الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

البطلة، مسرحية فى عشرة مناظر

Share

- الاشخاص سلمى : فتاة متعلمة صابر : أخوها - مقاوم عمران : خطيب سلمى - مقاوم صالح : صديق صابر - مقاوم فهمى : صديق صابر - مقاوم نفر : من اللفيف الاجنبى نفر : من المجاهدين فى الجبال سعيد : طبيب جيش التحرير

المنظر الاول

( سلمى تقلب بعض الاوراق والصور . . . ثم ترفع رأسها وتسترسل الى خواطرها ، فيخيل اليك انها تخترق الفضاء بعينيها . . كأنما تستقرىء الغيب . . او تنظر لما وراء الكون ! أمها العجوز جالسة على حصير فى ركن البيت تسعل . . وترتعد كأنما اصابها قر شديد تنظر الى ابنتها فى الركن الآخر من البيت ثم تقول :

الأم

: ان عينى اليمنى لم تنفك ترتعش ياسلمى كأنما فقدت توازنها . . او عافت سجنها . . انها كرقاص الساعة . . وان قلبى ليحدثنى بالويل والثبور

سلمى

: لا ويل ولا ثبور يا أماه ! بالله عليك الا ان تخليت عن وساوسك وهواجسك !

( الباب يطرق ثلاثا ، سلمى تتسمع ثم تقول :

سلمى

هذا صابر

الأم

مستحيل ! صابر لا يأتى فى هذا الوقت ! سلمى مترددة ، لحظة ! ثم تنطلق الى الباب فتفتحه مستريبة ، متطلعة ، صابر يدخل لاهث الخطى ! ))

سلمى

: هذا انت ياصابر ؟ ما الخبر ؟

صابر

انذال ! انهم انذال ! انهم فجرة !

سلمى

: من تعنى ؟ ماذا جد ؟ تكلم ! قل بربك ! مالى اراك موتر الاعصاب ، مصفر الوجه ؟

الأم

: صابر ! ابنى ! ما الذى جاءبك ؟

صابر

: لا شئ يا أماه ! لا تفزعى لقد نسيت ان اصطحب معى بعض ادوات العمل فعدت لأخذها ( ملتفتا الى سلمى : ألم اقل لك انهم أنذال وانهم غارقون فى حماة الخزى والعار ؟ الم اقل لك انهم يتحرقون غيظا وحقدا ولا يريدون سوى محقنا ؟

سلمى

: حدث حادث يا صبرى ؟ قل ! اسرع ! تكلم ! او اصاب رجالنا مكروه ؟

صابر

: لا .. لا .. يا سلمى ! رجالنا فى حرز حريز رجالنا فى مأمن ! ولكن ..

سلمى

: ولكن ماذا ؟

صابر

: مزقوا العلم ياسلمى ! انهم داسوه بأرجلهم تنكيلا ومقتا ، انهم لوثوه .. نعم لوثوه وهم ينظرون الى الاطفال والشيوخ والنسوة فى تحد لا يحتمل .. سخرية لا تحتمل !

سلمى

: العلم ! مزقوا العلم ؟ اين ومتى ؟ وكيف ؟ اوضح بربك ! ارجوك انى لم اعد افهم !

صابر

: كانت الساعة حوالى العاشرة وكانت القرية كعادتها خالية ، منكمشة الا من بعض الاطفال والشيوخ والنساء ، وكنت مارا فى شارع " القصبة " فلفت نظرى جمع من الناس امام المحل الذى قبض فيه على حسونه وسعدون فاستربت واستغربت ، ثم انتحيت ناحية متحرزا ان يفطن بى فاذا منظر قد هزنى فى اول الامر ، منظر العلم الجزائرى يرفرف على البناية ثم اذا يد اثيمة تمتد لذلك العلم فتجذبه جذبا وتمزقه تمزيقا وترمى به الى الارض ! فأحسست بالدم يغلى فى عروقى واحسست كان الارض قد مادت بى ، ولم اعد اطيق صبرا ، فدنوت - فى حذر - من الجمع ونظرت كرتين فاذا شرذمة من جنود اللفيف الاجنبى والبوليس وكأن قد ساخت بهم الارض .. او مات لهم ميت ! يتطلعون بأعينهم الى شرفة المنزل ويتساءلون .. لقد رايته ياسلمى ! رأيته بنفسى يمزق العلم ويرمى به !

سلمى : ثم ماذا يا صابر ؟

صابر : ارهفت السمع ياسلمى واسترقت الحديث ان الجنود قد ثارت ثائرتهم         وطعنوا فى الصميم ! لم يكونوا يتوقعون ! لقد بهتوا عند رؤية العلم         الجزائرى وهم الذين اوصدوا المحل ، وشمعوه بعد ان قبضوا على        حسونه وسعدون ! ولكن (( سعدون )) آخر قد تحدى مكرهم فنصب        العلم رفرافا رغم حظر التجول وبطش الجيش !

سلمى : هم اذن ينتقمون :

صابر : اهانة ستغسل !

سلمى : تعنى انك ...

صابر : ( يشير اليها باصبعه ان اسكى ! ) ثم يقول : ناولينى ياسلمى ! عجلى !

