للكاتب القاص ان يتخيل إنساناً فى أي عصر كان ، ويضفي عليه من سمات المحاسن وصفات الكمال ماشاء . ثم يبرزه لا الناس فى الصورة التى رسمها ولكن هل يجوز لمن تصدى للمكتابة فى تاريخ إنسان حقيقي معروف أن يظهره بمظهر القديسين بذكر جميع ما نسب إليه من فضائل ، ضارباً الصفح عن بيان مساوئه ؟ ! أنا ممن يعتقد أن هذا العمل ضرب من التمويه وتشويه الحقائق ، وتغيير معالم التاريخ . أقول هذا بمناسبة ما قرأنه فى مجلة المنهل من بحث الأستاذ حسن عواد عن سليمان بن عبد الملك ، فقد أضفى على ذلك الخليفة رداء فضفاضاً من الصفات الحسنة ، ونظر الى عيوبه بعين كيلة ، على حد قول الشاعر :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما ان عين السخط تبدى المساويا
وها هي الأدلة على ما أقول: -
١ - ذكر في سياق اختياره للولاة أنه (ولي على الاندلس موسى بن نصير ثم ابنه عبد العزيز) . والتاريخ يثبت قدوم موسى من الاندلس في عهد الوليد ، وانه لم يل الاندلس لسليمان ، كما يثبت لسليمان وصمة سوداء فى حق عبد العزيز بن موسى بالتحريض على قله وفرحه بذلك واحضار رأسه الى دمشق وعرضه على أبيه ذلك الشيخ الهرم ذى الاثر الحسن فى خدمة الاسلام . .
٢ - وقال عن كتابه : ( وأما كتابه فهم هؤلاء : كتب له سليم نعيم الحميري وابن بطريق الفلسطيني وهو سورى ) ? ( مسيحى ، شاءت سماحة سليمان ان يستخدمه لسجاحة فكره وحسن ادارته وهو الذي أشار على الخليفة ببناء
مدينة الرملة في فلسطين . . وكاتب ديوان الخاتم نعيم بن سلامة ( ؟ ) ) . وكأن الاستاذ لم يجد دليلاً على سجاحة فكر ابن بطريق وحسن ادارته إلاعمله الذي يقرر التاريخ أن الباعث عليه غرض سئ وهو انه طلب من أهل"لد" أرضاً فى ربض كنيستهم ليتخدها بيتاً ، فلما أبوا توعدهم بهدم تلك الكنيسة فحسن لسليمان بناء " الرملة " وأخذ احجار كنيسة " لد " ليبني بها مسجد الرملة .
٣ - وذكر عنه أنه ( اعتق من الرقيق سبعين الف مملوك ومملوكة وقدم لهم الكساوى ( ؟ ) ) وهذه المبالغة لا يقام لهاوزن فى مقام البحث العلمى المحض .
٤ - وقل مثل ذلك عند قوله : ( واطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة الف سجين ما بين رجل وامرة كان الحجاج سجنهم ظلماً ) .
٥ - وأما قول الأستاذ : ( فان كان عمر بن عبد العزيز مفخرة من مفاخر الأمويين فصاحب هذه المفخرة هو سليمان ) فهو قول على غرابته - يجعل جميع القضايا التاريخية فى دور تسلسل عجيب ، كأن يقال : واذا كان عهد سليمان مفخرة من مفاخر الأمويين فصاحب هذه المفخرة عبد الملك ، واذا كان عهد عبد الملك مفخرة فصاحبها مروان وهلم جرا !!!
٦ - لم يشر الاستاذ ولو اشارة عابرة - الى النكبات العظيمة التى تقشعر لها الجلود والتى حلت بأولئك الابطال الفاتحين ) موسى بن نصير وقتيبة بن مسلم والقاسم بن محمد ( من جراء سليمان بن عبد الملك وفي عصره الذي يصفه الاستاذ أنه ) عصر اعترفت (؟) فيه سلطة القضاء العادل الذي لا يفرق بين سيد ومسود في حق مدني ، وقتل فيه روح الاستبداد والظلم الذي كان سيفه مصلتاً على رؤس الناس وقام مكانه روح جديد من الشورى والعدل لايملأ ذلك الفراغ فحسب ولكنه بمنح الافراد والجماعات من الرضا والقدرة على العيش الصحيح بمقدار ما كان يرز أهابه العصر السابق من العسف والخمول (؟).
٧ - كما لم يشر الى ما حل بالمغين المدنيين من المثلة التى تدل على وحشية ينكرها الدين ويأباها كل ذي عقل سليم
٨ - وقد ذكر المؤرخون أن من ابرز صفات سليمان النهم في الأكل نهماً شديداً أودي بحياته ولكن الاستاذ حسن لم يحلل هذه الصفة ويبين ما تنطوى عليه من آثار وانفعالات نفسية فى حياة سليمان
٩ - وكذا الحال فيما ذكره المؤرخون عن اتصافه بالغيرة الشديدة . مع انه قال : ( إننا نقوم هنا بدور المحلل لا بدور المؤرخ والتحليل فن يباح فيه من تناول النفسيات وظروفها بالتقليب ما يباح للطبيب من تشريح الأجسام ) .
وبعد : فلعل للاستاذ من سجاحة الفكر ورحابة الصدر ما يتسع لقبول ملاحظات أخرى رأيت من الحق بيانها لكى يعيرها ما تستحقه عند طبع بحثه مستقلاً في كتاب
١ - ورد اسم " زاذان فروخ " بهذه الصفة " زاذ انفروخ " مكررا وورد اسم " زاذان " هكذا " زاذا " مكررا - اى بتحريف الآسمين باعتبار الأول " زاذا " والثانى " بفروخ " والصواب " زاذان " و " فروخ " .
