الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

البطل اليسارى فى الرواية العربية المعاصرة

Share

(*) - 3 - ولعل فى هذا خطوة ايجابية أن تتطور الرواية العربية نحو الاصلح وتستوعب جدلية تغيرات عصرها ، وتكون بذلك الرابط الامين بن الاجيال اللاحقة والحقب التاريخية التى فاتتها ، لان قيمة الادب الوثائقية هي فى القدرة على تصوير الظروف ومتغيراتها ثم فى الاستجابة والتأقلم مع متطلباتها وبما ان عصرنا أم يعد عصر خوارق ومعجزات ، فانه من الطبيعى أن يصبح الحضور الجماعى السمة الخصوصية له والطابع الغالب عليه . ومن ثم تأتي رواية " الايام الطويلة " لتدلل - قوميا ومحليا - على أن طريق التغيير والتحرر ليس ضربا من التبجح والتبرج بقدر ما هو قناعات وتضحيات جماعية وتناسق حركى وايمان مؤجج بحتمية النصر

- " أرى يا شباب . غدا . . علما يرف على كل قطعة فى أفق بغداد . رى دونا أخضر فيستظل به كل أهل هذه المدينة أرى وطنا خاليا من الجوع ، خاليا من الارهاب . . خاليا من أيما جسد يتلظى تحت السوط " ) 69 (

وهذا الجيل الذى تحدث عنه عبد الامير معلة ليس جيل أحلام رمانسية وأمنيات معسولة تستوى فى نظره الحياة والموت ، ويحمل السلاح ليسقط النظام الفاشى المتربع على الحكم ، ولذلك ، فلا يعتبر جيلا من الشباب الكسالى والمتعاطين للخمول والنوم . ولقد استطاع هؤلاء الشبان تحريك كامل الاوساط ابتداء بالاوساط الطلابية الجامعية والعمالية ، انتهاء بالاوساط الشعبية التى لا تهتم بغير الخبز اليومى عن طريق مناشيرهم

ودعايتهم المكثفة وتحركاتهم الموجهة الى كامل الفئات . وبفضل خلاياهم الثورية المتواحدة في كل مكان ، استطاعوا زعزعة أركان النظام المنهار وادخال الرعب فى هياكله القمعية حتى ان سليم يقول : - أمس ألقوا القبض على عدد من شبابنا - كيف ؟

- كانوا مجتمعين فى بيت - الاعتقالات لم تعد شيئا يلفت النظر ، مط واحد منهم شفتيه ولم يكلف واحد منهم نفسه أن يسأل عن الذين تم اعتقالهم قال سمير : هذا نظام لم يعد يعيش على غير ذلك . . (20)

وهكذا وبكل اصرار تتدافع أفواج من الشباب على درب العطاء والنضال كلها يقين بحتملية النصر رغم ضراوة النظام واستبداده باعتبار المنحي التوجه الديالكتيكي للتاريخ الذي يقوم على الانتصار ان آجلا أو عاجلا للحقوق المغتصبة . ولعل ما يشد الانتباه فى هذا الجيل المؤمن بالقيم والمبادىء اثنا النضال فى سبل اثبات وجوده هو هذا الانضباط والالتزام الصارم والمدقق لتعاليم ومبادئ الحزب الذي ان دل على شىء ، فانما يدل على ترسخ فى الاعتقاد وتحذر إيديولوجى واع ، كم ان الشباب العربى فى حاجة الى الاقتداء به وتطبيقه ! ؟ ( 21 (

فالتهوية الايديولجية التى ينطلقون منها واضحة فى اذهانهم لا لبس فيها لانها تمثل التحليل العلمي والموضوعي للمجتمع المستقبلى المنتظر ، وهم في سبيل ذلك يستسيغون كل أشكال النضال العنيفة منها والسلمية مثل توعية المواطنين وتهديم ركائز النظام . ان ما يشد الانتباه فى هذا الجيل هو القدرة على التخطيط الستراتيجى وضبط أولوية الاهداف والاعمال بدون أدنى اضطراب أو عشوائية وسوء تخطيط ، ، كل ذلك فى اصرار صادق وثورية منقطعة النظير

