اخذ يتحول في شارع "الوزير " فى الحى التجارى بمدينة الرياض ، يتأمل البضائع المعروضة فى واجهات المتاجر البلورية المتراصة . وشاهد فى احدى الواجهات تشكيلة من البدلات الصيفية الخفيفة فتسمر أمامها متأملا .
وشعر بشاب يقف بجواره ، فالتفت نحوه ، فابتسم اليه الشاب ، وقال له :
- تفضل , وأشار الى باب المتجر . لم لا يدخل المتجر ، ويفحص البدلات ، فان أعجبته واحدة اشتراها ، فهو بحاجة ماسة الى بدلة خفيفة ؟
- أريد بدلة صيفية خفيفة . -البدلات التى نعرضها كلها صيفية خفيفة . عندنا بدلات من بريطانيا ، ومن فرنسا ... - أفضل بدلة ايطالية .
قاده الشاب الى جناح في المتجر علقت على مشاجبه الثابتة تشكيلة من البدلات ؛ وقال وهو يضع يده على حافة المشجب : - كل ما تراه معلق هنا مستورد من ايطاليا .
تاهت عيناه فى تأمل البدلات ، فانتزع الشاب بدلة انيقة رمادية وعرضها عليه قائلا :
- هذه في رأيي أجمل بدلة فى هذه التشكيلات , تأمل البدلة ، وقلبها بين يديه ,,فقال له الشاب مشجعا : - تفضل جربها . فلعلها تكون فى مقامك ,
خلع سترته فتسلمها الشاب ، ووضها جانبا . ونأوله سترة البدلة الجديدة فارتداها ,, - الله ! انها لائقة عليك تماما ,, خذ جرب السروال ,, المقصورة هناك يا سيدى فى الزاوية المواجهة لك ,,
أخذ السروال وغاب به فى المقصورة , انها بدلة انيقة ، ولائقة عليه تماما ,, ولكن ، لم العجلة ؟ .
لماذا لا يقتني البدلة من روما . فهناك على الاقل تتوفر لديه فرصة اختيار أكبر مما تتوفر فى مغازات الرياض ؟ لقد تأمل - بما فيه الكفاية - جل البدلات الصيفية المعروضة فى معظم المغازات ,, اعجبه البعض منها ، لكن لم يستتأثر هذا البعض باهتمامه ، ولم يرتح له كثيرا .
أين الشاب ؟ ! بحث بعينيه فى أرجاء المحل عن الشاب ، فلم ير غير كهل يقف بجوار صندوق النقود وراء الخوان ؛ وشعر به الكهل ، فخف اليه ، فناوله السروال والسترة ,,
سأله الكهل : - هل أعجبتك البدلة ، ووجدتها فى مقامك ؟ - انها أنيقة ، وخفيفة ,, قد أعود لشرائها ,, وارتدى سترته ، وحيا الكهل وخرج ,
وعلى باب المتجر ، وضع يده فوق الجانب الايمن من السترة يتحسس المحفظة فى حيبه الداخلى ، ولم يبتعد كثيرا ، فادخل يده فى جيبه ، وأخرج المحفظة ، وفتحها تماما ، كما هى , ولعن الشيطان الذي وسوس له ظن السوء بالشاب ,
- المطار ! كان الرجل يزعق فى الناس ، وهو يشرئب برأسه من نافذة "الباص " , يحسن به ان يعود الى فندقه القريب من المطار ، حتى يحزم أمتعته ، ويتهيأ للسفر الى بلاده عن طريق روما . وولج الباص ، وارتمي على أحد المقاعد .
روما ! لكم هي جميلة وفاتنة ! الحياة تخفق فيها كدقات القلب . فى كل دقة جمال يومض كالبرق ، ويتراقص بين الاجفان .