سلمى : ( فى شبه اضطراب ، تهم بالكلام .. ثم تخرج عنه وتعود اليه بعد حين         فتناوله لفافة يختطفها من يدها بلهفة ويدسها فى ثيابه .. تنظر لصابر         وكأنما تريد ان تقول شيئا فلا تستطيع .. تضغط على يده .. ثم         تنهد على كرسي ..

صابر : ( يربت على كتف سلمى ) - الى اللقاء يا سلمى !

سلمى : الى اللقاء يا صابر !

الأم : كان الله .. فى عونك .. يا بنى !

المنظر الثانى

فى ضيعة بعيدة عن القرية ، غرفة مظلمة موحشة اقيمت الى جذع نخلة .. صابر وعمران وصالح .. كاشباح الظلام جالسون القرفصاء ينظرون الى بعضهم ولا يتحدثون الا همسا ! خارج الغرفة .. نباح الكلاب يمزق الصمت فيتردد صداه .. ريح تهب بشدة فتذعذع الاشجار !

صابر : هم يخرجون من ثكنتهم كل ليلة احد ويذهبون الى المرقص ! انها فرصة ربما مكنتنا من تنفيذ خطتنا فى هذه الليلة بالذات !

عمران : لا بد من الانتقام !

صالح : الانتقام لا بد منه ! سننتقم ! سنثأر للعلم المداس ! ولكن يجب ان        تنجح الخطة !

صابر : ليس ذلك علينا بعزيز !

عمران : ولكن كيف العمل ياصابر ؟

صابر : ننتظر قليلا ريثما يأتى الينا فهمى ثم نرسم الخطة ، على ضوء ما يزودنا        به من معلومات !

عمران : هل انت واثق من اخلاص فهمى ياصابر ؟

صابر : نعم كل الوثوق !

عمران : ولكن ..

صابر : لا تخش شيئا ! انه من ارسخ الشبان ايمانا ، ومن اشدهم بأسا ،        ولكنه استطاع ان يعمل حتى الآن فى طى الكتمان !        هو بالنسبة للفرنسيين من (( ابناء الذوات )) وليس من (( المشبوه فيهم ))        وسيعيننا ذلك على تنفيذ الخطة !                (الباب يطرق ... )

القادم : فهمى ! انا فهمى ! افتحوا الباب !

صابر : ( يخرج رأسه فى خشية ) ثم يقول : فهمى ! تفضل !                (يدخل فهمى ، فيلتف حوله صابر وعمران وصالح)

صابر : ما وراءك يا فهمى ؟

فهمى : لقد كان ما أمرت به ! ذهبت الى الثكنة وترصدت خروج الجنود ،         ولكنهم لم يخرجوا الا بعد ان اعيانى الوقوف !

صابر : ثم ماذا فعلت ؟ وماذا لا حظت ؟

فهمى : لقد خرجوا الليلة متخففين من رشاشاتهم .. الا من بعض مسدساتهم         ولقد اثبت بينهم الجندى (فابر) الذى مزق العلم !

صالح : اللعين ! سنمزق احشاءه !

صابر : هل تبعتهم ؟ هل عرفت وجهتهم ؟

فهمى : نعم ! لقد اتجهوا نحو حانة (( ببينو ))

صابر : حانة ببينو ؟

فهمى : نعم حانة ببينو ! انها بعيدة عن ثكنتهم ! ولقد دخلت انا نفسى الحانة         حتى اتعرف الى المحل .. وأرى ما يصنعون !

صابر : وقد دخلت يا فهمى ؟

فهمى : نعم ياصابر انهم لا يعرفون من امرى شيئا وقد كان لزاما ان نعلم درجة         سكرهم وان نطمئن على رجال البوليس والجندرمة ان كانوا هناك !

صابر : اذن ما رأيك يافهمى ؟ الفرصة مواتية ؟

فهمى : نعم انهم سيقضون جانبا وافرا من الليل هناك ! لقد تركتهم فى        غمرة .. الا ليتكم رأيتم ما رايت ! اذن لاقشعرت ابدانكم واشمأزت        نفوسكم !: جوا ثقيلا ، وضوءا باهتا ضئيلا ، ودخانا كثيفا يملأ فضاء        القاعة وصخبا وضجيجيا وموسيقى محمومة يرقصون عليها وقد تشنجت        اعصابهم ، ولعبت الخمر برؤوسهم جميعا .. فهم يقهقهون ، ويترنحون        ويغازلون من هناك من نساء مائعات ، فاجرات النهود والالحاظ ! لقد        رأيت شيئا عجبا : جنديا عربيدا يراود امراة فتزور عنه الى آخر فاذا        هو يشمر عن ساعديه ويشبعه ضربا ، متحمسين لهذا وذاك فى عراك        وصياح ، كراسى ومناضد وكؤوس خمر مهشمة ، وشظا يا زجاج ..        ضابطا فى ركن القاعة يتقيأ امعاءه وقد انتفخت اوداجه واحمر وجهه ،        ونتأت بطنه فبدا براسه الاصلع كخنزير واقف على رجليه الخلفيتين . . نسا

صابر : كفى وصفا يا فهمى ! كفى ! آن ان ندبر الخطة ! ( يقترب الجماعة من        صابر كانما يترشفون كلامه ، او ينتظرون امرا خطيرا ) سنندس فى        الظلام بعد حين ! (ملتفنا الى عمران) تختفى انت يا عمران وراء سياج        قريب من الثكنة فتراقب حركات الجند حين عودتهم وتعطى اشارة اطلاق       النار فى الوقت المناسب ، وانت يافهمى (ملتفتا الى فهمى) تكون فى       زاوية النهج لا تطلق النار الا اذا لاحقنا الجند واقتفوا اثرنا !       اما انت يا صالح (ملتفتا الى صالح) فتتسلق شجرة من الاشجار القائمة       على طرفى الطريق واتسلق انا شجرة اخرى مقابلة ، وننتظر هناك       عودة الجند لتنفيذ الخطة ! افهمتم ؟

صالح - عمران - فهمى : الخير فيما دبرت !

