ثمة حقيقة من الحقائق لابد من مراعاتها هى أن الرواية العربية فى عمقها المضموني تصلح أن تكون مؤشرا من مؤشرات تتبع حركية المجتمع العربى وادراك التهيكلات المتعاقبة داخل تركيبته الانتاجية والاجتماعية اذا ما وضعنا فى الاعتبار نمطية الممارسات والسلوكيات التى يحملها البطل فى علاقاته وصلاته والتي تشكل دلاليا ترسانة القيم والمثل ، وفي نهاية المطاف الايدولوجيا السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك .
ولئن كان الوصول الى استقراء علمي تتصدره الموضوعية للبطل امرا يبدو صعبا بحكم تكثف المتغيرات وتنوع التداخلات داخل الظاهرة فان الاتفاق على اعتبار النموذج البطولى فى جوهره ليس سوى افراز لمنظومات من العلاقات الانتاجية والترسبات الفكرية القائمة ، يبدو العلامة البارزة على طريق الاهتداء والفهم السوى .. وليس ضربا من الدعاية المسيسة أو التهويش أن نعتبر الرواية العربية محملا ارتكزت عليه كل سلبيات الواقع العربى " واستوعبت التناقضات والاتجاهات المتضاربة فى جدلية أثرت مضمونا وشكلا الخط التصاعدى والمتنامى للرواية . وهكذا تكون وتيرة الاحداث وكثافة الصراعات فى مجتمع معين هى التى تفرز الرواية ، ومن ثم تكاثرت الآراء معتبرة المدينة أخصب الارضيات وأكثرها تفتحا للخلق الروائى ، فيفسرون كل الابداعات بالحركية الاجتماعية والاقتصادية .
ولا يبدو ذلك غريبا اذا ما كشفنا القناع عن طبيعة التفاعل القائم والمتجذر بين البطل والمجتمع ، وما دام يطلع من رحم المجتمع ليكون انعكاسا اجتماعيا وفيا ، لذلك توجب التعمق فى البنية الاجتماعية وكنه العلاقات الانتاجية والتداخلات الطبقية .
وما نعنيه عادة بكلمة " التفاعل " ليس التعامل الايجابي فى الاتجاه العمودى ، بل أيضا التنكر للقيم والتمرد عليها ورفضها رفضا مطلقا (عيسى الدباغ فى السمان والخريف ) .. واذا ما اقتنعنا بأن البنية الاقتصادية هى القاعدة التى تنطلق منها كل التفرعات الاجتماعية والايديولوجية ، لتتكامل فيما بينها مشكلة الجدلية التاريخية : جدلية البنية الفوقية والبنية التحتية التى تحدد كافة العلاقات الاخرى المميزة .
ولقد كتب ماركس فى المبحث الثالث عن فيورباخ : " ان المذهب المادى الذى يقول بأن الناس هم نتاج للظروف والتنشئة ، ، يغفل ان الناس هم الذين يغيرون الظروف ، وان كان هذا لا ينفي أن وضع الانسان الاجتماعى هو مصدر آلامه وآماله " (1)
- فهل استطاعت الرواية العربية استيعاب الواقع المعاش بديناميته وانضاجاته ،، وافراز أنموذج البطل اليسارى المؤمن بمبادئ سامية محدد المواقف الرؤيوية من الظروف السياسية والاجتماعية مما يجعله محاربا ومطاردا باسم دعاوى دينية رجعية وترهات متهافتة فارغة المضمون ؟؟
ذلك ما سنحاول تبين خطوطه واستكشافه من خلال مجموعة من الروايات العربية التى ظهرت على فترات تاريخية متباعدة حاملة فى مضامينها رياح التغيير ومختلف التطورات على شتى الاصعدة والمحاور ، لان معرفة قسمات وملامح الابطال الذين أفرزتهم الرواية العربية تساعد على الاقتراب من الهدف المرسوم وبداية النقد الصحيح ... ولا شك أن الرواية تحمل تجليات خصبة وتنويعات فكرية هامة ونفسا اثرائيا داخل الساحة الادبية العربية بحكم ما تتيحه طبيعتها الفنية من امكانات يعجز عنها الشعر أو حتى المقال الصحفى العادى ، ، لتصبح وثيقة تاريخية عن حياة جيل كامل (روايات غسان كنفانى وحنا مينه) أو مرحلة طويلة ( روايات نجيب محفوظ التاريخية ) ومنها تحمل الرواية ، وخاصة التاريخية بعدا وثائقيا يمكن الباحث من فهم هذا الحدث أو ذاك .
