الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

البدلة... ، قصة : التابعي الأخضر

Share

كان يمر قصدا من هناك . ليتوقف طويلا أمام الواجهة البلورية . فقد  الزم نفسه بهذا المرور والتوقف فكانه يؤدى مفروضا . يقف امام الواجهة ينظر بتغزل لتلك البدلة المعروضة في تغنج مباح .

كانت البدلة من النوع الرفيع حقا فحتى الازرار من نوع ممتاز . واذن  المنديل الابيض التي تطل من جيب الصدارة هي أيضا تمثل نوعا من الاغراء  المحبب الى النفس وقد ألصقت بذلك الجيب صورة مرصعة بالالوان يقف   عليها في خيلاء ديك ركز رجلا ورفع الأخرى فكأنه يسير واثقا الى  موعد جمال . كان يقف هناك ليعانق نظره البدلة . فيتقمصها  في باطنه وهو يسير متبرجا في ازقة القرية وأعين الفلاحين تلاحقه والسنتهم  تتقول فيمر كل كلام حسن وثناء رفيع فى ظنه حتى الشارة سوف يقولون  عنها انها من تلك التي يضعها اصحاب الرتب ممن يحكمون الناس . فما  اسعد ان يرى الانسان امانية مجسمه وقريبة منه . فقط يجب حذق السبل  لتناولها . كان يسير في زحمة الشارع ويظن نفسه وحيدا مع افكاره . فغدا  سوف يقتحم المغازة ويسأل عن ثمنها . وليكن .. فسوف احصل عليها وادفع ثمنها مهما كان مرتفعا .

ها هي تتجول في قريته بكل هذا الوقار . ترفع من قدره في أعين اهليها  سينتسب بها أعلى المراكز . ولن يكون كما هو عامل بناء في حضيرة ينزف  العرق ويتعامل مع الشقاء والاخطار . فحياته يتوعدها الموت على كل هفوة  خاطئة. وسوف يمر أمام كل نساء القرية وفتياتها وقد جمعهن عرس ابن عمته . وسيقولون عنه انه صار شيئا مرئيا .

وافاق على صدمة تلقاها من عابر سبيل - لعله يساير افکار کالتی راودته وقد تكون في الجانب الآخر يعتمها الظلام . - الاعمى انت ؟ أفلا تبصر حتى الاشياء البارزة ؟ - عفوا فقد كنت في غيبوبة....... وقاطعه الرجل : - تعلم المشي وانت في حالة صحو . واذا استعصى عليك السير في المدينة فلماذا التهجم ؟ عد من حيث أتيت وحيث تعرف الطرقات اقدامك !.

- معك حق . فواجبنا ان نفعل ذلك لنؤمن سير الناس وسلامتهم . كان  البيت الذي ياويه رفقة تربه و ابن قريته غرفة في الطابق الذي تحت السماء  مباشرة . هجرها اهلها واهملوها لبعدها عن الارض . ولذلك يجد نفسه اذا  وصلها في حاجة الى الراحة يسترد فيها انفاسه .. فما ان دخل يلهث .  ووجهه تغطيه الالوان . الزرقاء ، والصفراء ، ثم الابيضاض وضع الخبزة وقت  السجق حتى تمدد فوق ارضيتها كعادته . ثم شرعا في اعداد العشاء.

كان التنور يشخر . وطقطقة الزيت ودخانه يتصاعد من القدر . امتدت يد  عثمان بالسكين تعمل في البصل وقد فاحت روائحه فادمعت عينيه فمن يراه  يحسب انه يبكى بلوعة . وما أن انتهى حتى مسح بكمه على عينيه التي ما زال  یراودهما الدمع وسأله رفيقه الذي كان منهمكا في معالجة السجق .

- هل رأيتها اليوم ؟ - طبعا نعم . فانا لا اقدر ان امر عليها دون الوقوف والنظر اليها.  - ولكنك لم تحدثني يوما عما يدور بينكما.  - ما يدور بيننا لن يفهمه غيرى . ويا ليتها كانت تفهم اذن ! وانت هل رايتها اليوم.  - لقد كانت رائعة ليلة الامس . فقد فتحت لى باب مشاعرها مما يجعل كل امل مهما كان كبيرا سهل الا جتياز.  - هنيئا لك . ولكنى ) احسدك على صبرك . تقف الساعات الطويلة كل ليلة.  تتحدث اليها . فماذا يبقى لك ان تقول فى غد والذى يليه ؟ - كما تتحدث بانت الى صاحبتك . وانه لحديث الحب .

