الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

البطل في الأدب العربي المعاصر ... الشخصية البطولية والضحية

Share

لماذا نتحدث عن الأدب العربى عامة ولا نكتفى بالتخصيص فنتحدث عن الادب المحلى فى كل دولة عربية . إنه لصحيح أننا لا نتردد فى التحدث عن مواضيع خاصة ، كالرواية المصرية والشعر العراقى وأدب المقاومة الفلسطيني والشعر القومى فى سوريا وأدب النهضة النسائية فى لبنان ، غير أن كل هذه فروع من موضوع واسع شامل هو الادب العربى الموحد .

نعرف أن العالم العربى منقسم إلى دول مستقلة سياسيا ذات أنظمة مختلفة ، ونعرف كل ذلك الحديث الطويل عن الخلافات السياسية الكثيرة ، وعن التقلبات المستمرة فى الموقف والعلاقات بين بلد وآخر ، ونعرف أن هناك تغايرا كبيرا فى الأنظمة الاقتصادية ومستوى المعيشة والمناهج التربوية والموقف من الحرية والحداثة - ومع كل هذا فان هناك نوعا من الترابط فى العالم العربى أكثر من مجرد وحدة اللغة والتراث المشترك ، رابطة نراها ونلمسها فى مشاعر الجموع العربية فى كل مكان وفى احلامها ومطامحها .

بالنسبة الى الادب يمكننا القول بأن الادب العربى الطليعى تعبير عام عن رؤيا الانسان المعاصر فى العالم العربى ، موحد اجمالا فى الاتجاهات التى يعكسها ، فى نوع الغضب والرفض والاحتجاج الذى نلتزمه ، وفى القضايا العامة التى يتناولها ، هذه الوحدة فى الادب المعاصر تتيح مجالا واسعا أمام الباحث لاختيار موضوع عام يندرج على هذا الادب . بالمقارنة نجد أن الادب المكتوب باللغة الانڤليزية يفتقر الى هذا النوع من الوحدة . فالادب الاميريكى المعاصر يختلف فى اهدافه واهتماماته ورؤياه واتجاهاته ، وحتى فى قاموسه اللغوى عن الادب الانڤليزى المعاصر ، بينما تتحد الرؤيا العامة فى

أدبنا المعاصر ، الطليعى منه ، وهى رؤيا كثيرا ما تعكس الانسان فى حالة صراع مستمر اذ يحاول أن يجد هويته فى العالم الحديث وهو يحارب على جبهتى الظلم الاجتماعى والقهر السياسى .

الموضوع الذى أقمت عليه هذه الدراسة هو موضوع (( البطل )) فى الادب العربى المعاصر . وهو موضوع يصلح بكتاب مطول بالنسبة الى تشعبه وتلونه . أنواع كثيرة من الابطال تتدرج تحت هذا الموضوع العام منها البطل العربى والبطل الثورى والبطل المأسوى والبطل المتمرد والبطل التاريخى النموذجى والبطل السلامنتى والبطل الضحية ونقيض البطل .. الخ .

بالنسبة لاتساع الموضوع خصصت لهذا البحث دراسة نوعين فقط وهما الشخصية البطولية - الضحية كما يمثلها الادب الطليع اليوم لأهميتها فى هذه الفترة المعاصرة . وأعترف بأننى لن أتمكن أن أفيها حقها من البحث فى زمن محدد . وقد حال تخصيصى لهذين النوعين دون البحث فى بعض التجارب الادبية المهمة التى عالجت أنواعا أخرى من الابطال ، كالبطل اللامنتمى أو الرافض ، والبطل النموذجى التاريخى .

نظرة عامة فى معالجة البطل فى الادب العربى المعاصر :

ان معالجة البطل فى هذا الادب لا تعكس فقط احتياجات القارئ بل رؤيا الكاتب الابداعى نفسه وموقفه الشخصى من العالم . وقد وجدت ، فى دراستى للادب المعاصر أن معالجة البطل فى الشعر عندنا تختلف قليلا عن معالجته فى القصة والرواية . فعلى سبيل المثال نجد أن الشعر المعاصر يهتم أكثر من القصة فى تصوير الشخصية البطولية لقد مضى زمن طويل منذ كتب جرجى زيدان رواياته التاريخية الكثيرة التى امتلأت بصور الشخصيات البطولية الفائقة المتمتعة بمزايا الرجولة الكاملة من شجاعة ونزاهة وشهامة واعمال مجيدة . أما اليوم فان المنحى الواقعى قد غلب على العمل القصصى والروائى والقاص عندنا اليوم أصبح يقدم نماذج أخرى للبطل .