صابر : لنستعد اذن ولنتوكل على الله !        (يخرج صابر رأسه من الغرفة فلا يرى شيئا .. فيلتفت الى رفاقه ويشير        عليهم بالخروج ! يتسلل (( الجماعة )) الواحد بعد الاخر ويوغلون فى الظلام

المنظر الثالث

طريق ممتدة ، تحف بها اشجار ملتفة ، وتضيئها مصابيح كهربائية محتشمة ، جنود سكارى يتمايلون ، ويترنحون ويرسلون القهقهة بعد القهقهة .. بقية انغام سكرى مقطعة نابية على السنة بعضهم كأنما ترددها اسطوانة مجروحة .. يسير الجنود الى الثكنة ولا شئ ينذر بالخطر .. وفجأة تنطلق طلقات النار ..

- تاك ! .. تاك .. تاك    (تجيبها طلقات اخرى)    تاك .. تاك .. تاك ..    (ارتباك وفزع فمن ملقى على الارض ومن ناج بنفسه ، ومن فزع    مرتاع .. وتتوالى الصيحات !:

- النجدة ! النجدة ! ادركنى ! ادركنى ! - الى يا جاك ! قد قتلت آه قد قتلت ! - مات (( فابر )) ! مات (( فابر )) ! يا فيليب ! - البيكو ! البيكو ! (( الفلاقة )) (( الفلاقة ))    انبطح يا ميشال ! انبطح يا بول ! - هات لى منديلا ! هات لى .. دمى ينزف منى نزيفا !.. - رأسى ! رأسى !..

- رأسى - رجلى - عينى . . بطنى .. رجلى .. - الويل لهم ! الويل لهم ! اطلق النار يا فيكتور - (تنبعث طلقات نارية مجنونة فى الفضاء) - تاك .. تاك .. تاك .. - انقذنى ! انقذنى - النجدة .. النجدة ..    (تأتى سيارة الاسعاف بعد حين .. تغيب الصيحات ويزول العويل ..)

المنظر الرابع

سكن الليل ولما تسكن العاصفة .. فما كاد الجنود يعودون الى ثكنتهم ، وما كاد وقع المفاجأة يزول حتى خرجوا من جديد مدججين بالسلاح عازمين على الانتقام ، فاتجهوا صوب البلدة ، وكانت ليلة مجنونة ! فما من شيخ هرم او عابر سبيل ، او جالس فى مقهى الا وكان نصيبه القتل والتنكيل .. ولكن ذلك لم يطف غليلهم فاقتحموا الدور على اهلها ، ففتكوا ، وقتلوا .. وعذبوا .. وعاثوا فسادا .. وكان الرعب ! وكان الهول .. وكان التفتيش عن المشبوه فى امرهم .

.. سلمى ممددة نائمة على فراشها فى ركن البيت .. امها فى الركن الآخر تسعل من حين الى حين او تشخر شخيرا دويا .. وقع اقدام على سقف البيت .. الباب يطرق بشدة .. سلمى تستيقظ من نومها مذعورة .. فتسمع ولا تصدق .. ثم تقفز من فراشها وتصيح :

سلمى : أماه ! اماه !..

الأم : لبيك سلمى ! ماذا ؟ ماذا جرى ؟

سلمى : الباب يطرق .. افيقى !.. افيقى !

الأم : اى باب ؟ يا الهى ! ابعد عنا الشر يا رب ابعد عنا اللصوص بارب !       اشعلى المصباح يا سلمى ! اشعلى المصباح !       (سلمى تمر بيدها على الحائط فلا تجد الزر الكهربائى ، لشدة ما اصابها        من الذعر والارتباك)       يفتح الباب عنوة فيدخل نفر من الجند على رؤوسهم خوذات من حديد       وبأيديهم رشاشات وبنادق .. يتجهون توا الى بيت سلمى :

سلمى : (وقد بدت كالمجنونة فى ضوء ضئيل مسلط عليها من مصباح بيد         جندى :) ادركونى .. النجدة النجدة ! لصوص .. لصوص         اللصوص !

جندى : اسكتى ! ارفعى يديك والا قتلت !

سلمى : من انتم ؟ ماذا تريدون ؛ ماذا فعلت رباه ماذا فعلت ؟         (احد الجنود يهتدى الى الزر الكهربائى فيضغط عليه ، فتبدو سلمى         واضحة المعالم)

سلمى : (وقد مسكت اعصابها وتشجعت اذ رأت الجنود) انتم ؟ ماذا تريدون ؟         لماذا جئتم فى هذا الليل ؟         (الام العجوز تنظر فترى الجند .. ترفع يديها تحاول ان تتكلم فيغمى         عليها)

سلمى : (وقد رات امها فى حالة اغماء) امى افيقى ! لاتخافى .. لا تموتى ..         (تنحنى على امها)

جندى : (يأخذ بشعر راسها فيجذبها اليه ويلطم وجهها بكلتا يديه) قفى         يا فاجرة ! تكلمى !