أما عن الناحية التنظيمية داخل الحزب ، فانه لا تتواجد - كما هو معهود عناصر قيادية مطرة واخرى حركية عملية ، ، وعلى العكس فان هذه السلمية البيروقراطية تكاد تنعم أو هي منعدمة بالفعل نظرا لتساوى كل العناصر في النضال والتخطيط للتحرك والعمل ، حيث لا سيد ولا مسود . ولعل م مما يدل على يسارية هذا الجيل الثائر والمنحوت من المعاناة والارهاق ليس نوعية لشعارات التى يرفعها ولا تنميقه للكلام والخطب ولكنه الرفض القطعي والقاطع للاصلاحات والرتوش التى يقدمها النظام الحاكم آنذاك احتواء للمعارضة وتغطية لعجزه عن تسيير دواليب الدولة . فالخلاف أعمق من أن يكون قضية اصلاحات ورتوش ، انه قلب جوهرى وجذرى لطبيعة الحكم وتغيير مجرى سياسة كاملة داخلية وخارجية ولذا وجب احداث الثورة الشمولية داخل المجتمع وانصاف الجماهير المهدورة الحق . ورغم ان ذلك يكلفهم تضحيات حسام فانه لا يهم أمام الهدف المرسوم على الامد البعيد ، وهو التحرر من نير الفاشية :

كان محسن الملاح قد دخل الى المطبعة قبل قليل وتناول بيده نسخة من منشور حول الاضراب ، كان دولاب الطباعة يرتفع وينخفض بسرعة منظمة يرمى بالنسخه المطبوعة ورقة فوق ورقة " فالتناقض بينهم وبين النظام ليس تناقضا ظرفيا ومؤقتا بقدر ما هو تناقض مزمن وتاريخي يفرضه اختلاف الاطروحات السياسية والاقتصادية ونوعية الممارسات وطبعتها ولقد دفعتهم فدرتهم التنظيمية وقوة حركتهم السياسية وحيوية عناصرها الى تهديد النظام ليتاكد من ان قوته عاجزة عن حمايته من ضربات الثوار القاصمة والمهلكة

ومن هنا تتضح لنا خصائص البطل اليسارى ، ، وهو الانسان الكافر بالعجز ونواميس العجز ، والفادر على الفعل والعمل عكس بطلى قنديل أم هاشم والقاهرة الجديدة

ولئن حالت الظروف دون اتمام العملية حتى آخر نقطة فيها ، فقد كشفت عن صدق الاصرار وصلابة العزيمة ، حيث ان نماذج الايطال التى رأيناها سابقا عودتنا على أن تخطط لاضراب أو تحرض على الثورة أما أن تدير لاغتيال قمم التعفن ، فذلك أمر مستحيل ، بل قل لا محال للتفكير فيه ناهيك عن تنفيذه .

ومن هنا يمكن اعتبار رواية " الايام الطويلة " خطوة متطورة على درب اعناء مفهوم البطل اليسارى فى الرواية العربية المعاصرة لانه لم يعد مجرد

نبي يحمل رسالة اصلاحية فوقية منزلة فيعلم ويبشر وينذر ، ، بل هو انسان قد يمتاز بوعيه واصراره ، ولكنه انسان عادى يشقى ويتعب مثل جميع الناس ، يحتوى ، نشاطه ، على تنظيم سياسي معين حتى يحميه من التسيب وضياع المجهود بدون طائل :

قال طالب بصوت يقطعه اللهاث المر والجاف لم تعد بى طاقة على الركض يا دحام قال دحام . الركض أرحم بك من أيدى شرطة الحدود ثم قال : لا تلهوني يا جماعة الطريق قصير ولكنه ، ، خطير ، ، ( 22 (

ويواصل عبد الامير معلة رحلته مع هذا الجيل الثائر والمؤمن برسالته التاريخية ، الا انه لاول مرة نعيش مع البطل اليسارى نصرا مؤزرا ، حيث تكلل كل هذه المجهودات النضالية بتتويج ثورى لتنتصر اراده الجماهير والحق فى نهاية المطاف ولئن كان هذا الرمز معنويا هو اشارة الى انتصار حزب على بقية الاحزاب اليسار فى الوطن العربي ، على عكس ما يذهب اليه مثلا نجيب محفوظ وغيره من الكتاب العرب المعاصرين وحتى القدامى

