قد يبدو للقارئ لاول مرة أن مثل هذه المواضيع ليس لها علاقة بواقع الحياة الحق . . وليس لها مردود بالنسبة للحياة الاجتماعية ، الا اننى اقتنعت فيما بينى وبين نفسى ، ان للجمال ومفاهيمه دورا فى الحياة الاجتماعية . . . فلا شئ يهذب الذوق كالشعور بالجمال ، كما أنه لاشئ يجعل قلب الانسان متفتحا للحياة مثل الشعور الجمالى ، الذى يدفعه الى الخلق والابداع والتعلق بالحياة .
لذلك سعى الانسان منذ أقدم العصور الى توفيره - خاصة - فى مجال الفن والأدب . الا انه مع ذلك كانت مفاهيم الجمال ومازالت ، محل اختلاف بين شخص وآخر ، وبين شعب وشعب ، وهذا الاختلاف راجع الى اختلاف العادات وتفاوت الثقافات .
والواقع أن الجمال لا يقتصر عن الالوان او مايشابهها ، كما هو متعارف عند الأغلبية ، فقد يوحى لنا جلال الحياة وهيبتها بشعور جمالى ، وقد يوعز لنا خشوع الموت وهيبته احساسا بالجمال . ولكن الاشياء التى نخاف منها ، والتى لم نتعود بها ، هى التى نراها مجردة من الجمال ، أو أقل من الاشياء الاخرى جمالا ، فبقدر ما توحيه لنا من خوف ، أو من ألم داخلى ، يتضاءل شعورنا بالجمال نحوها ( الاشياء ) كالذى توحيه لنا الحرب ورؤية الدماء .
اننا نهرب من الموت فلا نرى فيه جمالا ، لانه سيبعدنا عن بهاء الحياة وروعتها . . . ولو كان الموت رسولا يحمل الانسان مباشرة الى عالم جميل بدون ألم ، لحلم به الانسان طول حياته . فشعور الخوف والرهبة هو الذى يطمس فى أعماقنا الشعور بالجمال ، وكذلك الحال عند الشعور بالألم . . . وليس من الشروط اللازمة أن ترى الشئ لانه جميل ، فقد تسير بك قدماك الى خرائب قرطاج ، وتقف حيالها متأملا ، فتشعر بعظمة وهيبة ، وتحس بعواطف قوية تجتاح حناياك ، فليست تلك العظمة التى أحسست بها وتلك الهيبة التى خيمت عليك هى ناتجة عن الجمال الكامن فى تلك الخرائب . انما هى نتيجة عظمة التاريخ التى بدت أمامك وأنت واقف فى ذلك المكان ، ونتيجة تفكيرك فى المقدار الحضارى الذى وصل اليه القرطاجيون .
فعظمة الشئ تدفعنا لان نشعر بجماله ، ومن ثم كان قسم كبير من شعورنا الجمالى له علاقة بذكرياتنا العظيمة . فقد يكون للانسان تحفة لها علاقة بموقف من مواقف حياته ، أو صورة تذكره بفترة من فترات شبابه ، فانك لو أتيت لهذا الشخص بتمثال احسن من تمثاله ، وصورة اجمل من صورته ، فانه يبقى فى قرارة نفسه غير معترف بجمال غير جمال صورته ، وحسن غير حسن تمثاله . ومن هنا كانت الاشياء التى تخاطبنا بالاحساس أكثر من غيرها ، هى التى نرى فيها جمالا أكثر من الأشياء الأخرى . وفى هذا المضمار يقول جاريت فيلسوف الجمال بجامعة أكسفورد :
(( ان الاشياء تكون جميلة بقدر ما تخاطب بالاحساس القلب والعاطفة )) وهذا القول يبين لنا أهمية الاحساس ، أو بالاحرى الذوق السليم لمعرفة القيمة الجمالية فى الاشياء . اذ بتفاوت الاحساس او سلامة الذوق عند الناس ، يكون تفاوتهم فى معرفة قيم الجمال ، واختلاف نظرتهم للكون والحياة من حيث التعمق أو السطحية . ومن هنا كان الذوق هو الاساس فى تنمية الحساسية الجمالية ، فهو ان صح التعبير ميزان الفن ، به يميز الفنان بين سمو الأثر الفنى وضعته .