سلمى : (باكية) تخل عنى ! لا تمسس يدى ! قساة قساة !         (ها .. ها .. ها . . ها ..)         ( قهقهة ساخرة من طرف الجنود)

جندى : (ملتفتا اليها) انك فتاة جميلة ! انظر اليها يا فيلب ! الس كذلك ؟         (ملتفتا اليها مرة ثانية) ولكن جمالك لن ينفعك شيئا ! انت قبض يدنا         الآن ، ستقولين الحق او تموتين ! خذى (يلطمها)

سلمى : (محاولة التخلص من ايدى الجند) انتعدوا عنى . . خلوا سبيلى !         النجدة ! النجدة !

جندى : ادعى الفلاقة اليك ينجدوك !         (يضربها) والآن تكلمى ! اين صابر ؟

سلمى : لا ادرى !

الجندى : قولى اين صابر والا قتلتك ! اجيبى ! تكلمى !

سلمى : (وقد انتفخت عينها من شدة الضرب) لبس هنا !

الجندى : اين هو اذن ؟ قولى يا فاجرة !

سلمى : لست فاجرة ! بل انتم الفجرة !

الجندى : (ها . . ها . . ها . . نحن الفجرة ! يضربها ضربة تسقط من جرائها          على الارض ولكنها سرعان ما تتحامل على نفسها فتستوى واقفة )          قولى اين صابر !

سلمى : قلت لكم لست ادرى ! لست ادرى !

جندى آخر : (يركل العجوز برجله ثم يلتفت الى سلمى ويقول :) هات السلاح        يا خبيثة !

سلمى : اى سلاح تريدون ؟ ليس لدينا سلاح يا قساة القلوب ؟

جندى : هات سلاح صابر أسرعى ! اضعت علينا وقتا كثيرا !

سلمى : ليس لدينا سلاح !

جندى : الانكار لا ينفعك ! (يضربها) بل خير لك ولامك العجوز ، ان تقولى !

سلمى : (ساكتة)

جندى : اجيبى (يمسك بأذنيها فيهزها هزا عنيفا)

سلمى : (تفلت منه فتجرى) تخلوا عنا .. اذهبوا عنا .. اذهبوا .

الجندى : (يمسك بها من جديد) اين السلاح ؟ تكلمى !

سلمى : ليس لدينا سلاح ! السلاح عندكم !

الجندى : السلاح عندنا ؟ ستموتين به يا خبيثة !          (يلتفت ضابط الى بقية الجنود)

الضابط : فتشوا عن السلاح ! لا تدعوا شيئا الا رأيتم ما فيه !          (الجنود ينبثون فى كامل الدار بينما يجر الضابط سلمى الممتنعة ، المحتجة          فيرمى بها فى غرفة من غرف الدار بدعوى التفتيش معه عن السلاح          ويوص وراءه الباب)          ( بقية الجنود ينفذون ما امروا به من التفتيش) - جاك ! ايت جاك ! هذه (( جرة )) لابد ان يكون بها سلاح !    (يأتى جاك فيضرب الجمرة بمقبض بندقيته فتذهب شظايا يتدفق من    الجرة زيت فيسقى الارض !)

- ما هذا يا جاك ؟ - الا ترى ؟ انه زيت ! هؤلاء العرب يختزنون كل شئ .. حتى امعاء    الكباش ! - تاك ! تاك ! تاك !    (جندى اخر يضرب جرة اخرى فى ركن البيت تكسر هى ايضا ويختلط    ما كان بها من دقيق مع الزيت المسنوح)    (يضحك الجنود .. ها .. ها .. ها) - الم اقل لكم انهم يختزنون كل شئ ؟ - حتى السلاح ! يا جاك ! - افتح ذلك الصندوق يا ميشال !    (يعالج ((ميشال)) الصندوق .. لحظة ثم يفتحه) - هلموا .. اندرى .. جاك .. هو ذا كنز السلاح !    (يقدم الجنود بسرعة فيطلون فاذا الصندوق ملئ بالكتب والكراريس)

جندى : (يتناول فى خيبة امل كتابا من الكتب فيقرأ :) البؤساء .. Les Miserables

جندى آخر : الا ليت الوباء اخذهم جميعا ، اخرجناهم من الظلمات الى النور         وعلمناهم لغتنا ورفعناهم الى مستوى البشر فانقلبوا ذئابا         (تسمع سلمى من بعيد ولا ترى - تصيح وتستغيث :

سلمى : تنح عنى ياذئب ! ابتعد عنى يا خبيث ! خلى سبيلى ! ابتعد عنى !        ذئاب ! ذئاب ! ذئاب ..

جندى : (ملتفتا الى اصحابه وقد سمع صياح سلمى) كلهن كهذه ! يفضلن         الموت والتعذيب على تسليم انفسهن !

