تعليق : محمد الهادي عياد
" البحر ينشر ألواحه " هى الرواية الثانية التى كتبها الجابرى إذ سبقتها رواية " يوم من أيام زمرا " وتوسطتهما مجموعة قصصية أطلق عليها صاحبها " إنه الخريف يا حبيبى "
والدارس لهذا الثلاثى من المنشورات يستطيع ان يرسم صورة طبق الأصل للمؤلف من حيث المظهر الفيزيولوجى والآفاق الفكرية والنفسية . ذلك أن كلا من هاته المنشورات تمثل حلقة معينة من شخصية المؤلف ككل!
ففي حين أعطانا الجابرى فى روايته الأولى " يوم من أيام زمرا " الملامح الكبرى لهذه الشخصية البعيدة الأغوار ، تراه يفصل تاريخ تطوره النفسانى وتاريخ أعمار أفكاره فى حلقات متواصلة عبر أبطاله ، سواء فى مجموعته القصصية أو فى هذه الرواية الجديدة ! وبذلك كانت الرواية الأولى بمثابة ازاحة الغطاء عن مرجل ظل يغلي بكل ما فيه من مركبات وأفكار وأصالة ومحاولة انسلاخ وماض يمور تحت قدميه وتلهف للمستقبل يلهمه ، فكانت كعسلوج من الدخان نفثه صدر مهموم يريد أن يقول كل شىء ولكن لا يستطيع!..
وتظهر المجموعة القصصية واذا بصاحبنا يتنفس ، فنشعر بهذه الأصالة الرابضة على صدر صاحبنا من زمان بعيد فاذا بك تشعر بأنه أراد أن يتخلص من هذه المركبات التى كانت دوما تسد الأفق عنه بل كانت كشىء فى حنجرته يأبى أن ينزل الى أمعائه فيهضم ويرفض الاندفاع الى الفم ، فيبقى
معلقا يشوش على صاحبنا تفكيره يحاول أن يتقيأ خيال ماض بعيد لينساه ولكن حبال الذكرى تشده ، وكلما حاول ذلك قفزت اليه صورة الحوش والعائلة ، أو سالم العويب ، أو فطوم ، بل وحتى " رائحة الخزامي " ! . .
هنالك تجد الأزمات النفسانية التى قاساها صاحبنا من خلال أبطاله وما يزال ! فهي الدودة التى تنخر عظام نفس الرجل فهذا القلق الدائم وهذا الغثيان الذى يشعر به صاحبنا ، وجد منفذا له فى مجموعته القصصية " إن الخريف " وللخريف عنده وزن وأي وزن ! فهى كلمة مسمومة ، بل ملغمة سترد في روايته الجديدة أكثر شحنة ، متى يهيج البحر وينشر ألواحه ؟ إنما فى الخريف!
وهذه الرواية فى نظري هي الزفرة الثالثة التى أطلقها المؤلف وفيها يتراءى لنا بكل وضوح هذا الرجل الذى يستقبل الخريف وهو ملتفت الى الوراء ، الى الماضى ، فاذا بذلك الشىء اللاصق فى حنجرته يأبى الزوال وينغص عليه أحلى لحظات السعادة التى كان يفتكها من الحياة بعد جهاد مرير وحرمان متواصل ، وأصبحت في خياله مرادفة للرعب المقيم ويرتبط ارتباطا وثيقا بعاهة مستديمة ثوت دون علاج " القرية وأهله " - وتسأله تلميذة عن الفرق بين المدينة والقرية فيصعق ولا يجيب ! " نبع من الحنين العاصف انفطر كشريان الدم على قلبه ، عاد الى الكرسي ووضع كفه للحظات على جبينه يعتصره كمن يمسك بكرة توشك أن تطير الى الفضاء ثم قال للتلميذة وقد ظهر الاضطراب جليا على ملامحه : من الأفضل أن تسألى أستاذ الجغرافيا ! " .