" كل الطرق تؤدى الى روما " . وليست الطرق غير هذه الشقراء ، وهذه ,, انها ارصفة من الحسن الباهر المبعثر كالنجوم في مجرة " التبان " أين يسكن " البرتو مورافيا " ؟ . هل يلتقط قصصه من خفقان الفساتين؟ ام يتسلل تحت الاضواء الحمراء الشاحبة ليختلسها من المخادع ؟ .
- تفضل . قال ذلك شاب ايطالي انيق يقف بجوار واجهة المغازة البلورية التى تسمر امامها يتفرج على تشكيلة من البدلات الصيفية الانيقة , ودخل ، فرافقه الشاب الى جناح يحفل بالبدلات المعلقة على مرافع دوارة . واخذ يستعرض انماطا من البدل الصيفية الانيقة وانتزع احداها ، وعرضها عليه قائلا : - هذه أفضل بكثير .
لكم تشبه البدلة التى استهوته فى الرياض وهم بشرائها ! وأخذها من الشاب ، وقلبها بين يديه ، وتأملها مليا ..أخت البدلة التى جربها فى الرياض . نفس اللون والطراز ، والمقاس .. سيشتريها ، ليتذكر بها الرياض .
قال له الشاب مشجعا : - تستطيع تجربتها يا سيدى . ونزع الشاب السترة وقدمها اليه ؛ فخلع سترته ، فتسلمها منه الشاب ووضعها جانبا . - السترة لائقة عليك تماما ، وكثيرا . خذ السروال وجربه .. المقصورة من هنا ، يا سيدى . وقاده الشاب الى المقصورة ، فدخلها ، فوارب عليه الباب .
انها فعلا أنيقة ، وخفيفة ، ومريحة . لكن ، السروال يبدو طويلا قليلا . سيطلب من الشاب تقليص بعض السنتيمتمترات منها . وفتح الباب ، وأطل.. أين الشاب ليطلعه على ما يجب تقليصه ، ولما لم يره ، واستبطا مجيئه خلع السوال ، وأعاد لبس سرواله ، وخرج من المقصورة .
أين الشاب ؟ ! وبحث بعينيه عن الشاب فى ارجاء المتجر ، ثم عبر جناح البدلات الى مدخل الدكان ، فرأى شيخا أشيب يقف بجوار صندوق النقود وراء الخوان .
وخف اليه العجوز مبتسما . - أتريدها ؟ - نعم ، لكن يجب التنقيص قليلا من السروال , - دعنى أحدد مقدار ما ترغب فى تنقيصه . وأشار الشيخ الى المقصورة طالبا منه ان يتقدمه اليها ..وانتظر الشيخ حتى فتح الباب حين انتهى من ارتداء السروال ، ثم دخل ، وانحنى ليقيس ، ويحدد بالابر المقدار الفائض , - هكذا أفضل ,, - نعم .
وانسحب الشيخ من المقصورة ، فخلع السروال ، وارتدى بدلته ، وخرج حاملا السروال ، ومده للعجوز ... وافتقد سترته ، وبحث عنها حوالى المقصورة ، فرآها ملقاة على أحد المشاجب عرضا ، فأخذها ولبسها ، ولحق بالعجوز ,,
ابتسم العجوز ، وقال له فى مجاملة : - تقديرا لزيارتك الاولى التى شرفت بها المتجر ، ساخفض لك من ثمن البدلة مائة ليرة ,,وسأسلمك ايصالا بالمبلغ لكى تمر فى المساء ، فتجد السروال جاهزا .
- شكرا ك . ادخل يده فى جيب سترته الداخلى ليخرج حافظة نقوده ، فتسمرت يده ثقلت وارتكض قلبه ، وارتج ذهنه فأخرج يده ، وادخلها بسرعة و اضطراب فى جميع حبوب سترته وسرواله : باحثا ، ومفتشا . . انه واثق من أنه تفقد محفظته حين هم بالخروج من الفندق ليطمئن على انه أخذها معه تلمسها ، فوجدها فى مكانها من جيب سترته الداخلى .,
عجبا ! أين هي ؟ ! لاحظ الشيخ حركته واضطرابه ، فسأله باسما : - مالك يا سيدى ، أنسيت أن تحضر معك محفظتك ؟ تجاهل الرد عن الشيخ ، ثم سأله فى جزع ولهفة : - أين ذلك الشاب ؟ .