- مع صاحبتي انا حكاية أخرى . انه غزل العيون . فحديثي الى الآن لم يتجاوز نفسي . - حديث الحب يا صديقى لا ينتهى لانه كخيوط الشمس . لن تقدر على الامساك بها ولا احصائها . واذا ما انتهى الحديث فقد مات الحب . - يا ليتني أقدر على التحدث اليها يوما وفي المكان الذي أريد !  وانحنى على حقيبة يخرج منها ملابس قديمة يتثبت منها ويتفحصها ثم  يقتطع من أحدها خرقة يمررها على عينيه ووجهه ثم يمسح بها يديه . وما يزال الدمع من عينيه يتقاطر.

كانا متمددين في وضع متقابل على ما تعمدا تسميته فراشا صامتين فقد  ارهقتهما السباحة في بحيرات المستقبل . ووعورة الخوض في أوحال حاضرهما  فاستسلم كل منهما يعالج احلام اليقظة فعلى هدهدتها ينامان . وسمعا  خشخشة تعوداها ويعرفان مصدرها قال عثمان : سأخصص يوم عمل مجانا  من اجل الفتك بهذه العائلة الفئرانية . والا فستجور علينا وتقتحم اجسامنا في  ليلة ما ! انه لعجب أن تلجأ الى غرفة ليس فيها غير غلب الكرتون والاسمال  افما كان اجدى لها ان تسكن تلك البيوتات التي يرمى اهلها الاقوات الشهية في الفواضل .

- ارجوك لا تفعل - قال صديقه واردف : فمن يجير الفقير غير الفقير . - وضحك حتى ردد البيت الصدى - صدقني يا عثمان يا اخي انى ازعم لدى اهل خطيبتى ان لى عائلة وبيتا وانما اقصد عائلة الفئران . وحتى لو اقسمت على ذلك اكون من الصادقين وضحك عثمان يظنها نكتة ودعابة عرف بها صديقه .

- يلزمك بدلة لكبيرها يوم خطوبتك وانت تقدم اباك الفأر للاصهار .  وضحكا معا وبعدها لم يعد يسمع غير الشخير المتقطع . ظل عثمان يتململ  على فراشه يحاول مغالبة النوم حتى يتمكن من متابعة احلامه التي يصنعها  بارادته . فقد جرته الى الواجهة التي تتجلى فيها البدلة يداعبها بنظره . ترى  كم ثمنها ؟. لدى الآن كذا دينارا ...، ساقتطع من قوتي . وثمن السجاير  والقهوة ثم ماذا؟، لا هذا حساب خاطىء سوف احسب بالزمن. فاضرب الشهور  الفاصلة لعرس ابن عمتى في حصيلة ما اتقاضى . ما قيمة الشهر من الحرمان  المؤكد في سبيل العودة الى القرية بهيئة المحترمين . وها انا اعيش الحرمان

المشاع . وما سمعنا ان احدا مات بهذا الداء . سوف اتحصن بالشجاعة وغدا  اقتحم حصنها وادفع لصاحبها مسبق الثمن ليكون كالعربون ليبقى عليها ففى  الناس عيون وفي جيوبهم النقود وبعدها لم يعد يسمع غير شخير متناوب .

عاد عثمان لتوه من العمل . وليس في نيته ان يأكل شيئا . بدليل انه عاد  وليس في يده الخبز . يكفيه الليلة انه عاد باجرته وانه سيجرى المعادلة .  اغلق الباب باحكام وادخل يده يتحسس ما تحت الفراش .. ثم كرر التحسس  فلعل بعض الاوراق والدنانير النحاسية حثلت . وشرع يحصيها عدا ثم ضمها  بعناية وحذر الى جيب داخلى يفضى مباشرة الى صدره . وقام يترنح وهو يكاد  يرقص غدا اضمك ايتها العصية فابتك كل اشواقى واسمعك حلو العتاب .  ونظر الى كل ارجاء الغرفة يبحث عن مكان لائق تتصدره . واوعزت له نفسه  بتنظيف الغرفة وابعاد هاته الاشياء الحقيرة . المشبوه في انتسابها الى الحقارة  وشرع من حينه في العمل . وحين شرع فى ازالة الركام التي تصدر عنه خشخشة الفيران تكلم بصوت مسموع :

