الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

البطل اليسارى في الرواية العربية المعاصرة

Share

(2)

وتحتل (*) الرواية الجزائرية (**) مكانة هامة على مستوى الرواية العربية لانها اضافة إلى ثورية وتقدمية المضامين التى تبشر بها ، ، تمتاز بقيمة وثائقية تاريخية ، فقد لخصت أحداث عصرها ونضالاته واستوعبت أفكاره وآراؤه ولقد تابعت الرواية الجزائرية باللغة الفرنسية الثورة المسلحة طوال ثمانين عاما منذ الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830 حتى قيام الثورة فى نوفمبر 1954 ، خاصة في ثلاثية محمد ديب التى جسدت معاناة الريف الجزائرى ومرارة آلام الفقر والجوع والاضطهاد القومى والثقافى التى حولت الفلاح المسالم الى مناضل ثورى فى جيش التحرير الشعبى نظرا لصعوبة الحصول على الخبز اليومي بينما المستعمر الاستيطانى يرفل فى الخير والعز ... الجوع والفقر ، ومشاكل النضال هي أطراف اللوحة الثورية التى يرسمها لنا محمد ديب في ثلاثيته من خلال حياة الطفل الفقير " عمر " الرمز الحي لاجيال من الاطفال الجزائر بين المشردين فى دروب الحياة : " ان لهم ) أى الاطفال ( أعضاء كأعضاء العنكبوت وهنا ، وان أعينهم لتتقد من الحس وكثيرون منهم يستجدون الاكف بشراسة أمام الابواب وفي الميادين " (12). . ففي رواية " الدار الكبيرة " تبرز لنا ملامح بطل ثورى تقدمى ، انه " حميد السراج " الذي اضافة الى اعتناقه أفكار ماركسية يتمتع بوعى نقابى ووعى استراتيجى مكنه من حيازة احترام الجميع فى " دار سبيطار " حتى انه لما يهاجم من طرف البوليس الفرنسى ، تتكلف الدار بحمايته واخفائه رغم التعنيف والضرب الذي لحق الاهل ، ومنهم الاخت التى لم ترضخ للوحشية

فوجوده وسط ريف زاخر بالتناقضات ومجتمع يرزح تحت كل الضغط والارهاب ، ، وتحليه بترسخ ماركسى واضح ، والتحام جماهيرى أصيل ، كل ذلك يؤهله لان يكون البطل اليسارى الاول فى تاريخ الرواية العربية لا من الناحية الزمانية ، ولكن من الناحية المضمونية وحسب المواصفات التى وضعناها فى اول الدراسة ...

ان " حميد السراج يمتاز بعمق وعيه وصدق تقييمه وبعد نظره في فهم الاحداث مما يشبه النبوءة ، فينجذب اليه الطفل "عمر" ويصبح محط همومه بل محط هموم الدار كاملة لما يمثله من اصرار وتحد للسلطات الاستعمارية ولذلك فحميد السراج يعطى أهمية قصوى للوعى النقابي لدى العمال وروح التكتل واللحمة الاجتماعية لدى الفلاحين ، تلك القوى القادرة على العمل والتغيير . انه واحد من أولئك الرجال الذين قالت عنهم امرأة في رواية " الدار الكبيرة": "فى سبيل تبديل حياة الناس الفقراء ، وفي سبل جعلهم سعداء كان يريد ان يقلب العالم ، لو أوتى القدرة على ذلك أو يموت " (13). ولعل مما يزيد فى هيبة حميد السراج انه صاحب تجربة اجتماعية ومعرفة واسعة اذ قلما : أن لا يرى المرء فى جيبوب سترته العريضة القديمة الرمانية كتبا فهو مشع ومضئ بثقافته وسلوكه وأفكاره مما جعله نقطة استقطاب وتجمع للقوى الحية والمناضلة يقصده الجميع للنهل من تجربته وثقافته على عكس بطل : " قنديل أم هاشم " الذى بحكم تغربه عن وطنه وانعدام تجربته أساء الى فهم الواقع وتوصيل أفكاره ومبادئه ، ، ففقد ثقة الجماهير الشعبية ابتداء بامه وعائلته لانه فاجأهم بأسلوب حياتى قوامه العلم والمعرفة غريب عن مداركهم وأسلوبهم الحياتى الروتينى الممل ، ولم يعرف مصدر التعفن فيوجه اليه السلاح اللازم . فنضال حميد السراج لا يتوقف عند وعيه الشخص فيتجاوزه الى الفقراء ، وليصبح نورا وقوة تحريكية مكهربة تمس المدينة والريف ويتغلغل فى اذهان الاجيال وأولها عمر رمز الجيل الصاعد والمتحفز للنشاط والثورة . فحميد مسالم لا يسئ الى أحد ، ولكنه مؤمن بضرورة العنف لتقويض أسس الاستعمار الاستيطانى وضربه فى العمق وضرب البرجوازية الطفيلية الجزائرية المتعاملة معه : " فالنساء أصبحن ينظرون الى حميد نظرتهن الى رجل يملك قوة مجهولة ، وتعاظم الاعتبار الذي يتمتع به حميد فى نظرهن تعاظما لا يكاد يتصوره الخيال " (14) ومن ثم يكمن الفرق بين اسماعيل الذى يحمل نظريات فوقية وتصورات نظرية خالية من كل