لقد انصرف ذهنه بسرعة اليه هو ، هو الذي فعلها .. لم يحم حوله احد غيره ، منذ بارح الفندق .. رد العجوز فى حيرة ، وقد ارتفع حاجباه الاشيبان : - اى شاب تقصد ، يا سيدى ؟ - مستخدمك الذي استقبلنى ، وأدخلني المتجر . أجاب الشيخ بلهجة حازمة
- أنا لا استخدم أى شاب ، يا سيدى . أنا اعمل وحدى بالمتجر وأضاف الشيخ ، وهو يقرب وجهه منه : - أحيانا .. تأتي ابنتى فى المساء لتعيننى ، إذا لم تكن متعبة من الدروس انها طالبة تدرس الطب .. قال وكأنه يحاول اقناع الشيخ ثانية :
- ولكن ذلك الشاب يا سيدى استقبلنى امام متجرك ، وعرض على الدخول ، وقادني إلى ذلك الجناح ، وقدم لى بدلة ، وطلب مني تجربتها ، وأدخلني تلك المقصورة ,, ألم تلاحظ ذلك ؟ أومأ الشيخ برأسه وقال :
- بلى ، رأيتك تدخل معه ، فظننته مرافقك . صاح ملتاعا : - مرافقي ! أنا لا اعرفه ، ولم يسبق لى ان رأيته البتة الا أمام المتجر . حسبته .. بل أوهمني بأنه صاحب المغازة، أو مستخدما بها .
وأضاف ، وهو يخبط راحتيه فى غيظ وألم : - لقد سرق حافظة نقودى , صرف العجوز بأسنانة ، وبان عليه التوجع ، وقال ساخطا : - النذل ! لقد خدعك النذل !
وهم بالخروج على الاثر ليلحق بالشاب ، او ليبحث عنه ، فأشار اليه الشيخ بالتمهل ، قائلا : - لا شك في أنه لاذ بالفرار ، وابتعد عن هذا النهج .. لن تدركه ! .
قال فى التياع وقد اسقط في يده : - هو ما قلت . يا له من نذل ! إغتنم فرصة دخولى المقصورة ، واختلس حافظة نقودى وهرب . رفع الشيخ حاجبيه ، وقال ليبصره بعدم جدوى مطاردة الشاب :
- بينك وبين دخولك المقصورة وخروجه من المتجر ما يزيد عن النصف ساعة ، وهو وقت مديد يمكنه من الافلات والهروب بعيدا عن هذا الحي , هذا اذا لم يكن قد ركب " الميترو " الى احدى الضواحى ,
جمد ملتاعا ، وقد أيبسته الخديعة ، فقال له الشيخ : - ليس أمامك من وسيلة الا الشكوى للبوليس , قال فى قهر : - ولكنى لا اعرف حتى اسمه ,
- تستطيع وصفه لهم . تعلق كالغريق باقتراح الشيخ ، وسأل العجوز فى لهفة : - هل من الممكن ان يهتدى اليه رجال البوليس ؟ جمدت سحنة الرجل ، ورد فى بطء :
- من الممكن اذا جدوا في البحث عنه ، ولكن ذلك لا يتم بسرعة . أظلمت الدنيا فى عينيه ، وتحامل على نفسه ، وخرج من المتجر يجر قدمية جرا ، وهو يكلم نفسه فى قنوط وغيظ : - ما أبعد الرياض عن روما ! هناك الله حاضر في الاذهان فى كل زمان وهنا حتى البوليس غائب عن الناس فى كل مكان وزمان . !