:والآن حان وقت التنفيذ يا عائلة رفيقي المحترمة . لسوف ارمى بك الى  الشارع فقط . ولن يصيبك منى سوء . وكان بودي ان لا افعل ذلك ولكن  ما الحيلة وفي طبيعتك الافساد . فمن يضمن لى انك لن تقرضى باسنانك الخبيثة  البدلة ، فتاتين على الامل والجهد ۰۰۰.، ولما طرق رفيقه الباب وفتحه له وجد وجه الغرفة قد تغير حتى تطرقه الشك فبادر بالسؤال : لقد قمت بمجهود  اضافي فحسنت صورة البيت وكدت لا اعرفه . واجاب معتذرا :

- عفوك ان كنت ازعجت عائلتك الفئرانية . ويسعدنى انها كانت غائبة فما وقعت على جزء منها . وضحك رفيقه : وقال مداعبا : لقد تحققت انك مجنون فقط . كيف صدقت دعابة عابثة وادخلتها في اعتقادك ! - لم يكن امامي الا ان اصدقك وبعضهم يؤمن باشياء اتفه من الذي قلت وتحول الكلام الى جد . فقد قال البشير الرفيق : - لقد اتفقت معها على ان اتقدم لخطبتها رسميا ليلة الغد .  - لك الله يا صدیقی . اترى ما هو وقع الخبر على اهلك وامك بالذات . قال ذلك وضرب بيديه على ركبتيه . واجاب الآخر :

- لقد حررت نفسي ونفضت كل غبار علق بي من القرية . - لا اظنك تقصد ما تقول - رد صديقه - واردف فالقرية تبقى فى اعماقنا حتى لو حولنا انفسنا بكلها الى المدينة .

واستمعا بعد ذلك الى الراديو . واستمعا الى بعضهما . ثم ركنا الى الصمت  وقد غشيهما النوم فلم يعد يسمع غير شخير متناوب.  لما عاد البشير من العمل لاحظ ان الحائط المواجه مكسو بالورق الازرق  وعليه شيء بارز وجذب انتباهه لافتة جاء فيها : يمنع التدخين . واشعال التنور . وكل مادة تحمل اوساخا واتربة . الامضاء : عثمان .

ابتسم بشير وقام يبحث هذا الشيء الذي من أجله سنت هذه المحظورات  كانت بدلة من النوع المتوسط - ملفوفة بعناية فائقة . لمسها بنظره . ثم  بيديه . وفاجاه السرور . وحدث نفسه : لقد يسر لى المهمة سوف اذهب بها  معتزا الى موعدى الليلة الى بيت اهل الخطيبة فقد ارتفع فى اعينهم الى اعلى مما  انا عليه الآن . واخذ يقلب البدلة باعجاب

كان عثمان وهو يعمل منتقلا بين السلالم ، لم يشعر بالتعب الذي كان  ينتابه في مثل هذا الوقت . وكان يعمل بجسده فقط . وعقله هناك في القرية  كيف سيقتبله الاهل ؟ وكيف يراه الناس ؟ فيسلمون عليه باحترام . يعد  الاجوبة لاسئلة الفضوليين . يتمرن على الابتسامة المتعالية . والحركات الرصينة  و قامت امامه المشكلة . فهل يذلها في ذلك المقهى الحقير . فيجلس بها على ( الحصر) العفنة ! وتلك الالواح التي تبرز منها المسامير . لو كانت بيده نقود  لما قضى وقته في غير النزل الفاخر الذى يسود القرية .. ليت النقود متوفرة  ورفع رجله ليتحول فلم تقع حيث اراد هو فكان ان زلت . فلم يشعر الا وهو  يهوي ومن ابعد طابق ...... وان صديقه لينتظر رفيقه وقد تأخر عن عادته  في العودة . وها ان الوقت حان والموعد يزاحمه . وظل قلقا ينظر الى الباب  تارة واخرى الى البدلة . وفكره يتأرجح . هل يلبسها هل ينتظر رفيقه  ليستأذنه . واخيرا قرر ان يتصرف فليس في الوقت متسع . واهل الخطيبة  لا يستسيغون التاخير .

اشترك في نشرتنا البريدية