لا أدرى بالتحديد متى تعرفت على البشير خريف (1) تعرف النظر واللمس فهو لم يكن غائبا عن الذاكرة ، ولا مفقودا فى ساحة الابداع . لقد بدأ يحتل الساحة فى ميدان الفكر وأنا فى المشرق بعيد عن ربوع الآل والأحبة . ولكن اللقاء فى مجالات الفكر " ومجلة الفكر " كان سلك الذهب الذى لم ينقطع . وكانت حلقات المذاكرة مع اخوة الحرف فى مناطق من ذلك المشرق قد جعلت صلتى بالبشير خريف وابداعه تأخذ حيزها البارز صنو أخيه " سيدى مصطفى " كان ذلك أواخر الخمسينات وأوائل الستينات . حتى اذا شاء القدر أن يعود خط السير الى حيث ابتدأ انطلاقه ، واذا هى جولة فى سوق السرايرية على نغمات النقاشين واذا صوت مخملى حنون بجذبنى ويديرنى " .. مبروك .. مبروك يا سى لعروسى "
والتفت . واذا هو البشير خريف يتربع الدكان جاذبا من عرعاره النفس الطويل كان صوته ذاك تهنئة بفوز رواية " حليمة " بجائزة البلدية مثل فوز سبق لرواية " برق الليل " منذ سنة مضت .. كان اللقاء - اذن - فى خريف ثلاث وستين وتسعمائة والف اذا لم تخن الذاكرة . وذلك التاريخ يعنى فترة مخاض لمولود جديد .. لقد انبعث النادى الثقافى ( أبو القاسم الشابى ) بالوردية . وبدأ جمع من شداة الأدب وكتاب القصة يبحثون عما يجمع الشمل ، ويدعو الى الدفع ، ويقدم بلسما لجرح بليغ ما يزال فعلا .. انها التجربة الاولى التى انتهت بلا نتيجة . وكان العائق الاساس فقد الحضن الحانى ، والمكان الميسور ، فيه الحنان والدفء ، وفيه ما يشجع على العمل ، ويضمن الاستمرار . وتلقى رغبة
الشداة حسن الاستجابة من هيئة النادى الثقافى ( أبو القاسم الشابى ) فيولد نادى القصة فى خريف 1964 ليجمع الشمل ، ويحفز الهمة ، ويسدل الستار على آهة الحرمان ، وحرقة الخيبة .
وكان الرواد ثلة تتفاوت أعمارهم ، وتختلف اتجاهاتهم ، وتتنوع أساليبهم ومناهجهم . ولكن كل ذلك يمحى أمام هدف أزال التفاوت ، ووحد الغاية ، وقرب المناهج والاتجاهات .
كان البشير خريف أكبرنا سنا ، فكان رائد الجيل الاول من أعضاء هذا النادى وفيه محمد العروسى المطوى ، وعبد المجيد عطية ، والطاهر قيقة ، ومصطفى الفارسى ، وغيرهم وغيرهم . وكان يسندهم جيل ثان بدأ يشد من ثباته وعطائه منهم عز الدين المدنى ، ومحمد الصالح الجابرى ، ويحيى محمد ، ومحمد المختار جنات ، ومحمد منصور ، وأحمد الهرقام ، وحسن نصر وغيرهم وغيرهم . ثم جاء سمير العيادى ومحمود بلعيد ، وأحمد ممو ، وعبد القادر بلحاج نصر ، وابراهيم بن مراد ، وعمر بن سالم ، ومحمد الهادى بن صالح وغيرهم وغيرهم . وهكذا دواليك أجيال تتعاقب ، ومواهب تتفتح ، وأذهان تتفق مما جعل هذا النادى يعتز بأعضائه ويعتزون به . وقد فتح لهم الباب لا فى مجال النادى ومجلته فقط ، بل فيما هو أوسع وأرحب .
وكان مؤسسو هذا النادى ورواده يمثلون ضربا من النضال والزهد فما بالك بشباب فى عنفوان الفتوة لا يرى جاذبية تشده الشد ، وتلح الالحاح ، فى ليلة الراحة الاسبوعية غير نادى القصة ، وما فيه من طرائف النكتة ، وحلاوة الدعابة لا سيما من قيدومه البشير خريف .