فرواية " الايام الطويلة " تجسد فعليا ايمانا بالوطن والانسان والارض وتأكيدا على حتمية النضال ترسيخا لكل قيمة من هذه القيم الثلاث ، ، وفى رأيى ان الرواية كاملة لا تتجاوز اطار هذه التحديدات ، ولعل فى ذلك قدوة لبقية الروائيين العرب حتى ينسجوا على منوال هذا العمل النابض بالثورة والرفض والتحدى :

. . ثم حاول أن يشخص لونها تحت الطل بعينين هزيلتين ثم صاح بأعلى ما تبقى له من صوت :

- نحن فى أرض الشام ومد يديه نحو الرمل وتشبثت أصابعه الخمس بالارض وقال

سلاما . . فأنت هنا ) 23

ان الرواية العربية استطاعت أن تكون اطارا نموذجيا يستوعب التناقضات والتضاربات السائدة هنا وهناك ، لكنها ما استطاعت تأطير هذه التناقضات وقولبتها حسب سبك أيديولوجى هادف . فالرواية كتأدية فنية ومحمل مضمونى احتضنت سمات عصرها ، ولكن نقلها للوقائع كان نقلا تسجيليا وتصويريا لا تجد فيه أدنى مجهود لربط ظاهرة من الظواهر النفسية بانعكاساتها داخل البنية الانتاجية والهيكله الاجتماعية

ومن ؟ تسطحت الاطروحات داخل الرواية العربية وأخذت مجرى مختلفا عن المجرى المطلوب حتى ان البطل يتخذ مجمل وعيه ومواقفه وحركاته لا من قضايا أساسية وارتباطات متجذرة بالتشكيلة الاجتماعية والبنية الاقتصادية بقدر ما يخضع كل هذا الى تبريرات مهمشة وتعليلات خالية الوطاب حتى تجعل كامل التمحور الروائى ضربا من الانشاء أو التنظيرات الفوقية التى لا تدعمها أدنى استنادات

فسواء اكان البطل ذكرا أم أنثى ، ، فان الاشكالية الام التى يعانيها هى اشكالية الانسحاق والتشرذم تحت وطأة الامراض الاجتماعية التى لا يملك لها دفعا ولا ردا ، ، ولذلك فهو عاجز ومفعول فيه الى حد أنه يتحول أحيانا الى ارضية خصبة تتنازعها الصراعات . وبمعنى آخر ، ان نوعية الايطال التى افرزتها الرواية العربية على هشاشتها وخوائها فى فترة حاسمة ومصيرية لا يمكن أن تساهم فى توعية الذهن العربي وتثوير العقلية العربية . فلماذا لا يكون ابطالنا فعلا ثائرين على طبيعة مجتمعاتنا التحريمية الحنبيلية والتي تعشش فيها وتفرخ أشكال مرضية مثل الوساطة والمحسوبية ؟ ولماذا لم تفرز نماذج من الابطال بعيدين كل البعد عن الانتكاسات وجو الفشل لانه غالبا ما تكون مآسى الفشل والاندحار جزءا من الحرب النفسية الموجهه ضد القدرات العربية للتشكيك فيها وابطاء نموها ؟؟

كل تلك اسئله لا تجد اجابتها الا اذا ما علمنا أننا دوما متأثرون في موافقنا وسلوك كياتنا وارئنا بالمفاهيم الكولونيالية المتروبولية التى تحاول أن ترسخ فينا شعورا بالدونية والحساسة والضعة

ولقد أفرزت هذه الثقافة المتروبولية انماطا دعائية . قوامها اعتبار العربى حيوانا لاهم له سوى ارخاء العنان لغرائزه الملجومة وكبواته المطويه وسط مجتمع تحيمي حنبلى . ثم ان ان انحسار الاستعمار المباشر بشكله الاستيطانى لتوسع أعقبه تغلغل اقتصادى امبريالى واحتواء مركزى متروبولى ، قوى فينا الشعور بالتبعية dependance والاحتواء ، وبالتالى مرر أطروحات عدوانية خطيرة وساهم فى عملية الاسترقاق الحضارى وتشويه الانسان العربى تشويها نفسيا خطيرا .

وفعلا ، فقد أورثنا هذا التشوية بؤسا على مستوى التقييم وقتامة في التعامل ، ثم نظرة سوداوية للكون والوجود على كامل المستويات .

ان عجز الرواية العربية عن افراز النموذج السوى والسليم يشير الى ظاهرة الخضاء الفكرى التى نعيشها والتي تجعل كامل ممارساتنا تنطبع بالدونية وتحت وطأة هذا الاحساس يلوذ المفكر أول ما يلوذ بأساليب العجز والتذرع بعدم القدرة على العطاء والفعل . . ولذلك لابد أن تتحول الروايه من ساحة الترسيخ لمفهوم المثاقفة acculturation إلى بلورة تهيج ثورى كامل وتفرز النموذج البديل لواقع الاحتواء والتبعية . ففي روايات نجيب محفوظ ثمة استرخاء للبطل وترهل فى علاقاته الاجتماعية تذكرك بمثال الاصم الذى ينادى فلا يجيب . فهو يخضع للتأثير الاجتماعى ، ولكنه لا يؤثر ، عديم الحركة والنشاط سلبي الموقف بل قل : انه محايد تخضعه الظروف والمتغيرات للتجربة لا غير

اما إذا ما عدنا إلى الرواية التونسية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الرواية العربية عموما ، فاننا نلاحظ على الاقل شيئين هامين لا سبيل لنكرانهما :

1 ( غياب الانتاج المكثف والعطاء المتواصل الامر الذى يسهل مهمة التقييم والفحص اضافة الى أن الكثافة تعطى فرصة لمتابعة التغييرات الشكلية والمضمونية بشكل أكثر دقة وشمولية .

2 ( قصر عمر التجربة الروائية التونسية بحيث ان علاقتنا بهذا الفن الابداعى ما تزال غضة وطرية يصعب معها الاستيعاب السليم لخصوصيات ومواصفات هذا الفن . ولذلك فهذا الضرب من الابداع عندنا فى تونس لم بكتمل فى ملامحه ورؤياته نظرا لحداثة عهد هذه التجربة من ناحية وقلة المتعامل مع هذا الفن والقادرين على تعميق وتجذير الفن بمواصلة الابداعات من ناحية اخرى . الا ان ما يمكن ملاحظته فى هذا الشأن هو أن كل المحاولات الروائية

الاولية اتجهت أساسا الى استقطاب مختلف مراحل الكفاح التحريرى وبسط ألوان المعاناة والضيم التى لقيها الشعب فى سبيل الانتاق والتحرر . . ويكفى أن نذكر أسماء معينة مثل : محمد العروسي المطوى ، وعبد الرحمن عمار ، ومحمد المختار جنات ، عبد القادر بلحاج نصر ، محمد الصالح الجابرى الخ حتى نتأكد من أن كل هذه الاسماء ترتبط أساسا بكتابات سياسية تهتم بالتاريخ القومى . أما الاشكالية الرئيسية المطروحة فى كل هذه الابداعات الروائية فهى علاقة المثقف أى البرجوازى الصغير بالصراعات سواء السياسية ام الاجتماعية داخل مجتمعه ، اضافة الى هذه البساطة أو السذاحة العفوية داخل الاحداث حيث تبدأ باقتحام البطل الحياة السياسية والاجتماعية بعد حدوث استفاقة لديه ، وتكلل هذه المسيرة النضالية حسب فهم الروائي الخاص لكلمة نضال ، بانتصار البطل وانتصار قوى الخير على قوى الشر هكذا بمنتهى السهولة ، وكأن القضية قضية سحر ، وصنع المعجزات والخوارق ، ومن ثم تأخذ الرواية طابع التعامل المثالى الاخلاقي المسطح وغير الواعى . وكل هذا لا يعنى أننى أرفض فكرة الكتابة الروائية عن التاريخ القومى والمحلى ، بل أشجع على مثل هذه الكتابة خاصة إذا خرجت من بوتقة الفرد والاقلية المحرك للتاريخ لان النضال كان فعلا مسيؤولية أحبال كاملة آمنت بضرورة الانعتاق

وفى الجانب المقابل فان الكتابات الروائية الاخيرة حاولت التخلص من قبضة الحضور التاريخي والتركيز على بعض افرازات مجتمع جديد آخر مغاير للمجتمع الاستعمارى يملك مميزاته الحضارية وقواه الاجتماعية والسياسية الخاصة حتى يستوعب الهموم اليومية المعاشة

ولذلك فعمر التجربة الروائية التونسية على قصره تميز بانقسامه الى شطرين أو مرحلتين 1) مرحلة التعلق بالتاريخ والماضى النضالى 2 ( مرحلة البحث عن الذات وتحديد نوعية العلاقات الجديدة داخل مجتمع يتنامى حضاريا

ولعل ما يمكن ملاحظته فى هذا الميدان ، هو أن المحاولات الروائية خاصة من الاتجاه الثاني المشار اليه سابقا تتميز باتسام البطل بقلق وجودى وحضارى واضطراب عنيف يجعله بواجه تازمات داخلية حادة مثلما يعيشه بطل " حسن نصر " فى رواية " دهاليز الليل " : " صاح فى البئر صيحة

مدوية كأنها تخرج من رحم الارض . وانطلقت فى فضاء البلدة تمزق سكون الفجر . صيحة لم تكن كنعيق اليوم ولا كعواء الذئب ، انها صيحة انسان يسقط فى قرارة السكون " ) ص : 139 ( .

ولا غرابة فى ذلك اذا ما ادركنا أن هذا القلق هو المميز الرئيسى لكل تحول يحدث فى فترة من الفترات حيث يصاحبه تحطم هياكل اجتماعية وفكرية وبروز أخرى معوضة لها . . أضف الى كل هذا أن أبطال هذه الروايات أناس ينضجون فى الخفاء بدون التفاف شعبى وكأنهم أقتطعوا اقتطاعا من احدى الاشجار ، أو قذفوا هكذا الى الوجود بدون غريزة الاحتكاك البشرى أو التعاطف مع الآخرين . وحتى لو افترضنا تغييرا حياتيا أو نفس فى ممارسة البطل ، فان ذلك لا يكون مؤثرا بدرجة محسوسة وفعالة في العمل الروائى . وفى اعتقادى أن الرواية التونسية فى عمومها لم تستطع تجاوز الدائرية المضمونية حيث ان البطل يبتدئ سلبيا محطما نفسيا مهزوما ينتهى ثائرا يريد التغيير ويريد العمل والبناء . هكذا تتم الامور بمنتهى السهولة والعفوية ! والغريب فى الامر أن كل المسيرات النضالية التى تحدثت عنها الروايات التونسية كان مآلها النصر والنجاح ، وكان القضية تخضع لقانون ميكانيكى وحتمية تاريخية لا مفر منها . فالبطل الذي يبقى فوقيا ، ، رمانسيا فى رؤيويته حتى وان انتصر لا يمكن أن يعتبر هذا انصارا بحكم عجزه عن خلق التفاف شعبى حوله

ولعل بعض روايات محمد العروسي المطوى ومحمد المختار جنات حاولت أن تعبر عن نضالات شبابية واعية وتصور عمق المعاناة الشعبية ، الا أن هذا الكفاح ضد المستعمر بقى مجرد عمل النخبة أى هذه الطليعة من الشباب لواعى . بقى أن أسجل شيئا اعتبره هاما وهو ان الايديولوجيا التى يحملها الابطال عبر الكتابات الروائية المشار إليها أيديولجيا تتميز ببساطتها واستنتاجها من الوعى الشعبى رغم رغبتها فى التجاوز والتغيير . ولا أدل على ذلك من أنك تجدهم يحملون نفس الرؤيات والقناعات التى يحملها عموم الشعب مثل الايمان بانتصار قوى الحق على قوى الشر ، والقناعة الحياتية والوجودية . والمهم هنا هو أن الابطال لا ينتمون الى أية اسقاطات خارجية سياسية وأيديولجية ، ولم تفرز الرواية التونسية عبر كامل الحقبة التاريخية التى تواجدت فيها مثالا لبطل ينتمى الى تنظيم سياسي وتأطير حركى وايديولوجى معين ، بل ان المحرك للعمل الثورى هو مجرد قناعات اجتماعية معينة . وفى رأي الاخير حول الرواية التونسية لا يمكن أن نصدره

وهى لم تحتمل بعد وما تزال فى مرحلة التنامى والتكنولوجيا الامتداد على مستوى فترة زمنية معينة له أهميته الخاصة فى دفع وانضاج العطاء الروائى

ولئن كان تحليلنا وتتبعنا للرواية العربية ودور البطل اليسارى فيها تتبعا بانوراميا اجماليا ، فانه كشف عن فهم مشوه ومحنط للسار والاشتراك حيث لم تكتمل بعد المفاهيم السياسية فى الاذهان العربية ، وما زالت فعلا كلمة اليسار كلمة تدل على الالحاد والكفر ، ، أضف الى هذا ضبابية المفاهيم واختلافها المطلق ، فمن يحى حتى ونجيب محفوظ ومحمد ديب وعبد الامير معله وجبر ابراهيم جبرا تتناقض المفاهيم والاطروحات والستر ابتداء " باسماعيل " البرجواز الصغير المثقف الذى يحمل ثقافة متروبولية كولون نيالية وانتهاء بحميد السراج ، ، المتشبع بالنظريات الماركسية والكتابات الاشتراكية ، ومع ذلك فان الاول والثانى يعدان فى زمر الثوريين

لو قارنا بطل " رواية الام " لماكسسيم غوركى المختزن فى عروقه الرفض الى حد الانفجار حتى لا ينضب له معين ، ، ثم هو ينطلق من هذه الطاقة الرفضية ليغير ويعمل ، ، أما البطل عندنا فرغم كل الصدمات والصفعات التى بوجهها له المجتمع يظل باردا عاجزا عن الحركة ورد العمليات الاذلالية والقهرية وفعلا فلقد تبين أن مفهوم البطل اليسارى مفهوم غامض وأكاد اقول : دخيلا عن الثقافة العربية رغم اننى لا أنكر بوادر طلائعية لتبنى الفكر اليسارى فى الوطن العربى خاصة عند جيل نكسة حزيران 1967 الذى تعلم النقد الذاتي واستيعاب السلبيات لصالحه ، ، وتحويلها الى استنارات فكرية تضئ الطريق

ان طرح قضية الرواية الثورية فى الوطن العربي لا يمكن استيعابه بمعزل عن قضية الثقافة العربية ككل والتى ما زالت تشهد فى حوانب عدة منها مدا غيبيا ظلاميا sobscuranti ثم تحليلا ماضويات سلفيا قوامه تحنيط الفكر والدخول فى متاهات دوغماتية لا طائل من ورائها .

ومن ثم كان لزاما تحويل الاطروحات المضمونية للرواية العربية من سيطرة التيار الماضي السلفى الى دنيا الفكر الثورى ، ورحابة الانتاج الانسانى المتأصل ولذلك قلت ان رواية " الايام الطويلة " يمكن اعتبارها تجديدا خاصة من الناحية المضمونية لانها أسقطت كل قيمة واعتبرت الانسان الواعي فعلا هو الذي يؤمن بقيمة الكفاح الجماعى ويشارك فى بلورته وتقريب ساعة الخلاص

وبما أننا الآن نجتاز مرحلة الصراع وتأكيد الذات والخروج من أغلفة السبات والنوم ، فانه يتوجب على الرواية باعتبارها أقرب الادوات الى الاذهان العربية أن تكون منسرا دعائيا للخروج من قمقم الاقليمية والقزمية وبالتالى قولبة الاجيال العربية مع طبيعة الحياة ونواميس المتغيرات الدولية وترسيخ المفاهيم القومية فى الاذهان حتى ينحسر التقوقع المرضى . هذا قوميا ، أما محليا فان للرواية مهمة النقد الصريح للاعوجاج والالتواءات حسب الاساليب الاداتية والفنية لها .

وفي رأييس الرواية وحتى الادب ككل أمر مفروغ منه نظرا ولا : للمهمة النقدية التى تضطلع بها الرواية ثم ثانيا : بحكم الترابط الجوهرى بين ما هو اجتماعي وسياسي

ان تحييد الرواية هو سعى متعمد الى افراغها من كل مضمون تقدمى ، وبالتالى جعلها نهبا لكل الاتجاهات السياسية والايديولوجيات المغرضة . فكلمة التسيس تحديد الخط العمومي والتقدمي الذي من خلاله تتحرك الرواية وتتنامى . ولا يمكن اعتبار السياسة احتواء للرواية وقتلا لها ، لانها عنصر من عناصر الاثراء الاساسي لمضامينها

وعلى كل فان الرواية العربية استطاعت أن تتواجد على الساحة الفكرية وتقول كلمة الرفض للاعوجاج والتعفن ، وفي ذلك مؤشر خير ، وأول الغيث قطرات .

( بجوة 2-1979/11/4 (

اشترك في نشرتنا البريدية