ولعل احدى السمات العامة (( للبطل )) فى الادب الطليعى المعاصر هى انه ليس فى محل ارضاء احتياجات المجتمع الارستقراطى أو الطبقة الغنية

المرتاحة فى العالم العربى . العوامل العقائدية والتاريخية التى توجه اختيار البطل هى تلك التى تؤكد كرامة الانسان ومساواته ومسؤولياته وحقه فى اختيار مصيره . تنبع هذه العوامل ، على الصعيد النظرى من مفهوم الحرية والعدالة والتحرر والتقدم ، وأحيانا من الاخلاقية العقائدية فى العالم العربى ، وتقف باستمرار ضد الاستبداد الداخلى والعدوان الخارجى والفساد والاستغلال واحيانا ضد الطبقة . وعلى الصعيد التطبيقى يبدو البطل فى عدد كبير من الاعمال الادبية فى حالة صراع مستمر يحاول ان يحيا القيم الجديدة وأن يهزم القوى الشريرة فى المجتمع التى تناهض تلك القيم وتحاول أن تدحر تقدم الانسان . ويبدو البطل احيانا انسانا مضطهدا عاجزا عن التغلب على ظروفه السيئة بسبب عدم وعيه وجهله لحقوقه لمعنى حياته . وقد يكون البطل الرئيسى فى العمل الادبى بطلا سلبيا أو ما نسميه بنقيض البطل ، وفى هذه الحال نراه ينكص عن القيم الجديدة او عن المثل العليا فى معناها الانسانى الشامل .

ويختلف عالم البطل عندنا بالطبع من عمل أدبى الى آخر حسب الدور الذى يلعبه البطل . غير أن هذا العالم فى الادب الطليعى كثيرا ما يكون خاضعا لرياح التغيير والقلق وهو ملئ بتصور الافراد الساعين لخلق تركيب جديد للعالم الذى يعيشون فيه وبصور الافراد الذين يعاكسونهم ... ان نموذج البناء والهدم مستمر . غير أن نموذج الهدم فى هذا الادب لا يجيىء سلبيا دائما فهو يتضمن في بعض الاعمال الادبية ، تهديم العالم الفاسد الذى قاد العرب المعاصرين وما زال يقودهم الى النكبات .

الشخصية البطولية :

كان مدح صفات الرجال البطولية من أهم مواضيع الشعر الجاهلى - فقد مجد هذا الشعر صفات الذين تمتعوا بمزايا الفتوة والنجدة والشهامة وفاقوا بها سواهم من الناس ، وبقيت البطولة والفروسية جزءا من التراث الشعرى مدرجة فى قواعد المديح والرثاء فى عمود الشعر لتصف بالاضافة الى سواها كفضائل الحكمة والمعرفة والعدالة نموذج الرجل العظيم )) .

واكتسى النموذج البطولى روحا ملحمية فى القصص الشعبى العربى الذى اشتمل على معالم البطولة فى الملحمة الاروبية ، فى الوقت نفسه الذى راح فيه

الشعر العربى ينحدر عن المستوى البطولى الاصيل الى تفاهات شعر التزويق والتقليد فى عصور التجميد ، غير أن تيقظ العرب فى أواخر القرن التاسع عشر الى حقيقة الاحتلال الاجنبى لبلادهم ونمو الروح القومية مهدا لبروز الشخصية البطولية من جديد فى الادب . وقد تبلورت معالم هذه الشخصية واكتسبت صفات أكثر حداثة وتلاؤما مع العصر باشتداد الكفاح القومى ضد الاستعمار ، وظهرت بقوة شخصية البطل المحرر والبطل الفدائى ، وتحدث الشعراء عن الابطال بما يقارب الاجلال والخشوع ، كتب ابراهيم طوقان ( ت 1941 ) عددا من أبدع قصائده عن البطل القومى المنقذ وعن الفدائى الشهيد ، كان بطله بلا اسم ولا وجه يمتلك صفات تكاد تكون خارقة فهو البطل الذى حملته جبهته طرفا من رسالته والذى أرعب بجرأته الموت نفسه . ومجد زميل طوقان عبد الرحيم محمود ( ت 1948 ) فكرة الكفاح كفصل مستمر ما دام العدو قائما متحكما ، كما مجد الشهداء الذين يواجهون استشهادهم بالقبول والرضى ، ويفدون وطنهم بدمائهم ، مؤكدا بأن راية الوطن لا يمكن ان ترتفع الا على جماجم الشهداء .