جندى آخر : حتى البغايا منهن يا ميشال يكرهننا !         (يعود الجنود الى التفتيش ، فيفرغون ما كان بالصندوق)

جندى : (يركل الكتب والكراريس برجله) ومع ذلك ينكرون صنيعنا وينسون         يدنا عليهم !         (يخرج الضابط من الغرفة التى كانت بها سلمى ، فيبدو موتر الاعصاب         محمر الوجه فى حين نلمح سلمى من بعيد ملقاة على الارض)

الضابط : (يصلح من شأنه ثم ينظر لبقية الجنود) - هل وجدتم شيئا ؟

الجنود : لم نجد شيئا !

الضابط : انها اصرت على الانكار .. لنا عودة .. والآن لا بد من التفتيش عن         صابر .. هلموا !  (يخرج الجنود)

المنظر الخامس

فى صباح اليوم التالي ، جو غائم ثقيل ، مطر رذاذ يتساقط ، واوراق خريف ذاوية .. ظلمة .. ووحشة ووحل .. كان الكون فى ماتم ! سلمى على كرسى مورمة الوجه والعينين ، ساهمة ، ناهتة النظرة ، يدها على خدها مغرقة فى تفكير عميق ومسترسلة الى هواجس نفسها ... كانما تنظر الى الغيب من وراء ستار !

زيت مسفوح . . وشىء من دقيق .. وشظايا فخار .. وكتب واوراق وكراريس مبعثرة ! امها العجوز ممددة على حصير - كما كانت - تئن انينا وتهذى :

الأم    : سلمى ، سلمى ابنتى

سلمى : لبيك امى ! لبيك !

الأم   : صابر ! يا صابر ! الى يا ابنى ! اجبنى

سلمى : صابر لم يأت بعد يا اميمة ! خففى عنك !

الأم    : تتململ على الحصير ثم ترفع رأسها فتنظر ذات اليمين وذات الشمال          كانها تفتش عن شىء فلا تبصره فتحدق بعينيها !) صابر ! صابر ! يا الهى          (تبكى بعين غزيرة)

سلمى : بالله عليك الا ان سكت يا اماه !

الأم    : رأيته البارحة فى فم اسد ! اين اخوك يا سلمى ؟ تركته للوحوش  ..         وحوش .. وحوش .. (تحدق مرة اخرى بعينيها كأنما تبصر شيئا ثم         ترفع يديها وتصيح !:)

انظرى سلمى ! انظرى .. ( تدنو سلمى من امها ) انظرى جماجم الموتى تتدافع . . وتتراقص وتتلاحق وتترامى وتطفو كالفقاقيع فوق بحر من دماء ! بل انظرى الى بحر الدماء وقد طمى وازبد وارغى وتقيأ حمما .. دما صديدا .. واجساما مقطوعة واشلاء .. انظرى سلمى ! افلا ترين ؟ انى ارى كواسر .. وافاعي .. ولحما نتنا متهوشا وهولا شديدا .. اعصارا من رمال وصواعق ..

سلمى : (فى اضطراب شديد) وحوش يا اماه ! وحوش ! رحماك ربى !

الأم   : انزلى ايتها اللعنة        اقصفى ايتها الرعود !      تفجرى ايتها الصواعق      تدفقى ايتها السيول !      الدمار ! الدمار !      الموت ولا العار !      الدمار ! الدمار !      الموت ولا العار !

سلمى : (تصيح) اماه ! اماه ! اماه ! (تخشى على امها مسا من الجن )       فتقرأ : قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق (تعيدها ثلاثا !)

الأم    : (وقد تصبب وجهها عرقا) صابر ! ابنى ! صابر ! الى . . اكله الاسد !         اكله الاسد !

سلمى : صابر بخير .. بخير .. بخير ..

الأم    : صابر .. صابر .. صابر .. بخير .. بخير .. بخير .. ( ترتخي اعصابها          فتغمض عينيها .. يأخذها نوم خفيف)

سلمى : (مرتبكة .. مصفرة الوجه .. تضع يدها على جبين امها ثم تأخذ منديلا         فتمسح لها وجهها .. تغطيها وتزملها .. تنظر للكتب امامها         والكراريس والاوراق )

- بئست الكتب كتبهم ، بئس ما كانوا يقولون .. ويعلمون ..    ويدعون . . حرية مساواة ! اخوة ! كذب ! نفاق ! نفاق ! .. انهم    يكذبون هم ودعاتهم ، وساستهم .. وكتابهم .. ومدارسهم ! (( مدارسهم خلاء )) (( واقوالهم هباء )) (( واعمالهم رياء )) (( وظاهرهم طلاء )) يقتلون باسم المدنية ! ويعذبون باسم الانسانية ويدعون انهم يرفعون مشعل الحرية ! الا بئس ما كانوا يقولون ! وبئس ما كانوا يكتبون ! وبئس ما كانوا يدعون ! ( تئن امها العجوز تم تفتح عينيها ، فتذهب سلمى لنجدتها )

المنظر السادس

فى عتمه يوم من الايام ، فى جبل (( اوراس )) الشاهق الجميل حيث التفت الاشجار وكثرت الادغال وعزت المسالك ، خيم منتثرة هنا وهناك واعلام مرفرفة . ومجاهدون فى حركة دائبة .. ورجع نشيد ترده قمم اوراس : (( قسما بالنازلات الماحقات .. قائد الفرقة منكب على خريطة جغرافية وسط خيمته يتبين خطوطها على ضوء شمعة .. يستأذن فى الدخول عليه مجاهد . فيحيى تحية عسكرية ثم يقول :

المجاهد : فتاة جزائرية التحقت بصفوفنا وهى تطلب الاجتماع بك !