٢ - وقال : ( وأغزي اهل مصر وأفريقيا فى البحر ) . ومعلوم أن المقصود بأفريقيا بلاد المغرب ، ولكن اسمها فى كتب التاريخ القديمة (أفريقية) . ويراد بأفريقيا فى هذا العصر كل القارة التى مصر جزء منها كما تسمى أيضاً ( أفريقية )
٣ - وقال : ( وله من العمر تسع وثلاثون سنة قمرية أو ثمان وثلاثون سنة شمسية وملك سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام بالحساب القمرى أو سنتين وستة أشهر وخمسة أيام بالحساب الشمسى ) وفى هذا الكلام عدة مآخذ :
-١-أن عمر سليمان بن عبد الملك خمسة وأربعون سنة وعلى هذا أكثر المؤرخين قديماً وحديثاً كابن قتيبة فى المعارف وابن كثير والخضرى والخياط وغيرهم ، وقد أشار ابن كثير الى الاختلاف في مقدار عمره ثم ذكر ان الصحيح ٤٥ سنة وأنه هو قول جمهور المؤرخين - ٢ - من المعلوم ان الفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية لا يزيد على احد عشر يوما فكيف تكون زيادة سنتين قمريتين ، شهرين ، وزيادة تسع وثلاثين سنة قمرية ، سنة واحدة ؟ !! - ٣ - مثل هذا التدقيق في تحديد العمر ومدة الحكم يصح مع عدم الاختلاف
فى ذلك والتحقيق من صحته ؛ أما وقد اختلف المؤرخون ، وتضاربت أقواهم فى مدة حكمه وفي اليوم الذي توفى فيه وفي الشهر فلا محل لذلك التدقيق الذي لا يدعمه برهان قوي
٤ - وقال الأستاذ ( ومرض سليمان مرضة الموت (؟) فى مرج دابق بشمال حلب وهو معسكر هناك اذ أصيب بالحمى أوبذات الجنب ) وفي هذه الجملة إثبات لمرضه وبيان لسببه الذى مات به . ثم قال بعد ذلك :( انه مات صحيح الجسم قوياً جميلاً لا أثر فى جسمه لكبر أو مرض أو عدم مناعة يرحب بالتلف السريع ). وهذا تناقض يربأ يمثل الاستاذ عنه !
٥ - وقال :( فلا بدع ان يتحفز لسليمان بقية أفراد بني مروان الأقوياء فيتآمرون (؟) سراً على التخلص من حياته بالسم وهم لا يعجزون عن تنفيذ هذه المكيدة فى أسلوب دقيق كما فعلوا بعد ذلك بخليفته عمر بن عبد العزيز) هذه نتيجة لمقدمة الأستاذ التي ذكرها عن موت سليمان صحيح الجسم ، ولكن المقدمة غير صحيحة بدليل اعتراف الاستاذ بمرضه مرض الموت واصابته بالحمى أو ذات الجنب على رأيه - وإذن فالنتيجة فاسدة ، حسب القاعدة المنطقية المعروفة . وفاسدة ايضاً حينما نعلم ان محقق المورخين ذكروا ان سبب موت سليمان نهمه وشدة أكله حيث مات بثماً ، وليس المقام مقام ابراد ما ذكره المؤرخون فى هذا الصدد . وفي البداية والنهاية ( ج ٩ ص ١٨٠ ) والفخرى ( ص ١١٤ ) وشرح ادب الكاتب ( ص ٢٣٤ ) وغيرها من الكتب بيان ذلك
٦ - ثم علل الاستاذ الحافز له الى فكرة كون سليمان مات مسموماً قائلا (هذه فكرة لا نجزم بها ولا نتردد عن اذاعة شعورنا بها وبرهاننا على إحتمال وقوعها ما أسلفناه ) والذي أسلفه هو قصر عمره وصحة جسمه حال موته وقد تقدم بيان ما فى كلام الاستاذ من الخطأ فى ذلك ، ثم قال : ( ويقيم لنا العذر إن أخطأنا أننا نقوم هنا بدور المحلل لابدور المؤرخ (؟)والتحليل فن يباح فيه من تناول النفسيات وظروفها بالتقليب ما يباح للطبيب والغاية في الفنين انما هى الوصول الى حقيقة مخبوءة لا تكشفها الا دراسة وتجربة ومزاولة .
فاذا أهمل المؤرخون هذا الرأى فهم نقلة مقلدون لو تصدى أحدهم للدراسة الحرة والبحث التحليلى المنطقي لكانت هذه المسألة وأشباهها من اوليات ما يعرض للباحثين) أهواأنا لا أحب أن أعرض لحكم الاستاذ القاسي الذي حكم به على المؤرخين من أنهم - ١ - نقلة مقلدون - ٢ - لم يتصد احد منهم للدراسة الحرة - ٣ - ولا البحث التحليلي المنطقي ومستند هذا الحكم أو ) حيثياته ( كما يعبر أهل هذا العصر - أنهم لم يعرضوا لمسألة ) سم ( سليمان . وأشباهها . ولكنني اعلم ويعلم غيري أن هذا المستند ساقط لا يقوم عليه حكم ، وان تلك ) الحيثيات ( غير صحيحة . والذي اسقط ذلك وهذه هو الحكم نفسه بقوله المتقدم عن موت عمر بن عبد العزيز مسموماً . وسنده فى ذلك المؤرخون المهملون الذين لم يذكروا موت سليمان بالسم ولم يذكروا أشباه هذه المسألة !

