الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

البحث عن نهاية

Share

لم يمت . رغم أن الاصابة كانت فى الصدر ، فى مكان ما من الصدر . نزف بغزارة . من اين له كل هذا الدم . قال حاملوه : إنه ميت لا محالة . بل اكد البعض بانه قد مات فعلا ، مات كما ينبغى أن يكون الموت ، وراود أذهانهم القول المأثور: خير الميت دفنه . ولكنه لم يمت ، لا لأنه أقوى من الموت ، بل لأن من بيده أمر كل شئ لم يشأ موته . كانت الاصابة في الصدر ، جاءته مجانا ، تماما كما ولد وكما عاش ، لم يشارك في أية جبهة من جبهات القتال ، لا تقليدية ولا طارئة ، ولم تراوده الرغبة قط فى غزو منزل أو متجر ، بل كان مجرد باحث عن خبز ، المعدة بيت الداء ، وبيت القصيد ، وراح وهو فى حالة بين الوعى واللاوعى يهذى بشهادة الموت ، خطاياه كثيرة ، كثيرا ما يخطئ المؤمن عن غير قصد ، وهو يريد ، إذا كانت ساعته قد حانت حقا ، ان يموت مستغفرا تائبا. فهناك جنة وهناك نار . ولكنه لم يمت . فقد بقى القلب بمنأى عن الاصابة, هذا القلب ، هذا الركام العفن ، المستنقع ، بقى بمنأى ، يتسع ، رغم ضيقه, لكى شئ ، الا لوطن صاحبه ، بقى بمنأى ، عامرا ، رغم النزف ، بعفونة الارض وعفونة السماء . ولكن الوطن لم يدخله قط ، ولم يسر في الاوردة والشرايين ، ولم يسهم فى تركيب الخلايا ، وانما بقى بعيدا ، بقى غريبا ، لم يدخل قلب صاحبه ابدا ، وانما دخل جيبه ، ودخل جوفه ، والداخل الى الجيب او الى الجوف ، اما ان يموت فيهما فلا يبعث ، واما أن يخرج منهما فلا يعود. قال حاملوه : - سبحان من بيده كل شئ يحيى ويميت ، انه ما زال يتنفس !

وعندما سجى على فراشه ، فتح عينيه وحاول أن يتبين شكل الوجوه المحيطة به . وعندما عرى من أسماله بانت على صدره بقع جامدة سوداء ، سوداء كالنفط . وتمتم أحد السذج لنفسه :

- لا يمكن لهذا أن يكون دما. ثم استغفر الله وقال الطبيب وهو يحشر الاجر فى جيبه: - لقد نجا وانصرف مهرولا والانفجارات تتوالى بانسجام أليف . قال أحد المؤمنين بنبرة خجولة: - والله ان الموت لأفضل من العيش فى مثل..

وسكت محرجا قبل أن يتم أيام قلائل ويندمل الجرح ، وقد يترك أثرا سطحيا لا أهمية له ، ويعود المصاب الى السعى . قالت الزوجة : - انها رحمة من الله بهؤلاء الاطفال القصر.. وأشارت بيدها الى سبعة يتحلقون حولها -. . لقد ذهب ليأتيهم بالخبز ، ليتني رددته ، وليمت الجائع منا بجوعه فرمقها الاطفال بنظرات فارغة.

وهمهم المصاب مشيرا بيده يريد ماء . انه حي يرزق ، وعما قريب يعود الى السعى, ويعود رقما فى سجل الوطن ، ويعود الوطن الى الدخول فى جيبة والخروج منه ، والى الدخول فى جوفه والخروج منه ، لو مات ، لبعث يوما اما إلى جنة واما الى نار ، ولكنه لم يمت ولن يبعث . أما تل الزعتر فقد مات, مات كما ينبغى أن يكون الموت ، ودفن عميقا . وعندما اطمأن قاتلوه الى موته ، خرج من أعماق الارض التى دفن فى باطنها طائر غريب راح يصيح بشراسه: - اسقونى ! اسقونى!

ولا يزال . ولن يتوقف عن الصياح الا بعد أن يبعث الدفين اما الى جنة واما الى نار ، اما هو فلم يمت ، بقى القلب بمنأى . ولن يبعث . عندما أحس بالألم الحارق في أعل صدره ظنها طلقة طائشة ، وألقى به الخوف الى الارض . وأكد الطبيب ، وهو يغادر الباب مهرولا :

- شظية صغيره ، الا انه نجا بأعجوبة. وقال شاب يضع الرشاش على ركبتيه - كل شئ يجرى باعجوبة ، كنا المنتصرين ، فأصبحنا المنهزمين وغدا يرتفع شعار لا غالب ولا مغلوب. فانتفض المؤمن صائحا بغضب : - لا غالب الا الله

وقالت الزوجة تعاتب الشاب المسلح بلين: - لقد خربتم كل شئ. وأتم أحد الحاضرين متحسرا : - وسرقوا كل شئ. وعقب المؤمن مترنما : - سبحان العاطي بغير حساب وصاح طفل بحماس: - رأيت مسلحا يحمل على كتفه رجلا حيا ويجرى به.

قالت الام : - ربما كان المحمول مصابا أجاب الطفل وقد اشتد حماسه: - لا لم يكن مصابا وانما كان يصرخ باكيا : والله لم أقتل أحدا ، لم أقتل أحدا ، لم ..

أشار المصاب بيده أن اصمتوا ، فصمتوا جميعا ، ونهض الشاب المسلح مغادرا وهو يهنئ الزوجة بسلامة رب البيت ، وتبعه آخرون . ولحق الطفل بالمسلح يتحسس الرشاش بشغف . ودوى انفجار هائل اعقبه صراخ الامهات. وتضاربت التنبؤات فى الزقاق : - أكثر من عشرين قتيلا . - ومئات الجرحى

- لا ، لا ، بضعة قتلى فقط من النساء والاطفال - لم يقتل أحد على الاطلاق ، لان الانفجار كان فى الجو - وهل رأيته أنت ؟ - ألم تنتبه الى الدوى ؟ - أى دوى ؟ - متى ننتهى من كل هذا ؟ - كل شئ يجرى الكترونيا - هناك من يتمنى استمرار العراك - لقد امتلأت الجيوب - وامتلأت المنازل. - القتلى يدفنون بالجملة - والله لم نعد نفهم شيئا من شئ .

قالت الزوجة وهي تمسح جبين زوجها بخرقة مبللة : - عندما تتحسن صحتك سنعود فورا الى القرية قال الزوج متوجعا : - الى القرية ؟ . . ليتنا لم نبع الارض والبيت قالت الزوجة بصوت مختنق : - ان الله كريم ، هناك الاهل والاقارب ، وهناك . . هناك اليهود الذين يقدمون ، كما سمعت ، شتى المساعدات ، على كل حال لا يجب أن تفكر بذلك, بل حاول أن تنام قليلا .

قال الزوج باكيا : - ومن أين يجيء النوم ، ان الموت لافضل ، والله ، من كل هذا قالت الزوجة لنفسها : والله ان الموت لافضل . وعندما حاولت أن تبتسم لا مؤسية تغضنت قسمات وجهها فانصرفت تبكى سرا .

اشترك في نشرتنا البريدية