارك . تذكر ليلة زفافك وليلة افضت اليك زوجتك بانها حامل . ولكن انبهارك بالاثاث الجديد ينسخ ذكرياتك حلوها ومرها . تتفق عائلتك على تعويض جهاز التلفزة العادى . ترغب ابنتك فى " تلفنكن " ويفضل ابنك " قرنديق " فى حين تصر زوجتك على تلفاز كبير ملون تتبجح به على جاراتها . وفى المساء تتحدث ابنتك عن المذيعة الايطالية الشقراء ويفتن ابنك باضواء ركح ( دليدة شو ) . وتخطر زوجتك فى الرواق تحرق البخور وتصلى على النبي . وعندما تسكن الحركة وتنطفئ الاضواء تهمس فى اذنك بدل :
- الله لا يحرمنا منك . فترد وانت تحاول الافلات من انشوطة بدأت تزحف لتنزرد حول نحرك . - الحمد لله الذى انعم على فحققت كل رغباتكم . - الا واحدة - ما هى ؟
تذكر انها لم تجبك بل فاضت عيناها بأنوثة ناضجة مندفعة كسيل متدفق . يسرى فى جسدك بعض دم حار وانت تتذكر تلك الليلة ولكن رائحه الدخان تسد منخريك وتملا رئتيك والسنة اللهب تطوقك من كل جانب يفتر الدم الحاد فى شرابينك يبرد. يتجمد. وتظل رائحة الدخان تلاحقك . تشدد عليك الخناق تنهض . يظل الدخان ينفذ الى اعماقك . يقطع انفاسك . ينتفخ رأسك بكبر . يثقل . يكاد يقع ارضا . تتمايل . تترنح ، تحاول الاستناد الى ابنتك ولكن ضبابا يغشى عينيك فتهوى وسط بكاء وعويل .
ها انت ذا طريح الفراش . تاكل بمقدار وتشرب بمقدار . ولا يكون المقدار الا مما أذن به الطبيب . خريف عمرك جاء فى غير موعده . ترسل زفرة حرى وانت تذكر ليالى كنت تبيتها خالى البال . اين هى من لياليك البيضاء التى قضيتها فى العد والتخطيط مظللا بسحب الدخان الكثيف . آه الدخان . الدخان من جديد . رائحته تملا خياشيمك . والنار تتلوى كافاعى فى حمارة قيظ تلتهم دمك وعرقك وتأتى على سنوات من السهد والجهد .
انثالت عليك الدنيا انثيالا فغرفت وغرفت وطلبت المزيد . وكلما وفرت شيئا اطل فى الافق شئ جديد . احسست بعجزك على مقاومة التيار فجرفك . واصبح فكرك مشدودا الى كل ما لم تنله . لم يشغلك فشل ابنك فى دراسته ولا علاقات ابنتك المريبة ولا انصرافك عن دينك لدنياك . كنت أسير هذه القوة الجارفة تفعل بك ما تشاء وتوجهك حيثما تشاء . يعتريك احيانا شعور بالضعف واحساس حاد بالحطة وتود لو تغالب التيار مدة فتبلغ شاطئ النجاة ولكن التيار أقوى من ان يغالب وتظل خشبة تغوص فى لجته يوما وتطفو على صفحات موجه الهادر حتى قلعتها الصخور الناتئة . لم يعد يهمك من اين وكيف يمتلىء جيبك . لم تكن تتردد فى اعتلاء راس اخيك المتضرر جوعا لبلوغ أربك . الغاية تبرر الوسيلة . وراقك الشعار فوضعته فى اطار مذهب قبالة مكتبك الفخم بنزلك الفاخر ذى النجوم الخمسة . تضطرب أنفاسك لذكر النزل . تتلاحق دقات قلبك . ترتجف اعضاؤك وتصطك اسنانك . وتعود رائحة الدخان تدمع عينيك وتقطع طريق الهواء الى رئتيك .
تفتح باب المكتب على جلبة وصخب وصراخ حاد .
وتتراكض الارجل فى المدارج والمعابر وتتشابك فى الاروقة وتتدافع الايدى والمناكب وتتساقط الجثث تصطلى لفحة النار الموقدة .
تهرول كالمعتوه فى كل الاتجاهات . تصرخ بكلام لم تعد تتذكره . تمتد اليك السنة اللهب تشوى جسدك . يتسرب الدخان الى رئتيك يقطع عنهما الهواء . تقاوم . تابى مغادرة النزل . تريد ان تقضى نحبك فيه ، ان تموت معه . تدفع رجلا أمسك بك . يطوقك رجلان آخران . يجرانك جرا وانت تصرخ كالمسعور :
" دمى مالى . دعونى أموت " .
لم تعد تتمنى الموت . انت لا تتمنى الآن شىء واحد . ان تعود تلك الابتسامة .
تتجول هذا الصباح فى حديقة دارك . اعتزمت امرا ذا بال فى حياتك . لا تدرى اهو التيار ضعف ام أنك استرجعت نشاطك فقهرته . بعت كل ما غل حريتك واوثق تدبيرك وقضى ان تكون عبدا مسخرا له تفكر فيه وتخطط له وتقتنيه وتغدق عليه من العناية ما لا يمكن ان يرد لك . بعت كل ما اشتريت وما كان سببا فى مأساتك .
بعت السيارات و الاثاث والآلات .. بعت كل شئ ولكن لم تعد الابتسامة ...