أساسيات اجتماعية وتقعيدات حقيقة ، أما حميد السراج الذي على سعة نقافته وكثرة اطلاعه ، فيستمد تجاربه من ممارسته اليومية وحياته وسط القطاعات الفلاحية والعمالية فى " دار سبيطار " ان عمل الاول عمل كان مئاله الفشل والاندثار ، أما الثاني فقد أنضج أجيالا كاملة قامت على كواهلها ثورة الفاتح من نوفمبر 1954 . فالمؤشر الذي دلل على يساريته نوعيه النشاط الذي يقوم به وسط الجماهير التى يتبادل معها التأثر والتأثير حيث انه اجتمع بالعمال الزراعين من كل القرى المجاورة داعيا اياهم الى الثورة المغيرة لاوضاعهم الظالمة في ظل نظام " الخماسة " (15)  وعلاقات الانتاج الاستغلالية - بالإضافة لرفضى أن تكون له حياة خاصة منعزلة عن الناس الاخرين مثل الزواج والعائلة . يقول البطل : " ان العمال الزراعيين أصبحوا لا يستطيعون ان يعيشوا بهذه الاجور الزهيدة التى يتقاضونها ، انهم سيتظاهرون بقوة بحب أن نتخلص من هذا البؤس " (16)

ولعل في هذا ما يشير الى ايمان حميد السراج بأهمية العنف الثورى فى فرض شرعية المطالب ، حتى إذا ما استوجب حمل السلاح واقتلاع الحق بالاظافر .

وهكذا انطلقت حملة تسيس الجماهير العمالية وتوعيتها ورصد ثقافتها بعطاءات سياسية تدفع عنها غائلة الجهل والعمى الفكرى ليتحول العامل الزراعي من ركيزة من ركائز الاستعمار الاقتصادى الامبريالى الى طاقه ثورية متقدمة وجندي من جنود الثورة المسلحة . ثم يطالب العمال والفلاحين بالاضراب عن العمل فى مزارع المستوطنين فيتحقق أول اضراب شامل لهم ويتصادمون مع الشرطة الفرنسيين صداما عنيفا فينضم عمال السكك الحديدية والبلدية ليقوى جانب المضربين ، وهو يرفض رفضا باتا الديماغوجية الفكرية

والتعالى على العمال واعتماد أساليب المناشير فى مجتمع أمي ، فيفضل تجميع الصفوف حوله والوصول الى الاقتناع الجماعي بالتجمعات السرية والكلمة الحرة والمناقشة وأسلوب التحاور ، ولذلك يمارس التحرك على أوسع نطاق جماهيرى سواء فى القرى والمدن موحدا الصفوف رغم الحساسيات الموجودة بين هذا وذاك ، وطبيعة اختلاف مصالح أهل المدن والريف