لم يستطع صاحبنا الصمود والمواجهة انما انها فجأة ! لأن هذه العلة المزمنة المؤلمة هي التى تمزقه بل هي التى سببت له مأساة تغلغلت عروقها في كامل جسده ، فكم حاول النسيان والبعد فهي تلاحقه فى لحظات سعادته وفي الخارج بل حتى فى قعر كأس الخمر الذى يريد ان يتسلى به وأن يتبدل إلى شخص آخر ، ولا يجد صاحبنا من سلاح إلا الانهيار لأن ذلك الشىء الذي فى حلقه ينتفخ ويسد عليه نفسه فينهار . " لكنه فى لحظات الاندماج الكلى كان يرى نفسه واهيا كخيط العنكبوت . . . "
ذات يوم وهو في الحانة قابلة أحد معارفه من سكان القرية أنبأه بأن حوشهم يتهدم . . . رفع اليه عينين مليئتين بالتوبة والذنب وقد صكت أذنه فجأة وصية والده يوم ودعه أول وداع الى الحافلة قائلا : ( أعلم أنك سوف
تذهب الى هناك ولكنك لا بد أن تعود الى هنا آخر الأمر ( ، ولم يقل شيئا للرجل ولكنه لم يجد الشجاعة الكافية فاستعاض عن ذلك بتغيير مجرى الحديث . . . أحس أنه يختنق فحل ربطة العنق وياقة القميص . . . " هذا الانهيار وهذا التمزق هو الذي جعل دربال لا يعرف طريقه ويتيه فى خضم الحياة!.. سافر الى الخارج عله يسترجع توازنه الذى فقده ويعود بعد سنين فاذا المأساة تتعقد اذ كان يشعر بأن فى جسمه : " خليتين سرطانيتين تستعصيان فى نفسه على العلاج الباتر : قريته وحبيبة " وما حبيبة هنا إلا الجاذبية عينها التى تشده الى المدينة !
ويبلغ هذا الانهيار أوجه فى آخر فصل من الكتاب عندما يرتبك صاحبنا أمام الشرطى ويحاول تضليله ولكن قلبه لم يستطع الصمود ، فاذا به يعتذر للشرطى عن الخطأ الذى أوقعه فيه فقال له : " أقيم الآن بعمدون " ولعل الشرطى هنا لا يرمز الا لهذه الأصالة التى تيقظت فجأة لتكون قوة تصرع صاحبنا فيغير وجهته عن المدينة الى عمدون وهكذا تكون آخر كلمة فى الكتاب هي " عمدون " وهي يقظة ضمير ، فهي رمز للأصالة التى غلبت التأصل . . .
هذه إذن باختصار مأساة الجابرى فى ثالوثه ، وهي أجل وأوضح فى البحر ينشر ألواحه " ولعل هذا البحر ليس الا قلب المؤلف الزاخر وبركان نفسه الثائر!...
وما الألواح التى ينشرها البحر سوى أفكار صاحبنا التى ينتزعها من لا شعوره فى غمرة صراع نفسانى يشبه الى حد بعيد غمرة أمواج البحر فى " الخريف " ! . .
وما دربال الا رمز لعدم الاستقرار هذا وللاضطراب النفسانى الذى يعانيه المؤلف كما توحى لنا بذلك الكلمة نفسها ، فالكلمة رياضية وتفيد المراوغة والتضليل ! وصاحبنا يحاول أن يراوغ نفسه وان يضللها عن هذا الماضى الذى يلاحقه ! فهو اذن صراع بين الأصالة والانصهار !
وليس دربال هو الوحيد الذى يجسم فكرة أو صراعا فى هذا الكتاب بل إن كل أبطاله أفكار ومآس تتحرك على رقعة شطرنج كبيرة اسمها الحياة !...
فكل بطل يجسم فكرة وهذه الفكرة تبدو لك فى ملامح هذا البطل التى اعتنى الجابري بتدقيقها حتى ليخيل اليك أنك تشاهد الموصوف هذا وتتحدث اليه ! فهو يجعل المظهر الخارجي لبطله يدل على باطنه ، فأبطاله " سيماهم على وجوههم " ! . .
وخذ على سبيل المثال وصف المدير فى ص 174 .
واليك وصف نادل المطعم : " كان يبدو قصير القامة ، وفي لحظات عندما تختفي الابتسامة وقلما كانت تفعل كان وجهه النحيف الغائر ينطوى على مظاهر شتى من العراقة والوقار تبرز فى التجاعيد التى تملأ أخاديد وجهه وفكيه الغائرين الخ . . . ص 9 " .
بل إن صاحبنا لشدة ما يحرص على وصف المشاهد بدقة ينسيك نفسك ويحلق بك فى اجواء رومنطيقية أحيانا ويحملك أحيانا اخرى ويجعلك تشم العطور وتتذوق الطعام الخ . . .
هذا هو كتاب الجابرى على عجالة وهو ، حسب رأيي ، رواية مفتوحة ، فهي تحتاج الى حلقة أخرى لأن الرواية نفسها تنبئنا بأنها ناقصة وبأن المأساة لم تنته بعد !
رحاؤنا ألا يبخل علينا الجابرى بهذه الحلقة الأخرى التى ستعزز دون شك رصيده الأدبي ورصيد الأدب التونسي خاصة والعربى عامة .