ويشهد الله أننى - على كثرة من عاشرت وخالطت من أعضائه على مختلف مشاربهم السياسية والمذهبية ، وعلى تنوع طرائقهم ومناهجهم الادبية - ما وجدت من لا يكن التقدير والاحترام للبشير خريف . يقينا أن ذلك ليس سهلا الحصول عليه . لكن ما جبل عليه البشير خريف من دماثة الخلق ولين العريكة جعله يفوز بذلك الشئ الصعب . وتلك منقبة من مناقبه الكثيرة لا تختص بنادى القصة بل تسع كامل محيطه ، ويعترف له بها كل من اتصل به وعاشره .
وكان له فى نادى القصة شئ آخر . انه ليس مجرد الرضى . انه الفضل .. الفضل الكبير الذى يذكر فيشكر . فى نادى القصة كنا نرى فيه أشياء كثيرة . وكنا نقول عنه الكثير .
كنا نكبر فيه أصالته فى الابداع والسلوك والجد والهزل وكنا نعتبر صمته أقوى من الكلام ، وأفصح من التعبير ، وأدق من الانشاء والتحرير .
وكنا لا نلح عليه فى أى عمل أو أى كلمة ، لاننا كنا نؤمن بعفويته الاصيلة المتأصلة ، وببراءته التى تبلغ حد السذاجة لأنها خلو من كل بهرج ، وبقية من كل زيف .
تلك هى حاله بين أخلائه وأبنائه من نادى القصة . كان يقول لهم : المهم أن يسرج القنديل ، وتضئ الشمعة لأن فى ذلك سر البقاء . وكان لا يهمه من حضر بقدر ما كان بهمه أن يفتح باب النادى . ومن يدرى ؟ .. فلعل النادى - لو سار على روتين النوادى وتحديد المسؤولية لأصيب بالاتكالية واللامبالاة ، وحتى تبادل " البونتوات " ، وذاك ما قضى على الكثير من النوادى والمؤسسات .
ولامر ما كانت مساهمة البشير خريف فى أول عدد من مجلة " قصص " فصلا من رواية " الدقلة فى عراجينها " . وفهم مؤسسو النادى - فى حينه - أن ذلك يرمز إلى عدة أشياء .. انه كان يراعي بداية هذا النادى ، وهو ما يزال طريا رخوا ، لم يشتد عوده . ولم تبسق شجرته ، فقدم له " البسرة " نواة لنخلة باسقة أصلها ثابت وفرعها فى السماء . انه الأمل يدفع بصاحب الابداع الى الايحاء بوجدان الشداة الى طلائع المستقبل العريض ، وآفاقه الواسعة .
انه لا يريد أن يحشو أفواه أولئك الشداة بما يحدث الغصة ، أو يخلف الكظة فيكون كمن يداوى بالقاتل ، ويعالج بالمهلك .
وكان ذلك الأمر نسقا من حياة ، وشعبا من فلسفة نبضت من معين البشير خريف ، وانه لمعين وحده .
وتم ما شاءه البشر خريف ورجاه . واذا تلك البراعم زهور تعطى البذور فتنبت الشجرة ، وتسمق ، وتعطى الثمرات . وانهم لكثر ملأوا الساحة ابداعا وشقوا الطريق لاحبا منارا .
وكان ذلك الامر غرسا صالحا فى خصب من التربة ، ونور من الشمس ، ورحيق من الزلال ، يمر عليه من الايام عشرون حولا .. وذلك فى عمر نوادينا غريب ، وفى حلقاتنا الادبية عجيب . ان نادى القصة يحتفل هذه السنة بعشرينيته . ويسره أن يشهر عزمه هذا فى لقاء عرفان بالجميل ، وحفل من التقدير والأكبار لرائد من رواد القصة التونسية البشير خريف العضو المؤسس لنادى القصة بتونس .
وفى نطاق هذا العرفان نحيى هذه الاربعينية التى نرجو ألا تكون توديعا للبشير خريف بل أن تكون نقطة لاحيائه وجمع انتاجه ما نشر منه وما لم ينشر حتى يزداد عدد المنتفعين والدارسين بأدب ولأدب هذا المبدع الفنان ، والواهب بلا من ، بل حسبه أن يبعث بشذاه وأريجه لا يرى مردوده الوحيد الا فيما ينفع الناس ، ويروح عليهم ، ويبعث فيهم عبق النشوة ولذة الابتهاج .
ان واجبنا نحو البشير خريف وأضرابه واجب متأكد فعلينا أن نكون نقبل على انجازه وابرازه . وذلك أقل ما نفى به حق البشير خريف علينا ، وعلى ادبنا وثقافتنا . والله ولى التوفيق .
