الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

البشير خريف في ترجمة له

Share

لحظة من احلام الفكر (*) تقتضى سنين من التحبير . فما بالك بحياة ! ولم يسمح لى الا بعدد من الكلم محدود . انا الذى لم اتعود احصاء هذرى على كل ، فاليك اهم ما مررت به .

ولدت سنة 1917 بنفطة ، من اب نفطي وام من العاصمة ، حيث حللنا سنة 1920 . فسكنا برحبة الغنم . وتدرج تعلمي من الكتاب الى المدرسة القرآنية الى المكتب العربى الفرنسى . واحرزت على الشهادة الابتدائية سنة 1932

فى تلك الفترة ، تفتحت نفسى على الادب ، وبدأت ادون يومياتى وكتبت أول محاولاتى فى القصة والشعر . فى البيت ، كنا نقضى سهراتنا فى تلاوة السيرة الحلبية ، والف ليلة ، ونتبارى فى المساجلات الشعرية واللطائف الادبية ، وكنت احضر مجالس والدى مع احبابه فى مجادلاتهم العلمية . فيدعونى لاناوله المعاجم والمراجع وكان اخى مصطفى يغرينى بحفظ الشعر .

وفى المكتب ، كان مديرنا المسيو لاكروا يحدثنا ، كل ما سنحت دروس القراءة ، عن مؤلف النص ، ويلفت انظارنا إلى محاسنه ، حتى اننا كنا نتقمص شخصيات اولائك المؤلفين . فمنا من جعل نفسه الفريد دى موسيه والآخر الفونس دوديه او فكثور هيقو ...

ثم دخلت معهد العلوية ، فتتبعت دروسه نحو العامين ثم فصلت لضعفى فى الرياضيات . فاصبت بصدمة نفسية ، اذ كنت ناجحا فى المواد الاخرى . فكرهت الكتاب والكراس واختلفت الى المقاهى والجلسات ، وكانت تنتابنى لحظات طويلة من الحيرة والفراغ اتساءل : ايمكن ان اعيش فى كهف بجانب عين ماء ، بعيدا عن الناس ؟

وكان يؤم بيتنا ثلة من ادباء العصر من احباب اخى مصطفى كالشابى وعلى الدوعاجى والمهيدى والبشروش أيام مجلتى " الرسالة " " وابولو " ولقد تأثرت لتبرم الدوعاجى من انه لا يستطيع استعمال العامية خوفا من الجمهور المحافظ ، ولو امكنه ذلك لاتى بالعجب ، اذ ان العامية حية ، غنية ، واقعية .

واصبت بذات الصدر ، فاقمت برادس سنين للاستشفاء ، وقد مارست انشطة مختلفة قبل ذلك ، منها صناعة الشاشية وعلب الحلقوم وفى رادس انشأت براكة لبيع الليموناضة والكاسكروت توفى والدى سنة 1937 . واصدر اخى مصطفى جريدة " الدستور " فكلفنى بتوزيعها ، ونشرت بها قصة قصيرة . " ليلة الوطية " .

وفى اواخر سبتمبر ، كنت مجتمعا مع رفقة لى من تلاميذ مدرسة الفلاحة ، (1) وكان موعد المناظرة لقبول الرعيل الجديد على الابواب فعلمت ان من شروط القبول فحصا طبيا يشهد بسلامة الحسم ، ثم ان صحبة هذه العصابة ، اظهرت توافقا فى الطبع واثار حديث البلد اشجانا واشواقا ، فرغبت فى متابعته . فشاركت وانخرطت معهم ، لكن ، فى الاعمال الفلاحية جهد ، فاعتلت صحتى وتركت المدرسة .

تزوجت وانجبت اول اولادى . فكنت مارا ، ذات يوم من ايام اكتوبر ، بسوق العطارين ، حيث تزدحم الطلبة على جامع الزيتونة ومعهد الآداب والخلدونية ، فأخذنى حماسهم ، وقلت فى نفسى ؛

لى ولد سوف احتاج الى تتبع دروسه . فهل أبقى شبه الامى ؟ سألت احد الواقفين على الخلدونية عن شروط الانخراط فأجابنى لا شروط سوى الحضور مساء . فطلبت ترسيمى . وكنت اعمل كاتبا لمحام ، ثم اتخذت متجرا بسوق الحرير . وفى سنة 1947 التحقت بسلك المعلمين . وفى أول الخمسينات ، اقتضى جدول عملى ان اباشر التلاميذ بعد الظهر . فبقيت حرا فى الضحى ، فملأت فراغى بمطالعة كتب التاريخ . واهتممت بسبب تسمية باب بنات فجرنى ذلك الى القرن العاشر ، قرن القرصنة والفروسية . فبدأت قصة فى الموضوع . فاتسع على نطاقها واستطالت وتشعبت فالغيتها . ولكن كانت لى بمثابة التدرب ، وحببت لى التفتيش فى الكتب ، فكنت اطرب لمطالعة نفس الحادثة يرويها مرجع تونسى وآخر اسبانى وثالث تركى وما بينهما من فروق ...

وكان المصيف سنة 1956 فى " الزهراء " فاستأجرت مغنى لاحد الفرنسيس الذين يقضون راحتهم بفرنسا . فتركه لنا كامل العدة بما فى ذلك مكتبة . فكنت انظر فيها حتى عثرت بقصة لجان جاك غوتييه فيها من الحرية والجرأة والصدق ما شفى نفسى . واستفاقت علتى واجبرت على راحة طويلة الامد ، فتلهبت بتصنيف قصتى " حبك دربانى " وطبقت ما كان يتحرق اليه على الدوعاجى ولازلت ان شاء الله .

لقد حررت مرارا ، لبعض المؤسسات الادبية مثل هذه الترجمة الذاتية ، فما كانت احداها لتشبه الاخرى سوى فى الخطوط الكبيرة ! فعجبا للذاكرة وما يعن لها ان تنتقى من غابة الاحداث .

وعلى كل ، فقد كتبت ادبا لابن البلد . وليس لى الا ان احمد ما قابلنى به ابن البلد .

اشترك في نشرتنا البريدية