وقبل أن ننطلق فى عملية البحث عن أنموذج البطل اليسارى والارضية الايدولوجية التى ينطلق منها ينبغى أن نحدد هذا المفهوم السياسى ونعطيه تأطيرا مضبوطا ، ، ونحاول تطبيق خصوصياته على النماذج البطولية فى روايتنا العربية . فاليسارية تعنى هذه المنظومة من الافكار السياسية التى
تقوم على اعتبار المجتمع كلية واحدة تنتفي منها المواصفات الفردية ليكون الحضور الانسانى جماعيا خاضعا لتطبيقات اشتراكية وتنظيرات ايديولوجية وفكرية تقنن مسيرة البطل وأطروحاته انطلاقا من مقولة : إن اليسار هو النقيض التاريخي لليمين على مستوى التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية حيث ان الاخير يقدس الحرية الفردية الى حد تذوب معه شخصية المجتمع ككل .
فاليسار بحكم ما يشتمل عليه من تنظيم سياسي (الحزب أو الخلية أو الرابطة) والتأطير الحركى هو التعميق الموضوعي للثورية التى تتطاوح وتتراوح بين الموقف العاطفي والموقف المناضل . فيكفى أن يدين المرء ظاهرة من الظواهر حتى يعد موقفه ثوريا ، ولكنه ليس يساريا لان ذلك يفترض تجانسا وتطابقا بين المنطلق الفكرى والعمل الممارس بينما كلمة ثورى كلمة هشة مسطحة فقدت مدلولها ، بحكم الاطلاقات والتسميات المجانية غير الموضوعية التى كثيرا ما نلجأ اليها لسبب أو لآخر ...
وكثيرة هى المواقف التى أسميناها ثورية فى حين أنها مواقف طبيعية لا بد أن تتخذ بحكم منطق الظروف والتحديات .
ومن ثم فالبطل اليسارى ليس مجرد بطل يعلن رفضه المسطح لهذه الانتهاكة أو الاخرى أو يكتفى بالرفض التلقائى المتسيب لسلبيات المجتمع ، بل هو بطل متجذر الوعى مترسخ التنظير ، تلتقى فى حياته الممارسات اليومية مع طبيعة المجتمع المرجو والمنتظر ... فهو لا يتحرك بصفة عشوائية ،، بل طبقا لما تمليه عليه اعتقاداته ، والخلفية العقائدية التى ينتمى اليها ... فالبطل اليسارى ينطلق من تصورات معينه ويحلل الاوضاع على ضوئها تحليلا يعتبرة - هو - علميا وصولا الى بناء المجتمع لا أقول المثالى - ولكنه النموذجى .
فاليسارية = أيديولية تقدمية + ممارسة = مجتمع نموذجى
وكأننى أتحسس اعتراض القارئ على هذا التفسير لهذه الكلمة ، اذ من المواقف اليسارية ما يتسم بالعنهجية والانحطاط والفراغ ، ، ولكننا نطلق على الشق المتطرف من اليسارية مصطلحا جديدا بدأ يفرض نفسه بكثافة في الاجواء السياسية ، وهو مصطلح " اليسراوية " ، وهي ضرب من ضروب الفوضوبة والعمي الفكرى والتكلف المفرط والرفض من أجل الرفض وصولا الى تهديم كل القيم والمثل وتحقيق هدف الفراغ المطلق . فاليسارية بناء والتزام وعقيدة تستلزم ثباتا على النضال والصراع بينما " اليسراوية " التى يمثلها الماركسيون الارتودكسيون والتروتسكيون كفر بكل
هذا وايمان باللاشىء والعدمية ... فهل أفرزت الرواية العربية أنموذج البطل اليسارى البناء فى مجتمع يزخر بالتناقضات من اليابسة الى اليابسة ،، وتندر فيه الطاقات المؤمنة بالتغيير ؟؟
وذلك سؤال دون الاجابة عنه تقييم سيل زاخر من الروايات متفاوتة مضمونا ومحتوى ، ومتباعدة زمانيا أفرزتها ظروف مختلفة وشرائح طبقية متضاربة المصالح والاهداف والطموحات . واذا ما كان المجتمع المصرى بحكم ما شهده من تداخلات وتضاربات أولها مروره بسيطرة عثمانية أو توقراطية مستبدة وعلاقات انتاجية ريفية طالما عانت منهما البرجوازية الوسطى المصرية الامرين حتى لما وجدت الفرصة سانحة انتهزتها لتبشر بقيمها وتنشر مبادئها الاقتصادية ، ومن ثم جاء عمل روائى مثل رواية " زينب " لمحمد حسين هيكل (2) عاكسا وضعية نمط انتاجي اقطاعى منحسر ونمط رأسمالى متغلغل ، وحاملا فلسفة لبرالية برجوازية قوامها اعلاء الحرية الفردية فوق الجميع والتعالى عن قيم المجتمع بالضبط كما فعل البطل ... و " حامد " رغم انه يبدو بطلا بيرونيا متمردا على المجتمع ، فهو ليس فى نهاية المطاف سوى نواة من نواتات اللبرالية ،، والممارسات البرجوازية اذ انه لا يطرح فقط فهما وتصورا للعلاقات الاجتماعية والعاطفية حيث يحلم بالتفرد بالحبيبة دون أدنى عقبات خارجية وتعرضات انطلاقا من ايديولوجية كبرجوازى أفسح له المجال على مستوى الساحة الاجتماعية بعد ضيم قرون . ولقد نجح محمد حسين هيكل فى تصوير هذا الانموذج الجديدة من العلاقات وسط مجتمع لا تزال تشده بذور نمط الانتاج الاقطاعى ، حين جعل " حامد " الشاب المثقف يستشعر دوما فى علاقاته مع الفتاة الريفية - المتزوجة - مدى الفروق بينهما ، ولكنه وصولا الى اللذة المشتهاة يتعامل معها متناسيا ما بينهما من تباينات ... وفي رأيي أن هذا الموقف يحمل اكثر من دلالة رمزية وبعد ايحائى اذا ما أدركنا نوعية العلاقات الانتاجية . ويمعن " حامد " البطل المثقف فى الممارسات الفردية المغرقة فى النرجسية عاكسا تذبذبه الاجتماعى وفراغه من الوعى السياسي :
" لا شئ أشد ايلاما لنفس " حامد " وأصعب وقعا من أن يتصور نفسه خارجا من باب الحياة وحيدا منفردا لا ينظر اليه أحد ، ولا يعلم بأمره انسان ، بل مر بهذا الوجود الارضى من طرف لطرف واختفى فى التراب ولم يترك اثرا " (3) . وأزمة هذا البطل الرمانسي أزمة اضطراب اجتماعى وعدم قدرة على التكيف والتأقلم مع طبيعة الظروف والتقاليد المفروضة داخل التركيبة الاجتماعية . يقول مصطفى ناصف : " ليس الذى أهم " حامدا " شيئا شخصيا بحتا ، بل هو فى الحقيقة أمر جوهرى فى دعم الاحساس الاجتماعى " (4) وهكذا يمضى " حامد " فى العزف على أوتار اللذة الابيقورية رغم علمه بأن زينب متزوجة ولكن كفره وتمرده يدفعانه الى النزق ورفض الاذعان لقيود الزواج . فالمأساة عند " حامد " هي التصادم بين النظام الاجتماعى والحرية الفردية ،، ولذا جاء تمرده أهوج فارغا من كل مضمون ثورى تغييرى ، فيبقى على الواقع بكل تناقضاته وسيئاته ، بل هو يمجد النظام الاقتصادى الظالم ويعترف بأن فواصله الطبقية لا يمكن اجتيازها وهو الشاب المثقف ... ورغم أن " هيكل " حكم على بطله بالانبتات والموت فى سجف الفردية والانانية فان " يحيى حقى " فى روايته " قنديل أم هاشم " أفرز أنموذج بطل مثقف ثورى يحاول الاندماج فى لب العلاقات الاجتماعية مع الاحتفاظ بالرفض للشعوذة والدجل المنغرسين فى صلب المجتمع ، ويحاول أيضا ايصال العلم والمعرفة لابناء قومه ليشعل فيهم الامل ويعلمهم الكفاح والعمل . وباختصار كان اسماعيل فى هذا الريف المصرى طاقة حياة كامنة تفجرت خيرا وسلاما : " فرأى أمامه ريفا يجرى كأنما اكتسحته عاصفة من الرمل ، فهو مهدم معفر متخرب . الباعة على المحطات فى ثيات ممزقة يلهثون كالحيوان المطارد ويتصببون عرقا . ولما سارت العربة من المحطة ودخلت شارع الخليج الضيق ... كان ابشع ما يتصوره أهون مما رآه : قذارة وذباب وفقر وخراب فانقبضت نفسه (5) .
فرواية " قنديل أم هاشم " رواية ذات نفس تقدمي يلعب فيها البطل دورا ايجابيا ، ، وتنادى بحتمية تطوير العلاقات سواء الانسانية منها أو الاجتماعية
حتى ترتكز على منظومات العلم ومكتشفاته قضاء على الجهل ، انطلاقا من وضعيات وخصوصيات البيئة من تراث وظروف موضوعية كما يقول الدكتور على الراعي . لقد كان البطل فعلا نقطة اشعاع حضارى أضاءت نفسها حين التحمت بعالم " النحن " وأضاءت الاخرين حين واجهتهم بحقيقة جهلهم ،، فكشفت الغشاوات عن أبصارهم ، وكانت صدق اليقين ، بينما كان البطل فى رواية " زينب " بطلا هشا ومغتربا فى نفس الوقت (6) بل قل : زائفا لا حقيقة له لانه لم يعرف حرارة الالتصاق الانسانى والجماهيري فظل فوقيا رمانسيا فى أحلامه ، رمانسيا فى مواقفه ،، ورمانسيا فى ممارساته الحياتية . الا ان " اسماعيل " رغم التقدمية التى أعلنها سلوكيا وعمليا لا يمكن اعتباره بطلا يساريا لانه كان يتحرك من موقف المتعاطف والمنحاز الى هذه الفئات الاجتماعية لا على سبيل التجسيد لموقف إديولوجى بحث . اذن فهو ثورى كبقية الثوريين وكفى ! ولست أشاطر الدكتور على الراعي حين قال : " والذين كانوا ينتظرون من اسماعيل أن يسير قدما الى الثورة بالسلاح والشعار مخطئون أيما خطأ . انهم يبحثون عنده ما لا يملكه ،، وما لا يستطيع تقديمه ، انما اقصى أمانيه أن ينشر الخير والتقدم في دائرة من الناس " (7) .
ورغم اننا لا ننفي الطابع الانسانى والتقدمي لعمل اسماعيل حيث انه حاول فهم مجتمعه والتمسك بتراثه مع اصلاح وضعيات متردية وهابطة مثل الايمان بالاولياء والخرافات والدجل ،، وهو دور من أوكد الادوار فى المجتمعات النامية باعتبار تعفن وضعياتها الا انه عجز عن خلق التفاف شعبى حوله يعتنق نظرياته ومبادئه ،، ومن ثم يسهل التعفن فى أعشاشه ومنعه من التفريخ حتى وان استوجب ذلك حمل السلاح والتبشير بالثورة والدعوة لها من أعلى المنابر . على كل ان محاربة الشعوذة وعبادة الاضرحة هي خطوة ايجابية نحو
التغيير الشمولى للمجتمع واستبدال علاقات الانتاج الظالمة لان المثقف مستطيع بغيرة كما يقول روجى فارودى : " الوعى بالذات مرهون بالاتصال مع الآخرين - هذه النظرة تسمح بتحريرنا من الفردية مع استمساكنا باحترام استقلال الوجدان ، وتعطينا وسائل التغلب على الالينة " (8)
ان ثورية " اسماعيل " بطل " قنديل أم هاشم " لم تأته من التمرس والاحتكاك الاجتماعيين والتعمق فى الاطلاع بقدر ما هي ثورية نظرية مكتسبة من الكتب والمجلدات ،، وهكذا مرة أخرى أطلعتنا الرواية العربية عن نوعية العلاقات القائمة بين المثقف العربى ومجتمعه والتى تبدت لنا مع كل خطوة من خطوات اسماعيل علاقة انفصام بل قل انفصال ...