وما دام الذوق اساسيا فى عالم الجمال ، وهو يختلف ، بمقدار من الضعف أو القوة بين شخص وآخر ، كان من اللازم أمام هذا الاختلاف ، أن تكون هناك علاقة مشتركة ، أو معيار جمالى مشترك ، تقف على صعيده الأذواق المتباينة ، كى لا تختلف فى أهمية الأثر الفنى وفى هذا المعنى يقول سقراط : (( لا يمكن أن نسمى أشياء بعينها من عمل أو صنع الانسان جميلة ، فلا بد ان تكون بين الاشياء الجميلة صفة مشتركة ، أو علاقة مشتركة بها يكون من الممكن تعريفها ))
ولعمرى فان العلاقة المشتركة التى تكلم عنها سقراط ، والتى من شأنها أن تربط بين الاشياء الجميلة لهى ثابتة ثبوت الآثار الفنية نفسها ، وسنتكلم عن هذه العلاقة فى الابان ، ومن ميزاتها أنها لا تدرك بالارقام ، بل يعرفها الفنان ويلمسها لاول وهلة (( بالاحساس )) وسنوضح كيفية معرفة العلاقة الجمالية ولمسها بالحس :
فأنت اذا شاهدت تمثيلية البخيل ( لموليار ) أو هملت ( لشكسبير ) وقرأت آثار طاغور وفلسفة نيتشه ، وقصص نجيب محفوظ ، أو شاهدت صورة أم وطفلها ( لبيكاسو ) وصورة وداع انطوان لكيلوبترا ( لليوبولو) ، أو وقفت أمام تمثال أخناتون وزوجته نفر تيتى ، أو تمثال الاه البحار اليونانى ،
أو سمعت قطعة موسيقية من سنفونيات بيتهوفن (1) فأنت - ولا شك - واجد نفسك أمام هذه الانواع المختلفة من الفنون : الادب والنحت والتمثيل والموسيقى ، تحس بمعنى خاص ، وتشعر بشعور لايشابه شعورك العادى ، هذا الاحساس يلهب فى قلبك ، ويملا حناياك روعة كلما وقفت حيال نوع من انواع الفنون السابقة . وتلك هى العلاقة الجمالية المشتركة بين الفنون الاصيلة. أى انها ذلك الاحساس والانفعال الذى انتاب نفس الفنان وملأها ايحاءات فنية اثناء خلقه لاثره الفنى ، هذا الإيحاء وهذا الانفعال ينتابان نفسك أنت اثناء التأمل من ذلك الأثر (2) وليس من شك فى أن الجانب الفنى هو الذى يثير فينا الاحساس . . . ومن ثم يكون الشئ جميلا بقدر تأثيره فينا . الا أن هذه العلاقة الفنية التى تعتمد على التأثير فى الجمهور ، هى علاقة مطلقة غير مقيدة يشروط مثل العلاقات الحسابية . . . هذا حسب رأيى ما يهدف اليه سقراط من ذكره للصفة المشتركة التى تربط بين الاشياء الجميلة .
أما جاريت فيلسوف ايطاليا فى علم الجمال ، فهو يرى ان الجمال لا يقاس بالتعقيد كالذى نجده فى الفن الرمزى ، ولا بالانسجام والتناسق كالذى نجده فى الفن التعبيرى ، انما الجمال كالانسام يهب متى شاء ، وفى هذا يقول : (( لا يقاس جمال الاشياء بقدر ما فيها من تعقيد او تسلسل منظم ، بل إن انسام الجمال تهب رفافة حيثما تشاء )) .
وهنا يبد وجه الاختلاف بين ما قاله سقراط وما قاله جاريت ، اذ أن الاول يرى ان الاشياء لا تكون جميلة الا اذا وجدت بينها علاقة جمالية مشتركة ، يمكن للانسان تفسيرها ، بينما يرى الثانى أن جمال الأشياء مطلق لا يمكن أن يقاس
ويبدو من العسير فى هذا المجال التوفيق بين الرأيين للتباعد بينهما ، الا أننى أرى أن الفنان اذا كان مجبرا على ايجاد علاقة مشتركة فيما ينتجه ، كما تكون نحن مجبرين على ايجاد نتيجة اوحل لمشكلة حسابية مثلا ، فان هذا من الطبيعى ان يقيد مواهب الخلق فيه ، ويحدد من ابداعه . ولعل جاريت يهدف
بقوله السابق الى ان الفنان اذا تقيد بالعلاقات الفنية المحددة ، سوف لن يخلق ويبدع كما يخلق ويبدع عندما يكون حرا .
وان دل هذا على شىء فانما يدل على ان الجمال ميدان شاسع لا يمكن للباحث ان يتقيد فيه حسب قواعد مضبوطة ، وليس من الموضوعية فى شىء أن يوجه الفنان توجيها معينا اثناء خلقه لأثره الفنى كى يوفر فيه الجاذبية الجمالية ، وذلك لأن الفنان حر ، يخلق أثره الفنى كما يشاء . . . بشرط ان تتوفر صفة التأثير فى انتاجه .
وقد يقول قائل أن التأثير الجمالى يمكن ان يوجد فى تناسق الاعضاء وآمتلاء الاجسام كالذى يوجد فى فن قدماء اليونان ، أو فى ثبوت الجأش والنظر البعيد المملوء بحقيقة البعث والخلود ، كالذى يوجد فى فن مصر القديمة ، أو فى الظلال والاضواء ، واتباع قواعد المنظور كالذى يوجد فى الفن الاروبى فى القرن التاسع عشر . لكن الواقع غير هذا . فآمتلاء الاجسام والتناسق بين الاعضاء فى النحت ، والظلال والاضواء فى فن التصوير لا يمكن اعتبارها كعلاقات ثابتة تربط بين الفنون حتى نصفها بالجمال ، لأن هذه الصفات هى الهيكل الاساسى فى الاثر الفنى ، وبدونها لا يكون ، اذ لو ما الظل والضوء فى فن التصوير مثلا ، لما استطاع الفنان أن يظهر أقسام الجسم واضحة ، فهنا يكون الفنان مجبرا لاستعمال الظل والضوء فى لوحاته ومن ثم سيكون الجمال الذى يوفره فى الاجسام التى يصورها مجبرا على ايجاده أيضا ، وحسب ما سبق فى قول الفيلسوف جاريت ان الجمال مطلق لا يتقيد بشروط ، ولذلك يكون هذا القول خلفا . فهذه الصفات الفنية اذن هى من الشروط اللازمة حتى يسمى الفن فنا ، وليست من العلاقات التى تجعلها معيارا لنسب الجمال فى الفنون .