القائد : فتاة جزائرية ؟ هل تثبتم من هويتها ؟

المجاهد : نعم قد اتصلت برجالنا منذ ايام وخاضت بعض المعارك خوض الابطال !

القائد : ادخلها اذن !         ( يخرج الجندى وتدخل فتاة فارعة القامة ، فى زى عسكرى انيق ..          يستقبلها القائد تحيى .. تحدق فى وجهه ثم تصيح كمن اكتشف          سرا غريبا .)

الفتاة : صابر ! من ارى ؟ اخى صابرا ؟

القائد : اخوك ؟ سلمى هنا ؟ اختى سلمى ! مرحبا !

الفتاة : ( تتقدم الى اخيها ، فيتعانقان ) - صابر اخى ! انت حى ! كم انا        سعيدة يا صابر ! كدت لا اثبتك بهذه اللحية !

القائد : ( متضاحكا ) انا صابر يا سلمى ! مرحبا بك ! اثها لمفاجاة ...        ولكن .. امنا ؟

الفتاة : ( تترقرق دمعتان فى عينيها ) ماتت يا صاير بعد ان اصابها شبه        جنون !

القائد : ( مقطب الجبين ، بليغ التاثر ) رحمة الله عليك يا امى ! لقد كنت برة        حنونا !

الفتاة : كان آخر ما قالته قبل ان تسلم الروح لخالق الروح : صابر ! اين       انت ؟ لتكن رجلا حيثما كنت !

القائد : رحمة الله عليها وعلى كل ام ! سننتقم يا سلمى من اولئك الذين         نغصوا بالها واثاروا بلبالها ! سننتقم !

الفتاة : سننتقم !

القائد : عمران ايضا قد مات يا سلمى !

الفتاة : (مضطربة . متأثرة) مات عمران ؟

القائد : نعم مات يا سلمى منذ شهر فى معركة حامية دارت بيننا وبين العدو !        لقد اذاق الاعداء كاس عذاب !

الفتاة : رحمة الله عليك يا عمران ! لقد كنت شهما وفيا .

القائد : رحمة الله عليه وعلى كل شهيد

المنظر السابع

فى نفس الجبل بعد اشهر مضت ، مجاهد ماسك برشاشته قائم على الحراسة ، بعض المجاهدين يصلحون من شان اسلحتهم ، مجاهدان تحت شجرة يقلبان سلاحهما ويتحدثان !

- انا لم اعد افهم - ما الذى لم تعد تفهمه يا نبيل ؟ - سلوك سلمى يا صالح ! - سلوك سلمى ! ما الذى اغمض عليك فيه ؟ - غرابة اطوارها ! - غرابة اطوارها ؟ ( متضاحكا ) اى اطوار يا نبيل ؟ ان اوهامك تلاحقك    حتى فى الجبل ! - دع عنك هذا ياصالح ! لك عينان لكنهما لا تبصران ! انا ايضا لم اعد افهم عنك ! قل افصح ! تعنى ان سلمى ... لا ! حاشا ان اتهم سلمى بشئ ! - ماذا اذن ؟

- انا يا صالح لم ار فى حياتى قط فتاة كسلمى شجاعة وايمانا واقداما وصبرا حتى ليخيل الى انها تسعى الى الموت قبل ان يسعى الموت اليها ! انها تخرج ليلا وتنصب الكمين تلو الكمين ، وتلبى نداء الجرحى حيثما كانوا فتسعف وتواسى ولا تتكلم الا قليلا ! نعم انا لم انس شيئا مما قامت به سلمى ! كما لم انس ذلك الكمين الذى نصبته لجنود العدو منذ ايام فظن كل واحد منا انها ماتت او وقعت فى الاسر فى حين استطاعت هى - فى غفلة من الاعداء - ان تلحق بصفوفنا رغم كسر فى رجلها اليسرى !

- لله ابوها ! ولكن ما العجب فى ذلك ؟ او ليست كبقية اخواتها المجاهدات اللاتى يتلقين الرصاص بصدورهن ، ويفدين الوطن بارواحهن ويخلدن على الدهر مثالا فى البطولة والصمود ؟

- اى نعم يا صالح ! ولكنى شاهدت تحولا عجيبا فى حياتها منذ ايام ! اى تحول تعنى ؟ ويحك ! انا لا .. - هون عليك انا لا اشك قط فى وطنية سلمى وايمانها واقدامها ...    لا ... ولكنى رايتها مجهدة .. مكدودة تطيل التفكير وتسترسل    الى التامل ولا تخرج من هذه الغيبوبة الا لتعود اليها ! والله انه    ليخيل الى انها نهب هواجس وافكار تتاكلها وتذيب منها الشحم    واللحم !

- لعل وقوع صابر فى الاسر قد اثر على نفسها ! - لا يا صالح ! انها لم تعد تنقل خطوها الا بمشقة وعسر ! انها    مريضة .. انها مريضة ! الم تر الى وجهها كيف شحب والى ابتسامتها    كيف انطفات على ثغرها ؟ انى ما رايتها الان الا وخيل الى ان طائفا    من الموت يراودها !