ولعله تكرار لأمر معروف أن نتحدث عن تأثير النكبة فكلنا نعرف رد فعل العرب لها وكيف استجابوا بسلسلة من الثورات والانقلابات جعلت من المنطقه مسرحا للتحرير السياسى المستمر ، وقبل أن يستقر العرب على وضع حديث النكسة وهزت أسس المجتمع العربى وعمقت فى العرب الشعور بالذنب والخجل . وفى الوقت نفسه غيرت اتجاه جزء كبير من الشعر ، ففى البدء دارت الامه على نفسها رعبا وكرها للذات ، وجاءت قصائد التأنيب والتقريع شافية لاحاسيس الخجل الذى احدثته النكسة - كان سهلا على أدونيس ان يقول (( هل أتى نهر بلا مصب )) ؟ وان يصيح قبانى (( انعى لكم يا اصدقائى اللغة القديمة )) ، ومع أن سعدى يوسف ضمن قصيدته (( تأملات عند اسوار عكا )) رؤيا ايجابية للمستقبل الا انها كانت فى الوقت نفسه مفعمة بمعانى رفض الذات وكرهها .

غير أن بروز المقاومة الفلسطينية واشتدادها فى نهاية الستينات خفف من مشاعر كره الذات ومهد لرؤيا مليئة بالعزم والايمان ، وأكثر الشعراء من كتابة قصائد تمجيد العمل الفدائى وتحمل لهجة التحدى والتصميم وقد حملت هذه القصائد معانى بطولية تتحدى قوى الشر والعدوان ، فى هذه الفترة اصبح حب البطولة شوقا ملحا والفداء حالة نفسية ملموسة .

وكان وصول الشعر الفلسطينى فى اسرائيل الى العالم العربى بعد 1967 من أهم المؤثرات على الشعراء العرب فقد امتلأ شعر الشعراء الفلسطينيين فى اسرائيل بمعانى المقاومة والتحدى ، فقاد الموجه . وبرزت فى شعر المقاومة صورة البطل الفدائى المكافح فى سبيل الحرية . ان لم يزل البطل عند طوقان رجلا لا اسم له ولا وجه ، ولا هم له الا حمل رسالته الى النهاية . فى هذا الشعر لا ترى ، عادة ، ملامح أخرى لحياة البطل الخاصة ، وعندما يسقط شهيد فى الميدان فان شهادته نادرا ما تقرن بفجيعة أسرته فيه ، بل انه يعامل كأنه ملك للأمة ويجرد من كل صراع شخصى . من كل قبلية أو نقص فنراه يمضى ثابتا الى تحقيق فعل الكفاح لا يشغله شئ سوى قضيته . رجل لا تناقضات فيه ولا تردد ولا ماضى ولا علاقات انسانية ولا اهتمامات شخصية . لا شئ ، الا البطل والقضية والتركيز الكامل على الفعل وحده لحظة معينة من الزمن .

يصف محمود درويش هذا البطل جيدا فى قصيدته الطويلة (( هذه صورتها وهذا انتحار العاشق )) . فالبطل هنا بلا لون ولا شكل ولا ماض ، محاصر بالرصاص والموت ، دمه بذرة وحنين ولكنه يمتد وتطول قامته حتى يصبح أعلى من المئذنة ويصير فى لحظة واحدة هو الشجر والرصاص والعطايا .

الفداء فعل من أفعال الغضب - وهو محض العطاء ولكنه وجه من وجوه العنف أيضا. ولا شك أن عصرنا عصر غاضب. وقد صور الشعراء ابطالهم وقد تقبلوا العنف كأسلوب محتوم للحياة والوسيلة الوحيدة التى يتغلبون بها على العجز والانكسار ، كتب الشاعر الفلسطينى راشد حسين الذى توفى فى نيويورك ( سنة 1976) شعرا كثيرا عن العنف وصور عناء الابطال الذين يحاربون فى وجه القمع والعدوان حتى طفلته العربية وليدة القدس قادرة على ادخال الرعب على قلوب الصهيونيين - فعيونهم وآلاتهم تفتشها باحثه فى صدرها ورحمها وعقلها عن القنابل اذ أن كل من يولد فى القدس من أطفال سيصبح يوما قنبلة تنفجر فى وجه العدو المحتل .

