الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

البرجمنركية او الانركية الهادفة *

Share

ليس بين الكتاب المذكورين فى هذا الفصل عالم نفسانى مختص لم ينعته تحليل " ماكس ستيرنر " الاصيل العميق عن " الانا ego " بأنه نفسانى ( ويمكن ان يكون " فرويد Freud مدينا بشئ له ( فموضوعه عن " الانا وما عنده   Der Einzige (27) " The Ego and his own round sein Eingentum " هو عمل ذو اصالة وقوة . لقد خاف " ماركس " من تأثير هذا الكتاب على مركزه فكرس مئات الصفحات لدحضه فى كتابته عن " الايدلوجية الالمانية " . وكان هجوم ماركس فعالا بحيث ان كتاب " ستيرنر " اهمل ظلما بعد ذلك ما عدا فى المانيا ( على هامش الدراسات الماركسية وفى فرنسا حيث كرس له " فيكتور باش " Victor Basch دراسة شاملة واخيرا اعترف بقيمته " البرت كامو Albert Camus "

فى كتابه " الانسان الثائر L' homme revolte " (28) . لقد هاجم " ستيرنر " جميع المفاهيم والمثاليات والنظريات وبدون استثناء كل ما يدعو الى اخضاع ارادة الفرد . والدولة بالطبع هى فوق الكل لان لانه مهما كان دستورها فهى دائما طاغية ، بل ان اكثرها طغيانا تلك التى تستولى على

السلطة باسم " الشعب " فحتى الحرية مجرد وهم . " من هو ذلك الذى سيتحرر ؟ " يتساءل " ستينر " انت ، انا ، نحن . نتحرر من ماذا ؟ من اى شئ هو ليس انت ، ليس انا ، وليس نحن . . . وماذا يتبقى بعد ان اكون تحررت من كل شىء هو ليس انا ؟ انه " انا " ولا شئ سوى " انا " . ولكن الحرية ليس لديها شىء تعطيه لهذا " الأنا " ذاته . فلماذا لا تنادى بهويتك الخاصة دون كل هذا الجهد ؟ " الحرية " توقظ فقط هياجك ضد اى شىء هو ليس " انت " اما " الانانية Egoism " فتدعوك لتفرح بذاتك ،

للمتعة الذاتية . " الحرية " كما هى وكما ستبقى حنين ، ونحيب خيالى ، وامل مسيحي لكل ما هو ليس دنيوى وللمستقبل ، اما " الذاتية Ownness " فهى شىء حقيقى تزيل بذاتها الكثير من عدم الحرية مثلما تضع حاجزا امام طريقك عند ما تريد منع نفسك . كل ما لا يزعجك لا تود رفضه ، وعند ما يبدأ بازعاجك ، انت تعرف لماذا " يجب عليك اطاعة نفسك لا الناس ! "

ومرة اخرى نرى الواقعية المعاكسة للمثالية هى القاعدة الاساسية فى الانركية . فهجوم " ستيرنر " العنيف القاسى على الدولة ( واصل هجوم نيتشة المشابه ) يحركه هذا الاحساس العميق بانها تقيم وتشرع مفهوما خرافيا يحرم الانسان من " فرديته Uniqueness " ومن نفسه بالذات .

" ما نسميه دولة ليس الا نسيجا متشابكا من المصالح المشتركة قوامه الالتحام والتبعية ، انه تجمع تبعى ، وتماسك تجمعى فيه تناسق بين هؤلاء الذين تجمعوا معا ، او باختصار بينهم تبعية متبادلة لان هذا هو نظام التبعية . . . والدولة تقصد عرقلة كل جهد حر عن طريق رقابتها واشرافها ، وبوليسها وتمعن فى هذه العرقلة كواجب عليها لانه فى الحقيقة واجب المحافظة على الذات ، تريد الدولة ان تصنع من الرجل شيئا ما ولذلك لا يعيش فيها الا الرجال المصنوعون ، وكل شخص يريد ان يكون نفسه ذاتها هو معارض لها " . . .