وبالاضافة الى كل هذا فهو يعلمهم النظام والتزام الهدوء اثناء النقاش حتى تتاح الفرصة أمام الجميع لابداء الرأى والتعبير عن المواقف المختلفة : " فاذا تكلمنا جميعا فى آن واحد عجز من في الشرق عن فهم من في الغرب واستولى الاختلاط والاضطراب على أقوالنا رغم ما نحمله من حسن نية . لذلك لابد من رئيس يرأس الجلسة اذا كانت الامور التى نريد أن نتناقش فيها تهمنا . فهذا الرئيس هو الذى يسمح بالكلام لمن يطلب الكلام " (17). وبذلك تحولت كامل حياة حميد السراج الى عطاء متواصل وبحث عن توحيد الصفوف لمقاومة الاعداء وقهرهم ، ولكنه عندما يعتقل ويواجه أساليب التعذيب الوحشية وعنف الزنزانات يكون قد خلف وراءه جيلا كاملا من الوعى النضالى مصمما على استرداد حقوقه . ومن وراء المعتقل الصحراوى يواصل حميد السراج تحريض الاجيال من العمال الزراعيين على الثورة ولئن انتهى جسدا وحضورا فقد استمر نضالا واجتماعات واضرابات ومصادمات مع البوليس والجندرمة ، وبذلك كان فعلا البطل الايجابي واليسارى الاول في الرواب العربية ان الامتداد المضموني والتاريخي وحتى الفنى لرواية " والدار الكبيرة هو رواية الكاتب السورى حنا مينة : " الثلج يأتي من النافذة " والتي تعكس من خلال مسيرة بطلها الحياتية مدى ما يلحق العناصر الثورية وخاصة اليسارية من فهر سياسي وضيم اجتماعى بعبارة : " جون ديوى " نتيجة لانعدام الحريات العامة وكبت ممارسة الحقوق الضرورية ، ونتيجة ايضا لطبيعة مجتمعاتنا الاوتوقراطية المستبدة - وتماما كما هو الشأن بالنسبة لحميد السراح ، فان الشاب فياض - بطل الرواية - بحكم انتماءاته السياسية واعتناقه للفكر الاشتراكى ، عانى ألوانا من التشريد والنفي والتجويع والسفر من بلد الى بلد بحثا عن المناخ السياسى الملائم لتحركاته المكثفة ودعوته السياسية .

فبعد سيطرة الفاشية على أصرعة الحكم وانتصار الاستبداد يصبح عمل العناصر الوطنية مشلولا مهددا بالملاحقة فيضطر فياض للسفر إلى لبنان وبالضبط الى صديقه "خليل " وهو يحمل أحلامه فى توفر الوضعية الملائمة لنشاطه

ويكتشف فى لبنان أنه وقع فى مجرد وهم فارغ اذ أن الحرية ضبابية ، وزائفة لا وجود لها ، ومجرد شعار يتلهى بعضهم برفعة وترديده : فيسأل خليل : - كيف الحال هنا ، فى لبنان ؟ - من ناحية اللاجئين أمثالك صعبة - يلاحقونهم ؟ ؟ - بشدة - ولماذا ؟

هكذا لا يريدونهم . أحسب أن هناك ضغطا بشأنهم (18) ومن هذا المقطع الحوارى نستشف تساوى أجزاء الوطن العربي فى دوس الحرية وانتهاك حرماتها والكفر بالكرامة الانسانية . فالمعاناة واحدة ، والخرج واحد هنا وهناك . فاذا ما كان هروب فياض هروبا اضطراريا ، فانه كان السبيل الوحيدة لمواصلة المسيرة النضالية ، ولكنه يواجه الحبس حتى فى المنفي الاختيارى يقول له خليل:

-وطن نفسك على ما أنت فيه - انس الماضى قليلا ... لا تقل كنت وكنت ... الذكريات الخائرة تزيدك سوءا ، ، ان طبيعته كمناضل سريع الحركة وكثير النشاط ومتواجد على كامل الاصعدة بين الفئات المثقفة جعلته يضجر من جو الحذر والتعامل المتخوف وينجح فى الحصول على عمل باحدى المطاعم وهو الشاب الثورى المثقف والمدرس الناجح الا ان ملاحقة أعوان الامن له تجعل كل نواياه تتهدم ومشاريعه تتهاوى كقصور الهواء ، فيبتلعه الاختفاء والملل ، ومع ذلك لا يتطرق الى قناعاته الايدولوجية أدنى شك حيث تنتفى منه كل مواصفات الفردية والاحلام الشخصية تماما مثل البطل "حميد السراج " .