من الروايات العربية ما هى الامتداد المضموني الفعلى لما تقدم حيث ان البطل " ابراهيم الكاتب " فى سلوكياته يكشف عن ممارسات زئبقية سائلة مجسدا روح الهروبية والتمرد والرفض السلبى مما يجعله يشارك " حامد " - بطلنا المتقدم - الشعور بالغربة والضعة ، خاصة فى تجاربه العاطفية ،، فهو لا يعرف استقرارا على حال ولا يدرك كنه الثبوتية ،، دائم البحث عن المطلق فالعالم الذى يتحرك فيه كل من" حامد " و " ابراهيم " عالم صدام مع المحيط الخارجى وانتكاسة داخلية مما يجعل الشخصية مهوشة مهزوزة ، فأزمة " ابراهيم " المثقف هى ازمة كل شرائح البرجوازية الصغيرة فى الوطن العربى التى تفتحت أعينها على اساليب حياتية غير المتواجدة فى مجتمعاتها ، الامر الذى لا يوفر لها جو الانتعاش والتأقلم ، فيداخلها شعور بالاكتئاب والتأزم الوجدانى العاطفى ومنه الفراغ . وما تأكيد " المازني " على اضطراب البطل عاطفيا وفشل تجاربه مع الفتيات الثلاث : " ماري ، شوشو ، ليلى " الا علامة أخرى تدلل على مدى طهرانية المجتمع وتغلغل القيود التحريمية التأبيدية فيه بما لا يتناسب وانفتاحات البرجوازية الصغرى التى تسعى الى شق طريقها وفرض نمطيتها الحياتية ...
ان العلاقات العاطفية لئن شكلت الحياة الداخلية للبطل فهي أيضا جزء لا يتجزأ من تجربته الخارجية التى يمارس فى اطارها الرفض للعلاقات الانسانية المطبوعة بالكبت ومن ورائها كامل الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية . لان طبيعة المجتمعات المحافظة ظاهريا فى حين أن دواخلها تغلي غليان المرجل ،
تناسب عادة الاوساط الارستقراطية . يقول بطل الرواية : " عجيب .. عجيب .. حين أذكر مارى أحس سطوة القوة وصيال العزم وعتو الجبروت ، وأتصور شوشو فأحس وقار التجربة وسمت العالم وأبهة الشيخوخة وحنو الابوة ، وأكون مع ليلى فأرانى كأنى أتعلم رقصة الحياة على ايقاع الشباب .. " (9)
ففي ممارساته يكشف ابراهيم عن موقف طبقى استعلائى اذ انه يرفض الزواج من الممرضة السورية " مارى " بعد أن غرقا فى دوامة حب عاصفة ، ظنا منه أنه أرفع مستوى فكريا وحتى على مستوى السلمية الطبقية ،، وذلك تدليلا على أنانيته وفرديته المفرطة وكما يقول أحمد ابراهيم الهوارى : " البطل ابراهيم يهرب من اقتحام السور - سور الجهل الاجتماعى - بل يقتات مما تثمره فرديته من حنظل ولذا قطعم حياته مر وعالمه عقيم . " (10)
وفي رأيه الامثال الابداعية الروائية يثبت ندرة مثال البطل اليسارى فى الرواية العربية حيث ان فكرة اليسار هذه الى فترة قريبة جدا رمز من رموز الالحاد والكفر بمعتقد المجتمع ، ومن ثم تأخرت نضوجات هؤلاء الابطال . ولعل أول أنموذج مضطرب للبطل اليسارى ما صوره نجيب محفوظ في كتابه " القاهرة الجديدة " وهو " على محمود طه " الذي على غموض الاطروحات الاشتراكية فى ذهنه استطاع أن يتصدى لاشكال الاستغلال والظلم رغم انحداره من احدى شرائح البرجوازية الصغيرة ... ان هذا البطل - تقريبا - هو أول أنموذج للشاب العربى المناضل والرافض لعلاقات عصره الاجتماعية والطامح الى استبدالها بأخرى ،، اذن فهو يتحرك من أرضية إيدولوجية محددة ويقرن الممارسات بالافعال وصولا الى الهدف المنشود : ألا وهو المجتمع الاشتراكى ، ومن ثم تلتبس الامور فى أذهان البعض فيعتبر " على محمود طه " بطلا يساريا !!
فشخصية " على طه " شخصية ثورية لما تمثله من رفض للاسطورية الدينية التى تغذى فينا روح التماوت والعجز عن العمل والفعل ، واستبدالها بروح العلم وضروب التقدم : فقال " مامون " وقد تالقت عيناه بنور خاطف شانه عند الاهتمام :
- حسبنا المبادئ التى أنشأها الله عز وجل فاستمر" على طه " قائلا : - أؤمن بالمجتمع ، الخلية الحية للانسانية ، فلنرع مبادئه على شرط ألا نقدسها لانه ينبغى أن تتجدد جيلا بعد جيل بالعلماء والمربين . فسأله " أحمد بدير ": - ماذا يحتاج جيلنا من مبادئ ؟ فقال " على " بحماس : - الايمان بالعلم بدل الغيب والمجتمع بدل الجنة ، والاشتراكية يدل المنافسة : " (11)
وفى كلمات قصار حدد البطل الخليفة الاديولوجية التى ينطلق منها والمرتكزة على احلال العلم مكانة لائقة ، ومقاومة اشكال الاسطورية والعلاقات الرأسمالية المبنية على المنافسة الحرة والاحتكارات تحقيقا للمجتمع الاشتراكى الفاضل . وهو مع ذلك لا يدخر أى جهد ،، فيستغل ملكة الخطابة عنده لينشر مبادئه واعتقاداته ويعمل على توعية القطاعات الشعبية والطلابية بتوزيع المناشير رغم حملات التفتيش والاعتقال الموجهة ضده . ان " على محمود طه " يؤمن بحتمية الاصلاح الاجتماعى وتطبيق الاطروحات الاشتراكية ،، ولم يكن يملك سوى كلمات ثورية عجزت عن منع حبيبته الفقيرة من السقوط في قمقم الانحطاط والتردى والتمرغ فى أحضان " البك ، وعجزت عن منع رفيقه " محجوب عبد الدائم " من التملق الخسيس للمجتمع الارستقراطى . فمما لا يرشح" على محمود طه " أن يكون البطل اليسارى الاول فى الرواية العربية هو ضبابية الافكار الاشتراكية عنده اذ أنها لا تعنى تغييرا للهياكل والمؤسسات والعلاقات الانتاجية بقدر ما تعنى احداث اصلاحات قشرية فى المجتمع والاقتصاد ،، وتطهير العقلية من الشعوذات ،، ومن ثم تكون اشتراكيتة طوباوية تذكرنا ببعض فلاسفة القرن 19 مثل فوري ، سان سيمون ، وبريدون ، أضف الى ذلك أن هذا المناضل الثورى ، وعلى غرار كل مناضلى اليسار عند نجيب محفوظ ، معدوم العلاقات الاجتماعية لا يحمل سوى مفاهيم باهته شاحبة لا تقدر على احداث شرخ فى جبل التعفن والنتونة . وكأنى
بالروائى لا يؤمن البتة بامكانية انتصار اليسار فى الوطن العربي بحكم استفحال عقبة التصور الديني أو حتى بحكم طوباوية الافكار التى لا تتناسب وخصوصية مجتمعاتنا - فشخصيات " أحمد شوكت " و "عيسى الدباغ" و " عثمان خليل " شخصيات فضائية معلقة على حبال الاقدار تهزها من الداخل قسوة الانتكاسات والعجز عن التأقلم الاجتماعى والتكيف المتوازن .
وفى رأى نجيب محفوظ ، فالصراع الثورى عوض أن يتوجه نحو أعداء الخارج يصبح صراع تصفية حسابات وانتهازية ثورية من أجل القيادة تماما كما فى رواية " ميرامار " حيث يقدم لنا شخصية " سرحان البحيرى" الانتهازى المتصدر لاجهزة الثورة وصولا لمآربه وأغراضه النفعية.
ان " على محمود طه " يمكن اعتباره البطل اليسارى الاول لو كان يحمل نماسكا بنياويا فكريا راديكاليا بعيدا عن الاصلاحية ، ويتمتع بتجذر اجتماعى .
ان طبيعة ظروف المدينة ومختلف تضارباتها صالحة للرواية ولكنها عاجزة عن افراز بطل يسارى بالمفهوم الماركسى للكلمة لان وعي التناقضات الانتاجية وعلاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية أمر مرده الى طبيعة الحياة الريفية ، ومن ثم كان التركيز فى الرواية الاوربية الثورية على أهمية الريف فى تنضيج البطل فكريا كما ورد فى روايات " زولا " وستندال " . وهكذا كان على محمود طه عاجزا عن فهم المجتمع وايصال أفكاره اليه .