وما تبقى عند " ستيرنر " من تأكيد على الذاتية ومن معارضة عنيدة للدولة بكل مظاهرها الاجتماعية الكابحة هو الان من مزايا البرجوازى الصالح . اما الانركى الحديث فيميل الى تجاهل الدولة باعتبارها خطأ تاريخيا anachronism وانها مهما كانت قوية ودخيله فأن مصيرها المحتمل ليس الا الزوال بل التحول الى اداة واضحة للطغيان لا تقاوم . ومن هنا فهى ليست جديرة بالمناقشة . فرجال الدولة الازليون ، وخبراء العلم والاقتصاد المحترفون ، وارباب السياسة سيتابعون اسنادها ومد نفوذها ،

اما من ناحية الشعب عامة فالدولة هى الان ممقوتة عالميا ونحن فى نظرها مجرمون عصاة ، متجنبو خرائب ، منحرفون او مواطنون اغبياء تعمل على حشرنا فى فئات اجتماعية او مراكز اصلاح - مجموعات سكنية للبلديات ، مدارس شاملة ، مستوصفات ، فيالق دفاع ، فيالق سلم وتجمعات من كل شكل ولون . ومقابل هذا المفهوم للانسان ظهر ( او بالاحرى انتعش من

جديد لكونه قديم الظهور فى الشرق الاقصى ) المبدأ الذى يعتبر ان الانسان كفرد يصبح كلا او حتى " شبه الاه " بالانفصال التلقائى عن النفسية الجماعية .

ان ادب علم النفس الفردى حافل الان وليس فى اى منه ابتداء من  فرويد "  Freud      و ادلر " Adler   الى " جانغ " Jung "بييجت " Piaget   " رانك " Rank    ، " برو " Burrow

و " فروم Fromm " ما يمكن اهماله اذا اردنا التوصل الى تقييم مداه وادعاءاته الشفائية او مدى تأثيره . وسنكون بلا هدف اذا بحثنا هنا المظاهر العلاجية لعلم النفس الفردى بل الانسب هو رصف النفسية الشخصية بالنسبة للنفسية الجماعية والتمييز الذي يجريه " جانغ " خاصة بين غرائز " الانا " غير المتنوعة والشخصية التامة او " الذات " . وللتبسيط ساخذ وصف " حانغ " لعملية " التفرد " individution التى هى جزء من علم النفس الفردى المتلائم اكثر مع الفلسفة الانركية .

وقف الفرد بالطبع دائما معارضا للجماعة - جماعة العائلة ، جماعة البيئة ، القبيلة والامة وجميع علماء النفس متفقون ان معظم مشاكل الفرد ان لم نقل كلها ناتجة عن عدم انسجامه مع هذه او تلك من الجماعات . والعلاج النفسانى تركز كثيرا على الاساليب الفنية للتوفيق .

ويؤدى التطرف فى عدم الانسجام - من جهة - الى الابتعاد والنرجسية Narcissism ويؤدى - فى الجهة المعاكسة - الى فقدان الهوية والاندماج فى اشكال مختلفة من الهستيريا الجماعية والحل المثالى المنشود ليس تاما كايجاد توازن عسير بين هذين الاتجاهين او مثل ادماجنا وحدة منفصلة لا تتجزأ او " كلا " فى الاسس التربوية الثابتة والنشاط الخلاق .

يعتبر " جانغ " احسن مرشد لهذه الحالة لان معرفته اكثر اصطفاء وعرضه احسن شرحا وتفصيلا . وقبول نظرية اللاشعور ( وهي الاساس لعلم النفس التحليلى وممارسته ) ضرورى بالطبع والادلة على اللاشعور واضحة جدا فى ( الاحلام مثلا ) واصبحت منذ زمن طويل افتراضا مشتركا بين جميع الديانات والفلسفات بحيث اننا لا نهتم بأولائك الذين يناقضون حقائقها من السلوكين او الآليين القلائل امثال " ه . ج . ايسنك Eysenck H.J. "

و اعتقد أنه من الممكن بيان ان ما يدعونه ليس الا وصفا لظاهرة واحدة بلغة مختلفة . كتب " جانغ " الكثير ( ولو بدون تماسك احيانا ) من الاوصاف الحالة " التفرد " . والنص الآتى مهما كان طويلا الا انه الاقصر والمناسب ( 29 ) :

" لتنمية الشخصية اذن يكون من الضرورة المطلقة تمييزها الصارم عن النفسية الجماعية لان التمييز الجزئى او المشوه يؤدى الى اذابة الفرد بالمجموع . ويوجد الآن خطر يتمثل فى الخوف من أن يؤدى تحليل اللاشعور الجماعى والنفسية الشخصية الى خلطهما مما ينتج عنه عواقب وخيمة . هذه النتائج تضر كثيرا بشعور الحياة لدى المريض المعنى وبمن حوله من الناس لاسيما اذا كان له اى تأثير على بيئته . فمن خلال اقحام ذاتيته بالنفسية الجماعية سوف يحاول بلا هوادة املاء مطالبه اللاشعورية على الآخرين لان الاندماج بالهوية الجماعية يجر وراءه الشعور بالصلاحية العالمية - " تشبها الاهيا " - وبهذا الشعور يتجاهل كلية النفسية الذاتية لأقرانه . ( ان الشعور بالصلاحية العالمية ناتج بالطبع عن النفسية الجماعية العالمية ) ووضعية الجماعة تقتضى مسبقا وجود هذه النفسية الجماعية فى الآخرين . وهذا يعنى

تجاهلا ظالما ليس للاختلافات النفسية الفردية فحسب وانما للاختلافات الاكثر عمقا بين نفسيات جماعية مختلفة كالاختلافات بين الاجناس البشرية مثلا . وهذا التجاهل للفردية يعني بوضوح خنق الفرد الواحد نتيجة لطمس عنصر التمييز فى المجموعة . وعنصر التمييز هذا هو الفرد . غير ان اعظم الفضائل واحقر الرذائل هى فردية . وكلما ازدادت المجموعة وازداد مجموع العوامل الجماعية المختصة بها والمرتكزة على تحامل محافظ متعمد ضد الفردية كلما ازدادت عوامل تحطيم الفرد خلقيا وروحيا . ونتيجة لذلك ينغلق المنبع الوحيد لتقدم المجتمع . والشئ الوحيد الذى ينمو فى هذا الجو هو الاجتماعية وكل ما هو شئ جماعي في الفرد . اما الخصائص الفردية فأنها تغوص وتنكبت ومن ثم تتسرب الى اللاشعور وتتحول هناك بحكم الضرورة

الى ما هو ضار ومخرب وفوضوى . والمتعارف والمتعارف اجتماعيا ان هذا الكبت يبرز نفسه فى الجرائم المشهورة - كقتل الملوك ( regcide ) وما شابهه - المقترفة من قبل افراد ذوى عقلية تنبؤية ، وهذه العقلية تظل مختفية فى الكتلة الاجتماعية الكبيرة ثم تظهر بطريقة غير مباشرة عند الانحطاط الاخلاقى الفظيع للمجتمع . انها لحقيقة مشؤومة كون اخلاق المجتمع هى بنسبة متعاكسة مع حجمه ، اذن كلما تضخم مجموع الافراد كلما طمست المعالم الفردية ومعها الاخلاق التى ترتكز كلية على الإحساس الفردى بالخلق وعلى الحرية الضرورية لوجوده . ومن هنا فكل انسان هو يشكل ما أسوأ فى المجتمع اكثر مما لو كان لوحده لانه محسوب على المجتمع

ومن هنا فهو متحرر من المسؤولية الذاتية . واى مجموعة كبيرة تضم مجموعة رائعة من الافراد يكون عندها ذكاء واخلاق حيوان صعب المراس عنيد وبليد . وكلما كبرت هذه المجموعات كلما اصبحت بالضرورة لا اخلاقية وذات بلاهة عمياء . ان المجتمع حين يلح آليا على ان تتمثل فى افراده الصفات الجماعية انما يفرض ببرودة تحجيرا على الاعتدال وعلى كل شئ ينمو ويثمر بالاستقرار . ويحتم ضرب الفرد عرض الحائط . هذه العملية تبدأ بالمدرسة وتستمر بالجامعة وتتحكم بكل اجهزة الدولة . اما فى المجتمع

الصغير ففردية الاعضاء فى مأمن افضل وحريتهم النسبية وامكانية مسؤوليتهم الواعية اعظم . فبدون حرية لا توجد اخلاق واعجابنا بالمجتمعات الكبيرة يتلاشى عند ما نرى الجانب الآخر من هذا الاعجاب : التكديس الهائل والتفخيم لكل ما هو بدائي فى الانسان والتدمير المحتم لفرديته لفائدة الضخامة الوحشية التى هى طابع كل مجتمع كبير . ان انسان اليوم الذى تشبه بالمثالية الجماعية بقليل او كثير تحول قلبه الى عرين للقتلة كما ثبت من تحليل اللاشعور مع انه بذاته كفرد اقل انزعاجا بذلك . وحيث انه انسجم مع بيئته بالعادة لذا فاشنع فضيحة من قبل جماعته لن تضيره طالما ان اكثرية جماعته يعتقدون بحزم بالاخلاقية الفائقة لتنظيمهم الاجتماعى " .

لقد وضعت خطا تحت ثلاث فقرات من هذا النص الطويل وهى التى تبدو ذات ملائمة خاصة للانركية - وبالحقيقة يمكن ان تكون وردت من كاتب انركى مثل كثير من فقرات اخرى غيرها فى كتابات " جانغ " (30) . وتوجد نقطة او اثنتان تستلزمان التأكيد اذا اردنا فهم الانفرادية .

وعلى سبيل المثال لا يستطيع الفرد المتحرر الانعتاق كلية من النفسية الجماعية وليس من المستحسن ان يفعل ذلك . ويعترف " جانغ " بأنه مندهش دائما لكون جل ما يسمى بالنفسية الفردية هو فى الحقيقة جماعى - الى درجة كبيرة ، بالحقيقة ، بحيث انه يظلل كلية الصفات الفردية . ولكن حيث ان التفرد على كل حال هو حاجة نفسية لا تقاوم يمكننا من زاوية القوة المتفوقة للجماعة رؤية مدى الاهتمام الخاص الذى يجب ان نعيره لهذا العود الطرى " الفردية " إذا كان المراد عدم ذبوله كلية . وهذا للتدليل فقط على ان عملية التفريد هى تدريب طويل وشاق .

والنقطة الثانية يجب التأكيد بان التفرد لا يعني الانعزال . وقد قال " جانغ " بنفسه : " حيث ان الفرد ليس كيانا وحيدا فقط ، ولكنه بحكم وجوده الاصلى يحتوى العلاقة الجماعية ، فعملية التفرد لا تؤدى الى عزله وانما الى وحدة جماعية اكثر تكاتفا واتساعا . " وهذا يعود بنا الى " كروبتكن "

والمساعدة المتبادلة ( والى مارتن بوبر " ومفهومه للحوار ) . ف " الانا " يمكن القول بانه يحقق ذاته ليقدمها باخلاص متبادل الى " الغير " .

ان العالم النفسانى ( وعلى الاخص الطبيب النفسانى ) يفكر بموجب وضعية تحتاج للاصلاح واهتمامه يتعلق " بشفاء الارواح " اما الانركى فمن ناحية اجتماعية اوسع يوجب عليه التفكير بالتفرد كعملية ثقافية تربوية . لقد اعترف كل من " كرمرمان " و " بيرى " بأن للانركية مفاهيم ثقافية ثورية وواضحة ويؤكدان حقيقة انه " لا توجد اى حركة اخرى خصصت للمبادىء التربوية ومفاهيمها وتجاربها وممارستها مكانا هاما فى كتاباتها ونشاطاتها مثلها " . لقد كان " تولستوى " هو البذرة بهذا الخصوص ولكن الاحد عشر نصا عن التعليم هي اكثر المساهمات فعالية فى هذا الموضوع ابتداء من " جودون " الى " بول جودومان " .