- وانا ما نظرت اليك يا نبيل الا ورايت طائفا من الموت يراودك ! - انت يا صالح كما عهدتك لا تفارق دعابتك ومزاحك حتى فى اشد الحالات عسرا .. ولكنى جاد يا صالح .. انا جاد ..

- وانا جا يا نبيل ولكنى لا اقرأ ما توسوس به الصدور ! - وهل تظن انى اقرأ ما توسوس به الصدور ؟ ولكن .. اني رابتها    تتسلل ليلا كالمضطربة الولهى فتاخذ فى مناجاة نفسها كان بها    مسا من جنون .. ولولا .. (يحجم عن مواصلة الكلام) .. - قل .. اتمم !

- لولا تقديرى لسلمى وايمانى انها فتاة شريفة لقلت انها عاشقة    او حامل ! - استغفر الله ! استغفر الله ( صفارة القائد تاذن المجاهدين بالتجمع ..    يلبى المجاهدون النداء .. )

المنظر الثامن

( فى ليلة زاهرة ، مقمرة ، سلمى جالسة الى جذع شجرة قريبة من خيمتها ، تنظر الى السماء وقد القى القمر على وجهها غلالة من نور فبدت كالمتعبدة الضارعة ، او المنتظرة رحمة من ربها .

سلمى : يا الهى ! يا خالق الكون ومدبر الارض والسموات ! يازارع الامل       فى النفوس ومدخل الايمان فى القلوب يا من جعلت من العدم حياة ،       ومن الضعف قوة ومن العسر يسرا ، يا منقذ الياس ومطمئن الخائف ،       وناصر الحق بالحق ! يا الهى ! يا ملاذى فى وحدتى ! وانيسى فى       حيرتى ، يا من لا نصير لى غيرك اليك تضرع نفسى يا رب !       ماتت امى فما حزنت !       وعذب اخى فما يئست !       وتشردت فما ضعفت !

ودعيت لنضال وباس فجاهدت وصمدت ! ولكن انت ادرى بالسر الرهيب يا من جعلت لكل شىء سببا ! انت ادرى بحالى منى يا مدبر الخلق !

لقد ضقت ذرعا بهذا الجنين الذي نفثه الوغد فى دمى فى ليلة هول ولا قوة لى ولا حول ! ماذا افعل يا رب ؟ لقد اخفيت الامر عن امى رافة بها حتى ماتت ، واخفيته عن صابر حياء منه حتى وقع فى الاسر ، ومات عمران فاراح واستراح !

والآن ماذا يكون مصيرى يارب ؟ ماذا يقال عن سلمى اذا مخضت ؟ كيف القى الاهل والاخوان ؛ كيف القى صابرا اذا ما عاد من اسره ؟ كيف . . كيف . . ( تبكى ) لا ... ابدا ! هذه الاحشاء سامزقها ! هذا (( الوعاء )) الذى وهب (( للصديد )) حياة ساقضى عليه ! لا .. لا ..! انا ألد ؟ ابدا ... ما كان (( ابى امرا سوء )) وما كانت امى بغيا .. لا .. لن يكون هذا البطن مهدا للاشرار .. لا .. لن ادنس هذه الارض لهذه الجرثومة القذرة !

ولد بلا اب ؟ ومن ابوه ؟ جندى عربيد انتهك الحرمات وانتزع شرف الابرياء وادخل الفزع والرعب ! لا .. لا .. لن يكون لى ابنا ! انه ليس منى فى شىء .. انا سمراء انا جزائرية .. اما هو فلن يكون الا اشقر خبيثا كابيه .. لن يكون الا فاجرا كفارا .. ساقتله ! .. سامزقه ! سادوسه ! سارمى به فى التراب ! ساخنق فيه كل جرثومة تسسلت الينا ! ساقتل فيه كل فرنسى تغذى دمنا عنوة وقهرا !

يا الهى ! ما العمل ! لقد اظلم الدرب وانهارت قواى ! ( تقف سلمى فتذرع الارض جيئة وذهابا ) ساقتلة لا محالة .. ساقتله ! ولكن ما ذنب هذا الجنين يا رباه ؟ هلا اكون جانية اذا ما قتلته ؟ أاقتله ام ابقى عليه ؟ لا ! خير له ان اقتله ! لو ابقيت عليه لجعلت منه انسانا يستحى من امه ويشقى بماضى ابيه ! لا .. سوف لا ابقى عليه .. انه نفث فى ليلة هول .. سيموت ! ساميته ! ساميته ! ( تبكى سلمى . . ثم تنهد على صخرة قائمة فتجلس عليها كما كانت . ) يا رب اليك الملاذ والمال .. انت اعلم بما قدرت وما سيكون !

(( انت ادرى يا رب منى بخيرى

                     فليكن ما تشاء ، لكن نفسى

ضعفت فى شقائها فترفق

                 واعذها رحماك من كل ياس )) (1)

المنظر التاسع

فى جوف ليلة ظلماء - فى نفس الجبل حيث لا يسمع الا نعيق البوم ، ولا ترى الا رؤوس الاشجار تتماوج مع الظلمة ، خيام المجاهدين تقوم تحت الاشجار كالاشباح .. لا يبدو منها الا نور ضئيل لاهث ! صياح انبن كنداء المستغيث .. آه ! آه .. ! يا الهى ادركنى . . ادركنى !

