تحدثنا فى عدد سابق ( 1 ) من مجلة الفكر الغراء عن العلاقة المشتركة بين الفنون وهى علاقة " حسية " تتركز على قوة الوجدان عند الفنان ، وما يترتب على تفاعله مع انتاجه من جمال او قبح فى اثره الفنى . وسنحاول بناء هذا البحث على ضوء تلك العلاقة التى ذكرتها فى البحث الفارط .
فما هى الاسباب التى تجعل لاثر فنى ما قوة مؤثرة ، تفوق او تقل عن تأثير فن آخر ؟ وما هى الاسباب التى توفر فى انتاج كل فنان معنى خاصا ؟
الاسباب كثيرة يضيق المجال عن ذكرها ، لكننا نخص منها :
- اتساع خيال الفنان او ضيقه ( 2 ) الذى من شأنه ان يمكنه من استحضار المحسوسات ، واستجماع ذكرياته ، وحفز دوافعه اثناء خلقه لأثره الفنى ، اذ أن هذه العوامل لها دخل كبير فى توجيه الفنان ، كما انها تعطى للانتاج المثل الاعلى الذى ينشده الفنان . وليست المثل فى ذات الاشخاص واحدة ، حتى ولو تشابهت بيئة فنان وآخر واتحدت ظروفهما ، ومن ثم يكون الاختلاف فى المعنى الفنى الذى يحاول الفنان تضمينه فى انتاجه ، وحسب نظرة الفنان للاشياء ، وحسب اعتلاج العوامل الخارجية فى داخله ، تتكون الصور الفنية فى ذهن المصور او النحات التى يحاول كلاهما ابرازها فى تمثال أو فى لوحة ، ومن هنا يكون التفاضل بين أثر وآخر . ومن هنا يأتى التجدد فى الفن - تجدد معناه مع الزمن ، وأختلاف مفهومه بأختلاف الاجيال ، وبحسب ما يتضمنه الاثر من معان انسانية : كالتعبير عن الالم والحرمان . . . تكون قيمته الفنية ، ويكون التصاقه بالجمهور ، لان ، " الفن ليس هدفه فقط ان يمتع ويسر ، ولكن هدفه
يتجدد بمقدار ما يوفر لنا المتعة والفائدة معا ، بهذا يتسامى الفن ويعظم أثره " ( 1 ) فالمصير المبهم الذى يقلق الفنان ، والخوف من المجهول ، والقيم الانسانية التى تتراوح بين السلبية والايجابية ، كل هذه العوامل اذا احتواها الأثر الفنى تعكس لنا نظرة الفنان الى مصيره الذاتى أولا ، والى مصير الآخرين ثانيا ، بآعتبارهم يشاركونه فى هذه العوامل ، وحسب انعكاس هذا المصير تزداد قيمة الاثر . يقول فرانسوا مورياك : " ان قيمة اثرما ، هى بمقدار ما ينعكس فيه مصير ما . " ومن هنا يكون تأثير الانتاج على الآخرين ، وتكون قيمته الجمالية عندهم تتناسب طردا مع قوة تأثيره ( الانتاج ) . والقيمة الجمالية تقل أو تعظم بمقدار محاكاة الاثر الفنى للواقع ، فليس الفن الذى يجارى الواقع البحث بجميل ، وان لم يخل من الروعة تماما . ويقول جاريت : " ان كل شئ فى الفنون يكون كئيبا اذا أعوزه الخيال " .
ولعل سقراط كان غير راض عن الفن الواقعى فى بلاد اليونان عندما نادى بوجوب ايجاد علاقة تربط بين الفنون حتى نصفها بالجمال - الفن الواقعى اليونانى الذى يصور الحياة اليومية ومصارعة الادميين مع الثيران . . ودور الخيال هنا اساسى لانه يزيد فى القيمة الجمالية للأثر . فكثيرا ما يلمس المرء فى الادب المجنح الخيالى جمالا ، كالذى نجده فى الاشعار والقصص والاساطير . يقول لى هنت : " الشعر تعبير عن شغف بالحق والجمال والقوة بواسطة الخيال والتصور . . . " كذلك سائر الفنون ، ومن الطبيعى أن الانسان يسأم الواقع لان ما فيه يكون مألوفا ، وألفة الشئ تقلل من جماله ، لذلك يحاول الانسان دوما تغذية حاسته الجمالية ، بالالتجاء الى الفن الذى يرسم له عالما أرحب من عالمه . يقول جاريت : " الشئ يكون جميلا اذا منحنا بصيرة خيرا من بصيرتنا تنفذ الى أعماق طبيعة الشئ ، والأشياء التى من نوعه " ٠٠٠ .
_ الجمال والصدق فى الفن والطبيعة :
يمكن أن نصف الاثر الفنى بأنه صادق اذا احدث تأثيرا فى انسان افريقيا ، كالتأثير الذى أحدثه فى انسان البيئة التونسية مثلا ، مع ثبات هذا التأثير حتى مع تغير العوامل التى خلقته ، ومن ثم تكون القيمة الجمالية فيه صادقة هى أيضا . فالجمال الصادق اذا هو الجمال الذى يدوم مع بقاء الاثر الفنى !
فحمرة الفجر ، وصفرة الاصيل ، وروعة الليل ، وجمال الربيع وكآبة الشتاء ، كلها اشياء ليست صادقة فى جمالها ، لان تأثيرها يزول بزوال
فصولها ، فالزهرة التى تينع فى الصبح وتذبل فى المساء ، والشلال الذى تنعكس عليه الوان الصيف التى سرعان ما تختفى ، هما من الاشياء التى لا يوصف جمالها بالصدق ، لكن كيف يمكن ان نصفها بالجمال مع أنها غير صادقة ؟ يجيب جاريت عن هذا بقوله : " ان هذه الاشياء عندما نصفها بالجمال لها قدر مشترك مع النقوش الجميلة والشعر الجميل "
الجمال والحق فى الفن والطبيعة
المقصود بالحق هنا هو اظهار حقيقة الشىء عارية بدون تزييف ولا التباس .
فالزهرة فى الطبيعة حقيقتها عارية ، لا تحتاج الى تأويل كاللوحة الفنية ، وذلك لانها خالية من التعقيد الذى من شأنه ان يقلل القيمة الجمالية للشئ عندنا ، ومن ثم فانها تؤثر فينا أكثر من التأثير الذى تحدثه فينا زهرة مرسومة على لوحة ، لان الزهرة الطبيعية تتضمن حقيقة جمالية بسيطة ولكنها حية . ومن هنا كلما اقترب الفن من بساطة الطبيعة أزدادت قيمته ، وتعاظم تأثيره الجمالى ومن هنا كان من الخطا أن نقارن جمال الكائن الحى بجمال الاثر الفنى مهما بلغ من الروعة ، لان الحياة التى تدب فى ذلك الكائن هى نفسها تضفى عليه جمالا بقطع النظر عن حسنه او قبحه ، وعندئذ يمكن القول بان الحقيقة الجمالية فى الكائنات هى أبلغ تعبير عن ذاتها أكثر مما هى عليه فى ميدان الفنون .
على ان ما يقلل من الصدق او الحق فى الانتاج الفنى هو التكلف والغموض الذى يعمد اليه الفنان كالذى نجده فى الفن الرمزى ، فالفن الوحشى الذى ازدهر مع بيكاسو مع ما فيه من نقمة على نظام الاقطاع والحكم الملكى هو أكثر تأثيرا من الفن الرمزى المعقد لذلك يدعو ( ريشارد ) الى وحدة الموضوع وبساطته بقوله : " ليكن الانتاج كما تشاء بشرط أن يحتوى على البساطة والوحدة " : ( 1 )