ان اهتمامى الخاص هو فى مجال التعليم وقلما يلاحظ مدى التوجيه الانركي فى كتابى " التعليم من خلال الفن Education through art " كما هو وكما قصدته ان يكون . وبالطبع انه لمخجل ان اعترف بأن نجاحه ( وهو اكثر الكتب تأثيرا ) كان رغما عن هذه الحقيقة . ويجب الاستنتاج بأننى لم اوضح مقصدى بالدرجة الكافية ولكنني ما زلت آمل ان تكون رسالتى ذات مفعول بذات الدرجة العالية من البراءة التى قوبلت بها . ان تأكيدى فى ذلك

الكتاب كان بالتدقيق يتعلق بتفرد الذات - فهناك فصل كامل عن " حالات الاندماج اللاشعورى " وفى الفصل الاول اوردت حسب رأيى بأن جواب السؤال : ما هو القصد من التعليم ؟ يمكن ان يعطى فقط بشروط مفهوم تحررى للديمقراطية ) يجب ان يكون القول " للاشتراكية " لان الديمقراطية تعنى ممارسة الدولة للسلطة . ) ثم تابعت تعريف هذا القصد بأنه تطور  ملازم للفريدية Uniqueness وللوعى الاجتماعى او تبادل المعاملة reciprocity عند الفرد " نتيجة " للتبادل الوراثى غير المحدود يصبح الانسان فريدا بالحتمية وحيث ان هذه الفريدية شئ يملكه الغير فلذا ستكون ذات نفع للمجموعة " . وقلت ان الفريدية ليس لها فائدة فى الانعزال . " ان احد الدروس المؤكدة فى علم النفس الحديث وفى التجارب التاريخية الحديثة هو ان التعليم يجب ان يكون عملية لا تهدف الى الانفرادية فقط بل وللاندماجية ايضا اى الى التوافق ما بين فريدية الانسان والوحدة الاجتماعية .

وما زلت مؤمنا بأن التفريد والاندماج يجب ان يسيرا جنبا لجنب وان الانركية يجب ان تشمل هذا المفهوم للتوفيق . وكلتا العمليتين متضمنتان فى مفهوم " كروبتكن " للمساعدة المتبادلة وفي مفهوم " بوببر " للتبادل ( غريزة المجتمع  Verbundheit ) ومن الممكن ان " ستيرنر " لا يقبل هذا التعبير بمعناه المتضمن رباطا او قيدا لحرية الانا . ان الانركية

مدينة بالكثير لواقعية " ستيرنر " ونشعر ان اهميته الفلسفية اهملت . ( لقد بين كل من " كرمرمان " و " بيرى " ان هذه الواقعية تمهد لاقتراب واسع ممكن نحو المشكلة الفلسفية للارادة الحرة . . . إذا لم يكن الانسان مسيطرا على الاعمال التى ينجزها فهل يمكن عدها افعالا تطوعية او انها مجرد استجابات لعوامل لا سلطة له عليها ؟ هل يمكن ان يحسب على المرء سلوك ينبع من عقائد واهداف او مثاليات ومصالح ليس هو صاحبها ؟ ) ومع كل ذلك يجب علينا الاعتراف بان الفرد مجبر بكل قسوة ان يجد له مكانا فى المجتمع وان يتحمل عملية ما للاندماج لسبب بسيط وهو انه بدون ذلك سوف يتردى الى الانفصام العقلي Schizophrenia . هذا ويمكن للفرد ان يمتلك نفسه ويصبح لذاته فقط ولكنه سيجد ان النتيجة احساس لا يطاق بالعزلة .

ان جميع الاعتراضات على الانركية تتلخص فى انها ليست عملية ولا يوجد احد من منتقديها من اعتبرها جهودا طويلة المدى للانفرادية ينجزها التعليم العام والانضباط الشخصى - اى من الزاوية الاجتماعية السيكلوجية . وقد بينت سابقا بأن " كرمرمان " و " بيرى " توصلا الى النتيجة بأن الانركية يجب ان تصنف الآن على انها براجمتية فردية متماسكة والاعتراضات المصوبة نحو الفجور الانسانى الغريزى او الانانية جرى تلافيها باصرار الانركى على التعليم الاصلاحى والتحول البيئى .

والتفسير الجديد المطروح الان للانركية يمكن ان لا يختلف كثيرا عن التحررية العقلية " لكارل بوبر " Karl Popper ، ولكننى اعتقد بأنها تخالفها فى طريقين . فبالدرجة الاولى لا يستطيع الانركى التخلى عن اسطورة الثورة موافقا بذات الوقت مع " بوبر " بأن الاساليب الثورية قد تجعل الامور اسوأ . فالعصيان كما قال " كامو " هو اليوم " اساس النضال . انه اصل المشكل ومنبع الحياة الحقيقية فهو الذى يبقينا دائما منتصبين فى حركة التاريخ اللاشكلية المتوحشة " ولكن العصيان كما يراه كامو يطلب دائما ويدافع ويخلق الاعتدال من جديد . " والاعتدال المتولد عن العصيان - يحيا بالعصيان فقط . انه صراع ابدى دائم التوالد ويسيطر عليه الذكاء " . ولا نستطيع العمل دون ذلك التوتر او ذلك التوازن الديناميكى .

اما في الحالة الثانية فالانركية تختلف كلية عن التحررية Liberalism فى موقفها من المؤسسات institutions . فالتحررى يعتبر المؤسسات بأنها الضمان للحرية الفردية . ويشير " بوبر " صادقا بأن الماركسيين تعلموا التفكير من زاوية الطبقات لا من زاوية المؤسسات . " والطبقات على كل حال لا تحكم غير الامم . فالحكام دائما افراد معينون ، وبقطع النظر عن انتسابهم الى طبقة ما فانهم عند ما يحكمون ينتمون الى

الطبقة الحاكمة " هذا صحيح . ولكن ما هو الضمان فى ان اولئك الاشخاص لن يمارسوا سلطة استبدادية اقوى واوسع تحت ستار المؤسسات ؟ أليس ذلك هو تماما نوع الاستبداد الذى نعانيه الآن ، استبداد " اطفال الكواليس " و " الخبراء " الذين لا نرى لهم وجها ويمسكون بزمام مؤسساتنا ، بدوائر خدماتنا المدنية ، بمصارفنا التجارية وبمجالسنا الاقتصادية . ان المؤسسات فى العالم الحديث هي جنون مطلق ، تأييد ذاتى متوالد . انها لا تحمي الحرية الشخصية : بل تصبغ الشرعية على الطغيان وتنشر مجساتها الخفية الى جميع خلايا الحياة .

ولهذا فالانركية مهما يمكن ان تكون قد بدلت فى اساليبها الا ان استراتجيتها تظل ملتزمة بمبادئ اللاحكومية المتضمنة الغاء المؤسسات المركزية - للامم ، للاتحادات ، للدساتير او اى مزيج من اى نوع فالانركى لا يعتقد بأن افضل حكومة هى التى تحكم اقل فحسب ، بل هو لا يقبل اى شكل من الضغط الخارجى يعيق التطور الحر للشخصية التامة الكمال .

واعتقادى الخاص ان مثل هذا التطور للشخصية لا يتعارض مع ما يسميه " بوبر " سلطة الحقيقة الهادفة " ولكن فى النهاية يجب ان اصرح مع " بول جودمان " ( " لا يوجد انركي معاصر يضاهى " بول جودمان " سعة خيال ومعرفة ) بأن الحرية ليست حرية العمل Laissez - faire . الحرية كما يجب فهمها بالمعنى الايجابى : " هي الشرط للنشاط التلقائى . . . والمبرر للحرية هو ان المبادرة التلقائية اساس لكل سلوك بشرى راق . التصرف الحر وحده هو الذى يمتلك الابداع والقوة . " نعم التصرف الحر ! . لا يوجد شىء فى الفلسفة الانركية يبرر عدم الاكتراث والتخاذل او ما شابهه ولكن الذى يوجد هو النشاط العملي الصابر المثابر المتجه نحو نهاية ثورية ٠ *

اشترك في نشرتنا البريدية