- لم اعد استطيع - لم اعد اقوى يا الهى ! اين انت يا رب .... ( وقع اقدام تسير بسرعة ... يتجه احد (( الاشباح )) الى خيمة فى اقصى المعسكر ... يدخل فيلقى نور الشمعة على وجهه بعض خيوطه ، مجاهد فى زيه العسكرى يستوى واقفا وقد كان يستمع الى مذياع صغير ، ورشاشته بين يديه  )) - ما الذى جاء بك ؟ ماذا حدث ؟

القادم : سمعت نداء انينا منذ حين فخشيت ان يكون قد تسرب الينا عدو او        الم بنا مكروه ! فاتيت اخبرك ايها القائد !

القائد : نداء ؟ انين ؟ من اين ؟

القادم : تسمعت قليلا ثم تتبعت مصدر النداء فاذا هو فى خيمة سلمى !

القائد : فى خيمة سلمى ؟ ماذا اصابها ؟

القادم : دخلت عليها الحيمة فاذا هى من شدة الالم كانما تمزق احشاءها تتلوى       على فراشها وتئن وتصيح ولا قرار !

القائد : سلمى مريضة ؟ سلمى على مثل هذه الحال ؟ هل ناديت لها الدكتور        (( سعيد )) ؟

القادم : نعم توجهت الى الدكتور سعيد قبل المجيء اليك فاعلمته بالخبر فخف        لحينه !

القائد : (مقطب الجبين) سلمى مريضة ! انها لم تكن تعرف الاعياء ولا الشكوى !

القادم : نعم ان بها ألما شديدا

القائد : اذهب يا سليمان ! عدها وانظر ما يقول فى شائها الدكتور ! انا فى انتظارك ! ( يحى (( الجندى )) ثم يخرج وينصرف .... )

المنظر العاشر

فى نفس المكان ، القائد يبدو عليه اجهاد وتوتر ... يذرع الخيمة يمينا وشمالا ويهمهم كالمخاطب نفسه .

القائد : لم ار فتاة كسلمى شجاعة وايمانا وصبرا ! ان امرها الليلة لغريب !        انى لم ارها منذ توليت قيادة هذا المعسكر تشكو تعبا او تضيق بعمل       ( وقع اقدام تقترب ... يتسمع القائد ثم ينظر الى الساعة .. ) - انه       سليمان ! قد قدم من لدن الدكتور ولكن لم اراه قد ابطا كل هذا الابطاء !      (يخرج راسه من فرجة الخيمة)

القائد : شبحان فى الظلام ! ارى شخصين قادمين ! ( يتوجه الشخصان للخيمة فيدخلان ... )

القائد : سليمان ! الدكتور سعيد ! اراك مضطربا ما الخبر ؟

الدكتور : ( مضطربا ، متاثرا ، مثلعثما ) كنت اظن بها مرضا او علة طارئة !       ولكن

القائد : ولكن ماذا ؟

الدكتور : ادركت سلم وقد مخضت !

القائد : ماذا ؟ ماذا تقول ؟ ويح سلمى !

الدكتور : نعم ادركتها وهى تقاسى آلام الوضع

القائد : اى وضع ؟ مستحيل ! سلمى فتاة شريفة انا لا اصدق ! انا لا اصدق

الدكتور : حاولت جهدى اعانتها والتخفيف من حدة آلامها .. ولكنها كانت        كالمحمومة ... كالمجنونة ...

القائد : ثم ماذا ؟

الدكتور : وضعت بعد جهد وعسر .. ولكن .. ولكن المولود مات .. مات       بين يدى !

القائد : مولود ؟ مات ؟ كيف ؟

الدكتور : صاح صيحة واحدة ثم مات .. لقد اختنق وهو يفارق ارحام امه !

القائد : وسلمى !

الدكتور : نظرت الى فى اول الامر مستفهمة فاردت ان اخفى عنها الحقيقة ،      ولكنها فطنت للامر ! ادركت انه مات فهزت راسها وقالت كالمجنونة      (( كما يموت الكلاب )) !

القائد : سننتقم لها ! سيجنى الجانى ما اقترفت يداه !

الدكتور : ولكن سلمى قد ماتت هى ايضا .. ماتت

القائد : الله اكبر ! سلمى ماتت ؟ ويحك اجننت !

الدكتور : ظننت انه اغمى عليها فى اول الامر فقمت اليها انضح وجهها ماء       فنظرت الى ثم قالت فى شبه ابتسام : كذا يغسل العار ! كذا       يغسل العار !

القائد : يا للمسكينة !

الدكتور : ثم اسندت راسها الى الخيمة واغمضت عينيها فعجلت باخذ يدها       ولكنى لم اجد بها نبض حياة ! لفظت نفسها الاخير ! ماتت !

القائد : سليمان . الدكتور : ( ينظرون فى وجوم الى بعضهم ) . ماتت سلمى !

القائد : (وقد اغرورقت عيناه دموعا) رحمة الله عليك يا سلمى !

الدكتور : سليمان . رحمة الله على روحك الطاهرة ! ( يتنفس الفجر )

اشترك في نشرتنا البريدية