ورغم انهماك هؤلاء الشعراء بمكان وزمان معينين الا ان العمل البطولى الذى يصورونه يكتسب ابعادا شمولية ، فهو ليس نتيجة الشجاعة الفردية قط بل صرخة الغضب الانسانية ضد العدوان والاندحار . وهى تنبع من

غريزة الانسان التى تدفعه الى الخروج للدفاع عن حضارته وثقافته عندما تكونان مهددتين . فمهما كان البطل رافضا للفوضى الداخلية والفساد فى مجتمعه فانه يخرج لدافع عن سلامته وكرامته ، ان العمل البطول ايجابى ونبيل دائما - وان كان فى الشعر المعاصر نموذج واحد يصور الحب الغيرى المثالى فان هذه الشخصية البطولية التى تنبرى باستمرار للموت متجاهلة جاذبية الحياة اليومية ومختارة العقل الذى يرفعها الى أعلى درجات البطولة .

فى هذا المعنى يقف البطل فى شعرنا اليوم للدفاع عن بلاده وأمته وحضارته ، أى أن البطولة فى شعرنا المعاصر بطولة دفاعية . فحتى عندما يخرج البطل ليحارب لانه بفضل وعيه العقائدى ، يدرك طبيعة الشر الكامن فى العدوان الخارجى ، يظل فعله البطولى دفاعيا لانه يهدف الى دفع العدوان وايقافه وازالته لا الى نشر عقيدة معينة . وهذا فرق كبير بين البطولة اليوم كما يمثلها شعرنا وبين بطولة المسلمين الاوائل الذين خرجوا لينشروا الدين الجديد على العالم .

البطل - الضحية :

لست أعنى بالبطل - الضحية من راح ضحية الظروف الانسانية العامة كالموت والمرض والزلازل والفيضانات - بل ان ما أعنيه هو الانسان او الجماعة من الناس الذين فرض عليهم العذاب أو الموت بفعل الآخرين . قد يعود هذا الى اعتداء مقصود على الصعيد الشخصى أو الجماعى أو الى طغيان التقاليد والمعتقدات والمؤسسات غير أن ظلم التقاليد وهو ظلم اجتماعى دائما ، لا يقع الا عن طريق الآخرين . فلو خرق الفرد قوانين المجتمع شرا ولم يكتشفه احد فانه عادة لا يصبح ضحية .

تصوير البطل - الضحية يهيئ المجال ايضا لتصوير قواعد السلوك الاجتماعى والاعراف الاخلاقية ، ويتيح للمؤلف حرية أكبر فى تطوير شخصياته وتلوينها مما يتيحه النموذج البطولى . فالبطل البطولى الصافى القلب والروح الذى يعيش حياة مثلى ويموت موتا مثاليا لا يتعدى فى تصوير الشعر المعاصر له تعبيرا واحدا . انه دائما مألوف يستطيع القارئ أن يتكهن بأوصافه مثل الاطلاع على العمل الادبى ، أما الابطال الآخرون فيختلفون عنه . انه البطل الثورى مثلا ، قد يعانى ألوانا من الصراع وقد يرتكب أخطاء ، وقد يغير سلوكه ويتأمل فى مصيره . والبطل - الضحية قد يواجه

تغيرا فجائيا أو بطيئا فى مواقفه . فهو قد يثور وينهار وقد يتعذب ويموت بصمت أو قد يعانى عددا كبير من ردود الفعل . ثم ان البطل البطولى يقف عادة الى جانب المجموعة الكبيرة وهى بدورها تسانده . بينما يكثر أن يكون البطل الثورى وحيدا معزولا يكافح ضد عقلية المجموعة الكبيرة . وقد يخرق البطل الضحية قوانين المجتمع مدفوعا الى ذلك بوعيه او باحتياجاته او اهوائه ، ثم يقع ضحية فعله . غير ان هذه الانواع الثلاثة من الابطال ليسوا  متناقضين بالضرورة . فالبطل الثورى قد يقوم بعمل بطولى من الشجاعة والتصميم والصمود والاستعداد للموت يؤدى به الى معاناة أقسى عذاب ويصبح بذلك ضحية .

ان الادب العربى الطليعى المعاصر حافل بصور الضحايا ويحمل دائما من الاحتجاج والنقد الاجتماعى او السياسى . ويتنوع تصوير ضحايا السياسة فى هذا الادب ولكنه يعكس عالما محاصرا بالاعداء الخارجيين او حافلا بالقمع الداخل وتحكم الانظمة المختلفة التى تدعى اخلاقية زائفة من ضحايا السياسة الاعداد الكبيرة من البشر الذين قتلوا او تيتموا او سجنوا او طردوا من وطنهم . وقد كانت محنة اللاجئين الفلسطينيين موضوعا لعدد من الاعمال الادبية قبل سنة 1967 كأقصوصة غسان كنفانى (( رجال فى الشمس )) ( 1962 ) صورت هذه الاقصوصة مأساة أربعة من الفلسطينيين اللاجئين الذين فرض عليهم بحكم غربتهم عن وطنهم أن يبحثوا عن رزقهم اليومى ضد جميع تناقضات الحياة العربية . فلكى يدخلوا الى الكويت وهى لهم عندئذ بلاد السمن والعسل اضطر ثلاثة منهم ان يختبئوا داخل خزان ماء يملكه فلسطينى رابع . كان هذا قد اكتشف أن تهريب الرجال يدر ربحا أوفر بكثير من نقل الماء من البصرة وكان هو نفسه ضحية العدوان سنة 1948 الذى فقد فيه رجولته . ان اقسى أنواع السخرية فى القصة هى ان هذا الرجل اضطر ان يصغى طويلا بلا احتجاج او تذمر الى شرطة الحدود وهم يمازحونه حول مغامراته الجنسية فى الليلة السابقة فى البصرة بينما كان الرجال الثلاثة المختبئون فى خزان الماء يختنقون تحت شمس الكويت الملتهبة . بعد ذلك اذ ألقى جثثهم خارجا نراه يصيح بهم : (( لماذا لم تدقوا على باب الخزان ؟ )) القصة مأساة كاملة . فما الذى منع أولئك الفلسطينيين أن يدقوا على باب الخزان فيعلنون عن وجودهم ويتخلصون من الموت ؟ هل كان هذا يعود الى خوف أصبح غريزيا فيهم من عيون السلطة القاسية التى حاصرتهم اينما ذهبوا منذ يوم هجرتهم الاول ؟ أم أنه يعود الى اعتيادهم

الصبر الطويل وقد ألفوه فى بلاد الآخرين ؟ كيف تسنى لهم الثلاثة اذا اتحدوا فى الخطر المحيق بهم أن يتفقوا ايضا على صمت قادهم الى الموت ؟ وكيف يتسنى للانسان أن يختنق دون أن يصرخ فى وجه الموت ؟      نوع آخر من الضحايا السياسيين هم ضحايا القمع والرقابة فى العالم العربى . ان مشكلة الحرية والارهاب موضوع رئيسى فى هذا الادب لانه تجربة رئيسية فى الحياة العربية يعالجه عدد من الاعمال الادبية . فى هذا الادب يقف البطل - الضحية وجها لوجه أمام سجانه أو المخبر عنه - وقد برزت شخصيتا السجان والمخبر كنموذجين مهمين لنقيضى البطل فى أدبنا المعاصر .

أصدر نجيب محفوظ رواية الكرنك سنة 1971 وفيها يصور اوضاعا مختلفة للضحية وقد حاصرتها آلة السلطة واستبدت بمصيرها . فحلمى حمادة تعذبه الشرطة حتى الموت وصديقاه يغريهما العذاب بقبول التسوية ويقودهما الى الفساد . ان حلمى حمادة مثل ممتاز للبطل الثورى الذى يسلك مسلكا بطوليا ويموت ضحية صموده . فبالرغم من السجن المتكرر والتعذيب يستمر فى موقفه الثورى وتحديه للسلطة ويرفض أن يبوح بأية معلومات . مما يقوده الى الموت تحت التعذيب . وتتركز بقية الرواية حول اللاخلاقية الكامنة فى السلطة الارهابية : حول قدرتها على افساد الضحايا الذين يقعون فى ايديها فالشخصيتان الاخريان زينب واسماعيل ، ينهاران تحت العذاب ليصبحا مخبرين ، وزينب نفسها تتحول إلى بغى ايضا .

وقد دار عدد من الاعمال المسرحية حول مشكلة الحرية والقمع - ويتضمن عدد من المسرحيات محاكمات تقود الى ادانة البطل الضحية . كما فى مسرحية صلاح عبد الصبور (( مأساة الحلاج )) ( 1965 ) فهى تدور حول حياة الصوفى الشهير وموته فى مطلع القرن الحادى عشر الميلادى اذ أصر على عقيدته فى العدالة الاجتماعية فقاده اصراره الى الادانة والموت صلبا . وكتب الشاعر السورى ممدوح عدوان مسرحية نثرية بعنوان (( محاكمة الرجل الذي لم يحارب )) ( 1972 ) تدور حول مأساة رجل تآمرت على ادانته قوى الشرطة والاستخبارات والقضاء فى زمن عصيب منيت فيه الامة بالانكسار .

فالضحية هنا يحاكم لانه لم يشترك فى حرب خسرها جيش بلاده  قبل أن يتمكن هو من الاشتراك فيها . وقد اختار المؤلف الغزو المغولى للشرق الاوسط زمنا لمسرحيته غير انها تحمل دلالات معاصرة شديدة الوضوح .

هذه الاعمال كلها تدور حول مشكلة الحرية وصراع الانسان البرئ فى وجه التعصب والقمع .

وكثيرا ما تقترن الاوضاع الاجتماعية المترددية التى تحيط بالضحية الاوضاع السياسية ايضا ، فقصيدتا السياب (( المومس العمياء )) و (( صغار القبور )) تشيران الى أن العذاب الاجتماعى انما هو نتيجة الفساد السياسى ويمتلئ شعر السياب بصور البشر المحافظين الذين يقعون ضحايا الفقر والظلم ويعانون تجارب لا تحتمل لكى يحصلوا على خبزهم اليومى - فالمومسة العمياء التى تبيع جسدها لتشترى زيتا يضئ مصباحا لا تراه تقف جنبا لجنب مع المهاجرين الذين يغرقون وهم يسعون الى رزقهم . الى جانب البحار الميت وهو ملقى يشرب المياه الملحة على شواطئ الخليج الى جانب مئات الافراد الذين يصارعون الحياة ليسدوا اقل احتياجاتهم اليومية ، إلى جانب القروى البرئ الذى تبتلعه شرايين المدينة الفاسدة . ان ضحايا المجتمع كثيرون فى الادب الطليعى المعاصر عندنا ضحايا الاخلاقية المزيفة ، والفقر ، والطبقية ، والاستغلال ، والبحث فى معالجتهم فى الادب يستحق كتابا كاملا . وتكاد تهدف جميع الاعمال القصصية الطليعية الى فضح الاوضاع الاجتماعية ( واحيانا السياسية أيضا ) فى العالم العربى . ففى قصص زكريا تامر تلتحم العوامل السياسية والاجتماعية لتكون جوهر المشكلة . لقد استطاع تامر أن يصل بالقصة القصيرة فى سوريا الى درجة راقية بتصويره لمواقع الرعب والظلم فى الحياة العربية المعاصرة . وهو يلجأ أحيانا إلى الرمز وأحيانا الى النموذج التاريخى ليصل الى هدفه فالضحايا فى مجموعة (( الرعد )) ( 1970 ) الذين يتوقون الى الحياة الطبيعية والحرية يجدون أنفسهم باستمرار محرومين من جميع الامكانات التى قد توصلهم الى مخرج من عذابهم ، فهم محاصرون ، محكوم عليهم بالعذاب والرعب . بالرغم من تغلب القهر فى قصص تامر على منازع البطولة فى الانسان فان هدف الكاتب انما هو تقويض الاوضاع الفاسدة بتصويرها وهى فى أوج تعنتها وتحكمها بالضحية والاستسلام فى هذه القصص ليس قبولا ولكنه رفض كامل .

واهتم نجيب محفوظ فى رواياته الاخيرة بتصوير عدد من الشخصيات السلبية الفاشلة . وكثيرا ما يجمع بين شخصيتى الضحية ونقيض البطل . يختار محفوظ شخصياته الرئيسية عادة من حياة المدينة ( زهرة بطلة ميرامار استثناء لهذا ) موظفو حكومة كرمز للبيروقراطية ، رجال الشرطة كرمز لارهاب السلطان ، بغايا وخدم كرمز للطبقات المستغلة ، لصوص وقتلة كرمز للفساد ، أو شخصيات ميسورة الحال من الطبقات الوسطى ان اغلب شخصيات محفوظ فى رواياته الجديدة يفتقرون إلى المواقف البناءة التى

يتوقعها الانسان فى الاعمال الادبية المكتوبة فى زمن الثورات والتغير الاجتماعى والسياسى ، غير ان هذا يعود الى رؤيا الكاتب ورد فعله للحياة المعاصرة ، فانتقاؤه لهذه الشخصيات تعبير عن حكمه على المجتمع وحركته واصالة التغير الذى يصيبه او عدم اصالته . وتكثر فى روايات محفوظ صور نقيض البطل وقد سقط فى شباك من اخطائه هو أو في قبضة المجتمع . ان اللص الذى يتحول الى قاتل فى رواية (( اللص والكلاب )) ( 1961 ) يدور عبثا فى بؤرتين من الحب والايمان اذ يحاول ان يهرب من عالم ملىء بالخيانة الشخصية : خيانة زوجته وخيانة اصدقائه . والرواية تبرهن على أن المجرم  نفسه قد يكون ضحية . وفى النهاية يجد اللص نفسه وحيدا لا يستطيع أن يصل إلى المرأة التى تمنحه الحب ولا الى الشيخ الذى يمنحه الرحمة ويقع فريسة كلاب الشرطة التى تمزقه .

يشعر الانسان اذ يقرأ محفوظ فى اعماله الاخيرة بانه قد قرأ الكثير لكافكا وايونيسكو وسامويل بيكيت ، فروايته (( ثرثرة النيل )) ( 1966 ) تتحدب عن العبث واللاجدوى . انها تصور جماعة ممن رزقوا بعض الثقافة اذ يجتمعون كل ليلة فى دوامة على النيل فى القاهرة حيث يعد لهم خادم عجوز الحشيش والنساء . انهم كما يصورهم محفوظ ، لا يجدون بارقة أمل واحدة فى النظام الاجتماعى والسياسى القائم ويلجؤون الى الخدر والجنس لينسوا الواقع متحدثين بشئ من اللامبالاة عن الحياة المعاصرة فى مناحيها المختلفة . الملل موقف أساسى فى هذه الرواية ، والرواية كلها تضخيم للعنة الروحية والعجز - غير اننا نستخلص من الرواية ان العجز نتيجة النظام القائم .

ان موضوع الغربة الروحية من أهم مواضيع الادب الطليعى المعاصر عندنا لا سيما الشعر ، غير ان الابطال المغتربين ليسوا دائما ضحايا . اغلبهم لا سيما كما يصورهم الشعر ، اما رافضون او متمردون يحاولون ان يجدوا حلا لفوضى الحياة العربية المعاصرة . ويسعون نحو الاتحاد والنظام . اما فى روايات نجيب محفوظ الاخيرة . فان هؤلاء الابطال المغتربين ضحايا شديدو الهشاشة خالون من القوة الحقيقية واغلبهم كما يصورهم محفوظ دائمو البحث عن هدف لا يجدونه مطلقا ففى رواية (( الطريق )) ( 1965 ) نرى صابر البطل الرئيسى يبحث عبثا عن أب لم يره قط ، وينتهى بارتكاب جريمة قتل مضاعفة . وفى رواية (( اللص والكلاب )) يبحث سعيد مهران باستمرار عن ملجأ يجد فيه السلامة والأمان . وفى رواية (( الشذاذ )) ( 1965 ) يبحث

عمر عن حل لأسئلة كونية لا يجد لها جوابا ويبحث عيسى فى رواية (( السمان والخريف )) ( 1962 ) عن حل لمشكلته السياسية والحياتية دون أن يتوصل إلى نتيجة . دائما نجد نوعا من المسعى الفاشل - فحتى زهرة بطلة ميرامار ، القروية البريئة ، لا تعثر على بغيتها ابدا ، ونراها فى النهاية تترك الفندق حيث كانت تخدم وحيث عرفت الحب والخيبة ، لتبحث من جديد عن مستقبلها . فبالرغم من ان الرواية تنتهى على وتر ايجابى الا أن .. المسعى فيها لم يتحقق بعد .

وتصور ثرثرة فوق النيل توقف كل مسعى - فحتى الصحيفة التى تجىء ساعية وراء المعلومات ينالها فساد الآخرين فى العوامة فتفقد اهتمامها بهدفها الاصلى . لقد توقف الزمن كليا فى هذه الرواية - وهو لا يتحرك الا اثر حادث السيارة الذى ينتهى بموت رجل عابر برئ - ومع ذلك فان الفعل الذى ينتج عن هذا الحادث يظل فعلا سلبيا اذ ان أنيس زكى عندما يقرر ان يذهب الى الشرطة ليخبر عن الحادث لا يفعل ذلك الا انتقاما وتصميما على الهدم : هدم الذات والآخرين .

عندما يتحدث يوسف ادريس مباشرة عن البيئة المصرية وضحاياها يجىء وصفه اكثر حيوية من وصف محفوظ فكأن الكاتب منهمك شخصيا فى الحدث . فى أقصوصته البديعة (( قاع المدينة )) يرافق القارىء القاضى عبد الله فى رحلته المرهقة عبر احياء القاهرة الفقيرة التى تزداد فقرا وبؤسا باضطرار الى أن يصل معه الى قاع المدينة حيث تسكن خادمته الضحية .

ويكتشف القارئ الحساس بانه قد سار رحلته فى اعماق وعيه الاجتماعى الذى اغتنى معرفة واعية بابعاد البؤس الاجتماعى الذى يعيش فيه فقراء القاهرة والمدن العربية الاخرى . ان قصة ادريس هذه ومعها رواية (( الحرام )) ( 1965 ) تتضمنان احتجاجا صارخا على الاوضاع الاجتماعية البائسة فى مصر وهى أوضاع تنظيم المجتمع العربى كله تقريبا ، تدور رواية الحرام حول تصرف الافراد الذين لم ينفذ اليهم اى وعى اجتماعى حديث وقد وقعوا فى شبكة من الاحداث التى تتخذ بحكم انعدام وعيهم ، مجرى محتوما فهم بواجهونها بعقلية تقلب الوضع الاجتماعى الموروث ، الجريمة التى ترتكبها عزيزة البطلة وهى قتل وليدها الغير الشرعى ، ليست جريمة شخصية بل جريمة اجتماعية اذ انه لا مجال لدرء الفضيحة وما يترتب عنها من قصاص الا بالقتل . ان سخرية القدر فى هذه القصة تتركز فى ان عزيزة هى أكثر ابطال الرواية تمتعا بالفضيلة والاخلاق الكريمة - فهى ذات شخصية ايجابية

تواجه مسؤولياتها بقدرة ونبالة . وقد كان حملها نتيجة للقائها العابر مع شاب قروى ساعدها على استخراج بعض حبات من البطاطا كان زوجها المقعد قد اشتهاها . واصبح فعل المسؤولية فعلا لا مجديا ضمن الاطار الاجتماعى الذى تعيش فيه البطلة - فوقعت الضحية للفقر والطبقية والمحاظير الاجتماعية التى لا ترحم .

الضحايا النساء فى الرواية العربية المعاصرة لسن عادة واعيات للشر الكامن فى المحاظير المفروضة على المرأة فى المجتمع العربى التقليدى ، بل انهن يتقبلن هذه المحاظير كقانون طبيعى للحياة . ويكثر ان يكون خطأ واحد تقع فيه المرأة سببا فى السقوط النهائى او الموت . روايات نجيب محفوظ مليئة بالنساء الضحايا اللواتى يتحولن الى بقايا نتيجة لتجربة جنسية واحدة تقع نتيجة الهوى او الاغتصاب ، ونجد المرأة عادة فى وضع تقبل وايمان بالمحاظير الاجتماعية ، فعزيزة بطلة الحرام تناضل بما يشبه البطولة نتيجة لايمانها بقانون المحاظير الاجتماعية واحترامها له .

اما عندما نجد البطلة فى الرواية الطليعية المعاصرة واعية لظلم القانون الاجتماعى للمرأة فانها عادة تكون بطلة متمردة رافضة ، لا ضحية ، كما نجد فى أعمال ليلى بعلبكى . غير ان الوعى قد يعود احيانا الى المأساة . فبطلة الطيب صالح فى (( موسم الهجرة الى الشمال )) توصلت عن طريق زوجها بمصطفى سعيد الى الوعى بكرامتها الانسانية ولكن وعيها هذا قادهما فى النهاية إلى الفجيعة . الى قتل زوجها الجديد الذى فرضته عليها أسرتها والانتحار . فيدور الفصل الاخير فى الرواية حول الوعى الاجتماعى الذى يواجه به الابطال مجتمعا سكونيا غارقا فى التقاليد يمثله الجو وعصبة الاصدقاء حوله يدور حول العقل الذى عرف معانى اخرى للحياة اذ يصطدم بالعقل المتشبث بالتقاليد والاعراف والمحاظير الموروثة .

كانت هذه دراسة موجزة لنوعين من الابطال فى الادب العربى الطليعى المعاصر ولعلهما حتى الآن أكثر الابطال ورودا فى الادب عندنا . الا ان المستقبل الغريب قد يرى تطويرا لنموذج البطل الثورى ونضجا أكبر في تقييم الاوضاع العامة ومواجهتها غير ان النوعين السابقين سيحتفظان بأهميتهما ما دامت اوضاعنا الاجتماعية والساسية المعاصرة فى صراع حاد بين قوى الثورة الحديثة وقوى التقهقر الرجعى فى العالم العربى .

اشترك في نشرتنا البريدية