ان الخلاف الذي حدث بينه وبين خليل العامل الواعى ناتج عن مفارقة تكتيكية لا غير حيث يجمعهما توحد المنطلق الايديولوجى . ان طبيعته كمثقف وكاتب لا تمنعه من ممارسة شتى المهن ، ومعرفة مختلف الاجواء العمالية فيشتغل في ورشة صغيرة لصنع المسامير مع "أبى ركرز " ليقضى لينته فى فراش من القش ولحاف من الخيش ، ولكنه مع ذلك يظل الوطن الرابض خلف الحدود همه الوحيد ، مرسوما فى جبهته ووجدانه ، لا يشغله عنه شاغل فلأجله شرد وطورد وعذب كما فعل حميد السراج حين بدأ نضال السياسي فقد أسقط من حياته كل ما هو فردى . انهما ضرب من الرجال تساوى

حياتهما وطنا وقضية لا تلينهما ظروف القهر السياسي والممارسات الفاشية بقدر ما تشحذ فيهما همم الثورة والنضال .

وهكذا يلقتى رجلان على صعيد البناء هدفهما تحرير الانسان من الضغط ووسيلتهما العنف والصراع . ويوقف فياض نظرا لنشاطاته وتحركاته ، وبعد سراحه تكون مسافة كاملة قد قطعت فى تقريب خلاص الوطن . وهناك على الجبل حيث البرد اللاذع يكتشف فياض أن الدفء هو دفء الوطن لا غير وانه كان مخطئا حين فر من وطنه لان النضال الحقيقى لا ينطلق الا من الارض التى شردتنا وكانت السبب فى نفينا .

فالقيمة المعنوية لهذه الرواية هي انها أقنعت البطل وأقنعتنا من ورائه بأهمية النضال واكتساب التجربة التى تزيدنا وعيا وايمانا بالقضية التى نناضل من أجلها .

ولئن بدت في الروايات المتقدمة صورة البطل اليسارى باهته تشمل بعض نواحيها تعليمات ضبابيه ، فانه فى رواية " الايام الطويلة " لعبد الامير معلة يتحول البطل من شخص واحد يحمل وعيا وتنظيرا سياسيا الى جيل كامل توحد بينه قناعات مشتركة وأهداف مصيرية لصنع الحياة الفضلى وتغيير سحنة المجتمع . ان هذا الجيل من الشباب المثقف والمسيس ملتزم كامل الالتزام بمسيرة النضال رافض كامل الرفض للانتهاكات التى تقع باسم الثورية والتقدمية ، وباختصار ، فهو الجيل الذى صنعته وحنكته الظروف التى عرفت بغطرستها وظلمها . فهو جيل مؤطر تأطيرا أيديولوجيا واضحا ومتجانسا ، معتقد فى صحة المبادىء التى يدافع عنها الى حد الاستشهاد والموت ، بالاضافة الى انضوائه تحت راية تنظيم سياسي يوجه دفة النضال وكيفية العمل الثورى على عكس نماذج الابطال التى رأيناها آنفا والتي يكون فيها التحرك التغييرى فرديا والمجهود المبذول فرديا ، الامر الذى يعرض مجهود البطل مهما تكن صلابته الى الفشل والانتكاس ، لان المجهود الفردى الى التأكيد على أهمية التكاتف الجماعي له ما يبرره داخل منظومة التفكير الانساني حيث ان فكرة تأليه الفرد واعلائه فوق الجميع اختفت أو تكاد تكون انحسرت أمام المد الالتحامى الجماهيري والتعانق البشرى ، أضف الى ذلك ان طبيعة العصر لم تعد تسمح بظهور فكرة السوبرمان Superman القادر على صنع المستحيل بنفسه ، لان هذه الفكرة العنصرية افرزتها أمة عانت طويلا من الضيم والحيف فتاقت يوما ما الى ارتقاء جبل الشموخ والعظمة ولا تعدو الفكرة أن تكون أسطورة تعويض un mythe de compensation  بتعبير فرويدى - يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية